islamaumaroc

الأندية الأدبية بين الإشعاع الثقافي والعمل الوطني خلال فترة الحماية.

  حسن جلاب

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

لا نحتاج الى التأكيد على الادوار السياسية والعلمية التي نهضت بها مراكش عبر التاريخ مما هو معروف ومتداول.
فقط كانت عاصمة لدول مغربية عظمى كالدولة المرابطية والموحدية والسعدية، ولعدد من ملوك الدولة العلويةن فالتقت بها حضارات المغرب العربي والاندلس واقصى الصحراء والسودان. واجتمعت فيها نخبة من ادباء المغرب والعالم العربي والاسلامي، وعقدت بها المجالس الادبية والعلمية والمناظرات. وكان اشعاعها العلمي مستمرا ومتواصلا حتى أثناء انتقال كرسي الملك الى غيرها من المدن المغربية، وذلك بفضل جامعتها ومدارسها العلمية، ومكانتها التاريخية والاقتصادية..(1)
إلا أن الاوضاع قد تغيرت بمراكش- والمغرب عموما- في آخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقد تسابقت دول امبريالية الى احتلال البلدان العربية والافريقية، فاستعمرت فرنسا المغرب تحت ستار حمايته وتحديثه، بإدخال الاصلاحات اللازمة على الادارة، والتعليم، والمرافق الاقتصادية، وجعله في مستوى الدول العصرية دون المساس بمقدساته الوطنية والدينية.
وقد تبنت طبيعة نوايا الاستعمار الفرنسي بعد توقيع الحماية :
- يمنع كل مظاهر الحرية، وباستعمال القوة والقمع والعنف في مواجهة كل مظاهر التفتح أو الوحدة او المطالبة بالاصلاحات والحقوق.
- السيطرة على الاراضي الخصبة بالمغرب (من خمسة ملايين هكتار المستغلة حوالي مليون هكتار نزعت ملكيتها من السكان). (2)
- استغلال الخيرات المنجمية للبلاد وعدم الاهتمام بخلق صناعات يستفيد منها السكان وترفع من مستواهم المعيشي، وإنما اهتموا بالصناعات المكملة للاقتصاد الفرنسي.
- ربط التجارة المغربية بالاسواق الفرنسية، فبلغت نسبة التعامل معها 95 %.(3)
وقد رفض المغاربة هذه الحماية جملة وتفصيلا، وعبروا عن ذلك بواسطة ثلاث ثورات في مختلف مناطق المغرب :
1- ثورة احمد الهيبة بتارودانت والجنوب : والتي بلغت مراكش وانتهت بمقتله سنة 1919م.
2- ثورة موحا وحمو الزياني بالاطلس المتوسط والتي استمرت من 1907 الى 1920.
3- ثورة الريف : هي اهم هذه الثورات بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، واستمر الرفض على يد رجال الحركة الوطنية الذين تعلموا في المعاهد الدينية، وعلى رأسها القرويين وابن يوسف، وتشبعوا بالمبادئ السلفية التي كان بعض علمائنا ينشرونها، من امثال محمد العربي العلوي، وابي شعيب الدكالي. وكانت تتصدى للحملات التبشيرية والتدجينية التي رام بها الاستعمار الفرنسي مسخ البلاد وتقويض مقدساتها.
ولعل أفدح هذه المحاولات كانت تتجلى :
- في الظهير البربري الذي كان يرمي الى التفريق بين العنصرين المسلمين : العربي والبربري، بالتمييز بينهما في التعليم، والتقاضي والتوجه...
- نشر الشعوذة والتدجيل بتشجيع المواسم، وإحياء العادات، والبدع.
- عزل المغرب عن المشرق : يفرض قيود على الحجاج ومنع دخول المجلات والجرائد، وفرض الرقابة على ما كان مسموحا له بالصدور داخل البلاد.
نتج عن هذا كله انتشار البؤس والفقر بين كل الفئات، وتعميم القمع والقهر.
وقد استعان المستعمر في ذلك ببعض الاطر المغربية المغرر بها من باشوات وقواعد ورجال الاستخبارات.
وقد ابتليت مدينة مراكش وناحيتها بأشدها قسوة وجبروتا من أمثال : الجلاوي، والبياز، والعيادي والكندافي والاوريكي وغيرهم.
ومن أبلغ الامثلة على ما كان عليه الوضع الاجتماعي بمراكش اثناء الحماية ما حدث يوم 24 شتنبر 1937 خلال زيارة المسيو رمادي وزير الاشغال العمومية العامة لمدينة مراكش، صحبة الجنرال جوان. فنظمت له الاقامة العامة استقبالا باهرا، حاولت أن تظهر له المدينة على وجه غير وجهها الحقيقي. ولكن فرع الحزب الوطني بالمدينة حشد حوالي خمسة آلاف من البائسين الجائعين العراة رجالا ونساء واطفالا هتفوا كلهم بسقوط نظام الحماية الذي انتزع منهم أرضهم. وكان سببا في شقائهم وبؤسهم.(4)
ولم يفلح الاستعمار في أسكات صوت المقاومة والرفض بكافة وسائله، بل استمرت المقاومة في ضرب مصالحه والمطالبة بالاستقلال، شاركت فيها كل الفئات الاجتماعية من حرفيين وعلماء وتجار وطلبة (كثيرا ما تظاهر طلبة جامعة ابن يوسف امام قصر الجلاوي مع علمهم انه سيتعرضون للجلد، وكانوا يتضامنون مع اخوانهم طلبة القرويين كلما ألم بهم مكروه).
لا يمكن ان يزدهر الفكر والثقافة في ظل الاستعمار والقهر والرقابة والتسلط. وقد حال المستعمر دون ذلك ليستمر الركود العلمي والادبي، إذ لم يكن من مصلحته ان يحصل اي نشاط ثقافي او ادبي او تفتح علمي. وكانت الحركة الوطنية على النقيض من ذلك تسعى لخلق هذا النشاط بوسائلها الخاصة  مثل :
- المطالبة بإصلاح التعليم الاصيل بفاس ومراكش والابقاء عليه. وكان الهدف منه تنمية الروح الوطنية في الشباب وتربيته على حب الوطن، بتمثل التراث العربي الاسلامي الذي يتجلى في اللغة العربية، والعقيدة الاسلامية، والعلوم الدينية.
- تأسيس الكتاتيب القرآنية النمودجية، والمدارس الحرة التي تعنى بنشر اللغة العربية، ومواجهة مدارس الاعيان التي كانت تخرج عملاء الاستعمار وتراجمته.
- العمل على إصدار الصحف والمجلات ضدا على جبروت الرقابة وتعسفها. وقد تم ذلك بعد سنة 1932 بشمال المغرب ثم بجنوبه.
- وكان لهذه الجرائد والمجلات على قلتها، ومع ظروفها المادية والتقنية المتواضعة، دور في إبراز بعض الاسماء في مجالان الابداع والنقد الادبي من مختلف المدن المغربية.
- الاحتفال بعيد العرش الوطني.
- الحرص على الاتصال بالمشرق، والتعرف الى ما كان يعرفه من صراع، وما ينتجه علماؤه وأدباؤه، وذلك بقراءة بعض الجرائد والمجلات الصادرة فيه.
- عقد الندوات العلمية والادبية في المدارس والمنازل والعراصي، وتأسيس النوادي الادبي لتبادل الاخبار الادبية والمجلات العلمية، وتنمية الملكات عن طريق المساجلة والمناظرة والمحاضرة..
وقد عرفت مختلف المدن المغربية بعض هذه الندوات.

* الاندية الادبية بمراكش :
لعل ظروف مراكش كانت أقسى من ظروف باقي المدن المغربية : فقد ابتليت- كما هو متداول بين سكانها- باستعمارين وقهرين ورقابتين تتمثل :
- في سلطات الاستعمار.
- وسلطة الباشا الكلاوي وأتباعه ومساعديه.
فعاشت في شبه عزلة عن باقي المدن، فلم تكن يدخل اليها بنفس السهولة ما كان يدخل الى مدن الشمال او وسط البلاد من مجلات وجرائد. ولم يكن علماؤها وادباؤها المتشبعون بالروح الوطنية يعقدون لقاءاتهم وجلساتهم الا في ظل التستر والكتمان، تتعقبهم عيون الباشا أينما حلوا.
ولعل خير مثال على ذلك نفي محمد المختار السوسيي الى إلغ بعدما اشتد الاقبال على مدرسته العلمية. ذات المستوى العلمي الرفيع. والتي أصبحت منتدى ادبيا لشباب المدينة وملتقى لعلمائها. بالرغم من الطابع العلمي المحض لهذه المدرسة، فتح إغلاقها وإبعاد صاحبها.
إلا ان ابناء المدينة لم يستسلموا لذلك، وسعوا الى التعلم والابداع والانتاج، إن في جامعة ابن يوسف، أو المدارس الحرة، أو المنتديات الادبية.
أما الاندية الادبية التي عرفتها مدينة مراكش فيمكن تصنيفها الى صنفين :
1- صنف تغلب فيه الصبغة الوطنية على الادبية، يهتم اصحابه بتحميس الشباب، وتداول ادب المقاومة، والاناشيد وكتب التحرير والانعتاق. يتمثل في :
- نادي الاديب الشاب عبد الله ابراهيم.
- ونادي الشاعر عبد القادر حسن صاحب ديوان "احلام الفجر". وكان أعضاؤها من شباب جامعة ابن يوسف وطلبة المدارس الحرة.
2- صنف تغلب عليه الصبغة الادبية واللغوية، وتكثر فيه المساجلات والنكت والمناظرات والمحاضرات ويتمثل في :
- نادي محمد المختار السوسي بالرميلة.
- نادي محمد بن ابراهيم "شاعر الحمراء" بروض الزيتون.
وهما يختلفان من حيث اعضاؤها، ونوعية مساجلاتهما ومقاصدهما واهتماماتهما.
وسنقدم امثلة لهذه الاندية وتوجهاتها الوطنية.

* نادي المختار السوسي بالرميلة :
كان اول اتصال للمختار السوسي بمراكش اول محرم من سنة 1338 هـ/ 1919م وهو في مرحلة الطلب. ودرس على علمائها، ومن أبرزهم : أبو شعيب الدكالي الذي التقى به سنة 1342هـ/ 1923م.
وسيعود اليها سنة 1348هـ/ 1929 بعد ما تزود بالعلم في فاس.
وقد أشار الى ذلك في مذكراته فقال (حللت بالحمراء وقد القيت فيها مرساتي، وأنوي ان افضي الواجب علي لديني ولوطني ولشعبي. ما بين تلميذ يهذب، وبين درس وإرشاد يلقى، وأنا في جانب ذلك اناجي اليراع فيما عسى ان يرفع من شأن هذه الامة من احياء ما اندثر من ٍآثار ماضيها، ومن المحافظة على العربية الفصحى التي أراها في انهيار..)
فكان هدفه نشر اللغة العربية، والعلوم الدينية لإعادة المدينة الى اشعاعها العلمي الموروث.
وسيرتبط بهذه المدينة لتصبح لديه أهم من مسقط رأسه. وقد عبر عن ذلك في بعض كتبه كالمعسول والألغيات.(5) وصدرت عنه في حقها عدة أقوال :
- كانت مراكش عندنا جنة المأوى). (6)
- قال : (إنها موطني الثاني وموطني الحقيقي).(7)
- وقال عنها وفي المنفى : (لاأزال انتظر اليوم الذي ارجع الى الحمراء فأرجع فيه الحياة. وهل الحياة عندي إلا بين تلاميذي وأصحابي المراكشيين الاحرار).(8)
وأخبر سنة 1361 هـ/ 1942م أنه حر طليق في كل مدن المغرب ماعدا سكنى مراكش، فأصر على أن يسمح له بذلك قائلا : (إن حياتي لا تتيسر الا في الحمراء لأنني ابن الحمراء، وهناك مركزي ومعارفي).(9)
وفي الالغيات مجموعة من القصائد التي قالها في المدينة، أو مراسلة بعض أدبائها واعلامها الذين توثقت الصلة معهم أثناء حياته بينهم.
وقد قدم له هؤلاء المساعدات اللازمة للقيام بمهام التعليم والتربية في الزاوية الدرقاوية بالرميلة التي حولها الى مدرسة، وداخلية ومنتدى علمي وادبي. ذكر اسماء الكثير منهم في كتبه وخاصة الألغيات. (10)
وكان يرمي تكسير الجمود الذي اتسم به التعليم في المدينة بالاهتمام الى جانب العلوم الدينية بدروس اللغة والادب : شعراء ونثرا.
وكان يرمي تكسير الجمود الذي اتسم به التعليم في المدينة بالاهتمام الى جانب العلوم الدينية بدروس اللغة والادب : شعرا ونثرا.
وكان له ولع بير بتأسيس الجمعيات والاسهام فيها المجيء الى مراكش.
فقد كان على علم بالندوة الادبية التي تنظم بإلغ على يد علي بن عبد الله الإلغي.
- وما كان يعرفه موسم احمد وموسى بتزروالت من مساجلات شعرية وطرائف أدبية.(11)
- كما أنه كان من المساهمين في تكوين حمعية ادبية للكتابة والخطابة، قرض الشعر بفاس أثناء إقامته بها للدراسة.(12)
وعندما حل بالمدينة بلغ هذا الشغف مبلغا كبيرا قال عنه : (إذ ذاك صدر عني ما يمكن ان يحمل سمة الادب شعرا ونثرا).(13)
ويمكن اعتبار الشهور الاولى الموالية لحلول المختار السوسي بمراكش تاريخيا لبدء نشاط هذا النادي الذي سيذكره في الالغيات عند حديثه عن ادباء مراكش الشباب، أو كما سماهم "أدباء الرميلة" قائلا عنهم : (فتكون حولنا بهم ناد ادبي فابتهجنا بالحمراء وبنهضتها المباركة).(14)
وكانت له انشطة متنوعة، أهمها :
1- تدريب الشباب والطلبة على قرض الشعر، وتحليله وفهم معانيه، وكتابة الرسائل والخطب، وكان ذلك عبر مرحلتين :
أ- نظم مقطوعات شعرية على لسان بعضهم لالقائها امام زملائهم دفعا لهم لحفظ الشعر، وتدريبا لهم على قراءته، وتكليفهم بحفظ القصائد المشهورة في الاب العربي القديم والحديث والادب الاندلسي والمغربي وانشادها واستحضار معانيها.
ب- قيامهم بعد ذلك بنظم الشعر، وإرشادهم الى مواطن الضعف والخطأ لتجنبها.
وفي الجزء الثالث من الالغيات نماذج من هذه القصائد، سواء تلك التي كتبها على لسان الادباء الشباب او التي نظمها هؤلاء انفسهم، من أمثال : سالم الرحماني، ومحمد بن ابراهيم الدفالي، والمكي الشريف العمراني، ومحمد البارودي المراكشي، وعرفة الفاسي، وأحمد شوقي الدكالي.. وغيرهم.
وللمختار إعجاب كبير بهذا الاديب الناشئ، ووما خاطبه به :
مددت حبال الوصل نحوكم مدا 
  وحاولت جهدي ان أصون لكم عهدا
تصدون لكن أوالي وصالكـم
  وألقي وراء الظهر ذالكم الصــدا
وله فيه قصيدة ثانية، مطلعها :
شوقي فياض الى شوقــي
  غنت به سواجع الــــــورق(15)
وقال عن أسلوبه في تعليمه وصقل موهبته (فكنت اعتني به في هذه الناحية (اي الادب)، فأطارحه القوافي في كل مناسبة، وفي كتاب الرميليات طائفة مما كنت خاطبته به.. وكنت أمعن في تعنيفه وتثريبه، ثم يعجبني منه ان يعرف لي هذا الاخلاص في نصحه)،(16) وغالبا ما كانت تعقد هذه الجلسات الادبية عشية الاربعاء ويوم الخميس.
2- المساجلات الادبية : انت تقوم على رواية الشعر ومناقشة مضامينه والتعليق عليه والتباري في حفظه واستظهاره، وكان للشعر الاندلسي مكانة خاصة في هذه الجلسات، وولع روادها- تأثرا بالمختار وبعض ادباء سوس- باستظهار كثير من الاخبار والقطع الشعرية والرسائل وغيرها، مما ورد في كتاب نفح الطيب للمقري.(17)
ولم تخل هذه الجلسات من تبادل الملح والطرائف الادبية. وقد أشار المختار الى ذلك قائلا (.. نتجاذب  رغد العيش وملح الاداب وغرر الأشعار، ونتهادى افكارا لها قيمتها في حياتنا إذ ذاك وبعد ذلك..).(18)
وكان لهذه الجلسات التدريبية، والمساجلات الادبية، أثر في صقل مواهب بعض الشعراء الشباب، وبلوغهم مرتبة ارتاح لها استاذهم فنالوا اعجابه، وأسهموا بما كانوا ينظمونه من شعر في تنشيط الحركة الادبية بمراكش بعد طول ركود، وقد أشار المختار الى ذلك، ونبه عليه يقول : (وتحت ذلك الجو نشأ شعراء في صفوفنا ظهرت بعض آثارهم للوجود).(19) وذكر اسماء بعض من النوابغ فقال : (الى ان نبغ عندنا افراد كالحسن التناني ومحمد التناني ومحمد الروداني واحمد شوقي الدكالي وعرفة الفاسي ومحمد الأسفي وابراهيم الألغي، وآخرون).(20)
وكان يحضر هذه الجلسات الى جانب هؤلاء الادباء الشباب ادباء مشهورون من مراكش : مثل عبد القادر حسن، ومولاي أحمد النور، ومولاي الصديق، ومولاي مبارك الكتاني.
3- المساجلات اللغوية :
عرف المختار السوسي بسعة معلوماته ومحفوظه اللغوي وولعه بالبحث عن مدلولات الالفاظ، والغريب منها خاصة. وقد وظف الكثير من ذلك في شعره كما هو ملاحظ وظاهر. وقد حدثني احد ادباء مراكش، (21) الذين عاشوا المرحلة المتأخرة من هذه الجلسات الادبية، ان المختار كان يبادر الى توجيه السؤال الى مخاطبيه كلما عرضت في الحديث او في نص شعري كلمة غريبة. كان يجد الجواب عند الجمع احيانا ولا يجده احيانا اخرى. فيقدم لهم المعنى مرفوقا باستشهاد شعري أو نكتة ادبية او احالة الى كتاب ادبي وردت فيه اللفظة.
وقد ساق الاديب المذكور نماذج من هذه المساجلات، أذكر منها واحدة على سبيل المثال :
فقد حضر مجلسا من هذه المجالس، كان من جملة الحاضرين فيه الاستاذ الباحث محمد التطواني، وبعض الادباء الشباب، وردت كلمة "الغرقي" على لسان الشيخ، فوجه السؤال الى الحاضرين جملة، وبعد سكوتهم اخذ يسألهم فرادى. وكان من حسن حظ الراوي انه صادف الكلمة في كتاب الكامل للمبرد، واستظهر ذلك، فتصدى للاجابة قائلا : (قال عبد الملك بن مروان يوما لجلساته : أي المنادي افضل ؟ فقال قائل منهم : مناديل مصر : كأنها غرقيء البيض : وقال اخر مناديل اليمن كأنها انوار الربيع. فقال عبد الملك : ما صنعتما شيئا، أفضل المناديل ما قال أخو تميم، يعني عبدة بن الطبيب :
لم نزلنا نصبنا ظل أخبيــة
  وفار للفوم باللحم المراجيـل
ورد، وأشقر ما يؤنيه طابخه
  ما غير الغلي منه فهو مأكول
تمث قمنا الى جرد مسومة
  أعرافهن لأيدينا مناديـــل
فغرقئ البيض يعني القشرة الرقيقة التي تركب البيضة دو قشرها الاعلى الذي يقال له "القيض".(22) وقد أعجب المختار بالجواب، وتوثقت الصلة بين الشيوخ وتلميذه، بما كان يحفظه هذا الاخير من نوادر واشعار واقوال. والامثلة على هذه المجالسات اللغوية كثيرة.
4- تنظيم "اسبوع ادبي" تم فيه تكريم الاديب الشاعر الطاهر الافراني كان ذلك في آخر رجب وبداية شعبان من سنة 1354 هـ/ 1935م، أشار اليه المختار السوسي بقوله : (تلقته مراكش بكلتا اليدين، وأدباء الشباب متوافرون في الرميلة، فتدفقت القوافي والحفلات في أسبوع سميناه "أسبوع الادب"، وقد كان اسبوعا ادبيا رائعا)، (23) وقد ألقيت خلال الجلسات الادبية لهذا التكريم، (24) عدة قصائد، منها قصيدة المختار السوسي في الترحيب بشيخه :
ما للوجوه تهللت قسماتهــا
  وتألقت في المنتدى سماتهــا
ولنكهة الحمراء عادت مثلمـا
  هبت على زهر الربى نسماتها
قامت بها الافراح حتى أنهــا
  لتكاد تمرح غبطة شرفاتهــا
الى ان قال :
يا حضرة الشيخ، التي قد شرفت
  مراكش الحمراء إنشاءاتهــا
وسط القلوب نزلت قبل رياضها 
  وحوتك قبل الفرش مكنوناتهـا
حتى العيون تود لو فرشت على
  ممشى خطاك كرامة مقلاتهـا
وكان من بين المهنئين المكرمين الاديب محمد بن عبد الله الروداني :
لتمد حياتك للفضيلة والعــلا
  والمجد والاحسان للاوطــا
وليبق فوزك بالسعادة دائمــا
  في كل ما زمن وكل مكـان
والى اللقاء ولست انسى عهدكم
  اشدو به في باسق الافنـان
وألقى الاديب الناشيء احمد شوقي الدكالي قصيدة، مطلعها :
هب النسيم وغرد الشحــرور
  وتبادلت كأس الرحيق بدور
وتفتحت زهر الربا فكأنمـــا
  بسمت من الوجه الوسييم ثغور
الى ان يقول :
اهلا وسهلا بالامام ومرحبــا
  أهلا بمن هو في العلوم النــور
طارت بمقدمك السعيد خلائـق
  حنوا إليك وكلهم مســـــور
طافوا بكم وتنافسوا في قربكـم
  إن التنافس فيكم لكبيــــــر
وأقيمت له نزهة بعرصة البياز يوم فاتح شعبان من نفس السنة بما توحي به "النزاها المراكشية" من بهجة وسرور ومرح وتبادل للنكث، وإقبال على  اصناف المأكولات والحلوى. حضرها الى جانب اعصاء النادس عدد كبير من ادباء المدينة واعلامها، وعلى رأسهم شاعر الحمراء، وعبد الله ابراهيم، وعبد القادر حسن ومولاي احمد النور.
وقد صدرت في السنة المناسبة عن الاديب الطاهرالايفراني طرفة رواها المختار السوسي، قال  (ومن نوادره إذ ذاك انه كان يسبج في انواع من الاطعمة الحضرية المتنوعة اسبوعا كاملا، فقلت له يوما : إن اجمت من هذه الاطعمة نوصي من يصنع لك عصيدة. فقال مبتسما بسرعة : وهل سافرنا من بلدنا الا هروبا من العصيدة التي هي طعام بلدنا الوحيد).(25)
وبعد انتهاء الحفل، ودنو ساعة الفراق والوداع، ألقى بعض أدباء المدينة قصائد في توديع الاديب السوسي والاعراب عن سرورهم بمجالسته والاستماع إليه، وكان على رأس المودعين شاعر الحمراء الذي ألقى قصيدة طويلة، منها :
قد طال بي شوقي الى لقيـــاك
   واليوم وافاني الزمان بذاكـا
إني لأشكر للزمان صنيعــــه
   ما كنت اعهدها له لولاكــا
رحبت بمقدمك الصدور فهل مشـى
   فضل الربيع لصدرنا بخطاكا
قد زرتنا فكشفت عنا غمـــــة
   ما كان يكشفها سوى مراكا...
وكان عنوان قصيدة الشاعر عبد القادر حسن (ترحيب عند الوداع)، مطلعها :
نحاني دهري اليوم عن أدبائـــه
   فكأنني ما كنت عن شعرائه
ومما ورد فيها :
هذا رسول المغرب الاقصى أتـى
   من سوس الاقصى الى حمرائه
أهلا وسهلا بالذي قد زرانـــا
   أهلا بمن قد راعني بسنائــه
فتأخرت عني القوافي مرغمــا
   حتى سمعت البين من جلساته
فأتيت أنشد في مقام وداعـــه
وألقى الشاعر مولاي احمد النور المراكشي قصيدة، منها :
لي نحو ســوس تشـــوق
   يعتادني في كل حيــــن
كم يذكر الخبراء مـــــا
   حازت من المجد المبيــن
فيروقني التحـــرير مـن
   علمائهــــا المتضلعين
ويهزني الابـــــداع مــن
   شعرائــــــها المتقنيـن
وألقى الحسن التاناني قصيدة طويلة منها :
أطاهر يا شيخ العروبة، إنهــا
   وحقك في شوق يقيم ويقعــد
بمقدمك الميمون جرت ذيولهــا
   وقد زرتها والوص لاشك يحمد
لئن كنت عنها نازحا فلطالمــا
   غدا صيتكم فيها يغير وينجد
وكان من جملة المنشدين كذلك الشاعر الشاب مولاي عبد الله ابراهيمن والشاعر محمد التناني والمختار السوسي.
وقد رد الطاهر الافراني على هذا التكريم والاحتفال برسائل بعث بها الى بعض ادباء مراكش واعلامها، وخاصة المختار السوسي، ومحمد بن ابراهيم واحمد شوقي الدكالي، لا نريد الاطالة بإيرادها كاكلة.(26)
ورغم ظروف الحماية والاستعمار فقد كان للنادي الادبي اتصال بادباء من مدن اخرى.
وقد ظل أدباء الرباط وعلماؤها حاضرين في ذهن المختار خلال محنة المنفى بإلغ من أمثال : محمد بن العباس القباج، وأبي الشتاء الجامعي، وعبد الله الجراري، ومصطفى الغربي، ومصطفى بن مبارك، ومحمد الغازي، والمدني الحسن وغيرهم.(27)

* النادي الادبي لشاعر الحمراء بروض الزيتون :
يعتبر الى جانب نادي الرميلة اهم نوادي المدينة على عهد الحماية، إلا أنهما يختلفان من حيث الاهداف والمقاصد والاهتمامات ونوعية الاعضاء...
1- فينما كان الاول قائما على تربية النشء وتعليمه وتدريبه على حفظ الشعر وقرضه، وصقل موهبة الشباب الادبية، وتزويده بالارشادات والنصائح، كان نادي ابن ابراهيم قائما على الترفيه وتبادل النكت ورواية الاشغار المتصلة بذلك.
2- وبقدر ما كانت جلسات النادي الاول مبنية على التسامح والتفاهم  والتعاون والتناصح، كانت جلسات ابن ابراهيم مبنية على التعجيز وفرض الرأي، فهو يحب ان يظهر امام مساجليه بأنه الاعلم والاكثر حفظا والاقدر على فهم الشعر وروايته. وقد عرف فيه اصدقاؤه هذه الصفات فكانوا يجاملونه ويتقون غضبه.(28)
3- كانت جلسات النادي الاول منتظمة (اربعاء وخميس) هادئة هادفة، بينما كانت جلساته نادي شاعر الحمراء غير منتظمة قد تعقد كل ليلة، أو تمر اسابيع دون ان يلتقي اصحابها. ترتفع فيها أصوات المساجلة والخصام ارتفاعا. وقد تنتهي بالمشايشة.(29) التي كان شاعر الحمراء احد ابطالها.
4- يتكون اعضاء نادي المختار السوسي من طلبة مدرسته ومجموعة من ادباء سوس ومراكش، ولهم ارتباط وثيق وحميم برجال الوطنية من الشعراء، أمثال عبد القادر حسن، وعبد الله ابراهيم، ومبارك الغراس، وغيرهم. كما أن لهم ارتباطا بنواد اخرى خارج المدينة.
أما نادي شاعر الحمراء فكان يعيش في شبه عزلة، إذ أن بعض الشعراء البارزين ورجال الوطنية مع تقديرهم لموهبته كان يشوب علاقتهم به شيء من التحفظ والفتور، وذلك لما عرف به من مدح للكلاوي والبياز وغيرهما من الذين يعاودون الوطنيين ويدينونهم.
أما أعضاء هذا النادي فينتمون الى فئات الادباء والمثقفين والطلبة وبعض الحرفيين من محبي الادب.
ويمكن ان نذكر منهم : مولاي مبارك العدلوني، مولاي الصديق العلوي، احمد الشرقاوي إقبال، مولاي الطيب المريني، عبد الرحمن بن فارس.. ويعد الحسن التناني هو العامل المشترك بين الناديين. فقد مر في حياته بمرحلتين متناقضتين :
أ- مرحلة جدية تفرغ فيها للدراسة والابداع والعطاء كان لا يفارق فيها شيخه المختار، فكان هذا الاخير يفتخر به، ويتمنى أن يكون باقي طلبته مثله. (وصون الاخلاق عندي أهم شيء في أصحابي، وأود ان يكونوا كلهم في مسلاخ النابغة التناني),(30)
ب- اتصاله بشاعر الحمراء بعد نفي شيخه المختار سنة 1355هـ/ 1936 والمشاركة في مجالسه وسهراته.
وقد شعر بالندم على ذلك، خاصة بعدما انهكت قواه، وأطبق عليه المرض، فحاول تبرير ذلك في محاورة مع شيخه بنفي هذا الاخير وابعاده عن تلامذته قائلا : (إن الزمان لم يحكم عليك انت بالنفي، وإنما علينا نحن بالتشرد والفساد)،(31) وكم من نقمة في طيها نعمة، فقد كان هذا الاتصال سببا في رقي شعره وصقل موهبته، وذلك بشهادة المختار نفسه الذي قال عنه : (حين فرق الدهر بيننا يوم نفتني الحكومة، التصق ببيئة شاعر الحمراء سيدي محمد بن ابراهيم، فترقى شعره وفكره حتى كاد ينفرد بآياته البينات عن أقرانه، وبيئة شاعر الحمراء ببيئة ادبية عالية المنزع.(32)
ولعل حالة التناني خير دليل الفرق البارز بين اتجاهس الناديين واهتماماتها، ومع ذلك لا يمكن إنكار اسهامات هذا النادي ودورع في تنسيط الحركة الثقافية والادبية داخل المدينة :
1-  فقد كان رئيسه شاعرا بارزا ذا موهبة فذة، كثيرا مما يخرج من هذه المجالس بقصائد تجد الصدى الطيب بين ادباء المدينة وغيرهم فتكون موضوع مناقشات وأحاديث خلال زمن غير قصير، وتظل لذلك مثار اعجاب الشعراء الشباب، يتتبعون اخباره ويروون اشعاره في المحافل والمجالس.
2- وكان للنادي ورواياته الاسطورية اثر في تخفيف وطأة الحياة القاسية والكالحة التي عرفتها مراكش، فبالنكتة يدفن الناس معاناة الظلم وقسوة العيش.(33)
3- المساجلات الادبية واللغوية : حدثني الاستاذ احمد الشرقاوي اقبال الذي كان اكثر التصاقا بشاعر الحمراء منه بشيخه في الدراسة المختار السوسي انه حضر نيفا واربعين مجلسا من هذه المجالس.(34) وكانت موضوعاته مختلفة من قراءة الشعر، وقرضه، ومناقشة مضامينه، وشرح غريبه، الى تناول قضايا لغوية، أو قضايا فقهية، وتبادل ملح ونكت وطرائف ادبية او واقعية. وكان الشعر يمسك بخيوط الحديث دائما فيوجع الامثلة، ويجيب المتدخلين، ويعقب عليهم، وكثيرا ما كان يبدي تمسكا برأيه فيحتدم الجدال وتتشعب الاراء.
ونسوق امثلة من هذه المساجلات :
فقد سأل مرة عن مفرد "شمائل" فأجابه الاستاذ الشرقاوي بأنه شمال على وزن كتاب، وأنشد قول الحارق بن عبد يغوث :
ألا لا تلوماني كفى اللوم مابيـا
  فما لكما في اللوم خير ولا ليــا
ألم تعلما ان الملامة نفعهـــا
  قليل، وما لومي أخي من شماليـا
ثم سأل عن مرادفها فأجابه : الشنشنة، واستزاده فذكر كلمات، منها السوس. واستدل عليها بأبيات،(35) وتلاحقت اسئلته ومحاولا تعجيز المجيب.
ودار الحديث في أحد المجالس حول الخمرة ومعانيها. فتطارح الحاضرون أشعارا في الموضوع لعمرو بن كلثوم، وكعب بن زهير، وحسان بن ثابت وأبي العلاء المعري ولشاعر الحمراء نفسه، وابن  الفارض، وطفر الحديث الى الاحوال والاشواق والمقامات بمناسبة ذكر ابن الفارض.(36)
وفي مثل هذه المجالس خاطبه الحسن التناني داعي لمعاقرة الخمرة فقال :
فهيا شاعر الحمراء نشــدو
  لأنفسنا وللأدب الغريــب
وللحب الذي سندير منـــه 
  معتقة على هاذي القلــوب
نغيب بها عن الارزاء إنــي
  أرى طيب الحياة مع المغيب
إذا ما العقل أسعد كل قـــوم
  سعدنا نحن بالعقل السليـب
وهذه الابيات تعكس التحول الذي طرأ على حياة الشاعر التناني بعد نفي شيخه المختار وما كان يعيشه من إحباط وشعور بالضياع.
4- المحاضرات الاذاعية :
ألقى بعض أفراد النادي محاضرات اذاعية، منها  محاضرة الحسن التناني تحت عنوان : (الادب الحي وحظه من اعتنائنا) كان موضوعها حول شاعر الحمراء أذيعت من محطة الاذاعة بمراكش يوم 8 ماي 1949.
كما ألقى شاعر الحمراء، محاضرة روى فيها لقاءاته مع شعرائه مصر وأدبائها.
5- ندوات المناسبات :
كان أعضاء النادي يحتفلون ببعض المناسبات الخاصة، فتلقى القصائد والكلمات، ومنها احتفالهم بشفاء شاعر الحمراء وسلامته من حادث تعرض له سنة 1949, فأقيم له- ما يسميه المراكشيون- يوم الراحة. في إحدى عرسات المدينة، وتتابع الشعراء يلقون القصائد في المناسبات. إلا أن أغلبها لم يدون، منهم : الحسن التناني، علي بن المعلم التاورتي، وغيرهم.
ومما جاء في قصيدة الحسن التناني :
لا تنزعج واهدأ فما من بــاس
 فيما رماك به الزمان القاسـي
جرح ضئيل قد تدارك شأنــه
 ءاس لديك وحبــذا من ءاس
ما في القضية ما تعير لشأنــه  نظرا ولا تحفل بذاك اليــاس
هيهات إن دهمتك ان تلفي سـوى
 جلد الفؤاد المشمخر الراســي لا تستلين قناته من هولـــهـا
 بل يلتقيها دائما بالبـــــاس
ليست بأولى ما لقيت وما جنــى
  - وارحمتاه- عليك ظلم النـاس
لا تذكر يا شاعر الحمراء مــا
  قاسيت منه وما تزال تقاســي
وختمها بقوله :
فلديك من يرعاك رعي بنـــوة
  بين الشباب الحي خير النــاس
فهو الذي ياسو جروحك وحــده
  أعظم به بين الــورى من ءاس (37)
وبعد فراغ الجمع من إلقاء قصائدهم، ارتجل شاعر الحمراء مقطوعة، شكرهم فيها على تهنئتهم له بالسلامة واقامتهم هذا الحفل، قال فيها :
أهلا بجرح ليته يتكــــرر
  فعلى تكرر جمعكم لا أصبــر
لم يلتئم في الرأس جرح قد بدا
  حتى تركتم جرح قلبي يقطــر
ان يلتئم يا جرح جمع أحبتـي
  فلتلتئم اولا فأنت مخيـــــر
أحبتي عفوا إذا ما كنت عـن
  شكر العواطف منكم لا أقـــدر
بعواطف لي القضيب لو يتـــم
  عطفي الى أن خلته يتكسـر
وسواه هذاك ينظم من عقود بيانـه
  من درر البلاغة ينثــــر
منكم عيونا فوق عين زدتهـــا
  أو ما بكم هذه المعاني أبصـر
لله من جمع تجانس شكلــــه
  كالروض لكن بالمعارف مثمر
وإذا أنا عن وصف حسنه عاجـز
  عذرا فمثلكم لمثلي يعـــذر(38)
6- تكريم شاعر الحمراء :
دعا بعض شعراء المغرب ادباءه الى مبايعة شاعر الحمراء بإمارة الشعر حوالي 1942 على غرار ماحدث بمصر قبيل هذا التاريخ. وكان منهم عبد الملك البلغيثي الذي نظم قصيدة مطلعها :
يا أميرا في دولة الاشعــــار
  بسمو في ذوقه وابتكـــار(39)
والطاهر الافراني، الذي نظم قصيدة تحت عنوان (امير الشعراء) مطلعها :
عليك ابن ابراهيم يا شاعر الحمرا
  سلام اشتياث ثار عن كبد حرى(40)
وفي نفس السنة نظمت ثلة من اعضاؤ النادي الادبي شاعر الحمراء ورفقائه، وبعض طلبة ابن يوسف حفلا تكريميا للشاعر، اعتبارا لمكانته الادبية، وتقديرا لشاعريته الفذة، حضره علماء المدينة وأعيانها وألقيت فيه قصائد عديدة، منها : قصيدة الحسن التناني.
انصفوا أنتم اميـر البيـــان
  لا تكونوا عليه عون الزمــان
قدسوا سر العبقري فيــــه
  واقدروه بالقب قبل اللســـان
فمن العار ان يعيش زمانــا
  بيننا في الاهمال والنسيـــان
وألقى احمد النور قصيدة منها :
كرموا الشعــــر والادب
  كرموا شاعر العـــــرب
واهتفوا بالنبـوغ واقـــ
  ــضوا له بعض ما وجــب
واقرضوا الشعر غبطــة
  وارجــزوا أيها الطلــــب
وتغنوا بمن يهيـــــ
  ـــج بكم شعره الطـــرب
الى أن قال :
حبذا معشر لتكــــــ
  ـــتريمه خف وانتــــدب
فهو الشاعر العليـــــم
  إذا قــــال أو كتـــــب
أو شذا بالجمـــــال أو
  صاغ وصف ابنـة العنــــب
وغدا سيطه كنجـــــ
  ـــم على الافق قد ثقــــب
فهو في مصر في العــرا
  قين في القـــدس في حلــب(41)
أما الاستاذ عبد القادر المسفيوي احد علماء ابن يوسف فقد ألقى قصيدة منها :
يا أمير القوافي فيك صيغت القوافيا
  ورصعتها ذرا لكم ولئاليـــــا
أمير القوافي منك هب لي نفحـة
  بها أقدح الزند الذي كان واريـــا
واستلهم الشعر الذي قد هجرتـه
  واصقل فكرا سار بالهم داجيــــا
تباري فحول من شبل ابن يوسف نخبة
   الذي قد كان بالشعر عانيـــا
الى أن يقول :
فأنت الذي رفعت للشعــــر قدره
   وأعليته من بعد ما كان هاويــا
تعهدت منه الروض والروض مجـدب
   فأحييته بعد ما كان ذاويــــا
وهمت به طفلا صغيرا ويافعــــا
   فجاءك طوعا لم يكن عنك نابيـا
فأصبحت فذا في البيان موفقـــــا
   إذا قلت شعراء تستميل الرواسيـا
وخلدت آثارا بها النشء يهتــــدي
   ويغدو بها طول الليالي مباهيــا
فشوقي أمير الشعر في الشرق قد مضى
   وأنت امير الشعر في الغوب باقيا(42)
وقد جمع الشاعر بين التكريم والمبايعة بإمارة الشعر كما هو واضح.
ومن المشاركين في التكريم محمد بن عبد الله الروداني الذي قال :
يا شاعر الحمراء معذرة كمــــا
   أبدى المقصر أمره المكتومــا
طورا يؤنبه الضمير لتركـــــه
   حق الاخاء مضيعا مهضومــا
لله في الحمراء يومك أنــــــه
   سيظل فوق جبينها مرسومـــا
مراكش بلد المروءة والوفـــــا
   ما كان قط ذمامها مذمومــــا
الى أن يقول :
وإذا القريض توفرت أشراطـــه
   أولى النهى عن رغمها تخشيمــا
قد راعهم ذاك البيان وذلــــك
   السحر الحلال فنظموا التكريمــا
رفعوا لواء الحمد فيه لشاعـــر
   صاغ القريض مقوما تقويمـــا
وبنى به للمغرب الاقصى مقــا
   ما في البلاد معظما تعظيمـــا
وافى به مصر او ما إدراكهــا
   وأصاب في أم القرى التوسيمــا
قد كرموك وقل ذاك لمن لـــه
   كفضلك يا ابن ابراهيمـــــا
فلتبق في الشعراء بدرا ساطعـا
   وليبق شعرك خالدا ديومــــا(43)
وتوالى على منصة الخطابة شعراء شباب من أبناء المدينة، منهم مولاي الصديق العلوي، وعلي بن المعلم، ومولاي الطيب المريني، وغيرهم. وختم الحفل بقصيدة شكر ألقاها محمد بن ابراهيم، منها :
يا راعي الله إخوة كرمونــي
   من معيني عن شكرهم من معيني
كرموني بكل كرموا فــي آدا
   ب وجب الاداب خير الفنـــون
قد رأوني أخا الثناء فأثنـــوا
   والرضا من أجبتي يكفينــــي
كرموني بل كرموا منهم فضلا
   أنا مظهر له جعلونــــــي
أن إهلاصا منكم لي إخـــلا
   ص لفن على ممـر السنيـــن
قلتم قد قضيتم واجبا نحــوي
   فمن لي انا برد الديـــــون
هو قلبي وما لدي ســــواه
   هو وقف لكم وملك يمينــــي(44)
تلكم كانت نماذج من انشطة نادي شاعر الحمراء ومساجلات اعضائه وطرائفهم ونقاشاتهم. وقد استمر الاهتام برائده ورئيسه برواية اشعاره واخباره وتداولها، وبإقامة ذكراه بأسفي بعد بضع سنوات من وفاته، وبمراكش بمناسبة مرور ربع قرن على هذه الوفاة.

 * الخاتمة :
بعد بزوغ فجر الاستقلال، وزوال القيود والتسلط والقمع انكب الشباب بمراكش على دراسة تراثهم، وأقبلوا على الابداع الادبي، فكثرت النوادي والحمعيات الادبيةن وتعددت حقول اتمامها من شعر وقصة ومسرح وأدب شعبي، من اشهرها : نادي الاطلس، نادي كومديا، نادي الثقافة، نادي الاديب.. بل وصدرت في المدينة مجموعة من الكتب والمجلات كان لها دور كبير في تنشيط الحركة الادبية بالمغرب المستقل.

1) تحدثت كتب التاريخ والادب عن هذا النشاط العلمي والادبي بتفصيل، امثال : "المعجب"، و"تاريخ المن بالامامة:، ومناهل الصفا"... وغيرها
2) تاريخ المغرب في القرن العشرين : روم لاندو ص : 291
3) نفسه 295
(4الحركات الاستقلالية في المغرب العربي ص : 212
5) الإلغيات 2/ 121.
6) مقدمة الإلغيات
7) الالغيات 1/5
8) الالغيات 1/6
9) الالغيات 3/208
10) الالغيات 1/ وما بعدها 1/ 69 و2/ 10..
11) ؟
12) جوانب من شخصية محمد المختار السوسي لمحمد السعيدي، دعوة الحق 249، ص 38...
13) الالغيات 2/224
14) الالغيات 2/ 120
15) انظر امثلة لهذه المحاورات في الالغيات 3/ 145- 165
16) الالغيات 3/138
17) انظر في تأثرهم بالادب الاندلسي، مقالة الحسن البونعماني (الادب الاندلسي في سوس الاقصى)، جريدة السعادة 22/ 9/ 1938
18) الالغيات 3/ 19
19) الالغيات 3/ 122
20) الالغيات 3/ 120
21) هو الاستاذ احمد الشرقاوي إقبال، باحث مؤلف، له عدة مؤلفات في الادب واللغة والتربية، ومساهمة في تحقيق بعض كتب التراث.
22) الكامل في اللغة والادب. ط بابي الحلبي 1/ 1937, ج 2/ 490- 491
23) المعسول 7/ 81
24) انظر مقالة ذ. أحمد متفكر في الموضوع : من الادب المراكشي المنسيي عند الشباب، دعوة الحق عدد 250
25) المعسول ج 7/ 90
26) انظرها في المقالة السابقة الذكر، وانظر كذلك المعسول 7/ 148
27) الالغيات 2/ 13-14. و128- 129
28) عالم شاعر الحمراء، عبد الكريم غلاب ص : 64
29) نوع من المصارعة الشعبية بمراش يتبارى فيها شخصان، ويحاول كل واحد اسقاذ الاخر بواسطة الأرجل
30) الالغيات 3/ 85- 86
31) المعسول 15/ 93
32) المعسول 15/ 93-94
33) انظر عالم شاعر الحمراء لعبد الكريم غلاب
34) اورد بعضها في كتابه شاعر الحمراء في الغربال ص 53
35) شاعر الحمراء في الغربال 22/20
36) نفسه 58 وما بعدها
37) المعسول 15/ 104-105
38) النسخة المرقونة من الديوان بمكتة خاصة
39) نشرت في مجلة الثقافة المغربية عدد 1/ 1942
40) الشعر الوطني المغربي للسولامي ص 272
41) شاعر الحمراء في الغربال ص 68/69
42) شاعر الحمراء في تاريخ الادب المعاصر، لأحمد الخلاصة 169- 170
43) نفس المرجع 171- 173
44) شاعر الحمراء في تاريخ الادب المعاصر، لأحمد الخلاصة 173-

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here