islamaumaroc

مالك ابن أنس وسر تشبث المغاربة بمذهبه.

  محمد العرائشي

العدد 338 جمادى 2 1419/ أكتوبر 1998

*مدخل:
كثير هم  أولائك الذين  كتبوا عن حياة الإمام مالك، و أفاضوا القول في ترجمته و حللوا شخصيته تحليلا دقيقا، فتحدثوا عن نشأته الأولى و نبوغه المبكر و غزارة علمه، و تبحره في علم الحديث و الفقه و سمو أخلاقه و صبره على المكروه بالإضافة إلى أكابر شيوخ الذين اخذ عنهم، و إلى فطاحل العلم الذين أنجيتهم مدرسته و كونتهم عبقريته، الشيء الذي أهله لأن يتربع على كرسي الحديث و أعطيت له الصلاحية في الفتوى و حده دون غيره من علماء المدينة.
 و لذلك فإن الجديد في هذا الحديث هو تحليل ما كتب عن هذا الإمام العظيم، و إفراغه في أسلوب مبسط، ليكون مرجحا مصغرا لمن لم يتسع وقته لمراجعة المطلوبات و قديما قيل :" خير الكلام ما قل و دل " سيما و نحن في عصر قصرت فيه الهمم و ضعفت فيه الذاكرة و تغلبت فيه الماديات على المعنويات، إذ جل شبابنا يجهل كل شيء عن علماء الإسلام، و ما قدموه من خدمات جلى من أجل نشر و عي إسلامي حقيقي غير مشوب بالخرافات و الأوهام و عما لاقوه في سبيل إحقاق الحق و إزهاق الباطل من تضحيات.
و إن من بين الأملاك الأفذاذ، غمامنا مالكا الذي قلد المغاربة مذهبه منذ الفتح الإسلامي الأول. نظرا لسهولته و مرونته. و الذي هو في الحقيقة مستمد من الكتاب و السنة و الإجماع وعمل أهل المدينة المنورة و غير ذلك من الأدلة التي تعضد مذهبه و تقوي طريقة الأخذ به .

إذن فمن هو الإمام مالك؟
 هو عبد الله بن مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي نسبة إلى ( ذي أصبح) بطن من ( حمير) فهو من العرب اليمنيين، أمه العالية بنت شريك الأزدية العربية اليمنية، فنسبه كما يقول عن نفسه عربي خالص لا ولاء له.

* ولادته:
 ولد (بذي المروة ) البعيدة عن المدينة المنورة بحوالي 192 كلم سنة (93ه /712)م في قول الأكثر، و ذلك في العصر الأموي زمن ولاية الوليد بن عبد المالك بن مروان المتوفى سنة(96ه/714م ) و توفي بالمدينة المنورة سنة  (179ه/795م) و دفن ( بالبقيع) الذي يضم فريقا من آل البيت النبوة، بنات النبي (ص) وولده الصغير إبراهيم وزوجاته، عدا خديجة، و بعض شهداء بدر و شهداء أحد و عثمان بن عفان وأكثر من عشرة آلاف من الصحابة.
 ولقد شاهد بعينه قبر النبي (ص) و رأى آثار الصحابة و التابعين  وما كانت عليه المدينة من التقديس  و التعظيم، فانطبع ذلك في نفسه ولازمه ذلك التقديس حتى مات.

*أسرته:
أما أسرته فهي أسرة علم و صلاح و فضل، كان أبوه فقيها، و جده الأعلى أبو عامر، قيل إنه كان صحابيا شهد مع النبي (ص) المشاهد الأولى إلا بدرا لأنها قبل قدومه من اليمن  و قيل غنه تابعي و إما جده الأسفل فهو من كبار التابعين  و علمائهم وهو أحد الأربعة الذين  غسلوا عثمان بن عفان و كفنوه و حملوه ليلا إلى قبره. بعد استشهاده من خصمه سنة (35ه/656م).
وقد أدرك مالك الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، و توفي عمر بن عبد العزيز سنة (101ه/720م)، و مالك في نحو الثامنة من عمره.

*طلبه للعلم:
 بعد ما حفظ القران على يد  قارئ المدينة " نافع بن عبد الرحمن" أول القراء السبعة المتوفى بالمدينة سنة (169ه/758م) الذي أخذ القراءة عن سبعين من التابعين، الذي اختار المغاربة قراءته الذي أخذها عنه تلميذه "ورش أبو سعيد عثمان بن سعيد المصري" المتوفى سنة 179ه/813م. و ذلك لأن قراءة "نافع" هي سنة أهل المدينة كما قال الإمام مالك و كان "نافع" قد اشتغل معلما لكتاب الله مدة تزيد عن السبعين سنة و بعد ذلك، و جهته أمه للأخذ عن كبار  علماء المدينة لأن المدينة كانت-إذذاك- مهد العلم و مقر الإشعاع الإسلامي، اجتمع فيها الرعيل الأول من الصحابة و تلامذتهم من بعده.

*و أول هؤلاء:
ربيعة بن أبي عبد الرحمن فقد قالت له أمه بعدما وجهته للأخذ عنه" اذهب إلى ربيعة و تعلم منه علمه قبل أدبه"و ذلك بعدما ألبسته أحسن الثياب و عممته.
و كان ربيعة هذا إماما حافظا مجتهدا بصيرا بالرأي وفقه الرأي، ولذلك كان يقال له "ربيعة الرأي" روى عن أنس بن مالك و كثير من التابعين توفي سنة (136ه/754م).

ثانيهم:
جعفر الصادق أبو عبد الله بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه المولود بالمدينة سنة (80ه/699م) و المتوفى بها سنة (148ه/765م) من أجلاء التابعين علما و عملا و أحد الإثني عشر.
يقول عنه الإمام مالك: " لقد كنت آتي جعفر ابن محمد و كان كثير المزاح و التبسم فإذا ذكر عنده النبي (ص) اخضر و اصفر فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال:إما مصليا و إما صائما و إما يقرأ القران وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون الله.

ثالثهم:
نافع أبو عبد الله الديلمي، مولى عبد الله بن عمر المتوفى سنة (117ه/736م) أصابه مولاه من سبي الديلم، ففقه في الدين و كان من أعلن التباعين بفتوى ابن  عمر، و من أدقهم رواية للحديث أخذ عنه مالك فقه عبد الله بن عمر، و ما أفتى به في المسائل التي عرضت عليه و سئل عنها. و كان لشدة اهتمامه بالأخذ عنه بالمسجد النبوي الشريف و الفقه وفتاواي عبد الله بن عمر وهو أحد رجال السلسلة الذهبية التي قال عنها أبو داود: إنها أحد الأسانيد و هي : مالك عن نافع عن عمر ابن عمر: و جمعهما بعضهم فقال:
سلسلة الذهب  مالك الأبر
عن نافع عن الإمام ابن عمر                      
 و قال آخر:
سلسلة الذهب ما عن مالك
عن نافع عن الإمام الناسك     
                  
* رابعهم:
ابن هرمز عبد الرحمن بن هرمز، و لقبه الأرج، و كنيته: أبو داود، تابعي، و كان قارئا محدثا لازمه مالك نحو سبع سنين، و قال : "كنت آتي ابن هرمزة بكرة فما أخرج  من بيته حتى الليل".
روى عن أبي هريرة و غيره، و توفي سنة (117ه/786م).
 يقول البخاري: أصح الأسانيد عن أبي هريرة هو عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة و أبو الزناد هو عبد الله ابن ذكران آخر شيوخ مالك توفي سنة (130ه/748م).
 عن هؤلاء و أمثالهم أخذ مالك.
و تذكر المصادر أنه أخذ عن تسعمائة شيخ، منهم ثلاثمائة من التابعين، و ستمائة من تابعيهم و ترك الأخذ عن أهل دين و صلاح  لا يعرفون الرواية. فقد روي عنه قال:" لقد أدركت سبعين ممن يقولون: قال رسول الله (ص) عند هذه الأساطين  مشيرا إلى (أعمدة المسجد النبوي ) فما أخذت عنهم شيئا  و إن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال كان أنمينا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
و لا غرابة في ذلك فقد عاش في خير القرون التي أثنى عليها النبي (ص) بقوله:" خير الناس قرني ثم الذين يولونهم " رواه البخاري في كتابه " الشهادات" عن عبد الله بن مسعود و في رواية للبخاري و مسلم عن عمران بن حصين " خيركم قرني " ثم الذين يولونهم ثم يمون بعدهم  قوم يخونون ولا يؤثمون " ذكره السيوطي في " الجامع الصغير".

* ذكاؤه و قوة ذاكرته:
 لقد رزقه الله ذاكرة قوية و فهما ثاقبا.
  فمما يروى عنه أنه سمع من شيخه محمد بن مسلم  المعروف بابن شهاب الزهري المدني  نحو أربعين حديثا، أملاها عليه في مجلس واحد و لم يكتبها مالك  ثم بعد ذلك استظهرها  من حينه في ذلك المجلس، فقال له شيخه الزهري : أنت من أوعية العلم  و إنك لنعم المستودع للعلم.
و يحكى عنه أنه كان يحفظ كل ما يسمع عنه و يدون ما يحفظه، ولكنه لا يحدث الناس غلا بما يرى المصلحة في إفشائه للناس و نشره بينهم، و ما يستقيم مع مقاييسه في النقد.

*انتصابه للتدريس و الفتوى:
 جلس للتدريس بالمجلس النبوي في سن مبكر، إذ كان يبلغ من العمر-آنذاك- نحو عشرين سنة في بعض الروايات، و لكنه لم يعقد مجالسه للعلم ولم يتعاطى للفتوى إلا بعد أن شهد له شيوخه( سبعون شيخا) بأهليته فقد روي عنه أنه قال: "ما جلست للفتيا حتى أذن لي  في ذلك سبعون من أهل العلم و في رواية:" ما أفتيت حتى شهد لي سبعون محنكا أني أهل لذلك".
و كان شديد التعظيم لحديث رسول الله (ص) لا يحدث إلا على و ضوء ولا يركب دابة في المدينة فيها جتة الرسول (ص).

* تحريه في الفتوى:
كان يبتعد عن الإكثار من الإفتاء و يقول: لا أدري فيما لا يعلم.
 قال خالد بن خداش:  قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة، فقال في اثنين و ثلاثين منها: لا أدري و قال للسائل: إذا سئلت لماذا لم يجب مالك عن جميع الأسئلة؟ فقل: قال مالك: لا أدري.     
وكان يقول:" ربما وردت علي المسألة تمنعني من و الطعام و الشراب و النوم"
 و يقول:" ليس أحد إلا يأخذ من قوله و يترك إلا رسول الله (ص)".
و في المثل: لا أدري نصف العلن، شاهده قوله تعالى في محاورة ادم مع الملائكة:" سبحانك لا علن لنا إلا ما علمتنا".الآية 32 من سورة البقرة"
  ومن أقواله: "إنما أنا بشر أصيب و أخطئ فانظروا في رأيي ، فكل ما وفق الكتاب و السنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق ذلك فاتركوه و يقوا أيضا: إذا صح الحديث فهو مذهبي و اضربوا بقولي عرض الحائط.

* الآخذون عنه: روي انه روى عنه ما يزيد عن ألف ثلاثمائة من أعلام الأقطار الإسلامية:الحجاز و اليمن و العراق و خراسان و الشام و مصر وإفريقيا و الأندلس من بينهم أئمة المذاهب الثلاثة:
 أبو حنيفة و الشافعي و أحمد بن حنبل.

* ثناء الأئمة عليه:
قال عنه الشافعي: مالك ين أنس معلمي  ولا أحد أمن علي من مالك، وعنه أخذنا العلم و إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال: إذا جاء الحديث عن مالك فشد به يدك.
و قال في شأنه أحمد بن حنبل:إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم انه مبتدع.
 وقال عنه البخاري في شأن تثبته الحديث: أصح الأسانيد مالك عن أبي  الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وكان الأوزاعي إذا ذكر مالكا قال:عالم العلماء و عالم أهل المدينة، و مفتي الحرمين.
و قال المغيرة في شأنه: و الله ما رفع هذا الرجل إلا بالتقوى.
 قال عياض، كان مالك كثيرا ما يتمثل بهذا.
و خير أمور الدين ما كان سنة و شر الأمور المحدثات البدائع.
و كان يرد على أصحاب الأهواء بالآية الكريمة:
(قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة)" الآية 108 من سورة يوسف".
 ومن أقواله: لا تسال عن ما تريد فتنسى عما تريد، فإن من اشترى ما لا يحتاج غليه باع ما لا يحتاج إليه".
و كانت العلماء تقتدي بعلمه  و الأمراء تستنير برأيه، و العامة منقادة إلى قوله، وكان يأمر فيتمثل أمره بغير السلطان و يقول ولا يسال عن دليل على قوله و يأتي بالجواب فما يجسر أحدا على مراجعته.
و لذلك قيل فيه:
يأتي الجواب فلا يراجع هيبة
                          و السائلون نواكس الأذقان
و كان يحض على اللباس الحسن،و إذا علق أحدا على ثوبه النظيف تلا قوله تعالى :
(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق، قل هي للدين امنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) "الآية 32 من الأعراف"

*فراسته:
جاء في الجزء السادس من " المعيار" للونشريسي ما يأتي:
حكى الحارث بن أسد ألقفصي، وكان ثقة خيارا مستحبا، يختم القران في كل ليلة من رمضان، و كان ممن أخذ عن مالك قال: لما أردنا وداع مالك دخلت عليه أنا  و ابن القاسم و ابن وهب فقال له بن وهب: أوصني، فقال له: اتق الله وانظر عن من تنقل، وقال لإبن القاسم:اتق الله و عليك بتلاوة القران قال الحارث رحمه اله:لم يرني أهلا للعلم.
و قد كان إثر ذلك بستفتي و يقول: لم يرني مالك أهلا للعلم.
 قلت: وفراسة المومن لا تكاد تخطئ ففي الحديث الشريف:" اتقوا  فراسة المومن فإنه ينظر بنور الله عز وجل". رواه البخاري في" التاريخ"  و الترمذي عن بن سعد كما في " الجامع الصغير" للسيوطي.

*مؤلفاته:
ذكر القاضي عياض في "المدارك" أن للإمام نالك مؤلفات، روي عنه أكثرها بأسانيد صحيحة، لكن لم يشتهر عنه غير "الموطأ".
 وهو أول مؤلف في الحديث و الفقه معا ظهر في القرن الثاني الهجري للمدينة المنورة،و ما تضمنه من اصح الصحيح فقد جمع في الصحاح من الحديث و الأخبار، والآثار وفتاوى الصحابة والتابعين، فهو المادة العظمى" لكتب الأحاديث الستة"  وقد ملأ البخاري" جامعه الصحيح" بالرواية عنه و كان يقول: أصح إسناد  عند المحدثين  هو مالك عن نافع عن عمر ابن عمر.
 وجاء في " كشف الظنون": هو أول متاب في الإسلام، و قد أقام في تهذيبه و تأليفه نحو أربعين سنة، وهو أول من وضع أسما لكتابه  فسماه "الموطأ"، لأنه وطأه ومهده، أو واطئه عليه علماء وقته. و عددهم سبعون من علماء المدينة.
 كانت أحاديثه عشرة آلاف إلى أن بلغت نيفا وخمسمائة.
 قال عنه معرفا بكتابه: فيه حديث الرسول و قول الصحابة و التابعين، و رأيي وقد تكلمت برأيي و على الاجتهاد وعلى ما أدركت اعل العلم ببلادنا ولم أخرج من جملتهم غيره. كما جاء في الجزء الأول من " المدرك".
 وقال الإمام الشافعي:"ما في الأرض كتاب في العلم أكثر من" كتاب مالك ".
وقال أحمد بن حنبل: ما أحسن " الموطأ" لمن تدين به.
و يقول العالم الشنجيطي محمد حبيب الله:
 أول من ألف في الصحيح
                          مالك الإمام الصحيح
كما له بن حجر قد رجعا
                          في نكث لها قد جمعا

* الأقطار التي انتشر فيها المذهب المالكي:
 ورد في " المدارك" أن الأقطار التي غلب فيها المذهب المالكي هي :
 الحجاز، والبصرة، ومصر،و ما والاها من إفريقية و الأندلس، وصقلية، و المغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورا كثيرا، وضعف بها بعد أربعين سنة كما ظهر(بنيسابور) وكان لها و بغيرها أئمة مدرسون.

* سر تشبث المغربة بالمذهب المالكي:
من الأسباب التي دعت المغاربة إلى التشبث بالمذهب المالكي  ما ذكره القاضي عياض في " المدارك"  من أن السر في ذلك هو ما عرف عن الإمام مالك  من التحري و التروي في الرواية و قلة اعتماده على الرأي.
و كان المغاربة في صدر الإسلام  على مذهب جمهور السلف من الأمة الإسلامية،إلى ظهرت فيهم بدعة الخوارج أول المائة الثانية من الهجرة، بثها فيهم خوارج العراق لقنوهم أن الخلافة لا تشترط فيها القرشية، ولا العربية وأن كل تقي أحق بها  وبم كان عبدا حبشيا  عملا بظاهر الحديث، واستمرت فيهم زمنا طويلا  ثم اضمحلت أواخر المائة الثامنة.
و في أيام الأدارسة انتقل المذهب المالكي من الأندلس إلى المغرب، وكان ظهوره بالأندلس على يد الفقيه زياد بن عبد الرحمن  شبطون المتوفى سنة 13ه/1682م.
 قال المقري:  روى يحيى ألليثي عن زياد هذا " الموطأ" قبل أن يرحل إلى مالك.
و يحيى هذا راوي " الموطأ" عن مالك، وهو يحيى بن يحيى بن كثير ألليثي  مولاهم  البربري المصمودي من مصمودة  طنجة، الأندلسي القرطبي،راوي " الموطأ" عن
 مالك غير أبواب الاعتكاف شك فيها ورواه عن شطبون.
 قال ابن عبد البر: و بسبه دخل المذهب المالكي إلى الأندلس زمن أبي أمية، وكان يحيى مستشارهم في تعيين القضاة، ولا يشير عليهم إلا بمن كان مالكيا، توفي سنة (234ه/849م).
و ذكر ابن خلكان في ترجمة المعز بن باديس الصنهاجي المتوفى أواسط المائة الخامسة  أن مذهب أبي حنيفة كان أكثر المذاهب بإفريقيا، فحمل المعز المذكور جميع أهل المغرب على  التمسك بمذهب مالك، و حسم مادة الخلاف في المذاهب.
  وفي" الإستقصا" للناصري أن المعز و أسلافه كانوا على مذهب على الرافضة من الشيعة، أخذوهم عن خلفائهم العبيديين أيام  استيلائهم عن المغرب صدر المائة الرابعة، فلما استولى المعز قضى على دعوة الشيعة من إفريقية،و دعا لبني العباس، وحمل الناس على التمسك بمذهب مالك.
وقد بنى  مالك مذهبه على الروايات المرفوعة على النبي (ص)  وبعدها على قضايا عمر، و بعد ذلك على فقهاء أقوال المدينة،مثل: سعيد بن المسيب، و عمر بن عبد العزيز.
    و جاء في مقدمة ابن خلدون:و أما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب و الأندلس  وإن كان يوجد في غيرهم.إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل لما أن رحلتهم كانت في الغالب إلى الحجاز،و هو منتهى سفرهم و المدينة يومئذ دار العلم.
 يقول المالك بن المرحل:
لا تخاف مالكا في رأيه
                     فيه يأخذ أهل المغرب
و استمر المذهب المالكي منتشرا بالمغرب مدة طويلة.

* و في دولة  بني تاشفين " القرن الخامس".
كان له من النفوذ النصيب الأوفر فقد كان لفقهائهم المرتبة العليا، فكانوا يستشيرون العلماء و يلزمون القضاة أن لا يبرموا أمرا إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، ولما دالت دولة بني تاشفين و جاء" بنو عبد المومن" و تمكنوا من السلطة أمر ثالث ملوكهم، وهو يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ألموحدي بالأخذ بمذهب أهل الظاهر، و استقضى الشافعية، وأمر بإحراق كتب المالكية و بجمع كتب الحديث و منها " الموطأ" و حث الناس على حفظها و الأخذ بأحكامها، لكن المذهب المالكي استرد مكانته بوفاة يعقوب.
و في " نيل الابتهاج" أن عبد الله بن محمد بن عيسى التادلي  القاسي كتب " المدونة" من حفظه، بعد أن أمر الموحدون بحرقها.

* و في العهد المر يني:
   انتشر المذهب المالكي بالمغرب على أوسع نطاق.

* و في العصر العلوي:
 ففي عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله دعا إلى نبذ" المختصرات الفقهية". و الرجوع إلى الكتاب و السنة و آراء السلف الصالح، ووزع بذلك منشورا على القضاة ووضع لتوضيح اتجاه كتابه "الفتوحات" و كانت دعوة السلطان مولاي سليمان لا تختلف عن دعوته.

*و في عهد السلطان حسن الأول:
 انتشرت الدراسة بكتب "فروع المذهب المالكي" على أوسع نطاق.
و من بينها "مختصر" الشيخ خليل بن إسحاق الكردي المصري الشهير بالجندي المتوفى سنة(776ه/1375م).
 وقد اقتصر فيه على ما به الفتوى من الأقوال، و ترك باقيها كما جاء في "مقدمته" ولم يخرج من المسودة إلا ثلته الأول إلى النكاح و الباقي أخرجه تلاميذه  و مع ذلك أقام في " تأليفه" خمسا و عشرين سنة،و بعد أكثر المؤلفات الفقهية صوابا.
و ممن شرحه:التتاني و الحطاب و علي الأجهوري و عبد الباقي الزر قاني و محمد الخرشي و ابن غازي و ابن رحال و يذكر في هذا الصدد أن أكثر الشروح صوابا هو " شرح" الحطاب و "شرح" محمد المواق طبعا بمصر سنة 1328 و لقد كان المتعصبون من المالكية كالناصر أللقاني يقول: إنما نحن خليليون،إن ضل ضللنا قالوا: و ذلك ذليل على دروس الفقه و ذهابه.
و في كتاب " الدرر الفاخرة" للمؤرخ بن زيدان: أن السلطان الحسن الأول أنشأ قراءة "المختصر الخليلي" بعد صلاة العصر بالقرويين وردا كل يوم، بحيث يختم مرة في الشهر، ولا زال العمل جاريا بذلك إلى الآن.
 وجعل جعلا لكل من  يحفظه و يميله عن ظهر قلب، و ينظم في سلك أهل الطبقة الرابعة من العلماء، كما أنشأ قراءته بمكناس حسبما أوضحنا ذلك  في مؤلفنا " النهضة العلمية".
و نظرا لاختصاره و صعوبة فهم بعض مواضعه، أمر السلطان سيدي محمد بن عبد الله، بتعويضه في التدريس  برسالة ابن أبي زيد القيرواني،و غيرهما ما الكتب السهلة إلا أن ولده السلطان مولاي سليمان من بعده ألزم الناس بالعمل " بالمختصر". 

* و في عهد الحسن الثاني:
أمر جلالته بإعادة الاعتبار لدراسة " المختصر" بالكراسي العلمية التي أمر بإنشائها على الطريقة القديمة كالتفسير، و الحديث و الفرائض، و التجويد، و التوقيت، و النحو، و البلاغة و الآدابـ، و ذلك ببعض المدن الكبرى بالمغرب، ووظف لذلك علماء  متخرجين من جامعة القرويين، و كلية ابن يوسف وغيرها، يتقاضون تعويضات عن عملهم.
 كما خصصت منح من طرف وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية للطلبة المسجلين لمتابعة تلك الدروس، وفق شروط مقننة للتسجيل، و ترك الباب مفتوحا للمتطوعين من الطلبة و غيرهم.
أقول: ومن الأمثال الشعبية المغربية التي قيلت في المختصر و الألفية.
1-" اللي بغى يقرا بالنية عليه بخليل والألفية".
        المراد " ألفية بن مالك" في النحو.
2- "خليل و الألفية الحكمة المخفية".
و حتى النساء المغربيات كان لبعضهم نصيب " المدونة" و "متن المختصر" الخليلي و تدريسه فقد  جاء في كتاب " المعسول" للعلامة المختار ألسوسي أن أهل دغدوغ من الصحراء،كان عدد الرجال الذين يحفظون " المدونة" 6760. وعدد النساء 500 امرأة، و ذلك بالإضافة إلى نساء أخريات كن يحفظن" متن المختصر"الخليلي و يدرسه بعضهن النساء، كالعلية الكنتية زوجة الشيخ المختار الكنتي.

*شدة احترام الإمام مالك لحديث الرسول (ص):
 كان الإمام مالك ، من أجل ذلك يرتفع عن حضور من يدعوه  للسماع منعه لمجلسه مهما بلغ درجته و يقول: "إن العلم يزار و لا يزور،و العلم يوتى و لا يأتي".
 و قد استدعاه ذات يوم الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى منزله ليأخذ عنه " الموطأ"فأبى الحضور من أجل ذلك لكنه لمرونته ذهب إلى منزل الرشيد، لا من أجل تلبية رغبته  و لكن من أجل أن يعظه و ينصحه  و ليبين له أن العلم يزار و لا يزور، و بالأخص لحديث الرسول (ص)  فاتعظه الرشيد بكلامه، و ذهب معه إلى منزله،فسمع منه " الموطأ".
و المعروف عنه أيضا أنه كان أشد الناس خشية لله و أنه كان بعيدا عن الفتن و التحريض عليها،لكنه كان لا يخشى في قول الحق لومة لائم ، وهن أجل ذلك نكب في حياته، لأنه كان يحدث بحديث :" ليس على مستكره طلاق" فاستغل خصومه فرصة تحديثه  بهذا الحديث و اتخذوا من ذلك حجة بيعة أبي جعفر المنصور نهى مالكا أن يحدث بالحديث المذكور، فدس إليه من يسأله عنه، فحدث به في ملء فضربه بالسياط حتى انفكت ذراعه و كان ذلك سنة (14ه/765م) وقد زعم أبو جعفر أن ذلك كان على غير علم منه لذلك لما جاء إلى الحجاز أرسل إلى مالك يعتذر إليه.
 
و عن هذه الزيارة يحثنا مالك فيقول: لما دخلت على لأبي جعفر و قد عهد إلي أن اتيه في الموسم قال لي:
" و الله الذي لا أله إلا هو ما أمرت بالذي كان، و لا علمته أنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين ظهرانيهم و إني أخالك أمانا لهم من عذاب و لقد  رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، قد أمرت بعد- و الله- أن يوتي به ( الجلاد) من المدينة على قتب (الاكاف الصغير على سنام البعير) و أمر بضيق محبسه في امتهانه و لا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف مالك منه".
"قلت:عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه فقد عفوت عنه لقرابته من رسول الله (ص) و قرابته منك".
 قال:" عفا الله عنك ووصلك" (ه) .
و هذا مثال عظيم من سمو أخلاق الإمام مالك و بلوغه الدرجة العليا في السماحة و المحبة لآل البيت رضي الله عنه و أرضاه.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here