islamaumaroc

بين الجمود والجحود -4-

  المختار السوسي

8 العدد

 انتظرته حتى استفاق عند الساعة الثانية، فدخلت إلى غرفته، فهنأته بالسلامة،
 وقلت له: كيف تجدك؟ 
    
  فقال: أحسست الآن كأن قوتي تراجعت إلى، وها أنذا سأقوم.                                  
فقام ومشى ما شاء الله في الغرفة، فقال :ها أنذا أصح من الحصان، هيا بنا إلى الغداء.                

فقلت له ونحن نفتتح الغداء: كنت ءانفا قلت لي كلمة على سبيل التهكم: (ما معنى إن شاء الله؟ فالأمر لي فقد شئت والسلام)، ولم أجبك إذ ذاك، إلا أني الآن وجدت في الحادثة جوابا، أرأيت مقدار مشيئتك؟ وإلى أين مداها، أو لا تعترف معي بضعف قدرة الإنسان، وأنه لا يعدو أن يكون كريشة تتطاير بها الريح عن يمين وعن  شمال؟
فقال: هذا ما يقوله الحكيم الغربي: أن الإنسان أمام الطبيعة كلاشيء ما لم يقوه الحب الصحيح.  فقلت له: إن قول حكيمك الغربي إنما بنى على أساس الغرام وعلى أساس الخيال، فدعنا الآن من الغرام والخيال، فنحن الآن إزاء حقيقة عظيمة نبحث فيها بكل حرية، محكمين العقل الذي يتمتع به الإنسان دون كل ما حواليه في السماء والأرض، فإن هذه فرصة أوجدتها لنا هذه الحادثة ينبغي أن لا نفلتها، ألم يقل أوستن فلبس: ( إن التيقظ في مراقبة الفرص والحذق والجرأة في اقتناصها عند سنوحها، والقوة والثبات في الاستفادة منها إلى أقصى حد ممكن، هي المزايا الجوهرية التي تقود إلى النجاح). أو ليس ما يقوله هذا الحكيم الغربي صحيحا؟ فلماذا نفلت هذه الفرصة؟ فلنحذق ولنجرؤ في اقتناصها، ولنقو ولنثبت حتى نستفيد منها إلى أقصى حد ممكن.    
 
فقال: أجل، إلا أن البحث في هذا لا يجدي نقيرا، ولا يغني قطميرا، فأمثال هذه الأبحاث لا يشغل بها إلا أهل البطالة، لأنها لا تكشف لنا عن قطار جديد ينسى هذا القطار المعتاد، ولا تطير بنا ثانيا إلى حيث لا يطير المنطاد، فما البحث المجدي إلا ما كان في الماديات التي ازدهرت بها المدنية اليوم، وطويت الشقة فيها فقرب البعيد القصي.                                                                                                  

فقلت له: هل الأبحاث التي كان يشتغل بها فلاسفة اليونان أمس، ويملأ بها أوقاتهم فلاسفة اليوم، مما لا يجدي نفعا في نظرك؟ وهل تظن البحث في الماديات انبعث من غير بحوث الفلاسفة؟ فإن كانت عقليتك أسفت إلى هذا الدرك فلتبك على عقلك البواكي.                                                             

 فقال: ليس مقصودي ما يؤدي إلى هذه الغاية، وإنما مقصودي أنني لا أحب التدقيق في أبحاث لا تعود علي شخصيا بالمنفعة، وأية منفعة لي في التدقيق في هذا البحث؟                                       
فقلت: كيف تنكر أن يعود عليك التدقيق في هذا البحث بالمنفعة الشخصية؟ فلا ريب أنك ترى نفسك مستقيما، وأي شاب مثلك ينفي الاستقامة عن نفسه؟                                               
   فقال: نعم إني مستقيم ككل رجل جنتلمان.                                                             
فقلت: إن الاستقامة صنو التدقيق، فهذا الحكيم الغربي س. سيمونس يقول: ( التدقيق هو الأخ المتايم للاستقامة، فإن كنت ترى مشقة في هذا البحث العقلي فقد نفضت يدك من عبقرية لا شك أنك تراها لنفسك).                                                                                                         
فقال: نعم، إنني لا أرى لي عبقرية، وإن كنت لا أصرح بذلك في المجتمعات، ولو لقيت بيئة تقدرني قدري لكنت قبلة النظار، ولو اتبعتني أمتي لأخرجتها من الهمجية.                            
  فقلت: فاسمع إذن ما قال كارليل: ( إن العبقرية هي الحذاقة الغير المحدودة في تحمل المشاق)، أترى نفسك في هذا المقام ثم لا تقدر أن تستغل فرصة سانحة فتبحث بحثا قد يسير بك إلى الأمام أسرع مما يسير القطار، وربما ترقى بك إلى أفق لا يطير إليه المنطاد؟ أتسقط بسبب حادثة ممضة، ثم لا تجد منك شجاعة إلى البحث حولها؟ أتقول كلمة إزاء كلمة أخرى وتتخلف كلمتك، ثم لا تقدر أن تقف هنيهة حتى تمعن في سبب تخلفها؟ ما هكذا يظن بك أيها الدكتور العبقري المستقيم. فقال: ها أنذا سأتنازل إسعافا لك على هذا البحث ولكن اطو عني ما أرضعته من تعاليم بيئتك، فإنني لا أحتج إلا بالعقل ولا أقبل منك إلا ذاك.                                                                     
فقلت: لك كل هذا، فخذ علي ذاك يدي في كل بحث تبحثه معي من اليوم، وقد كنت صرحت لك بذلك ءانفا في مبتدأ اقتراحي عليك هذا البحث، أو نسيت أنني قلت لك: نبحث بكل حرية، محكمين العقل الذي يتمتع به الإنسان، دون كل ما حواليه في السماء والأرض؟                             
فقال: أتنكر أنني صنعت الأشياء التي أصنعها وأني آتي ما آتي وأترك ما أترك عن مشيئة مني؟           
فقلت: لا أنكر ذلك، إنما أنكر شيئين من كلامك، أولهما: أنك قصدت نفي تلك المشيئة أيضا عن قوة يحس بها كل عاقل تسير معه الأمور، وقد تتخلف عنه تلك القوة فلا يستطيع حين تخلفها عنه صنع أي شيء، وثانيهما أنني أنكر أنك تفعل كل شيء هممت بفعله، فقد عزمت اليوم على ما عزمت عليه وقت الغداء فإذا بالغداء وبما نويته قد تخلفا على رغمك، فلماذا يقول العاقل حين يسمع ما قلته من نسبة المشيئة إليك وحدك، وما تظاهرت به من أن كل ما قلته سيتم بالضبط؟ إلا أنك لا تقول بتلك القوة الخفية التي يحس بها كل عاقل.                                                                                                    
فقال:إن كنت تقصد ما تسميه الأديان (الله) فإنني لا أومن به، وإن كنت تعني قوة الطبيعة، ككل علماني يؤمن بما يحس به، فإنني أقول بها قولا ثابتا، فما أجل الطبيعة وما أعظم قوتها! فقلت له: إذن سلمت أن تلك القوة الخفية موجودة، وأعلنت أنك تحس بها.
فقال: نعم إنك لو كنت قلت ءانفا، (إن شاءت تلك القوة) لما رددت عليك، وإنما رددت عليك لأنك عبرت بعبارة يتداولها الخرافيون أصحاب الغباوة والبلادة ممن ينقادون إلى المشعوذين من أهل الأديان.         
 فقلت له: ما دمت تسلم بتأثير تلك القوة، فأحب منك أن تخبرني هل تلك القوة التي جعلت لها تأثيرا لها إرادة وعلم وقدرة أولا؟                                                                                                
فقال: لا، إن الطبيعة صماء، لا توصف بذلك، أولا ترى أن النار قد تسقط في مدينة عامرة فتأتي على الرطب واليابس؟ وأن الأودية قد تسيل سيلانا طافحا فتجرف القرى والمدن بكل ما فيها من الحيوان والمتاع النفيس، فأين موضع التعقل في أمثال هذه الأمور؟ فإنما أفعالها مصادفة، وهذا هو مذهب المدنية الحادثة، وباعتناق هذا المذهب ترقت وازدهرت وتفوقت هذا التفوق العجيب.                                          
فقلت له: إنني أراك قد طلقت التدقيق الذي يتايم دائما العبقرية والاستقامة، وقد ذكرت أنك من المتصفين بها، فكيف تحكم على تلك القوة بأنها غير عاقلة ولا عالمة ولا آتية أفعالها من حكمة؟ أوليس لك إلمام بعلوم المادة؟ فهل تظن أن علماء المادة يعتنقون هذا المذهب بعدما شاهدوا بعلم الكمياء ما بهرهم حين حللوا أجزاء ما تتركب منه الأشياء، فأدركوا أنه إذا زيد جزء من الأكسجين مثلا في هذا الشيء استحال إلى شيء آخر، وإن زيد فيه مقدار من الآزوت أو من الهدروجين -مثلا- انقلب إلى صفة أخرى، حتى أنهم أعلنوا عدد المواد التي تركبت منها الأشياء التي حللوها، وأنها أربع وتسعون، وأنها كلها تتمشى على أوزان مدققة صحيحة، فهل تلك القوة التي صنعت كل هذا وأتقنته غاية الإتقان، تمشي في أفعالها على المصادفة فقط؟ فإن هذا قياس غير مستقيم. وتأمل أيضا أزهار حديقتك هذه وما في ألوانها من التناسب العجيب، هل ترى فيها للمصادفة العمياء من أثر يشهد لمذهبك هذا؟ ثم إن ترقيت إلى النجوم ومسالكها حيث تندفع اندفاعا دائما بحساب مدقق لا ينخرم معشار عشير ثانية، فهل القوة التي رتبت ذلك غير عالمة ولا قادرة ولا لها إرادة تامة؟ بل ما لنا ولكل هذا، فلينظر أحدنا في نفسه نظر إمعان وليتأمل في حواسه، في بصره، وسمعه، وذوقه، وشمه، وفي الدورة الدموية في شرايينه من أخمص القدم إلى قمة الرأس، بل لينظر في طعامه وفي شرابه، فإنه بعد أن يسيغهما ليست له إرادة فيما تقوم به غدد جسمه ولا في الهضم في معدته ولا في تصفية المهضوم، ولا تفرقة ما تصفى إلى الدم يسير في كل أجزاء الجسم في أعصاب دقيقة، وإلى ماء حلو يجده الإنسان ريقا في فمه، وإلى ماء مالح تجول به حدقة عينه، وإلى سوائل أخرى تخالف هذه تكون عرقا ومخاطا وما يكون في المرارة، ثم يصير ما تبقى مما لا فائدة فيه إلى حيث يرميه البدن، فمن الذي يتولى كل هذا في كل حيوان؟ ومن الذي نظم هيأة الحيوان تنظيما تاما من بطن أمه صغيرا، ثم لا يزال به على هذه الوتيرة حتى يشتد ويقوى؟ فإن كانت كل هذه الأفعال وأمثالها موجودة على طريق المصادفة فقط من قوة غير عاقلة ولا عالمة ولا فاعلة عن حكمة، فكيف تكون أفعال العقلاء بعد؟.                                                                      
فقال: إن الفلاسفة الغربيين انقسموا فريقين، ففريق يذهب مذهبك، ولكن أداه هذا إلى أن وقع فيما فر منه، فلم ينشب أن التزم ديانة منظمة، جعلوا لها أعمالا جديدة، فإذا بهم وقعوا في مثل ما وقع فيه أصحاب الأديان، وفريق آخر هم العلمانيون ذهبوا المذهب الذي ذكرت ءانفا، ويكرهون البحث كثيرا فيما وراء ما صح عندهم، وأنا منهم.
فقلت: إن العاقل يبني أموره على عقله، ولا يقبل أن يتحكم في عقله آخر، فيكون أسير التقليد، فإنك إن أبيت البحث في الموضوع ما عدوت أن تركت تقليدا تأنف منه بين أهل الأديان القديمة إلى تقليد جديد وقعت منه في مثل ما فررت منه، أوليس الأمر هكذا؟ أنصف وقل الحقيقة، فإنه يجب عليك أن تنتبه كل الانتباه إلى درس الموضوع حق الدراسة، فقد قال شارل دينكس الملك:                                      
 ( إن الانتباه هو المزية النافعة الأمينة الأكيدة في كل درس وكل مسعى، ويمكنني أن أؤكد لكم بتمام الثقة، أن قوتي المخترعة أو التصورية لم تكن لتفيدني كما فعلت، لولا عادة الانتباه اليومي للأمور المبتذلة بكد وصبر).                                                                                                       
 إذا كان هذا الرجل الغربي يحب الانتباه اليومي للأمور المبتذلة، فكيف بمثل هذا الذي قامت له الفلسفة وقعدت، وحاولت ما حاولت إثبات ما تقوله الأديان أو نسفه من أساسه، فهي مسألة عظيمة جدا، لا يستصغر البحث التام فيها أمثالك من الدكاترة المثقفين العبقريين، وماذا يضيرك لو أمعنت كل الإمعان ودرست الموضوع حق الدرس، حتى تخلص إلى حقيقة تؤسس عليها حياتك المستقبلية، ثم إن تخلص لك بعد الدراسة أن فريق العلمانيين هو الصادق المؤيد مذهبه بالعقل، فإنك لا تزداد بهذا البحث إلا إيقانا لما أنت عليه اليوم، وإن ظهر لك أن الفريق الآخر هو الذي معه الحق، فهل تعدم من الشجاعة ما تعلن به بين الملأ الحق الذي وصلت إليه؟ ولا يضيرك أن يقال عنك إنك تبعت أهل الأديان أخيرا، فقد قيل في الأمثال العربية: لأن تكون ذنبا في الحق أولى من أن تكون رأسا في الباطل، على أنك لم تكن قط - كما صرحت به ءانفا- إلا ذنبا مقلدا للعلمانيين).                                                                                         
فقال: واها لك يا فلان، فإنك والله حركت مني ساكنا ولا أدري كيف تأثرت بكل ما تقول، فقد أحسست من باطني باعثا قويا لتتبع دراسة الموضوع دراسة ممعنة، ولكن سأؤجل هذا إلى أن أجد فراغا في  الوقت من أعمالي.                                                                                            
  فقلت: أتريد أن أعلمك بمنبع ما تأثرت به مني؟ إن هو يا أخي إلا منبع الحق الذي يتفجر لك من بين جنبيك، فاغتنم الوقت، وابدأ في الدراسة من الآن واتبع شكسبير فيما يقول:                                
( انقبض على الدقيقة الحاضرة من مقدم رأسها) وماريا ادجورت إذ تقول: ( ما من وقت مثل الزمان الحاضر، وما من وقوة أو عزيمة إلا في الحاضر، فمن لا يتمم منوياته حين لا تزال لديه جديدة نضيرة فلا أمل له في إتمامها فيما بعد، فإنها لا تلبث أن تتشتت وتضيع بين ضوضاء العالم وازدحامه، أو تغرق في حماة الكسل).   
 فقال: إنني مدين لهؤلاء الغربيين بمعارفي التي نلت بها الدكتوراة، فلأعلن شكري لهم اليوم باتباع مقالاتهم في اغتنام الحاضر، فسأفتتح دراسة ذلك بإمعان التفكير منذ الآن، لعلني أتملص من التقليد الذي غمزتني به.                                                                                                     
فقلت: إذن ادرس وحدك، واجعل نصب عينيك أن تصل إلى عين الحقيقة، هل تلك القوة الخفية التي تدير العالم عاملة بحكمة وعقل وإرادة، أو إنما الأفعال منها تجيء مصادفة فقط؟ فإنك إن توصلت إلى أنها عاملة بحكمة وعقل وإرادة مطلقة من أي ضغط -وأنا لا أرتاب في أنك متوصل إلى ذلك لما أوتيت من الحصافة والفكر الثاقب والعبقرية والاستقامة- يوافق اعتقادك اعتقاد الفلاسفة الغربيين الذين ذكرت أنهم اتخذوا لهم ديانة تشبه الديانات القديمة. والآن أودعك، فقد قاربت الساعة الرابعة التي واعدت فيها أخاك السيد سعيدا على السفر معه، وموعدنا في ضيافة أخيك إبراهيم حيث ينعقد مجمع الأسرة في الزمن القريب.               
  فقال: إنني كنت أستعد لمناظرة أخي السيد العربي الخرافي ببراهين جمعتها منذ أيام، إلا أنني أحس بها ستنهار إن أداني درسي في ذلك الموضوع إلى ما تنبأت به سلفا.                                              
 فقلت: استفرغ جهدك في كل شيء للمناظرة مع أخيك، فربما يتراءى لي أنني متفق معك في أمور لا بد أن تؤدي إليها المناظرة، فأكون في صفك، لا إعانة لك ولا حبا في سواد عيونك، بل إحقاقا للحق، وتشييدا للاعتقاد الصحيح كما أعتقده، إلا أنني أنبهك - وسامحني أيها الأخ- على مراعاة شيبة أخيك، وأن تبرهن بأن أدبك في سمو عال، فلا تجبهه بما يجرح عاطفته، ولا ما يمس شعوره، وارع له حق الأخوة والتربية السالفة، فإن العظيم لا يكون عظيما حتى يعم كل الناس بأخلاقه، سواء أوداءه وأعداءه، وقد قال فلان الأروبي: (إذا كنت لا أقدر أن أخاطب مزاحمي في الانتخاب بالأدب الذي أخاطب به من انتخبوني، فقد حكمت بأن جهود من هذبوني ذهبت سدى).                                                                           
ثم ودعته وأنا أرجو أن ينقذه الله مما فيه بفضله ورحمته، وإخالني استعملت ما أطقت الحكمة معه في كل تصرفاتي، فلم أجاذبه في كل ما أراه منه، بل أظهر له الموافقة، حتى إذا وجدت بابا ألج منه إليه فعلت، ثم حرصت على أن أسوق له ما أحتاج إليه من براهين وأدلة عن الغربيين لا الشرقيين، وما فعلت ذلك إلا أتباعا لقول علي بن أبي طالب: حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ على أن الحكمة ضالة  المؤمن يلتقطها حيث وجدها.                                                                                                   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here