islamaumaroc

دلائل الإعجاز وأسراره في كتاب "الطراز" ليحيى العلوي.

  محمد الحجوي

العدد 338 جمادى 2 1419/ أكتوبر 1998

لقد جعل البلاغيون  العرب إبراز خصائص الإعجاز في كتاب الله  هدفهم الأول من الدرس البلاغي ،و هذا الهدف لم يصرفهم عن النظر في أقوال الرسول (ص) الذي أوتى جوامع الكلم ، و في الشعر العربي و أقوال بلغاء العرب و فصائحهم،  شعورا منهم بالغايات النبيلة  التي يحققا الكلام في تحقيق أذواق الناس، و ترقية و وجدانهم و صقل مواهبهم وما يكشف هذا الدرس من منابع  صافية في تاريخ أمة البيان .
وقد نصوا على هذا المقصد في مقدمات كتبهم مما يظهر أن الغية من الدرس البلاغي كانت واضحة في أذهانهم قال عبد القاهر:"و ذاك أنا إذا كما نعلم أن الجهة التي قامت منها الحجة  بالقران و ظهرت وبانت و بهرت هي أن كان على حد من الفصاحة  تقصر عن قوى البشر و منتهيا إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر".(1) و لم يخرج يحيى العلوي  عن هذا المنهج  عن البلاغيين قبله  و لذلك و جدناه ينص عند  حديثه عن ثمرة علم البيان  على القصد الديني الذي  به يعرف سر إعجاز متاب الله ، واعلم أنه يراد لمقصدين، المقصد الأول منها مقصد ديني  وهو الاطلاع على معرفة إعجاز كتاب الله و معرفة معجزة رسول الله (ص) إذ لا يمكن الوقوف على ذلك بإحرار علم البيان و الاطلاع على غوره".(2).
و إذا كانت أساليب القران تشبه أساليب العرب  من وجوه الإعراب  في معانيها و لغتها و إعرابها" وفي القران مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب ومن الغريب و المعاني "(3)
فإنه اختلف عن كلام العرب من حيث عله وتساميه و بلوغ الدرجة الرفيعة في البيان،أما كلام العرب فإن فاقت به جميع الأمم من حيث الإفصاح وسلامة التراكيب، فإنه لم يستوي في درجة واحدة من البيان فمنه ما بلغ المرتبة العالية و منه ما انحط عنها إما لخطأ في الإعراب أو عيب في التراكيب و المعاني  و دونك هذه الدواوين الجاهلية و الإسلامية، فانظر هل تجد فيها  قصيدة  تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدح فيه؟ إما في لفظه و نظمه أو معناه أو إعرابه"(4)
و لهذا السبب كان الاستشهاد بالقران عند البلاغيين بجانب الأشعار وأقوال العرب قصد بيان الفوارق بين كلام رب العزة وبين كلام البلغاء والفصحاء  الذين لهم فضل تميز ومعرفة و لا سبيل إلى معرفة هذه الفوارق إلا بدراسة خصائص البيان العربي، ومعرفة الوجوه التي  يحسن فيها كلام على كلام و شعر على شعر وقد نص يحي العلوي على هذه القصائد  و الوجوه عندما ذكر أن معرفة الإعجاز لا تتم إلا بالاطلاع  على قواعد علم البيان  فقال: هو العلم الذي يمكن معه الوقوف على معرفة أحوال الإعجاز لأن الإجماع متحقق من جهة أهل التحقيق على أنه لا سبيل للاطلاع على معرفة حقائق الإعجاز  و تقرير قواعد من الفصاحة والبلاغة  إلا بإدراك هذا العلم و إحكام أساسه"(5)
 وذلك أن الذي لا يستطيع التمييز بين موضع الإيجاز و الإطناب ن أو التصريح و الكناية أو الحقيقة و المجاز، أو المبالغة والغلو والاقتصاد لا يمكنه أن يفهم كلام العرب  ويصل إلى حقيقة الإعجاز في كتاب الله. فالذي قال في القران حين سمعه:" إن أعلاه لمورق و إن أسفله لنغدق"و إن له لحلاوة، وإن عليه لطراوة(6) كان يميز بين تعابير القران.
وقد اجتهد يحيى العلوي في كل ما أورده من فنون البلاغة في بيان هذه الخصائص في القران و في حديث الرسول عليه السلام.
وننظر في بعض الجوانب البلاغية التي أبرز فيها سر إعجاز كلام الله.

 المجاز في تعابير القران:       
لقد  أنكر بعض العلماء  وجود المجاز في كلام العرب  وفي القران،" وهناك من يرفض مجيء المجاز في الكتاب الكريم تشددا في التنزيه، أو خطأ في التصور"(7)  وحجتهم في ذلك أن المجاز  يناقض الحقيقة  وكتاب الله ينبغي أن ينزه عما يبتعد عن الحقائق  وهذا الرأي فيه غلو لأن تراكيب العرب التي جاء القران على منوالها تدل على أنها تشمل على الحقيقة و المجاز و المجاز لا يناقض الحقيقة (8) و التمييز بينهما يتم بوجود قرائن،أو يعرف من سياق الكلام "فإنكار الحقيقة في  اللغة إفراط،و إنكار المجاز تفريط"(9) و إذا كانت اللغة لا تخلو من  حقيقة و مجاز  فإن السامع ينبغي أن يتوفر على حس لغوي و نقدي يجعله يميز بين النوعين،و بهذا يتمكن من إدراك الدلالات و المقاصد في مجازات العرب، و مجازات القران، و يتجنب الوقوف في التجسيم  و التشبيه نتيجة جهله باللغة و لذلك أقر العلماء أن معرفة اللغة و الإعراب و البلاغة من الأشياء التي ينبغي توفرها في المقدم على تفسير كتاب الله.
و قد جاء في القران آيات كثيرة ذكرت فيها الجهة و الاستواء و الأعضاء منسوبة إلى الله سبحانه و تعالى، مما يجعل من لا يحقق في تراكيب لغة العرب يعتقد أنها صفات على جهة التحقيق بينما هي على جهة المجاز (ليس كمثله شيء(.(10) فإذا و جدنا مثل قوله تعالى? و السماوات مطويات بيمينه).(11) و قوله تعالى:
 ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء).(12) فإنه ينبغي النظر إلى اليد من جهة المجاز لنتجنب الوقوع في التجسيم و التشبيه، وذلك أن الذي تمرس بأساليب العرب يدرك أن اليد هنا غير حقيقية، فهي آلة الفعل و من هنا كان المقصود بها فعلها و هي القدرة،" و جه المجاز من يد أن اليد محل للقدرة، أو من جهة أن اليد آلة في الفعل، و الفعل لا يمكن حصوله إلا بواسطة القدرة"(13).
و المجاز هنا يمكن أن يكون من الدلالة و الوضوح  ولا يحتاج إلى دلائل و براهين، لكن العربي اللقي يدرك من المجاز ما هو أدقي و أخفى كقوله تعالى: ( و من آياته أنه ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت)(14)
و قوله تعالى:( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت و أنبتت من كل زوج بهيج).(15)
إن اهتزاز الأرض و إخراج نباتها الذي نسب إليها لا يمكن أن يقبله عاقل بحجة أن الأرض لا تفعل شيئا من تلقاء نفسها،و لذلك كان النظر إليها من جهة المجاز هو الاستعمال اللغوي السليم،لأن الفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، ونسب الفعل على الأرض من جهة المجاز و قد جاء المجاز  بهذا السياق و التركيب بديعا،" ومن عجيب سياقها، وحلاوة طعمها و مذاقها اشتمالها على المجاز".(16)
و يبلغ المجاز ذروة روعته وجماله عندما يصاغ من طريق الاستعارة، وهي أعل مراتب الكلام وقد جاء في القران دالة على هذه المحاسن و البدائع، انظر إلى قوله تعالى: ( و ضرب الله مثل قرية كانت آمنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف)(17).
إن استعارة الذوق في اللباس، واللباس في الجوع والخوف، وما سبقت به الاستعارة  من ذكر  الأمن و الاطمئنان و الرغد، يجعلها أبدع ما يكون الإبداع من حيث التقابل بين المتناقضات كما كان لعنصري التخييل و التحقيق أثرهما البليغ في هذه الآية  وذلك أن استعارة اللباس للجوع و الخوف يجعل الوهم يرتقي  في تصور التغطية و الستر و أحوالها، وهذا تخييل بارع  و في التحقيق" أن ما يرى على الإنسان من شدة الخوف و الجوع والضعف من الهزال و انتقاع اللون  وعلى الصفرة ورثاثة الهيئة، وركه الحال،  وحصول القلق والفشل، يضاهي الملابس في اختلاف أحوالها و ألوانها".(18)

 التناسب و التلاؤم في تعابير القران:
أن الأساليب التي تأتي عن طريق التناسب و التلاؤم تكون أمكن من النفس، تأثير في المتلقي. وقد نص البلاغيون  الذين عنوا بالأساليب خاصة، ومنهم حازم القرطاجي على أن المستحسنين الذين يأتيان عن طريق التناسب "أمكن من النفس موقعا من سنوح ذلك  لها في شيء واحد".(19)
 وقد أوضح يحيى العلوي في آيات عديدة محاسن التناسب في أساليب القران، بالإضافة إلى جودة نظمها و حسن سياقها، ورشاقة عبارتها كقوله تعالى: ( ولا تمدن عينك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا).(20)
فإن في مد العينين من الدلالات التي بلغت منتهى الدقة في بيان التهافت على المحاسن، ولذلك جاءت الآية بصيغة النهي، وقد أعاد الله سبحانه و تعالى النهي في قوله: (لا تمدن عينك إلى ما متعنا به  أزواجا ) (21) كما تجد في استعارة الزهرة لزينة الدنيا ورونقا و جمالها و لذتها  ملامة وتناسبا لا يخفى على أهل النظر.(22)
و لا يدرك جمال هذا التناسب  حق الإدراك إلا من رأى نقيضها في كلام البلغاء، إذ نجد منهم من يخفى عليه تأثير التناسب و التلاؤم في بلاغة القول، فيقع في مثل هذا السخف من القول:
ما لرجل المال أضحت
تشتكي منها الكلالا(23)                                  
أو في قول البشار وهو فحل من فحول المحدثين:
وجذت رقاب الوصل أسياف هجرها
     وقدت لرجل البين نعلين من خدي (24)  
علق بن رشيق على هذه الاستعارة الرديئة لانعدام التناسب بين البين و الرجل،وبين الرقاب والوصل فقال: " فما أهجن( رجل البين) و أقبح استعارتها  ولم كانت الفصاحة بأسرها  وكذلك ( رقاب الوصل)(25)
 بينما الخصائص التي تميز استعارات القران و تشبيهاته و تفردها عن باقي أقوال العرب هي التناسب و التلاؤم اللذان يبلغان ذروة الإبداع، فتشبيه الحور العين بالمرجان و الياقوت في شدة الحمرة و الرقة في قوله تعالى: ( كأنهن الياقوت و المرجان)(26) و تشبيه النساء بالبيض المكنون في رقته و لطافته في قوله تعالى: ( كأنهن بيض مكنون).(27) و تشبيه القمر في نهاية رحلته بالعرجون القديم في قوله تعالى: ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم).(28) واستعارة التكبر و العلو للماء الذي يرتفع في قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ) (29) و استعارة العقم للريح التي تفسد كل شيء مرت عليه في قوله تعالى:( إذا أرسلنا عليكم الريح العقيم )(30) كل هذا يبين أن بلاغة القران تتحكم فيها قوانين التناسب و التلاؤم اللذين بلغا ذروة في بلاغة التراكيب، مصداقا لقوله تعالى : ( كتاب فصلت آياتها قرانا عربيا لقوم يعلمون)(31) و قوله تعالى : ( قرانا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون).(32)
و تجد في القران التناسب البديع بواسطة تقابل الألفاظ و المعاني، فتبدو الآيات في أحسن تأليف و أعجب تصريف لقوله تعالى : (إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء و البغضاء و البغي) (33).
  قال يحيى العلوي يذكر ما في الآيات من تقابل عجيب:
" فانظر إلى هذا التقابل العجيب في الآية، ما أحسن تأليفه و أعجب تصريفه؟ فلقد جمع فيه بين مقابلات ثلاث، الأولى منها مأمور بها و الثلاث التوابع منهي عنها"(34)
 و للتدقيق في بيان التناسب، و ضم كل شيء إلى ما يلائمه ، أورد يحي العلوي آية يبدو في الظاهر أنه لا يمكن الجمع بين عباراتها فإذا تأملها البليغ حق التأمل، وجد الروابط بين عباراتها أشد تألفا و انسجاما و هي قوله تعالى: ( إن لك لا تجوع فيها و لا تعرى، لأنه لا تظما ولا تحظى)(35)
قد يظن من لا يدرك جهات التناسب بين الأشياء أن الجمع بين الجوع و الظمأ و بين العري و الضحى وهو المستحسن في هذا الوضع لكن بعد التمعن في المعاني، يبدو أن الجمع بين الجوع و العري، و بين الظمأ و الضحى- كما جاء في الآية- هو المناسب لما يتعلق بحاجيات الإنسان، وبما يشعر به وقد أوضح يحيى العلوي العلاقة الرابطة بين هذه المعاني فقال:
" فقرن الجوع بالعري، لما للإنسان فيهما من مزيد المشقة، و عظيم الألم بملابستهما و أراد مناسبة الاستظلال للري فقرن بينهما لما في ذلك من مزيد الامتنان و إكماله" (36à)
 ثم أبرز وجها آخر في التناسب فقال:
"ووجه آخر هو أن الجوع يلحق منه ألم في باطن الإنسان، وتلتهب منه أحشاؤه و العري يلحق منه عري في ظاهر جسد الإنسان، فلهذا جمع بينهما لما كان لأحدهما يتعلق بالظاهر، و الآخر يتعلق بالباطن و هكذا حال الظمأ فإنه يحرق كبد الإنسان و يوقد في فؤاده النار، و الضحى يحرق جسده الظاهر، فلأجل هذا ضم كل واحد منهما إاى ما له به تعلق لتحصل المناسبة"(37)
 وقد تنبه الشعراء الفحول إلى مثل هذه الظاهرة البلاغية في القران، فأبدعوا ما شاءوا في الجمع بين الأشياء المتقاربة لتحصل المناسبة في أشعارهم و تكتسب رونقا و جمالا من ذلك قول المتنبي:
 و الروم طائرة منه مع الحبل
فقد ضم ألكدري للعرب لكونه يعيش في الصحارى و القفار، وضم الحجل للروم لأنه يستوطن شطوط الأنهار، فكانت المناسبة بديعة " و بلاد الروم فيها الأنهار الكثيرة" فلأجل هذه المناسبة و التزامها ضم كل واحد إلى ما يليق به و يناسبه بعض المناسبة".(38)
 ولم تقتصر تعابير القران على تناسب المعاني،  وإنما نجد هذه الظاهرة في أزمنة الأفعال وفي الألفاظ أيضا و ذلك أن بعضها يتقل على اللسان  كقوله تعالى: ( وتركهم في ظلمات لا يبصرون)(39) واستعمل فعل (وذر) في المضارع و الأمر فقط  كقوله تعالى : ( ونذرهم في طغيانهم يعمهون).(40) و قوله تعالى : ( فذرهم يخوضوا و يلعبوا )(41)
 قال يحيى العلوي:
 وهذا من غريب الاستعمال و بديعه، أن يكون الماضي و إن كان أصلا لغيره من الأفعال،بعيدا في الاستعمال و في هذا دلالة على أن الفصيح لا يوجد بطريق الأصالة و الفرعية، و إنما طريقه كثرة الاستعمال  والاطراد"(42)
 ومن أجل التناسب أيضا جيء بلفظه الأحبار في الجمع فقط كقوله تعالى: (إن كثيرا من الأحبار و الرهبان)(43) و قوله تعالى:( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم) (44)
 وهذا ما جعل يحيى العلوي يعد ورود ( الأحبار) جمعا في القران دليلا على فصاحتها" فلا  جرم أن حكمنا بان موقعها في الجموع أحسن من موقعها في الإفراد"(45)
 و منا تقع الإشارة إليه هنا مجيء لفظة ( الأرض) مفردة وإذا احتيج "إلى جمعها أتى بما يدل على جمعها دون جمع لفظها "(46) كقوله تعالى: ( الله الذي خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن( (47)
عن استعمال هذه الألفاظ في صيغة دون أخرى في القران يظهر أن أساليب القران جاءت محكمة في نهاية البلاغة و الفصاحة، وقد أدرك العرب ذلك فوقفوا عاجزين عن الإيثانو لو باية من مثاله برغم التحدي المتكرر( قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القران لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )(48) لانه كلم الله الذي أتقن كل شيء ( و ما كان هذا القران أن يفتري من دون الله ) (49)

 المبالغة و أساليب القران :
حققت المبالغة في القران مزايا بلاغية رفيعة، وإذا كان بعض البلاغين قد أنكر محاسنها في أشعار العرب و أقوالها فإن يحيى العلوي يرى فيها و وجها من وجوه البلاغة الرفيعة، و فضيلة لا يمكن إنكارها في أقوال العرب و في كتاب الله " أما من عاب المبالغة فقط أخطأ،فإن المبالغة فضيلة عظيمة لا يمكن دفعها و إنكارها، ولم أنها في أعلى مراتب العلم والبيان لما جاء القران ملاحظا لها في أكثر أحوالهن وجاءت فيه على وجوه مختلفة لا يمكن حصرها.(50)
لكنه يقيد محاسنها بتجنب الإفراط و التفريط" لكن خير الأمور أوسطها، فما كان من الكلام جاريا على حد الاستقامة  من غير إفراط ولا تفريط، فهو الحسن لا مرا فيه، فيكون فيه نوع من المبالغة من غير خروج و لا تجاوز حد" (51)
    و من هذا الباب، ما ورد في تكرر و ترادف في الصفات، لقصد إعظام حال الموصوف ورفع شأنه كقوله تعالى : ( الله نور السماوات و الأرض كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية، يكاد زيتها يضيء ولم لم تمسسه نار، نور على نور) (52)
 فهذا التكرار في الجمل لم يخرج إلى الآية و الاشتئقال بقدر ما أفادت إعظاما لحال الموصوف" فانظر إلى تعديد هذه الجمل، و مجيئها من غير حرف عطفن كيف أفادت المبالغة في حال الموصوف و أشادت من قدره و رفعت من حاله و أبانت المقصود على أحسن هيئته"(53)
و مثل هذه المبالغة المعتدلة التي ابتعدت عن الغلو و الإحالة و التزيد قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه  موج من فوق سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراه) (54)
 فالمبالغة هنا جاءت لقصد بيان الأوصاف الدالة على نعوت الظلمة.

 بلاغة التلميح في أساليب القران:
 لقد وردت في القران آيات كثيرة وقع فيها تلميح إلى أمثال سائرة، و كلام مأثور ( و يضرب الله الأمثال للناس و الله بكل شيء عليم) (55) ( و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون ) (56) ( ولقد ضربنا للناس في هذا القران ممن كل مثل ) (57) ( و يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ).(58)
و القصد من ضرب الأمثال في القران جعل الآيات   أعلق في الأذهان، و ليتعظ بها أولوا الألباب.
 و المثل إذا جاء في الكلام محكما موجزا أكسبه لطافة رشيقة، و براعة رائعة و كان عميق التأثير في السامعين، و لا أذل على ذلك من كثرة أمثال العرب (59) إلا أن أمثال القران فاقت كل الأمثال التي تداولتها العرب، و أصبحت أنموذجا عند الشعراء  و البلغاء، قال أبو تمام:
فالله قد ضرب الأقل لنوره
                 مثلا من المشكاة و النبراس (60)
و ذلك لأنها تضمنت إعجازا.
 و من أمثال القران التي وقعت فيها الإشارة إلى أمثال سائرة و أقوال مأثورة قوله تعالى: (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا و إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) (61) فقد وقع التلميح على المثل السائر: أرق من نسج العنكبوت وأضعف من بيتها .
 وقوله تعالى: ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) (63) فيه إشارة إلى قولهم: فلان ألهث من كلب.
هذه التلميحات البليغة في كتاب الله ، بالإضافة إلى أنها حققت غايتها في تنبيه الغافلين الضالين،فغنها لإعجازها و بلاغتها جعلت الناس ينسون الأقوال المأثورة، ولم يعودوا يذكرون إلا  أمثال القران للدلالة على الغرض المقصود" وقد يتمثل بالمثل على غير ما تمثل به الأول، فربما حسن موقعه من الكلام الثاني أكثر من حسنه في الكلام الأول. (64
إن هذه النظرات القيمة في تحليل بلاغة القران و إعجازه عند يحيى العلوي تبين اهتمام علماء البلاغة بالإعجاز حتى في الرحلة التي عدها الباحثون مرحلة انحطاط، و جمود و تكرار يخلوا من الإبداع إن ما أشار إليه يحيى العلوي من قضايا البلاغة و الإعجاز لا يقل عن ما وجد  عند فخول البلاغة العربية في عصور الإزهار الفكري و العلمي لأن الدوافع لا زالت قائمة و به البحث في أسرار إعجاز  كتاب الله عز وجل الذي  اهتم به البلغاء  والأدباء و أصحاب الرأي و الفكر في كل زمان و مكان.

المصادر و المراجع:
1- التصوير البياني: دراسة تحليلية لمسائل البيان. الدكتور محمد أبو موسى، منشورات جامعة قار يونس.
2- دلائل الإعجاز. عبد القاهر الجرجاني تصحيح محمد رشيد رضا دار المعرفة. بيروت 78.
3- الطراز المتضمن لأسرار البلاغة و علوم حقائق الإعجاز يحيى بن حمزة العلوي. مطبعة المقتطف بمصر1914.
4- العمدة في محاسن الشعر و آدابه ابن رشيق القيرواني تحقيق: الدكتور محمد قرقزان. دار المعرفة بيروتط1
5- مجاز القران، أبو عبيدة معمر بن المثنى تحقيق: الدكتور فؤاد سزكين مكتبة الخانجي.
6- منهاج البلغاء و سراج الأدباء حازم القرطاجي. تحقيق: محمد الحبيب بن خوجة دار الغرب الإسلامي. لبنان ط2- 1981.
7- الوساطة بين المتنبي و خصومه القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني تحقيق و شرح: محمد أبو الفضل العزيز إبراهيم و علي محمد البجاوي دار القلم بيروت.
      
1) دلائل الإعجاز:7
2)الطراز:1/32. و المقصد الثاني هو الاطلاع على أسرار وبلاغة العرب في منظومها ومأثور ها
3)مجاز القران:1/8            
4) الوساطة بين المتنبي و خصومه:4
5)الطراز:1/13
6)المصدر نفسه:3/218 و القائل هو الوليد بن المغيرة.
7)التصوير البياني.
8) ذكر بن رشيق  فضيلة المجاز في العرب فقال: العرب كثيرا ما تستعمل المجاز و تعده من مفاخر كلامها فغنه دليل الفصاحة ور أس البلاغة و به باتت لغتها سائر اللغات،( العمدة:1/455)
9)الطراز:1/45
10)سورة الشورى آية:9
11) سورة الزمر، آية:64.
12) سورة المائدة.آية:66
13 الطراز:1/69.
14) سورة فصلت آية 38
15) سورة الحج آية :5
16) الطراز:1/157
17) سورة النحل آية 112.
18) الطراز:1/236
19) منهاج البلغاء:45
20) سورة طه آية :129.
21) سورة الحجر آية 88
22) انظر الطراز:1/239
23) المصدر نفسه.
24)سورة الرحمن آية 58
25) المصدر نفسه.
26) سورة  الرحمن آية 39
27) سورة الصافات آية 49
28) سورة يس آية 39
29) سورة الحاقة آية 11
30) سورة الداريات آية 41
31) سورة فصلت آية 3
32) الزمر آية 77
33) النحل آية 90
34) الطراز:2/34
35) سورة طه :آية 118
36) الطراز: 3/149
37) المصدر نفسه.
38) المصدر نفسه:3/150
39) سورة البقرة الآية:16
40)سورة الأنعام آية 111 سورة الزخرف آية 83 
42) الطراز: 3/42
43) سورة التوبة الآية :34
44) سورة التوبة الآية:31
45) الطراز:3/45
46) المصدر نفسه.
47) سورة الطلاق: آية 12
48) سورة الإسراء آية 88
49) سورة يونس آية 37
50) الطراز: 3/122
51) المصدر نفسه.
52) سورة النور: آية 35
53) الطراز:3/124.
54) سورة النور آية 40
55) سورة النور آية :35
56) سورة العنكبوت آية :43
57) سورة الروم آية :57
58) سورة إبراهيم آية : 27
59) انظر كتاب "مجمع الأمثال للميداني.
60) وقعت الإشارة إلى قوله تعالى: " الله نور السماوات و الأرض..."
61)سورة العنكبوت آية 41
62) سورة الجمعة آية 5
63) سورة الأعراف آية 176
64) سورة البلغاء آية 40

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here