islamaumaroc

كلمات وإشارات-20-

  عبد القادر زمامة

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

133- من تجارب أستاذ حكيم....!!
ربما يجد الإنسان في الأوراق البالية والدفاتر المنسية من التجارب الإنسانية مالا يجده فيما راق منظره، وعظم حجمه، وقرب عهده، من المطبوعات والمخطوطات...!!
وأمامي الآن رسالة بليت أوراقها، ومحيت بعض حروفها، والتوت علي قراءة بعض سطورها، كتبها أستاذ أديب متضلع من الأخبار، والآثار، والسلوكات الاجتماعية، إلى أديب كان تلميذا له، ثم أصبح – في تلك الظروف – من رجال الحكم والمسؤولية والنفوذ الواسع..
يقول هذا الأستاذ في بعض فقرات هذه الرسالة الممتازة...
«...وليكن نصب عينك أيها العزيز المحظوظ عند الرؤساء ... تلك الحكمة التي خلدها أحد الساسة العظام..! وهي:
عليك بكتمان ما يعرض لك في خواطرك المتجددة وأفكارك المتقلبة...!
فالمرء العاقل يفكر في كل ما يريد النطق به... ولا ينطق بكل ما يفكر فيه...!!
وليس الصمت في مجال البيان بحزم... ! ولكن الحزم أن تحسن القول حين ينبغي أن تقول...!
وأنا أزيدك أيها العزيز المحظوظ عند الرؤساء ... ما عن لي الآن وأنا أقور ما أنت فيه من المقيم المقعد ... من التكاليف والواجبات:
- إذا أعجبك السكوت فتكلم...
- وإذا أعجبك الكلام فاسكت...
- ولن تندم علة سكوتك مرة...
حتى تندم على كلامك مرات...!
- واعلم أنك إذا استفدت من دنياك «أوقية» من ذهب.. فإنك تحتاج في صيانتها، وتدبيرها، والانتفاع بها. وإلى «قنطار» من عقل...!!!
- وأخيرا، ليكن في علمك المتجدد.. وسلوكك المتنوع... أن أثمن شيء تملكه في هذه الحياة هو تلك الصفة التي رافقت الموفقين في أعمالهم، الناجحين في سلوكهم.. وهي: «المحبوبية» التي غرسوها في قلوب الناس...! فكانت لعيونهم ضياء.. ولهمومهم سلوة.. وعند الصعاب والشدائد سلاحا... وكانت لهم بعد مفارقة هذه الحياة تاريخا وذكرى... !»
هكذا يقول هذا الحكيم...

134 – غربة الإسلام... كيف يفسرونها...؟
الحديث الشريف الذي رواه الشيخان وغيرهما:
« بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء...!!
حديث شهير نسمعه ونراه مفسرا في عدة مجامع وكتب..! والأنظار في تفسير غربة الإسلام في آخر الزمان... تختلف وتتباين أحيانا... كل هذا معروف ومتداول... لانخوض فيه الآن... ولا نرجح رأيا على آخر...!
وإنما يلفت النظر هنا رأي طريف تنبغي الإشارة إليه هنا، وهو رأي الشيخ محمد مصطفى المراغي،  ذكره في المقدمة التي كتبها لكتاب « حياة محمد صلى الله عليه وسلم» تأليف: د. محمد حسين هيكل..
يقول الشيخ المراغي ما نصه:
« إن غربة الإسلام في بدئه معناها أنه: إنما ظهر، وقوي في المدينة، ولم تكن دار الإسلام الأولى .. بل هي دار غربة له بالنسبة إلى مكة..
وغربته في آخر الزمان معناها أن يعتريه ضعف بعد ظهور أمره.. ثم يعود إلى الظهور بين أقوام غرباء عنه...! من غير أهله.. فيقيض الله له أمة قوية جديدة.. تدين به .. وتحميه .. ويعود بها إلى الظهور من جديد..!!»
هذه إشارة إلى رأي هذا المفكر الإسلامي كما هي...!! وكما جاءت في مقدمة كتاب: د. محمد حسين هيكل عن حياة الرسول عليه الصلاة والسلام...!
أشرنا إليها هنا لما لها من معنى عميق، ولكون هذا الكتاب من الكتب المفيدة المتداولة بين الناس...

135 – يفر من صلاح الدين الأيوبي إلى المنصور الموحد...!
ترجم المؤرخ ابن الأيار في «التكملة» ج: 2 ص: 717ط – مجريط 1887 م لشخص سماه: هبة الله بن الحسين أبا المكارم المصري.. وقال فيه:
«دخل الأندلس، وولي قضاء إشبيلية سنة تسع وسبعين [يعني وخمسمائة]، وبه صرف أبو القاسم الغولاني، وأقام بها سنة...
وكان قدومه خوفا من صلاح الدين يوسف بن أيوب... في قوم من شيعة العبيدي، ملك مصر...! ثم استصحبه المنصور معه في غزوة قفصه الثانية، وولاه قضاء تونس، وولى صاحبه أبا الوفاء المصري القضاء، وتوفي على قضاء تونس سنة ست وثمانين...!! [يعني وخمسمائة]»
وبهذه الترجمة التي احتفظ لنا ابن الأبار بخيوطها العريضة... وربما فعل مؤرخون آخرون... نفس الشيء بهذه الشخصية أو بغيرها.. يتبين لنا جانب من العلاقات بين دولة الأيوبيين في المشرق.. ومعاصرتها دولة الموحدين في الأندلس والمغرب...!!
- وقد قيل في ذلك الشيء الكثير...!!
- وكتب المؤرخون شرقا وغربا عن ذلك الشيء الكثير...!
- رحم الله صلاح الدين الأيوبي...!
- ورحم الله يعقوب المنصور الموحدي...!
فكل منهما مواقف لا تنسى... في تاريخ الإسلام والمسلمين...

136 – ذئب وضيع...!!
كان الأديب النقاد. أبو الحسن ابن رشيق القيرواني قد قدم في كتابه: «العمدة» فصلا أديبا طريفا كان عنوانه:
 « باب ما أشكل من المدح والهجاء...!!!» وساق في هذا الباب أبياتا شتى في الموضوع،  من جملتها ما كنا نحفظه أيام الطلب.. وهو قول الشاعر:
تــفرقت غنمي فقلت لها:
   يا رب سلط عليها الذئب والضبعا
 وعقب ابن رشيق على هذا البيت بقوله:
 « قيل إنهما: (الذئب والضبع) إذا هما اجتمعا على حيوان لم يؤذياه، وشغل كل واحد منهما الآخر...! وإذا هما تفرقا آذيا الحيوانات، ولاسيما منها الغنم، وهذا معروف في البادية...!
« وقيل: إن معناه الدعاء عليها.. بأن يقتل الذئب الأحياء عيثا...! ويأكل الضبع الأموات فلا تبقى منها بقية...!!»
 هكذا علق ابن رشيق على هذا البيت في هذا الباب، فجعله محتملا للدعاء لها
بالنجاة...! والدعاء عليها بالهلاك...!
 وقبل ابن رشيق كان إمام النحاة سيبويه قد ذكر في كتابه الشهير.. المثل العربي القائل:
 « اللهم ضبعا وذئبا...»، (ج: أ ص: 255...).
 وجاء بالاحتمالين معا اللذين علق بهما ابن رشيق على البيت المذكور:
- احتمال الدعاء لهما بالسلامة... !
- واحتمال الدعاء عليها بأن تقع فريسة مشتركة بين الذئب والضبع... ! !
وهكذا يلتقي النحاة.... مع النقاد... !! في فهم الأمثال .... والتراكيب... والأساليب...، كما أن بعض الباحثين النقاد المعاصرين جعلوا ذلك مطية إلى بحث «الرمزية» أو نوع منها في الأدب العربي القديم.
و الفرق واضح بين ما يقصده المعاصرون من « الرمزية ».. و ما يقصده الأقدمون بها... !!!

137 – الربرتير ... أو: الإبرتير ...
يذكر مؤرخو دولتي المرابطين والموحدين في المغرب.. والحروب التي جرت بينهما في عدة أرجاء من الأندلس والمغرب اسم قائد «قطلوني» نصراني اسمه: (Revérte)،  وكان له بروز وشهرة في جيش علي بن يوسف بن تاشفين وحروبه مع الموحدين...
 وأصله من قطلونية الناحية الشرقية من الأندلس... أسره في بعض المعارك قائد أسطول المرابطين: علي بن ميمون.. وجاء به إلى عاصمة مراكش... فأصبح بعد تدريبه قائد فرقتهم النصرانية المرتزقة الشهيرة في تاريخهم...!
 ويذكر المؤرخ البيدق أن هذا القائد النصراني القطلوني قتل في إحدى المعارك بين الموحدين والمرابطين ... !
 كما يذكر أن لهذا القائد ولدا أسلم.. ونشأ في خدمة دولة الموحدين.. وتسمى باسم: «علي»، وهو الذي انتزع جزيرة (ميورقة) من يد ابن غانية.. الثائر الشهر..!
 وكما اشتهر والده في خدمة المرابطين.. اشتهر هو في خدمة الموحدين... ومات في معركة جرت في إفريقية بين الموحدين والثائر ابن غانية سنة 583 هـ
 وقد تردد اسمه في عدة مصادر تاريخية قديمة، وبأخبار الأب والابن، تأكدنا من دور الجيوش المرتزقة في الدول القديمة.. أندلسية.. ومغربية...
 وينبغي أن نشير في آخر الحديث عن «الإبرتير» وابنه، وما قام به الأول مع دولة المرابطين إلى أن قتل..! وما قام به الثاني مع الموحدين إلى أن قتل...! ينبغي أن نشير إلى أن هذا العلم: «الإبرتير» قد وقع في كتابته كثير من التصحيفات... في عدة مصادر تاريخية ... من جملتها أن النسخة المطبوعة من «تاريخ ابن خلدون» في بيروت سنة 1959 م.. كتب فيها هكذا...
- الزبرتير... «بالزاي» هكذا.. في عدة صفحات «انظر/ ج: 6 – ص: 475 و 476 و 508...».
وأقرب صيغة لاسمه: ( Revérter) هي: (الربرتير)...! كما جاء في عدة مصادر مغربية وأندلسية...!!!

138- بعض الشر أهون من بعض... !
هذه حكمة شهيرة تجري  على ألسنة الناس عامتهم وخاصتهم... حينما يعبرون عن اختيار « أخف الضررين» أو كما قال أحد الحكماء:
- في الخير والإحسان درجات...!
- وفي الشر والإساءة دركات...!
ومن الطريف أن هذه الحكمة استعملها قديما في أحد أشطارهم بعض الشعراء:
- فطرفة بن العبد قال حينما أمر النعمان بقتله:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
  حنانيك.. بعض الشر أهون من بعض
وأبو خراش الهذلي قال:
 حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا
   خراش.. وبعض الشر أهون من بعض
وطرفة شاعر جاهلي، وأبو خراش شاعر مخضرم كما هو معلوم...!
وما تزال هذه الحكمة جارية على ألسنة الناس خاصتهم وعامتهم... فلها إذن عمر طويل...!!
وينبغي ألا ننسى ما ذكره الميداني في «مجمع الأمثال»:
- إن في الشر خيارا...!!
- وإن من الشر خيارا...!!

139 – زرقاء اليمامة...
هل هي قصة واقعية...؟
أم هي أسطورة خيالية...؟
نجد في الأمثال الشهيرة في اللغة العربية قولهم: «هي.. أو هو.. أبصر من زرقاء اليمامة»...! بمعنى أن بصره جاوز الحد المعتاد عند الناس...! حيث إنه أبصر من زرقاء اليمامة... التي اشتهرت قصتها.. أو أسطورتها.. بين الناس منذ العصر الجاهلي... !! ولها أصداء في عدة كتب...
ونجد الميداني في كتابه: «مجمع الأمثال» يقول عنها عند ذكر هذا المثل:
- أبصر من زرقاء اليمامة..!
- واليمامة: اسمها، وبها سمي البلد.. وذكر الجاحظ أنها كانت من بنات لقمان..!!! وأن اسمها عنز... !!  وكانت هي زرقاء...! وكانت الزباء زرقاء...! وكانت البسوس زرقاء... ! ! !
ثم ينقل عن ابن حبيب.. معلومات أخرى تتلخص في كونها من «جديس»، وكانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام... !!! وقد أخبرت قومها بأن العدو مقبل عليهم.. ولكنهم لم يلتفتوا إليها.. فصبحهم عدوهم  وعاث فيهم.. واجتاح أرضهم...!! ولو صدقوا الزرقاء.. واستعدوا لنجوا من هذه الكارثة...!
ومن الغريب الطريف أن صاحب معجم: «محيط اللغة» حاول أن يربط بين زرقاء اليمامة... وبين المرأة المعروفة باسم: «حذام» الواردة في قول الشاعر:
 إذا قالت حذام قصدقوها
   فإن القول ما قالت حذام... !
فقال في مادة (ح-ذ-م) عند كلامه على: حذام ...
"هي المرأة الملقبة بزرقاء اليمامة...!! يضرب بها المثل في حدة البصر... فيقال: هو أبصر من الزرقاء.. ومنه قول الحريري...
- إن عندنا خبرا أغرب من العنقاء... وأعجب من نظر الزرقاء...
وهكذا تصبح زرقاء اليمامة هذه في نظر صاحب «محيط اللغة » هي المعروفة باسم «حذام»...! نفسها...!! ولعل هناك آراء أخرى في هذه القصة...!! أو الأسطورة...!! 
وقد اعتاد الناس أن يجعلوا من القصص أساطير.. ومن الأساطير قصصا...!!
غير أنه ينبغي أن نؤكد على أن ما عند مؤلف كتاب «محيط اللغة» من جعل: زرقاء اليمامة، هي حذام نفسها شيء مستغرب...!
وهو ما عند صاحب «دائرة المعارف»: فؤاد إفرام البستاني ج: 2 ص: 248 بيروت 1964م. فهي (عندهما) امرأة واحدة..! تعرف بحذام... كما تعرف بزرقاء اليمامة...!

140- الغريبة...
كنت أظن كما يظن الذين حاورتهم في الموضوع أن هذه: «الغريبة» التي اعتدنا هنا في المغرب أن نقدمها في منازلنا مع كؤوس الشاي.. هي باسمها هذا على صيغة التصغير .. محلية مغربية... محدودة.. لكن الأستاذ المرحوم أحمد أمين صاحب «الفجر» و «الضحى» و «الظهر» وغيرها... وجدته في كتابه المفيد: «قاموس العادات والتقاليد، والتعابير المصرية» يذكر فقرة خاصة عن هذه «الغربية». ويذكر مدلولها في مصر...! وهو نفس المدلول الذي لها في المغرب..! حيث ذكر أنها تصنع من: الدقيق والسمن والسكر..، وتقدم في المواسم  والأعياد.. فهي إذن من أنواع الحلوى.. والكعك المعروفة في البلاد المصرية... كما هو الشأن عندنا في البلاد المغربية..!
ومن الطريف أن هذه «الغريبة» معروفة أيضا باسمها ومسماها. في بلاد لبنان، حيث وجدت في الكتاب المسمى: « قاموس المصطلحات والتعابير الشعبية»  لمؤلفه: أحمد أبو سعيد .. وهو كتاب يتناول ما يروج في لبنان من مصطلحات وتعابير شعبية... ويردها إلى أصولها العربية والأجنبية..
يذكر المؤلف: «الغريبة» باسمها ومسماها ويقول: إنها تقدم في المواسم والأعياد ... وعن صفاتها أنها سريعة التفتت...!!! وبهذا عرفنا أن هذه «الغريبة» معروفة في أقطار أخرى غير المغرب.. بهذا الاسم الذي عندنا...!!

141 – لقب المبرد...!
تحدث الإمام عبد الرحمان ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ في كتابه المفيد: «كشف النقاب عن الأسماء والألقاب» عن لقب أبي العباس محمد بن يزيد الثمالي النحوي الشهير، صاحب كتاب: «الكامل»، وغيره من المؤلفات الشهيرة...فقال:
- المبرد هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر النحوي...
- وسئل : لم لقبت «المبرد»؟
فقال: كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة، فكرهت الذهاب إليه، فدخلت إلى أبي حاتم السجستاني فجاء رسول الوالي، فطلبني عنده. فقال لي أبو حاتم: أدخل في هذا «يعني غلاف مزملة فارغا» فدخلت فيه، وغطى رأسي ثم خرج إلى الرسول فقال: ليس هو عندي...! فقال: أخبرت أنه دخل إليك...! فقال: أدخل وفتشها فدخل فطاف في كل موضع في الدار...! ولم يفطن لغلاف المزملة...! ثم خرج... فجعل أبو حاتم ينادي على المزملة... المبرد...المبرد... فتسامع الناس بذلك... فلهجوا به...!!!
هكذا يضع الإمام ابن الجوزي لقب «االمبرد» بفتح الراء المشددة بناء على الحكاية التي نقلها..
هناك من يضع هذا اللقب «المبرد» بكسر الراء المشددة.. ويخرج له حكاية أخرى...!
وأما «المزملة» التي جاءت في نص ابن الجوزي فهي جرة. يبرد فيها الماء وتزمل
أي تغطى ... لتحتفظ بالماء باردا ...!! في فصل الصيف...!! كما كان ذلك في القديم.

142 – بالعجمية... !
محمد بن حارث الخشني المتوفى سنة 361هـ ألف كتابا أرخ فيه لقضاة عاصمة، قرطبة... وفيه إشارات وإفادات متعددة منها هذه التي ندرجها في هذه الحلقة...
ذكر في ترجمة القاضي سليمان بن أسود الغافقي:
«كان في وقته رجل من العدول، يعرف بابن عمار... وكان يختلف إلى مجلس القاضي ويلتزمه، ولا يقوم عنه إلا بقيامه.
وكانت لابن عمار بغلة هزيلة... تلوك لجامها طول النهار... على باب المسجد... قد أضناها الجهد... وغيرها الجوع...!
فتقدمت امرأة إلى القاضي سليمان... فقالت له بالعجمية:  يا قاض.. انظر لشقيتك   هذه..!!
«فقال لها بالعجمية:
لست أنت شقيتي..! إنما شقيتي بغلة ابن عمار.. التي تلوك لجامها.. على باب المسجد طول النهار..!!!»
ومراد القاضي من ذكر حال بغلة ابن عمار العدل.. واضح...!! من السياق...!

143 – صكك له...!
هذا الفعل «صكك» بمعنى كتب صكا من المستغربات التي لم نر استعمالها إلا في النادر... !
ومن هذا النادر ما كتبه القاضي عياض في ترجمة: عبد الله بن سماعة الراوية المحدث.. في كتابه: «ترتيب المدارك» ج: 7 ص : 37، حيث ذكر حواره مع الحاجب المنصور بن أبي عامر... وجاء في هذا الحوار.. قول ابن سماعة للحاجب:
...وأي شيء أنا عندك...؟ قال: مسلم حنفي يحمد الله.. قال: ولم أغرم الجزية إذا...؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم... يامرك بإسقاطها عني...؟
فقال ابن أبي عامر :
- سمعا، وطاعة له.. ولن تغرمها بعد..
وصكك له بحرية ضياعه..!!»
أي كتب صكا، حرر به ضياعه من أداء الواجبات، والضرائب المفروضة، إذ ذاك، على العموم، فلا يؤدي عنها شيئا.. و صك ابن أبي عامر حجة في يده، يثبت إعفاءه.. من الضرائب والجبايات أمام الذين يطالبونه بالأداء...

144 – الحبر. والمداد...!
كلنا يعرف أن اللغويين في المعاجم يذكرون: الحبر...! والمداد... ! والنفس...! ويفسرون الواحد منها بالآخر...! فيقولون:
- النفس هو: المداد...
- المداد هو: الحبر...
- الحبر هو: المداد...
كل هذا معروف، ومشهور، ومتداول قديما. وحديثا.. ولا يحتاج إلى إيضاح.. وليس معه استغراب.. ولا يستحق الإشارة في هذا الباب...
لكن الشيء المستغرب عندنا الآن... هو أننا نجد من كان قديما يفرق بين الحبر.. والمداد...! أو يحاول ذلك...!  على الأصح...!
من ذلك ما جاء في ترجمة القاضي أبي بكر الباقلاني الملقب بشيخ السنة من كتاب «تاريخ بغداد» «ج : 5 – ص : 379» حيث ذكر هناك هذا النص:
أن القاضي الباقلاني كان يذكر أن كتابه بالمداد أسهل عليه من الكتاب بالحبر...!!!
هكذا يذكر البغدادي.. في ترجمة الباقلاني..! لهذا أشرنا هنا.. مع استغراب...!! حيث يقتضي بحسب الظاهر أن هناك فرقا بين المداد والحبر..!! والله أعلم...

145 – تركت الدنيا والآخرة..!!!!
من الطرائف الشهيرة في ترجمة أبي العلاء المعري الشاعر الشهير... أن السفير، الوزير، الشاعر الرقيق أبا نصر أحمد بن يوسف المنازي.. دخل عليه يوما في دار إقامته بمعرة النعمان... ليستفيد منه ويسليه...
فشكا إليه أبو العلاء حاله...! وأنه منقطع عن الناس... وهم مع ذلك يؤذونه... ! ويتتبعون سقطاته في أشعاره، ومؤلفاته، وسلوكاته، وآرائه...
فقال له المنازي:
- ما لهم و لك...؟
وقد تركت لهم الدنيا... والآخرة..!! وجعل يكررها..!! ويتألم لذلك..! وأطرق فلم يكلمه إلى أن قام...!!!
ولا شك أن أبا العلاء فهم إشارة النازي.. وتعريضه.. فسكت..!! ذلك السكوت الذي له أكثر من معنى..!!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here