islamaumaroc

الحسن الثاني الرمز الأسمى لرسالة العرش.

  عبد الغني القاسمي

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

يجمع الباحثون المهتمون بتاريخ المغرب الحديث على اعتبار العهد الحسني الزاهر منعطف تحول كبير في المسار التاريخي و الحضاري للدولة المغربية، إذ لم يسبق لبلادنا أن شهدت مثل هذا القدر الهائل من التطور الكمي و الكيفي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على النحو الذي شهدته في فترة قياسية انطلقت في شكل تصاعدي من بزوغ شمس الحرية الاستقلال حتى الآن.
ومما لا جدال فيه أن الجهود المبذولة في سبيل تدعيم أسس الدولة قد انصبت على الخصوص في الأخذ بكل ما يفيد هذا التدعيم من المرجعيات العلمية و القانونية و التنظيمية الحية والميدانية، التي يسير في ركابها عالم اليوم دون التنصل من الخصوصيات الروحية والحضارية الأصيلة التي قام عليها المجد المغربي منذ أربعة عشر قرنا.
إنها بالأساس رؤية توفيقية كانت  تتوخى من بدايتها تكريس الانفتاح على الآفاق الخارجية، ومحاربة الانعزال الذي من الحتمي أن ينذر بعواقب وخيمة، كما أنها رؤية ناضجة ومسؤولة استهدفت تأهيل المغرب في الحاضر و المستقبل ليجدد هياكله وآلياته الذاتية، وليضطلع بدوره الفاعل و المؤثر في مجريات حياة الأسرة الدولية.
ويمكن اعتبار مرحلة الحماية الفرنسية و الإسبانية ( 1912-1956) بمثابة مرحلة انتقالية بين عهد مطبوع بالنمط التقليدي الذي ميز تصريف شؤون الدولة المغربية على غرار ما كان سائدا من قبل، وعهد اتجه فيه المغرب نحو الأخذ بالنمط العصري المتطور الذي اكتملت صياغته الحقيقية بعد استعادة الاستقلال، رغم أن هذه المرحلة قد وقعت بالفعل تحت تأثير الأطماع و الضغوط الاستعمارية التي حاولت دون جدوى كبح جماح المغاربة حتى لا يحققوا آمالهم و أمانيهم في تحسين مستواهم العام بهدف الرفع من مكانتهم بين الأمم.
لقد حقق المغرب استقلاله و انتزع حريته المغتصبة منه قسرا بفضل القيادة الحكيمة والمتبصرة لجلالة الملك المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه، الذي وقف في الصف الأول للحركة الوطنية التي تجندت في خضمها سائر الفئات و الشرائح الاجتماعية،  التي رفضت كلية الذل و الهوان و الانصياع للسلطات الاستعمارية، و إلى جانبه - طيب الله ثراه - لمع مبكرا نجم صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن الذي جمع من الفطنة و الذكاء و التكوين العلمي المتين و النضج السياسي و الوعي الوطني ما جعله مساعدا ملازما لوالده الراحل طيلة السنوات الحرجة التي احتدت فيها مواجهة الحماية، وهي سنوات قاربت الخمسة عشر عاما، تخللتها أحداث كان لها تأثير بين على مسيرة الكفاح الوطني، ابتدأت " بمؤتمر أنفا " (1941) الذي فتح عيون العالم على استمرار وجود مؤسسة لا يعلو عليها أي صوت يزعم التحدث باسم السيادة المغربية، هذه  المؤسسة المتمثلة في العرش العلوي رمز الدفاع عن السيادة و الوحدة وكيان الدولة الموحد.
ثم حل حدث آخر يتجلى في تقديم "وثيقة الاستقلال" (1944)، وهو مناسبة تأكد فيها التنسيق الكامل والتوجيه الصائب اللذين أفضيا إلى تجسيد مطالب الشعب المغربي في الانعتاق من حجر الحماية.
ثم جاء موعد الزيارة الملكية التاريخية إلى طنجة (1947) التي تم خلالها إشعار المستعمرين بمختلف أجناسهم و أصنافهم بأن الصبر قد نفد، وأن عمر الهيمنة و التسلط أصبحت سنواته معدودة، وبالفعل لقد فسحت تلك الزيارة المجال لتحريك ملف القضية المغربية في المحافل الدولية و لاسيما منها هيأة الأمم المتحدة و الجامعة العربية، وتزامن ذلك مع نشوب حركة الكفاح المسلح، وحدوث المواجهات الدامية التي ذهبت بأرواح الشهداء الأبرار الذين نذروا أرواحهم فداء للوطن.
وأقدم الاستعمار على نفي جلالة الملك محمد الخامس و عائلته الشريفة إلى "مدغشقر" ليتحول المغرب إلى ساحة تغلي بالتصعيد الذي أشعل فتيل الحزب الشعبية الضارية في مواجهة المستعمرين احتجاجا  واستنكارا على ذلك الفعل الإجرامي الشنيع، وانطلقت المفاوضات التي أدت إلى إعلاء راية الحرية و الاستقلال رفرافة و جلالة الملك القائد يعود منصورا مؤيدا ليتربع على عرشه بالرغم من كل المؤامرات التي حيكت ودبرت، وكان مآلها الخسران.
أثناء هذه السنوات الحرجة، وتلك الأحداث المثيرة التي تخللتها كان الأمير مولاي الحسن بجانب والده معينا ومشاركا ومبادرا ومعانيا، إنها فترة المعاناة  التي خلقت منه الرجل المسؤول والمؤتمن على رسالة المغرب، التي هي رسالة إشعاع روحي وحضاري يمتد إلى كل الفضاءات الجغرافية المحيطة به.
ثم إن تحمل بلادنا- وعلى رأسها هذان القائدان العظيمان جلالة المغفور له محمد الخامس ثم جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله -  لهذا العبء الثقيل كلفها تأدية الثمن الباهض، الذي تمثل في احتداد حمأة التحديات التي واجهتها بالأمس، و التي زالت تواجه بعضا منها حاليا، وفي طليعة هذه التحديات قضية التهديد الذي تعرضت له وحدة التراب الوطني، فمن التقسيم الترابي المشتت الذي طلعت به علينا القوى الاستعمارية في أعقاب
" مؤتمر الجزيرة الخضراء " ( 1906)  إلى المحاولات اليائسة لتعميق الهوة بين أبناء الشعب الواحد، و تكريس الحدود المصطنعة بين أجزاء الوطن الواحد على نحو ما لاحظناه خلال فترة الحماية من وجود مناطق الشمال، و الساقية الحمراء، ووادي الذهب، وسيدي إيفني، وطرفاية، ومدينتي سبتة و مليلية، والجزر المتوسطية وهي تابعة للنفوذ الإسباني ومنطقة الوسط وهي تابعة للنفوذ الفرنسي، ومنطقة طنجة وهي تابعة للنفوذ الدولي المتعدد الأطراف.
لقد كان الهدف من ذلك التقسيم تفتيت الجسد المغربي حتى لا يقوى وهو موحد على قيادة مسيرة روحية وحضارية صامدة أخذت على عاتقها نشر الوعي الحقيقي بالقيم والمثل العليا التي تقي شعوب الجنوب بشكل عام من ويلات الهيمنة و الإجهاز على ثرواتها و حقوقها المشروعة في الحرية و الكرامة من قبل ما كان يطلق عليه " النخبة العالمية "، هذه النخبة التي تألفت بشكل منفصل من القوى الاستعمارية المباشرة المتجلية في الأمبريالية الغربية، ومن قوى اليسار الاشتراكي التي عملت المستحيل من أجل أن تحل محل تلك القوى الأولى لتسيطر و تهيمن بدورها بشكل مباشر، و لكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا بعد أن ثبت ضعف طروحاتها الفكرية والنظرية وفشل برامجها التضليلية، وهو ما عجل بسقوطها بعد أن عمرت حوالي السبعين عاما من هذا القرن، في حين أن القوى الاستعمارية المباشرة رضخت للأمر الواقع الذي فرضته الشعوب المستعمرة ( بفتح الميم ) بفضل كفاحها المستميت من أجل تقرير مصيرها و نيلها لحريتها و استقلالها، فكان للمغرب دوره الثابت في ذلك الكفاح المرير الذي شمل كل أرجاء المعمور، إضافة لكون المغرب قدم الأمثلة الحية، واسترخص التضحيات الجسام في سبيل استعادة حريته ووحدته، وهو ما أصبح مضرب المثل لدى كل الشعوب المكافحة من أجل نفس الغاية.
ونستطيع القول اليوم بعد أن كادت شعوب العالم أن تتحرر من الرجس الاستعماري أن جلالة الملك المغفور له محمد الخامس وخلفه ووريث سره جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله يعتبران بحق على رأس قائمة أعلام الحركة التحررية التي أدت إلى بسط ألوية الحرية و الاستقلال و الكرامة الإنسانية على امتداد أرجاء العالم، وقد انعكس هذا التميز الفريد للقائدين الرائدين على مكانة المغرب التي سمت إلى فوق بشكل عز له نظير، فنحن المغاربة نعتز ونزهو بما نحظى به من تقدير و احترام داخل الأسرة الدولية، انطلاقا مما نحظى به من هذا القبيل لدى العالم الإسلامي و العربي و إفريقيا، وكذا لدى القوى الدولية الكبرى.
وعندما يذكر اسم المغرب تتراءى للرأي العام العالمي صور طافحة بمعاني البطولة والنبل و الشهامة و الشموخ الحضاري، بلد الملكية الدستورية القائمة على الأسس الديمقراطية الراسخة، و البناء المؤسساتي المتين، والتوجه السياسي البناء، والاختيارات الاقتصادية المتفتحة، بلد يصون الحريات لدى الجماعات والأفراد ليعطي أروع مثل في ضمان حقوق الإنسان – كما هو متعارف عليها علميا – وحمايتها من العبث الذي تشهده بعض الأقطار القريبة منا.
وما كان لهذه المزايا أن تتحقق، ولا لهذه السمات أن تتجسد لولا عمق حكمة جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، وماحياه سبحانه من حصافة في الفكر، وبعد في النظر، وصلابة في القدرة على قيادة بلاده بهذه الطريقة المثلى التي أصبحت محط اهتمام العالم.
وأعود هنا إلى العبء الثقيل الذي تحمله العرش العلوي المغربي الشريف، و بالأخص خلال فترة الستينيات، حيث تربع جلالة الملك الحسن الثاني عرش أسلافه المنعمين، وأوفى بالعهد الذي قطعه على نفسه بمواصلة أداء نفس الرسالة التي تحملها إلى جانب والده الراحل بكل دلالاتها الروحية و الأخلاقية، وأبعادها التاريخية و الحضارية، فأصبح المغرب قاعدة للتخطيط و الدعم و التوجيه و الانطلاق لمختلف حركات التحرر الوطني، التي تشبعت بروح ميثاق الدار البيضاء، ومنها على سبيل المثال جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي وجدت في ملكنا ورعيته الوفية له السند الأكبر في مقاومتها للاستعمار الفرنسي، وكانت تضم هذه الجبهة آنذاك كل فصائل المقاومة الجزائرية التي استفادت من الوسائل و الإمكانات التي وفرتها لها بلادنا من إيواء و سلاح ومؤن وثكنات تدريب، إلى أن تحقق لها النصر، فاستقلت الجزائر، واعتبرنا نحن هنا في المغرب أن النصر نصرنا، وأن قيامنا بالواجب الذي تفرضه أواصر الأخوة و التضامن التاريخي المشترك التي تجمعنا مع أشقائنا قد أتى بالثمار اليانعة.
ولم يلبث المغرب أيضا تحت قيادة جلالة الملك أن وقف بجانب كل حركات التحرر الوطني الأخرى متحديا بذلك القوى الاستعمارية الكبرى التي كان عليها أن تحاسبه على اختياره الاستراتيجي هذا، ولكن جلالة العاهل الرائد بماله من إرادة سياسية صامدة لم يعبأ بالضغوط ولا الإغراءات على حساب المبادئ التي تنبني عليها رسالة المغرب الخالدة، ومنها مبدأ احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وضمان استقلالها ووحدتها، ودرء كل المخاطر التي يمكن أن تهددها من قبل دعاة التفرقة و التوسع و الاستعمار الجديد.
وفي هذا الإطار أيضا يندرج الدور الكبير الذي يقوم به المغرب في مساندة الشعب الفلسطيني حتى ينال حقوقه المشروعة إن آجلا أم عاجلا، وبفضل هذا الدور تحصل الأشقاء الفلسطينيون على عدة مكاسب، ولازالت أمامهم أشواط عسيرة حتى يتحصلوا على ما تبقى لهم من المكاسب التي ستؤدي بالضرورة إلى استقلالهم، و إقامة دولتهم، وعاصمتها القدس الشريف، ليحل بذلك السلام العادل و الدائم في المنطقة العربية.
إن الدور الذي تحمله المغرب تحت قيادة جلالة الملك الحسن الثاني قد تعددت مجالاته وتسامت مراميه، و لكنها تجتمع كلها عند المبادئ التي تنبني عليها الرسالة المغربية، و لذلك نجد أن قوى الهيمنة و التآمر المعروفة حاسبت هذا البلد، واختارت أسلوب المضايقة و الانتقام منه بالنيل من وحدته باختلاقها لخرافة أسموها " قضية الصحراء"، وهو أختلاق ليس في الأصل إلا استمرارا في التآمر القديم الذي تعرضت له وحدة التراب الوطني المغربي.
ومما يؤسف له - و الحق يقال جهارا – أن يكون حكام ومسؤولو الشعب الجزائري الجار و الشقيق هم المحتضنين و المخططين و المنفذين لهذه المسرحية الفاشلة التي ستنتهي فصولها بحول الله بتنظيم الاستفتاء المرتقب الذي سيؤكد من خلاله أبناء أقاليمنا الجنوبية تمسكهم بمغربيتهم، وتشبثهم بأهداب العرش العلوي الشريف، وولاءهم و إخلاصهم ووفاءهم لمبدع المسيرة الخضراء، و القائد الرائد لهذه الأمة جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.
إن عاهلنا الهمام يمثل الرمز الأسمى لرسالة العرش العلوي الشريف التي ما لبثت تقدم البرهان الساطع منذ ظهور دعوة مولاي علي الشريف حتى الآن على نبل مقاصدها، وسلامة غاياتها، لا سيما و أنها رسالة تتجدد في آلياتها ووسائلها، وتسعى باستمرار إلى تحديث أساليب الدولة وتنظيمها بدقة و إحكام حتى تعايش كل عهد تقبل عليه، وتعيش في خضمه.
وعلى هذا النهج سار جلالة الملك يرسي لبنات صرح دولة المغرب العصرية التي تنظر إلى الحاضر، وترنو إلى المستقبل، دون أن تتناسى مراعاة الماضي، ودون أن تشعر بالعزلة أو الغرابة أو الانبهار، دولة ستدخل بعد أقل من سنتين عتبة القرن الجديد وهي قادرة على الوقوف في مصاف الدول المتشبعة بالديمقراطية و سيادة المؤسسات، و المحققة للتنمية في ظل الانفتاح الإيجابي، والمتنعمة بالوحدة في إطار القوة و المناعة اللازمتين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here