islamaumaroc

الشعر المغربي في ملحمة الاستقلال والوحدة والوفاء للعرش

  إدريس خليفة

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

الشعر موهبة كلامية، وميزة بيانية، و أنظام موسيقية شعورية، وسجل العواطف المتأججة والأحاسيس المتوقدة، والخيال الذكي الطموح، والإلهام الوارف الظلال، والشاعر متصرف في فنون القول، يتناول بنظمه أنواعه وألوانه، ولذلك تجد الشاعر المبدع يعالج شؤون الغزل والوصف والمدح والحكمة والجد والهزل، ويخلد في ذلك قصائد يتناقلها الرواة المولعون بفن القريض بحماس وإعجاب، وتؤثر عن ناظمها على مر الأعصار، وهذا هو الذي دعا المتنبي إلى الفخر بذلك، إذ قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي 
               وأسمعت كلماتي من به صمم
أنا ملء جفوني عن شواردها
               ويسهر الخلق جراها ويختصم
ولقد نبغ المغاربة في فنون الشعر نبوغهم في مجال النشر، وتاريخنا الأدبي حافل بأسماء الشعراء وآثارهم في مختلف العصور، وقد تناولوا في شعرهم مختلف الأغراض من: غزل، ومدح، ووصف، وهجاء، وغيرها، وتميزوا بحسن النظم، وجودة الوصف، ودقة التعبير، وصدق العاطفة، وبراعة الرصف، ومراعاة محسنات البديع، ولم يقصروا بذلك عن شعراء العربية فيما أنتجوا من فنون القصيد، فكان ديوان الشعر المغربي جزءا من ديوان الشعر العربي بشمال إفريقيا والأندلس والمشرق، حتى أنه لا يمكن التعرف على شعر الأمة العربية إلا بمراجعة صحائف الشعر المغربي، ودراستها، وتحليلها، واستنتاج خصائصها وخصوصياتها.
والمقام لا يتسع للتفصيل، كما لا يتسع للجولة في حديقة الشعر عبر العصور، لكن لابد من باب التذكير بسرد بعض الأسماء، واقتطاف بعض النماذج الدالة على إجادة الشعر المغربي، وحسبي من الأسماء الإشارة إلى هؤلاء الشعراء:
أبو الفضل عياض السبتي، وابن القابلة السبتي، وأبو الحسن بن زنباع والشريف الإدريسي وأبو العباس الجراري وابن حبوس الفاشي، ومالك بن المرحل، والأمير أبو الربيع سليمان الموحد، وعبد العزيز الملزوزي، وعبد المهيمن الخضرمي، وأحمد بن الشاذلي الدلائي، وأبو علي اليوسي، وابن زاكور الفاسي، والشيخان أحمد بن عجيبة، والشيخ محمد الحراق، وآخرون كثيرون في لوائح طويلة ومن المتيسر الإطلاع على نماذج من إنتاج هؤلاء الشعراء فيما بين أيدينا من كتب نقد الأدب المغربي وتاريخه، وكذلك فيما نشر من دواوين الشعراء المذكورين، وكل ذلك دليل على رسوخ أقدام الشاعر المغربي العربي في عالم الشعر ونبوغه في مجاله.
ومما يمتاز به معظم هؤلاء الشعراء أنهم كانوا علماء شعراء، إذ كانت لهم مشاركة في علوم عصرهم، فكنت تجد فيهم المفسر، والمحدث، والفقيه، والجغرافي، والفلكي، والبلاغي، وهذه ميزة سنية، وفضيلة أدبية يحسب البعض معها أن شعرهم لم يكن إلا زينة وحلية، والصواب أن الشعر كان عندهم فنا لم يصرفهم عن فضائل الاشتغال بالعلوم، وتلقيح الذهن بأنواع المعارف، وقد تخرج أكثرهم لذلك في حلقات الدرس بالمدن العتيقة: كسبتة، وفاس، ومراكش، ثم تطوان، والرباط، في فترات لاحقة، فكانوا لذلك فقهاء شعراء أدباء.
 ومع إبداع الشعراء المغاربة في أبواب الشعر كما ذكرت ينبغي القول بأن الشاعر المغربي الحديث قد أهمه شأن مجتمعه وأوضاع هذا المجتمع، وهاله أن تفرض الحماية على المغرب، وأن يكون بلده مكبلا بالقيود، وأن يتمكن الاستعمار من تمزيق شمل المغرب الموحد أصلا إلى عدة مناطق: حماية إسبانية في الشمال، ومناطق نفوذ في شمال الشمال بسبتة ومليلية، ومنطقة دولية عند البوغاز: (طنجة)، ومنطقة سلطانية، ومنطقة احتلال إسباني جنوب المنطقة السلطانية (إفني وطرفاية والساقية الحمراء)، ومناطق أخرى فوتتها السلطة الفرنسية لقوى مجاورة، وهو وضع آلم المغاربة جميعا، وحملهم على مقاومة هذه الهيمنة الظالمة التي لم يعرف المغاربة لها مثيلا من قبل.
 وما أصدق هذه الكلمات التي عبر بها الشيخ محمد المكي الناصري عن رفض المغاربة لنظام الحماية، إذ قال:
 «قبح الله الحماية، فهي جناية ما فوقها جناية، يضحكني والله ما يقوله المستعمرون المنافقون من مهاترة وسفسطة لاحد لهما عندما يأخذون في شرح فوائد الحماية، ومنافع الوصاية، وما جلبه هذا الاختراع العجيب للإنسانية من سعادة ورفاهية وتقدم منقطع النظير..لاسيما بالنسبة إلى هذا المغرب البائس المنكوب!!
 وإني لأولي وجهي شطر الحقيقة باحثا منقبا هنا وهناك عن محاسن الحماية ومزايا الاستعمار، فلا أرى في الحماية إلا جناية ما فوقها جناية، ولا في الاستعمار إلا جريمة لا تعد لها جريمة على وجه الأرض.
 (الحماية) حماكم الله منها أيها المواطنون جاءت إلى بلادنا بجيش من الصعاليك والمفاليك، ليس لهم من الكفاءة ولا من الرجولة ما يخولهم أن يعتلوا ولو مركزا بسيطا في حياة شعوبهم وداخل بلادهم، جهلاء بكل معاني الجهل، شرهين جشعين... ومع ذلك وكلت إليهم قوة الحديد والنار ومصير شعب حر بأسره ومستقبل أمة عزيزة بأكملها...
 (الحماية) حماكم الله منها أيها المواطنون، هي التي قسمت المغرب إلى أجزاء ثلاث قسمة ضيزي، ما أنزل الله بها من سلطان، ثم قسمت الجزء الواحد إلى نواح ومناطق، ثم قسمت الناحية الوحدة والمنطقة البسيطة إلى عشرات الأجزاء والوحدات، فشتت شمل المغرب، وشردت المغاربة، وفرقت ما جمع الله طبيعيا ودينيا واجتماعيا واقتصاديا، فكانت الطامة الكبرى على المغرب والمغاربة، وأصبح الجزء الواحد من وطننا ميتا مشلولا، والعضو الواحد من بلدنا مقطوعا مبتورا...»
 أجل، لقد أذهل المغاربة هذا الوضع وأحزنهم المصير الذي آل إليه بلدهم، وعانوا من ذلك بؤسا وشقاء، وتخلفا اقتصاديا، وعزلة دولية، وانقطاعا من التواصل مع العالم العربي والإسلامي، وتعرضت الأحكام الشرعية للانتقاض والعدوان من خلال «الظهير البربري» ومزاحمة القوانين الأجنبية واللوائح الإدارية، في حين كان الاستعمار يجني خيرات البلاد ويتحكم في مصيرها، ويمن على المغاربة أن وضعهم تحت أقدام الذل والهوان، ويصور لهم سراب خداعه تمدنا عصريا، وتقدما إنسانيا، وسلما اجتماعيا، ورد المغاربة على ذلكم الخداع المفضوح بالمقاومة المسلحة، ثم بالعمل السياسي بقيادة بطل التحرير الملك محمد الخامس – طيب الله ثراه – وبمعيته وارث سره جلالة الملك الحسن الثاني اللذان وضعا أدق الخطط وأجلها للتخلص من ربقة الاستعمار، وقادا معركة الكفاح لتحرير البلاد وإصلاحها وتقدمها وازدهارها، منطلقين من منطلقات الأصالة الدينية، والهوية الحضارية والتاريخية، والكرامة الوطنية، وقد التف الشعب حولهما، وآزرهما في مساعيهما، فكانت التضحيات وأعمال المقاومة والفداء.
وبذلك حقق المغرب استقلاله، واستعاد كرامته وحريته، ودخل في عصر جديد من الإصلاح والبناء والتجديد، وتحرير الصحراء والثغور، وهي المرحلة التي يعيشها الجيل الجديد من الشباب الذين قدر لهم أن يشاركوا في بناء هذه المرحلة: سياسيا، واجتماعيا، واقتصادية، مساهمين بذلك في إتمام ما أنجزه جل الاستقلال الذي خاض معركة التحرير ببسالة وشجاعة، وإقدام ونكران ذات.
ولقد  واكب الشعر المغربي هاتين المرحلتين، إذا كان الشعر من وسائل الكفاح ضد الاستعمار، فإن الشعراء أفجعهم مصير الوطن المحتل، وحرز في نفوسهم، أن تبعث به غطرسة المستعمرين الدخلاء، وتعلقت مطامح   نفوسهم شأنهم شأن جميع بني وطنهم بمشروع الاستقلال والحرية المجيد، ممثلا في الملكين المجاهدين محمد الخامس – طيب الله ثراه – والحسن الثاني – أعزه الله وأطال عمره – وصرفو لذلك هممهم للإعراب عن ذلك الوفاء للمقدسات.
والشعراء الذين خاضوا هذا الميدان، وأبدعوا في هذه الأغراض كثيرون يضيق عنهم الحصر، منهم المقل ومنهم المكثر ولكنهم مجمعون على عدالة القضية الوطنية ، واعون بمضامينها، شاعرون بأنهم جنودها ولسانها، وأن عليهم اهتبال كل فرصة للحديث عنها،
والإشادة بالجهود الملكية الكريمة في سبيل تحقيق الأماني الوطنية في الحرية والكرامة، وهؤلاء الشعراء الذين ذهبوا هذا المذهب، وساروا في هذا المسير ينتمون إلى مختلف الأقاليم الشمالية والجنوبية والصحراوية، ومعنى ذلك أن المغرب بأجمعه ممثل في هذا الشعر.
وحسبي من أعلام هذه الرحلة من الشعراء الإشارة إلى هذه الأسماء: محمد القرى، علال الفاسي، محمد المكي الناصري، محمد المختار السوسي، محمد بنموسى، محمد الطنجي، عبد الله كنون، عبد الوهاب بنمنصور، إبراهيم الإلغي، محمد بن اليمني الناصري، محمد داود، محمد العربي الشاوش، أحمد البقالي، ومحمد الطنجاوي، عبد الواحد أخريف، محمد الحلوي، عبد الكريم التواتي، والمدني الحمراوي، محمد البلغمي، محمد البوعناني، محمد بن محمد العلمي، وجيه فهمي صلاح، والمهدي الطود، ومحمد الكبير العلوي، محمد الصباغ، محمد الخباز، حسن الطريبق، محمد العلمي، عبد اللطيف خالص، الشيخ لارباس ماء العينين، محمد السليماني، محمد بن عبد الصمد كنون، وأنا لا أقصد الإحصاء..
ولقد كان تأسيس الاحتفاء بعيد العرش بمقتضى قرار وزاري صدر عام 1934 مناسبة اغتنمها الشعراء والأدباء وكافة أفراد الشعب المغربي للتعبير عما تكنه نفوسهم وضمائرهم للعرش العلوي والجالس على العرش الملك محمد الخامس وأسرته من حب  ووفاء وولاء، وتبارى الشعراء في نظم قصائد تشيد بوطنية الملك وأسرته وجهوده من أجل الوطن وتقدمه، وتحقيق أماني الشعب في الحرية والاستقلال والوحدة.
وقد أحس الشعراء أن هناك حاجة إلى تطوير الأسلوب الشعري التقليدي الذي كان ينظم في نطاق عمود الشعر المألوف ببحوره وقوافيه ووحدته، وذلك لإشراك عامة الشعب وخاصة الشبان، فيما يحسون به من مشاعر وطنية و قومية سياسية، فصاروا ينظمون مشاعرهم الوطنية في شكل أناشيد وطنية قومية، متعددة القوافي، قصيرة المقاطع، خفيفة الأوزان، تغنى في المحافل والنوادي، بأصوات شجية، وألحان عذبة شهية، فاشتهرت وذاعت وحفظت، وكانت من وسائل إذكاء الحماس الوطني، ومظهرا من مظاهر تشبث الأمة بالحرية والاستقلال والوحدة، والوفاء للعرش العلوي.
ومن بين الشعراء الذين سلكوا هذا المسلك الأساتذة: علال الفاسي، ومحمد المكي الناصري، وعبد الله كنون، ومحمد داود، ومحمد بنونة، وناصر الكتاني، إبراهيم الإلغي، ومحمد اليمني الناصري، ومحمد الطنجي.
وقد نشر الأستاذ عبد السلام الغازي الشيخ نماذج من هذه الأناشيد في كتاب أصدرته جمعية قدماء معهد مولاي الحسن بتطوان عام 1416 – 1995، بعنوان « مجموعة الأناشيد المختارة» - (السلسلة الأولى والثانية)، وقد تضمنت «مجلة السلام» التي كان يصدرها العلامة المؤرخ محمد داود نماذج من هذه الأناشيد.
والشعراء المنتظمون في هذا السلك كثيرون، وأعمالهم الشعرية تزرى بالاستقصاء.
وسأذكر في هذه العجالة بعض النماذج التي هي كالعنوان لغيرها من الإبداعات، وعسى أن يوجد من بين طلاب الجامعة من يجعل هذا الموضوع عنوان رسالة أو أطروحة يتمكن فيها من جمع شتات الموضوع وتحليله التحليل المناسب مع ربطه بالمناسبات الوطنية والمنجزات العلمية.
واختياراتي هذه إنما هي بحسب ما أتناوله الآن من بعض أعداد مجلة دعوة الحق وغيرها من الدواوين، كديوان الأستاذ محمد الحلوي الذي يحمل عنوان «شموع»  ومن «الديوان المخطوط» لشاعر القصر الكبير المرحوم الحاج محمد المهدي الطود، و «ديوان» الشاعر النابغة القاضي محمد الخباز المسمى «شذور ونفحات»، لا حسب جدارة الشعراء أو تفوقهم في الإنتاج والعطاء.
فمن الشعر الذي يخلد ذكرى عيد العرش قول الشاعر محمد البلغمي:
 عيد المفاخر بالسنا قد أسفرا
                   وبيمن عهدك في بلادي نورا
 وزهت ببشراه الدنى وتسربلت
                   بالحسن في كل الحواضر والقرى
ومنه قول الشاعر الأستاذ عبد الكريم التواتي:
(مثناي) يا فخر الملوك فؤاديا
                   بعيدك يغدو والها متصابيا
 بعيدك، يامن كنت للعيد عيده
                   تغنيت نشوانا، أزكى ولائيا
 أزكى وفائي للحمى ومحبتي
                   لعرشك، فأقبل فرحتي وثنائيا
ومنه قول الشاعر أبي بكر المريني:
 الشعب بالعرش لهاج وملتحم
                   والشعب بالعرش أخاد ومعتصب
 والقائد الحسن المغوار معتصم
                   بالله والعروة الوثقى كمـا يجب
 يمشي ونور الهدى نبراس خطواته
                   والله ينصره لا المال والخطب
 وعرشه الحب منسوج بأفئدة
                    وتاجه العدل لا الياقوت والذهب
ومنه قول الشاعر محمد الحلوي:
  عيد تتيه بحسنه الأعياد
                   ويطيب فيه الشعر والأمجاد
 والطير يشدو فيه عذب لحونه
                   والغصن في روضـاته مياد
 والأرض ألبسها الربيع مطارفا
                   مـا مثلها في وشيها أبـراد
ومنه قول الشاعر عبد الواحد أخريف:
 أهل بالبشر طلقا باسما جذلا
                   عيد يعيد من الأفراح ما كثلا
 تضاعفت فيه آيات السرور فقد
                   عافاك ربك لما برد العللا
 عيدان في الحق حلا بين أظهرنا  
                   للعرش عيد وللإبلال ما جملا
ومن الشعر الذي يخلد ذكرى عيد الشباب قول الشاعر الأستاذ أحمد عبد السلام البقالي:
 ولد العزيز يوم مولد ثاني
                   الحسنين الفذ العظيم الشان
وسرت بشرياته كأريج العطر صبحا وافتر ثغر الزمان والأماليد أينعت فرحا والطير غنت شعرا على الأغصان
 بشرتنا طوالع السعد باليو
                   م الذي جاء فيه للأكوان
 ملك جدد الشباب لأرض
                   ولشعب في حبه متفان  
حمل الشعلة المضيئة من بعد أب كان شعلة الإيمان كل يوم نصر جديد من الله وفتح مؤزر رباني
 فاختياراته استخارات قلب
    مؤمن ملهم من الرحمان
ما نبا سيفه ولا أخطأت كفاه صنعا لصالح الأوطان
ومن مختار الشعر الذي يخلد ذكرى المسيرة الخضراء قول الشاعر الأستاذ محمد البلغمي:
 إخوة الصحراء كم من صلة
                   بيننا شدت بأقوى بسبب
 لم ينل من حبلها مستعمر
                   أودعا من دعاة الشغب
 منذ ادريس إلى عاهلنا
                   وهي تقوى بمرور الحقب
 وسنبقى أمة تجمعها
                   بيعة العرش وإسلام النبي
ومما قيل مدحا للملك الراحل محمد الخامس قول الشاعر الوزير محمد بنموسى من قصيدة ألقاها بين يديه في الرباط عند زيارته لها على رأس وفد خليفي:
 أجل ملوك الأرض قدرا وخيرهم
                   نجارا وأمضى في الحقوق مناضلا
 وأشرفهم في الباقيات مواقفا
                   وأكرمهم في الصالحات أناملا
 حمى حوزة الإسلام فاشتد ركنه
                   وأخلد شأنيه إلى الأرض ناكلا
ومن هذا النمط قول الشاعر محمد الطنجي مهنئا له بعيد العرش:
 هل بياني مساعدي خيالي
                      فأصوغ القصيد طوع ارتجال
 أم لعيد الجلوس روعة عرش
                   تذهل الفكر عن بليغ المقال
فلعيد الجلوس في قلب شعبي
                  حرمة أفعمته بالآمال
 ومنه قول الشاعر الوطني محمد العربي الشاوش في عيد العرش كذلك من قصيدة له بعنوان: « أنتم بنا ونحن بكم»
  سما في سماء العلا عيدكم 
                    وأضحى كشمس الضحى عرشكم
  وصار اسمكم علما للجهاد
                    فيحيا اسمكم وكذا مجدكم
  ملكت القلوب بهرت العقول
                    بنبل وحسن شمائلكم
  وفزت بحب وعطف الورى
                    جزاء لصدق عواطفكم
  فأنت الزعيم وأنت الحكيم
                    جمعت الفضائل في شخصكم
 وديوان الشاعر محمد الحلوي «شموع» حافل بكل طريق من فنون الشعر، وقد قسم هو نفسه الديوان أقساما، وهي الدينيات، والوطنيات، والطبيعيات، والقوميات، والاجتماعيات، والمراثي، وهي مواضيع متواشجة تتسم كلها بحب الشاعر لبلده وعمق انشغاله بقضايا الأمة، حيث نراه معنيا بشؤون الإيمان والحرية والاستقلال، وهموم العرب وقضاياهم المصيرية.
 والمقام لا يتسع للحديث عنها، ولكني سأقدم نموذجين من الوطنيات على غرار النماذج التي سلفت حتى يستأنس القارئ بها وأولها قوله من قصيدة على لسان مدينة مليلية المحتلة:
  أزفت ساعة عودي للوطن
                    فليمت غاصب أرضي وليجن
  قلعة كنت وما زلت على
                    قدمي واقفة رغم الخطوب
  ودمي مازال يجري ثائرا
                    في عروقي لم يعطله نضوب
  ورجالي مثل ما أعهدهم   
                    أسد مكلومة عند الوثوب
  واحتلال الأرض تنهي عمره
                    ومآسيه إرادات الشعوب
 ومن ذلك قوله عن مدينة سبتة المحتلة:
لاحت رباها الخضر شاحبة الرؤى خلف الحدود
               حسناء ترفل في السلاسل والغلائل والبرود
أجرى وراها  في جنون وهي تمعن في صدود
               كالفجر طلعتها الوضيئة في ابتسامات الورود

أبصرتها في الحزن غارقة وفي أسر القيود
               وسمعت أنتها الجريحة في الحنايا كالوقود

ياسبتتي رغم الأنوف ورغم عجرفة الحسود
                ما أنت إلا درة في تاج مغربي العتيد
ياسبتتي ! رغم الأنوف ورغم عجرفة الحسود
               قسمنا سيجمعنا الزمان ونلتقي في يوم عيد
وديوان الشاعر المرحوم محمد المهدي الطود
 مخصص أكثره للكفاح الإسلامي والوطني، وقد سماه صاحبه لذلك باسم: «في غمرات النضال» وينقسم إلى ستة أقسام:
- باب الإسلاميات.
- باب النضاليات.
- باب الاجتماعيات.
- باب المراثي.
- باب الإخوانيات.
- باب الأناشيد الدينية والوطنية التوجيهية.
وقد أوضح أخوه الفقيه الأستاذ الصديق السيد الحاج عبد القادر الطود جامع «الديوان المخطوط» في مقدمة وضعها عليه أن الشاعر خصص معظم شعره لقضايا التحرير والوحدة والوفاء للعرش، وفي هذا يقول:
«ولا يفوتنا أن نعلن أن الشاعر – رحمه الله – كنظرائه ومعاصريه في ميدان الكفاح الديني والوطني – قد جعل من العرش العلوي العتيد، ومن مفخرته في مرحلة منازلة المستعمر الغاشم، وانتشال حرية البلاد واستقلالها من براثينه – جعل من بطل العروبة والإسلام جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، كما جعل من مفخرة حقبة الجهاد الأكبر حقبة البناء والتشييد والتنمية، وتحرير بقية الأجزاء المغتصبة وضمها إلى حظيرة الوطن الأم، وترسيخ قواعد الشورى والعدالة الاجتماعية بالبلاد، وتمتيع الشعب بنعمة الحياة الدستورية، ومحق شبح الحكم الفردي والحزبي الوحيد، حافظ عهد أبيه ووارث سر أبيه من بعده، والمقتدي بمنهاجه فخر الملوك أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني نصره الله وأعز الله أمره – جعل الشاعر من المفخرتين العظيمتين خير ملهم لشاعريته، وموقظ لسجيته، وملهبا لجذوة حماسه..»
فالديوان كما يبدو من صميم ملحمة الاستقلال والوحدة والوفاء والبناء، وهو لذلك جدير بأن يكون محط اهتمام الباحثين والدارسين لهذا النوع من الشعر الوطني الرائع العظيم.
وسأكتفي في هذه العجالة بإيراد نموذج واحد من هذا الديوان، لتشابه قصائده في الجودة، ورغبتي في الفراغ من هذه الجولة، والنموذج من قصيدة طويلة بعنوان: «المثل المحتدى»، وموضوعها عيد الشباب لعام 1976، وفيها يقول (ص: 183)
بعيدك رفت علينا بنود
                  ومنه عرفنا سبيل الورود
تركت لغيرك ما يشتهي
                  ومن شوكها قد قطفت الورود
تسابقنا هدفا هدفا
                  لسقي السهول وغرس النجود
إلى أن تخلت شبيبتنا
                  عن اللهو وانصرفت للجهود
تسير بهمة رائدها
                  مسددة بالنفيس تجود
ويقول محمد الخباز في ديوانه من قصيدة بعنوان «عيد الاستقلال والوحدة» مزكرا بجهاد الملك محمد الخامس طيب الله ثراه:
 أمضيت عزما يابن يوسف ثابتا
                   وإذا عزمت فلن يردك أيد
 وإذا عزمت جثا الزمان وأقبلت
                   من باسم الآمال نحوك قصد
 يا منقذ الوطن الحبيب ومن به
                   بوفائه نيل المنى والمقصد
 نالت به حرية مرموقة
                   نحيا لها ولها نموت ونفقد
         قدنا إلى عهد المودة و الهدى
                 فلطالما عشنا نذل وننكر
 قدنا إلى عهد جديد زاهر
                   عهد يصان به الهدى والسؤدد
 قدنا فما منا الذي لم ينتصب 
                   بفؤاده لك منبرا أو مقعد
ومن مختار الشعر الوطني الحماسي – وبه أختم هذه النماذج – في الإشادة بمآثر أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، قول شاعر الوحدة الأستاذ محمد الكبير العلوي من قصيدة له بعنوان: «آيات البشائر»:
 إمام أحبته الجماهير حبه
                   لها وله فيها الغرام المسهد
 وبادلها حبا بحب فأخلصا 
                  وكل له عهد مصون مؤكد
 إمام عظيم الشأن سام مؤيد
                   وعرش أثيل المكرمات ممجد
 وشعب وفي شامخ مخلص الذرى
                   نماه إلى العلياء فرع ومحتد
 إمام طموح بالبلاد إلى العلى
                   وشعب لإدراك المرام مجند
 هو الحسن الثاني به ندرك المدى
                   ونغبط إجلالا عليه ونحسد
 زها المغرب الأقصى به وبعرشه
                   وسامي الثريا عهده المتجدد
 ففي كل شبر منه روض وجنة
                   ومدرسة شما وسد ومسجد
 فإن يك في الدنيا إمام مجدد
                   فأنت ورب البيت فيها المجدد
وهكذا نجد الشعر قد احتفى بملحمة الاستقلال والوحدة والبناء والوفاء، وسار في موكبها، حاملا شعلة النضال، موضحا مزايا الاستبسال والاستشهاد والجد في بناء الوطن، مكبرا جهود العاملين من أجل رفع صروحه، وتحقيق وحدته، وحماية مقدساته، مشيدين بمنجزات عهد الاستقلال العملاقة، التي شملت الإنسان والتراب والسهول والجبال والأنهار، وبثت الخير في كل الربوع.
وعرفنا من شعراء هذه الفترة رجالا أتقنوا صنعة الشعر، وأجادوا في ميادينه، ولم يقصروا عن شعراء العربية الكبار إتقانا وابتكارا، رغم بعض الهفوات أو الانتقاد الذي يمكن أن يوجه إلى بعضهم أو بعض غرر قصائدهم، وهذا لا يحجب عن الأنظار فضائلهم، ولا يعثر بخصائص محاسنهم، ولا يحل من عرى براعتهم، فالشعر المغربي مثال النبوغ المغربي في القديم والحديث يؤكد أصالة هذا البلد وصبغته الحضارية، وروحه الوثابة، وشاعريته الوهاجة ووجهته النضالية.
ولم يكن الشاعر المغربي مرتزقا فيما نظم من هذا الشعر الوطني، وإنما كان يعبر عن عواطف جياشة، ومشاعر صادقة، والتزام بقضايا الحرية والوحدة والاستقلال المصيرية، وإعجاب ببطولة كل من جلالة الملك محمد الخامس محقق الاستقلال والحرية، ووارث سره موحد الأمة والوطن جلالة الملك الحسن الثاني.
الذي أرسى أسس الاستقلال والحرية، وحرر الصحراء، ونشر العلم في طول البلاد وعرضها، وأسس المدارس والمعاهد العليا والكليات، وأضح نهج المؤسسات الدستورية، وبنى المساجد والسدود، ووضع قواعد النمو الاقتصادي والاجتماعي، وأقام علاقات السلم والتعاون مع دول المعمور، ودافع عن قضايا الإسلام والمسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي وخاصة في فلسطين، ولا يزال يوالي المساعي الحميدة من أجل رفعة الوطن وتقدمه، وتحقيق مصالحه، ورفعة شأن العالم العربي والإسلامي، فلا غرابة أن يولع الشعراء والأدباء بتسجيل غر هذه المفاخر، والهيام ببديع تلكم المآثر، وخاصة في عيد العرش المجيد، الذي هو بالمغرب أكبر مناسبة لتجديد عهود الوفاء، وتأكيد عقد البيعة والإخلاص والولاء.
فالله نسأل أن يديم عزه ونصره، ويقر عينه بشبليه الأغرين الكريمين، وأسرته الشريفة العلوية المنيفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here