islamaumaroc

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون

  عمر بنعباد

العدد 338 جمادى 2 1419/ أكتوبر 1998

من فضل الله و ملته على الإنسان أن أكرمه بالعديد من مظاهر التكريم، و خصه بوفير من مزايا الشريف و التفضيل، فخلقه في أبدع تركيب و أجمل صورة و أحسن تقويم، ومتعه بالحواس الظاهرة والباطنة، و بالعقل و القوة المفكرة، ليمون الإنسان ذلك المخلوق الجدير بالاستخلاف في الأرض و عمارتها، و العمل على صلاحها و إصلاحها ، و إسعاد بني البشر فيها و مؤهلا بذلك لتلقي الخطاب الإلهي بواسطة الأنبياء و الرسل و كتبهم السماوية، ولتحمل التكليف بالأمانة الدينية ، و المسؤولية الدنيوية و للتزويد بأنواع العلم و المعرفة، مصداقا للآية الكريمة" و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" و الآية التالية:" و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون".
 ومن ثمة كان الإنسان مطالبا بالتعلم و السعي في طلب المعرفة و تحصيلها قراءة و كتابة منذ صباه و طفولته و نعومة أظافره، لانقاد نفسه من ورطة الجهل و ضلاله و ظلماته،و التحلي بمزية العلم و فضله و هدايته و نوره،و كان المسؤول الأول عن ذلك بالنسبة للنشء و الجيل الصاعد أسرته و مجتمعه،و عن ترغيبه في ذلك و تحبيبه إليه أهله  و بلده،و إعداد الوسائل المحققة لذلك، و الاستزادة من العلم و المعرفة مصداقا لقوله الحق سبحانه:"و قل ربي زدني علما".
 و بما أن مدلول العلم و المعرفة كبير، و مفهومه واسع و متنوع، و عطائه متجدد و متطور فإنه في المنظور الإسلامي م بالنسبة لشخصية المسلم و حياته، يراد به أولا ما ينبغي له تعلمه و معرفته من مبادئ دينه الإسلامي الحنيف، و أحكام شرعه الرباني الحكيم، عقيدة و عبادة و سلوكا و معاملة، حت يحصن نفسه بذلك من أي انزلاق أو انحراف، و يقيها منة السقوط و الوقوع في مهاوي الظلال و درك الشقاء ، حتى يسير في طريق الحق و السعادة و الهناء النفسي و الفكري و الخلقي.
و يراد بالعلم ثانيا ما ينبغي للمسلم و المسلمة تعلمه و فهمه، و يعتبر فرضا كفاية في حق فئة عريضة من أبناء الإسلام، و من علوم إنسانية أخرى تتصل بالإنسان و فكره، و عواطفه و مشاعره، و تاريخه و حضارته، و عجائبه و قوانينه،و الاهتداء من خلال ذلك كله بالنسبة للمسلم إلى ازدياد الإيمان و تقوية اليقين بالله رب العالمين، و إلى ما تنطوي عليه الكائنات العلوية و السفلية من نواميس و قوانين كونية، و ما فيها من منافع للناس،و الوصول إلى النهوض بالبشرية و خدمتها، و الإسلام بتحقيق النفع و التقدم والرقي لها في مختلف الميادين،و ذلك ما يشير إليه القران الكريم في كثير من أي الذكر الحكيم، مثل قوله تعالى:" إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار و الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحي به الأرض بعد موتها و بث فيه من كل دابة، و تصريف الرياح و السحاب المسخر بين السماء و الأرض لآيات بقوم يعقلون" و قوله سبحانه:" و في أنفسهم أفلا تبصرون" و قوله:" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعترفوا".
و انطلاقا من هذا التطور الإسلامي للعلم و نوعيته،و من أهميته و نفعه للفرد ومجتمعه،و شموليته لعلوم الدين و الدنيا،دعا المسلم إلى طلبه و تعلمه، وحثه على الإقبال عليه،و رغبة في الإنكباب عليه و تحصيله،و اعتبره نوعا من العبادة و مجاهدة النفس،يتجلى ذلك و يظهر في أول آية نزلت من القران الكريم،هي آية الخطاب للرسول(ص) بالقراءة و التعلم بالقلم،في سورة العلق:"اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ،اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم".و آية الخطاب للنبي أيضا،و من خلاله إلى جميع أمته في كل عصر و مكان بالاستزادة من العلم والمعرفة:"وقل ربي زدني علما" وقول النبي (ص): طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"
وقوله:"إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر"، و"فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب".
وتأسيسا على ذلك التوجه و المنظور السليم للعلم و دائرته الواسعة انبثقت الحضارة الإسلامية و نمت، و ترعرعت و تقدمت، و ازدهرت و تطورت، و بلغت أوجها و قيمتها في كل المجالات عبر مختلف العهود و العصور، بدءا من العلوم الدينية و الشرعية، و ما تضمنته من تراث زاخر، و استوعبته من إبداعات و عطاءات متفردة تميزت بها عبقرية و أصالة علماء المسلمين، و انتهاء بالعلوم الإنسانية الأخرى التي برز فيها علماء الإسلام و نبغوا و أبدعوا و تفوقوا، فكانت مصدر افتخار و اعتزاز لعلماء المسلمين،و عبقريتهم الفذة و أساسا  و منطلقا للحضارة الغربية الأوروبية، و نهضتها الحديثة و المعاصرة، و ما وصلت إليه اليوم من إبداعات و تقنيات عالية، سواء في العلوم الإنسانية أو الرياضية أو التجريبية و الكونية، ما كانت لتصل إليها اليوم و تبلغ شأوها لولا تلك النهضة الإسلامية في العلوم، و ما وصلت إليه في عهودها الزاهرة من التقدم منقطع النظير.
و إذا كان العلم في مفهومه الواسع،سلاحا ذا حدين، كما يقال و خاصة في العلوم الآلية و التقنية و المادية،يمكن استعماله واستخدامه في جانب الخير و النفع للإنسان، أو في جانب الشر و الإضرار للغير،فإن الإسلام يدعوا و يرشد إلى استعمال العلم الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان ويبتكره و يخترعه في أي عصر من العصور في الجانب الخير و النفعي و المصلحي لبني البشر، و إلى كف الجانب المؤذي منه و المضر بالحياة الإنسانية،و إلى سلامة مجتمعها فكريا و بدنيا، و اطمئنانها مجتمعيا و حضاريا.
و من تم فإن المسلم يدعو إسلامه و دينه إلى الإقبال على تلقي العلم و المعرفة بكل أنواعها،و إلى الاستزادة منه و تحصيله، و استخدامه فيما يعود بالنفع على الفرد و المجتمع و النهوض بالأمة و رقيها و ازدهارها، و إلى استشعار السرعة المذهلة و الفائقة التي أصبحت تتطور بها العلوم في كل مجال،و إلى العمل لمواكبة ذلكم التطور المدهش في المعلوميات و الاقتصاديات و التقنيات، و غيرها من سائر العلوم ليكون بدوره مصدر قوة و خير و نفعا لنفسه و لبلده للإنسانية جمعاء،و ليستطيع المسلم مواكبة الحياة و التطور الذي تشهده في كل الميادين، وهو يستشرف القرن الواحد و العشرين، و يحرص على أن يتمكن في نفس الوقت من الحفاظ على أصالته الدينية و الأخلاقية، و مقوماته الحضرية و الوطنية، و يكون يقظا واعيا بما يتطلبه ذلك من حزم و جد، و تفان و إخلاص في كل أمر و عمل، و إعداد النشء، و الجيل  الصاعد لذلك وفق برامج مدروسة و محكمة، و مناهج دقيقة و مركزة، تساعد على تحقيق الهدف المنشود و بلوغ المطلب المأمول لكل مسلم محب لدينه و بلده و أمته،راغبا في تقويته علميا و عمليان و النهوض به فكريا و حضاريا و ثقافيا و اجتماعيا، و توعيته برسالته الإنسانية النبيلة، و هو منهج سليم، و سلوك قويم يرتبط السير على نهجه و خطه المستقيم بما يتكون في نفس المرء المسلم و المسلمة من وازع ديني، و ضمير أحلاقي ، و إحساس ووعي اجتماعي يحفزه على القيام بواجبه و دوره المنوط به مجتمعه خير قيام، و بما يصلحه و يسعده، و يسعد أمته في الدين و الدنيا،و حتى يكون مشمولا بمن دلت عليهم الآية الكريمة في سياقها العام،و التي جعلت عنوانا للافتتاحية:"أمن هو قانت آناء الليل ساجدا  و قائها يحذر الآخرة و يرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولو الألباب...." و تكلم ميزة العلم و المعرفة بها في الاسلام ،و رسالة المسلم ودوره في هذه الحياة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here