islamaumaroc

العمران في الحضارة العربية الإسلامية.

  عبد القادر العافية

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

موضوع العمران في الحضارة العربية الاسلامية من الموضوعات التي لم تعظ بعد بالدراسات المتأنية المستوعبة التي من شأنها ان تعطي صورة واضحة المعالم عن الفن المعماري العربي الاسلامي، وعن أهدافه وغاياته، وعن سر بهائه وجماله وجاذبيته، وأهم خصائصه ومميزاته، وفترات ازدهاره وتألقه، وعن ارتباطه بالوضع الاجتماعي والاقتصادي.. وهل كان العربي دائما شغوفا بالبناء والعمارة الى غير ذلك  مما يجب أن يعرفه الدارس لهذا الموضوع البالغ الاهمية في الحضارة العربية الاسلامية.
ومما يلفت النظر في هذا المجال اهتمام كثير من علماء المسلمين بموضوع العمارة والبناء والخطط، واهتمام المؤرخين، والجغرافيين والرحالى بوصف المعالم الحضارية وصفا دقيقا يقربها من القارئن ويعطي صورة في منتهى الدقة والوضوح، فالتراث العربي المخطوط وبعض المطبوع منه يضم نفائس هامة في موضوع العمارة والبناء، وتخطيط المدن والامصار.. الى جانب تتضمنه كتب التاريخ العربي من فصول رائعة  تتحدث عن الخطط، والمدن، والقصور، والمنازل والقلاع والحصون..(1)
وبالرغم مما قيل عن العرب بأنهم قوم رحل، وأصحاب خيم ومنازل غير قارة، فإننا نجد النزوع الى البناء والتشييد راود العربي منذ القدم.
وتحدث المؤرخون عن العمارة العربية باليمن، ومكة، والشام، وغيرها من جهات شبه الجزيرة العربية حيث اشتهرت صنعاء بمبانيها المرتفعة، وعرفت مكة بكونها مركزا تجاريا هاما، تنطلق منها قوافل التجار شمالا وجنوبا، وتحدث المؤرخون عن قصور المناذرة بالعراق، والعساسنة بالشام.
ثم جاء الاسلام فقامت حضارته على تشجيع البناء والعمرا، ففتح العرب الامصار، ومع انتشار الاسلام في الشام، والعراق، ومصر، وشمال افريقيا والاندلس... ازدهر العمران العربي بصورة واضحة في البلاد المفتوحة.
وكانت البداية من تغيير النبي صلى الله عليه وسلم اسم يثرب بالمدينة، فالمدينة في اللغة العربية تطلق على المصر الجامع، وتدل على الحضارة واتساع العمران، و"مدن" بالمكان "أقام به"، وتجمع المدينة على : مدائن ومدن، بسكون الدال، وضمها، فإطلاق المدينة على يثرب فيه اشعار بأن الحضارة الاسلامية تشجع العمران والبناء والتوسع فيه.
ومنذ بناء المسجد النبوي بالمدينة المنورة انطلقت حركة العمران العربي الاسلامي، حيث بنيت الدور السكنية في مختلف جهات المدينة وضواحيها، ومن هذا التاريخ اعتبر المسجد هو النواة الاولى في المدينة الاسلامية، والمحور الذي تتفرع عنه المباني المختلفة : دار الامارة، والقضاء الشرعي، والحسبة، وما الى ذلك من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية.
وتحتل السوق بالمدينة الاسلامية مكانتها البارزة بأجنحتها المتعددة، حيث تختص كل جهة منها ببضاعة معينة، وأماكن أخرى للحرف والصنائع.. وكلما اتسعت المدينة الاسلامية اتسعت مرافقها وأسواقها، وتعددت مساجدها، وفنادقها ومتاجرها..
وفي خلافة عمر بن الخطاب "ض" شيد عقبة بن غزوان مدينة البصرة سنة : (16هـ / 635م)، ثم اسس أبو الهياج الأسدي مدينة الكوفة سنة (19هـ/ 638م)، وأقام عمرو بن العاص مدينة الفسطاط بمصر، سنة (20هـ) بمساعدة بعض قاداته الذين اجتهدوا في وضع تخطيط للمدينو يضمن لها الاستقرار والاستمرار، وقد تحدث عن ذلك بتفصيل عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر وافريقية".
ومما قاله في ذلك :
".. اختط الناس خططهم، وكتب عمرو بن العاص الى عمر بن الخطاب : إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع، فرد عليه ، اني لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر !؟ فأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين".(3)
ويقول بعد ذلك : "اختط عمرو بن العاص داره قرب المسجد، كما اختط ابنه قصرا على تربيع الكعبة"،(4) بالفسطاط.
والملاحظ ان البناء في العهد الاول من صدر الاسلام كان يتسم بالبساطة، وأغلبه كان منبيا باللبِن، ومن طابق واحد، وقليل منه بالآجر او الحجارة، وكان عمر ابن الخطاب "ض" يكره كل مظاهر الترف.
وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان "ض" عرف العمران العربي ظفرة جديدة، وذكر المسعودي في مروج الذهب : أن الصحابة في عهد عثمان أقاموا لأنفسهم دورا فخمة، فشيد الزبير بن العوام دورا فخمة في المدينة، والكوفة، والفسطاط، والاسكندرية، وكان لسعد بن ابي وقاص قصر فخم في وادي العقيق بالمدينة، (5) وشيد كبراء العرب في مكة والمدينة القصور الواسعة من الحجارة والرخام.
وفي العصر الاموي أسست مدن كثيرة ببلاد الشام وغيرها، وفي بداية هذا العهد اسست مدينة القيروان على يد عقبة بن نافع الفهري سنة (50هـ/ 690 م)، وجعلها دار إمارته، وبنى بها مسجده الذي مازال يحمله اسمه الى يومنا هذا.
وفي ايام عبد الملك بن مروان (65- 86هـ/ 685- 905م ) أنشأ الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة واسط بالعراق سنة (83هـ/ 902 م)، (6) وتنافس الامراء الامويون في اقامة القصور للراحة والصيد والنزهة، وإحاطة المدن بالاسوار والحصون.
ومن الابنية ذات الصيت البعيد التي انشئت في هذا العهد، البناء الفخم الذي أقامه عبد الملك بن مروان حول مسجد عمر بالقدس الشريف، وعده بعض المؤرخين اول ابداع في الفن الاسلامي : بهندسته، وجماله، وفخامته، وأعمدته، واروقته، وابوابه، ونوافذه، وزخارفه الداخلية والخارجية، أنا قبته الشاهقة فكانت مشار إعجاب عبر الزمان والعصور، (7) وهذا البناء الجميل الذي أقامه عبد الملك بن مروان ادخلت عليه تنميقات وتحسينات فيما بعد فأصبحت "قبة الصخرة" بالمسجد الاقصى من بدائع الفن المعماري العربي الاسلامي، وأخذ روعته على عهد صلاح الدين الايوبي الذي زين منبره ومحرابه فجعل منبره من الخشب المطعم بالعاج والصدف.. وكل ذلك اعطى للمسجد الاقصة وضعه العربي الاسلامي عبر العصور المتتالية.
وكان الوليد بن عبد الملك مولعا بالانشاء والتعمير، وهو الذي امر ببناء المسجد الجامع بدمشق، ودعا لبنائه مهرة الصناع من العرب والبزنطيين، واستمر بناؤه عشر سنين من (86- 96هـ / 905- 914م)، ويقوم على مساحة كبيرة ذات زوايا قائمة، ويتألف من صحن كبير تحيط به أروق من طابقين، وكان يسمى في البداية "بالخضراء" للون قبته الخضراء التي أقيمت عليه، ثم عرف فيما بعد "بالجامع الاموي".
ويذكر المؤرخون ان الوليد بن عبد الملك غلا في بناء هذا الجامع، فقد كان محرابه مرصعا بالجواهر الثمينة، عليه قناديل الذهب والفضة، ومحلى بالفسيفساء، والسلاسل الذهبية..
وكان عمر بن عبد العزيز يرى : أن المال الذي أنفق على بناء الجامع الاموي لم يكن في موضعه، وأن بيت مال المسلمين قد تأثر بسبب ذلك، فأمر بنزع الجواهر الثمينة، واستغنى بالحبال عن السلاسل الذهبية، التي علقت فيها المصابيح، لكنه لما علم ان بعض سفراء الروم لما زاره استعظمه، واغتاظ من بنائه، وقال : ان من يبني مثل هذا البناء لابد وأن تكون دولته قائمة الى امد طويل، لما علم بذلك ترك ما عزم عليه من نزع نفائسه.(8)
ويبدو من خلال النصوص التي ينقلها المؤرخون ان الوليد بن عبد الملك كان يدعو الى التشييد والبناء، يقول ابن عبد الحكم : "كان عمال الوليد بن عبد الملك كتبوا اليه أن بيوت الاموال ضاقت من مال الخمس، فكتب اليهم ان ابنوا المساجد".(9)
ومهما يكن من أمر، فالجامع الاموري معلمة كبيرة من معالم دمشق، ومفخرة من مفاخر البناء العربي، واعتبرت هندسته في كثير من البلاد الاسلامية نموذجا يقتفى، وازدانت دمشق  بالعمائر الدينية والمدينة، وحرص كل خليفة من خلفاء بني امية ان يبقي فيها اثرا ينسب إليه.
وفي هذا العهد سنة (114هـ/ 933م) بني "جامع الزيتونة" بتونس، وهو كثير الشبه "بالجامع الاموي"، ايام هشام ابن عبد الملك.
ويذكر البلاذري في "فتوح البلدان" : أن الامويين اعادوا بناء المدن التي خربها الروم قبل مغادرتها، وبأنهم أنشأوا مدنا اخرى جديدة، "كالرملة" بفلسطين، و"مسلمية"، و"المحفوظة"، و"المحروسة" بالهند، و"الموصل" في العراق،(10) وذكر ابن عبد الحكم مدينة الرصافة بالشام،(11) وأنفقت على هذه البنايات والمنشآت أموال باهظة من ميزانية الدولة حسبنما يذكره البلاذري نفسه اثناء حديثه عن بناء سليمان بن عبد الملك : (96- 99/ 915- 919) لمدينة الرملة بفلسطين.(12)
ويلاحظ الدارس ان حب العربي للعمران ساعد على تطور المدن القديمة وعلى انشاء مدن جديدة، بل ساعد على تطور فن البناء في فترة وجيزة، ففرق كبير بين نمط البناء الذي كان قبل سنة ثلاثين من الهجرة وما بعدها، ففي الثلث الاخير من القرن الاول الهجري، عرف فن البناء العربي تطورا كبيرا ابتداء من عهد عبد الملك بن مروان، وما تلاه من خلفاء بني امية.
وزاد هذا التطور تقدما وازدهارا في العصر العباسي، حيث انشئت في هذا العهذ عدة مدن جديدة : "كمدينة العسكر" التي بناها صالح بن علي العباسي ايام ابي العباس السفاح قي شمال الفسطاط سنة (133هـ/ 950م)، ثم "مدينة بغداد" التي انشأها ابو جعفر المنصور سنة (145/ 962م)، وبعد ذلك أسست "مدينة سامراء" شمال بغداد، وفي هذا العهد اسس احمد بن طولون "مدينة القطائع" بمصر سنة (256/ 890)، ثم "رقادة"، و"سوسة"، بافريقية، و"العباسة" بمصر"، و"فاس" بالمغرب الاقصى.
وعرفت بعض المدن في العصر الاموي العباسي ازدهارا واتساعا مثل مكة، والمدينة، ودمشق، وحلب، وقرطبة، واشبيلية، وفي فترة قصيرة من الزمن اصبحت هذه المدن العربية الاسلامية مراكز حضارية، ومنار اشعاع فكري وحضاري بما تضمه من مساجد ومعاهد ومكاتب ومجالس العلم، وبما تقيمه من مناظرات، ودروس في مختلف مجالات المعرفة، وأصبحت المدينة الاسلامية محط انظار التجار والعلماء والفنانين من مختلف البلاد والاقطار، وازدهرت اسواقها بمختلف انواع البضائع النفيسة، والسلع النادرة.
وساعدت المدينة العربية الاسلامية على اندماج العرب مع غيرهم من الامم والاجناس، وكان لذلك اثر كبير على حياتهم وعاداتهم، ومالت الطبقة الغنية الى حب الترف والظهور، وتنافس الخلفاء والامراء في بناء الدور الفخمة، والقصور الواسعة، والمنتزهات الجميلة في العصر الاموري والعباسي، ونجد "كتاب التاريخ العربي" قد خصصوا صفحات رائعة للحديث عن ذلك، كالطبري، والبلاذري، والمسعودي، وابن حوقل وغيرهم، حيث تعرضوا لذكر مجموعة من القصور الفخمة "كقصر المشتى" بالاردن الذي شيد في اوائل القرن الثاني على عهد الامويين، ويصفه المؤرخون بأن واجهته زينت بزخارف دقيقة محفورة في الحجر الجيري، تمثل الازهار والطيور..
وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" في احداث سنة (146هـ) انه بعدها اكتمل بناء بغداد في هذه السنة، شرع المنصور في بناء قصره المسمى "بالخلد", فكمل سنة (158هـ)، وجعل امر ذلك الى ردل يقال له الوضاح".(13)
وذكر كذلك : ان دار الخلافة في بغداد كانت في الاصل للحسن بن سهل، فانتقلت من بعده الى ابنته يوران زوجة المأمون، فطلبها منها المعتضد- وقيل المعتمد- فأنعمت له بها، واستنظرته اياما، فأنظرها، فبالغت في تحسينها وتنميقها وزخرفتها.. قبل أن تسلمها له".(14)
ومن اشهر قصور بغداد "قصر التاج"، بناع المكتفي العباسي على دجلة، و"دار الشجرة"، للمعتمد، و"قصر الرصافة" للمهدي، و"القصر الجعفري" للبرامكة، ثم للمأمون، و"قصر الثريا" للمعتضد، و"قصر التاج" له وللمكتفي، و"القصر البويهي" لمعز الدولة..
وهذه القصور كانت مما تنافس في تصميمها المهندسون والبناؤون، وتبارى في زخرفتها الفنانون والمبدعون، ومن اشهر قصور هذا العهد "قصر خماروية" بمصر الذي شيد في القرن الثالث الهجري، وطليت جدرانه بالذهب، وصورت عليها صور النساء بالحجم الطبيعي، وكانت له حديقة كتبت فيها الاشعار بالعشب الملون.. الى غير ذلك من انواع المباني الفخمة الرائقة.
وقد كان من نتائج امتداد الفتوحات الاسلامية ازدهار الفن المعماري، وابتكار انماط جديدة في فن البناء غير التي كانت معروفة من قبل، واستطاع الفن المعماري العربي ان يستفيد من التصاميم القديمة، وأن يحترم في نفس الوقت اثار الاقاليم المفتوحة، وأن يتدرج ويتطور، وأن يعمل على نقل الانماط والاساليب المبتكرة من اقليم الى اقليم، وكثيرا ما كان يرتبط تطور فن البناء بطبيعة الاقليم الذي نشأ فيه، مع تطوير فن استعمال المواد الموجودة.
واستفاد العرب من هندس الكنائس والقصور البيزنطية في سوريا ومصر، وأخذوا منها ما يلائم الطبيعة العربية ويوافق الدين الاسلامي، وأضافوا الى ذلك ما تحتاجه المساجد وأماكن العبادة من مآذن، ومحاريب، ومنابر، وأروقة، وإيوانات، وأنابيب الماء للطهارة، والنظافة، وسرعان ما تحرروا من المؤثرات الاجنبية، وعملت عبقريتهم، وابتكاراتهم على طبع البناء الاسلامي العربي بمميزاته الخاصة، وبذلك تميز عن فن العمارة البيزنطية وغيرها بالجمال، والنضارة، والبهاء، والتفنن في الزخارف، والعمل على تزيين البناء من الداخل والخارج، واستعمال الالوان والخطوط في تناسق وابداع.
هذه المظاهر العمرانية لفتت انظار المؤرخين، وكتاب الرحلات والجغرافيين، وعلماء الاجتماع العرب الى الارتباط الوثيق الموجود بين الازدهار الاقتصادي والازدهاء العمراني.
يقول ابن حزم : "يأخذ السلطان الناس بالتجارة، وكثرة الغراس، ويقطعهم الاقطاعات في الارض المواتت ويجعل لكل احد ملك ما عمر، ويعينه على ذلك، لترخص الاسعار، ويكثر الاغنياء.."(15)
فابن حزم يؤكد انه من واجب الدولة ان تفتح امام الناس مجالات للكسب والاستثمار، وأن تساعدهم على البناء والتعمير، ليكون ذلك سببا في رخص الاسعار، وانتشار مظاهر الرفه.
ويقول ابن خلدون في "المقدمة" : "فصل في أن تفاضل الامصار والمدن في كثرة الرفه لأهلها، ونفاق الاسواق إنما هو في نفاضل عمرانها في الكثرة والقلة.."
الى ان يقول : "ومتى  زاد العمران زادت الاعمال، ثم زاد الترف تبعا للكسب، وزادت عوائده وحاجاته، فما كان عمرانه من الامصار أوفر، وأكثر، كان حال اهله في الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه.." (16)
وهو يشير هنا الى ان ارتفاع مستوى الدخل الفردي يزيد بازدهار العمران، ويعطي ابن خلدون المثال من واقع الحياة، ومما هو مشاهد عنده فبقول : "واعتبر ذلك في المغرب مثلا بحال فاس مع غيرها من أمصاره الاخرى"، حيث كانت في أوج عزها ومجدها ايام ابن خلدون، وتنافس ملوكها في بناء القصور، والمدارس، والمساجد، والحصون، والطرق، والقناطير... وما تزال الاثار المرينية تشهد بازدهار الفن المعماري الجميل، على عهد هذه الدولة، ويعد من الاثار الفنية البديعة التي احتفظ بها الزمان في جهات مختلفة من بلداننا العربية والاسلامية.
ثم قارن ابن خلدون بين بجاية وتلمسان وسبتة، وفاس، ليقرر في النهاية انه كلما ازدهر العمران نمت الحركة الاقتصادية وزاد الدخل الفردي، والرخاء والنماء، وتحسن مستوى المعيشة,, الى ان يقول :
"وحيث الدخل والخرج اكثر تكون الاحوال اعظم، وهما بفاس اكثر لنفاق سوق الاعمال بما يدعو اليه الترف، فالاحوال اضخم,, ومتى عظم الدخل والخرج اتسعت احوال الساكن، ووسع المصر، وكل شيء يبلغك من مثل هذا فلا تنكره، واعتبره بكثرة العمران، وما يكون عنه من كثرة المكاسب التي يسهل بسببها البذل..."
وهذا الفصل- الذي اقتطفنا منه هذه الفقرات- يعد من أمتع فصول المقدمة يعالج موضوع العمران معالجة مبنية على الخبرة والتجربة والمشاهدة.
ويقول ابن الازرق في كتابه  "بدائع السلك في طبائع الملك" : "ان الدولة والملك والعمران بمنزلة الصورة والمادة، وهو الشكل الحافظ لنوعه لوجودها، وانفكاك أحدهما عن الاخر غير ممكن على ما تقرر عند الحكماء، فالدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دونها متعذر، وحينئذ فاختلال احدهما مستلزم لاختلال الاخر، كما أن عدمه مؤثر في عدمه".(17)
ثم يقول بعد ذلك : "وتقرر عند الحكماء : الملك بالجندن والجند بالمال، والمال بالعمارة.."(18)
فكل من ابن خلدون وابن الازرق يؤكدان : ان ازدهار العمران من اسباب تعدد مصادر الكسب ونمو الاسواق وتنوعها..
يقول ابن الازرق : "تعدد الاعمال من اسباب الكسب، وهو مما يفضي الى وجود الثروة، وينشأ عن ذلك شموخ الملك بنمو الجباية، وصرف ما يفضل منها الى اتخاذ المعاقل والحصون، واختطاط المدن والامصار"(18م)
وينقل عن ابن خلدون قوله : "اقوى الاسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف- الضرائب- على المعتمرين ما أمكن، فبذلك تنشط النفوس اليه ليقينها بإدراك المنفعة فيه..."(19) وهو يومئ  بهذا الى وجوب تسهيل امور السكن والمعيشة، ليقبل الناس على البناء والعمارة، وعلى تعاطي اسباب الحصول على الرزق والتوسع في البناء.
ويذكر ابن الازرق ان العمارة تحفظ بالعدل الذي تقوم به السماوات والارض، ويقول : "قالوا لا جباية الا بعمارة، ولا عمارة الا بالعدل".
ينقل عن ابن رضوان انه قال : (20) "بالعدل عمرت الارض، وقامت الممالك"(21)
فالتوسع في العمران عند علماء المسلمين، ليس مظهرا حضاريا فحسب، بل هو اساس التقدم والازدهار في سائر مجالات الحياة : العلمية، والفنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعكسرية.. كل هذه المرافق يجب أن ينال حظه من العمران الدال على رسوخ الملك، وعلى جدارة الدولة بالتسيير والبقاء والاستمرار.. كلما كان العمران متينا وواسعا، وشامخا وجميلا، وفي هندسة تبهج العيون، وتأخذ بالالباب.. كلما دل ذلك على رقي الامة، وعلى سلامة ذوقها، واصالة حضارتها.
فحضارة العرب العمرانية يجب أن تؤطر في اطارها الصحيح، لا على انها مظهر من مظاهر البذخ والترف في فترة من الفترات.
فالفن المعماري العربي الاسلامي فهم عند كثير من المتحدثين عنه على أنه كان نتيجة تفسخ وانحلال.. لا على أنه ضرورة من ضرورات أبهة الملك، وعظمة السلطان، وماتزال كثير من القاعات في قصور غرناطة وفاس، وغيرها تحمل اسم الوظيفة التي كانت تمارس فيها، كقاعة السفراء، وقاعة العرش، والديوان، وبيت المال، ودار السلاح، وغيرها من الوظائف التي تحتاجها الدولة في ممارسة اعمالها.
وبصرف النظر عن القصور والبنايات السلطانية فإن ابرز مظاهر الفن المعماري العربي الاسلامي تتجلى في المساجد، والمدارس، واروق طلبة العلم، ودور الحكمة، والفنادق، والحمامات والقيصريات والمارستانات..
وبالعودة الى المصادر العربية التي تحدثت عن العمران في دمشق، وبغداد، والقاهرة، وقرطبة، وفاس، ومراكش، وغرناطة وتونس، وبجاية، وغيرها ندرك أن كثيرا مت هذه الابنية اسس لغايات اجتماعية واقتصادية، ودينية، وعلمية، ودفاعية... ولأهميتها البالغى في حياة الناس، ولما توفرع لهم من مصالح مختلفة اهتم بشأنها العلماء والمفكرون، كالكندي، والقاضس القضاعي، وابن حزم، وابن الرامي، وابن خلدون، وابن رضوان، وابن الازرق، (22) وغيرهم، فهؤلاء وآخرون من امثالهم تحدثوا عن العمارة العربية الاسلامية باعتبارها من مقومات الدولة، ومما يجب العناية به والتوسع فيه، ودعوا الى تسهيل امر البناء، وربطوا بين الازهار العمراني والازدهار الاقتصادي والفكري والثقافي، فالمعمار الاسلاني ينبفي ان يتناول من عدة جوانب، ولنا في تراثنا العربي الاسلامي ما يساعد على ذلك، ويجعل الدراسة في هذا الموضوع دراة مفيدة وذات مدلول على حضارة امتنا واصالتها وعراقتها، وتمدنها.
وما نشاهده اليوم من نهضة عمرانية في بلداننا العربية، وبخاصة منها دول الخليج العربي هو استجابة لمقتضيات حضارتنا العربية الاسلامية، وهو مؤشر على أن نهضتنا العربية تعمل على ربط حاضرنا الواعد بماضينا المجيد.

1) الخطط : مع خطة، بمعنى محلة او بلد، وقد ألفت كتب في هذا الموضوع يأتي ذكر بعضها في موضوع آخر بحول الله
2) كتاب "فتوح مصر وافريقية" طبع بالقاهرة سنة 1920، وبه اخبار في غاية الاهمية عن الفترة التي يتحدث عنها
3) "فتوح مصر" : لابن عبد الحكم / ص 92
4) المصدر نفسه
5) "مروج الذهب" : ج : 1 : 434
6) ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" سبب بنائها / ج 9 / 54
7) عرف المسجد الاقصى بعد تحريره من سيطرة الصليبيين على يد صلاح الدين الايوبي اصلاحا جذريا، وتوسعة، وزخرفة، فجاء آية فنية في غاية الاتقان والابداع، وكثيرا ما وقف عنده الرحالى والجغرافيون والمؤرخون، ومنهم الرحالة المغاربة والاندلسيون، فقد تحدث عنه ابن العربي المعافري في مقدمة كتابه "قانون التأويل"، وكان قد أقام به هو، ووالده في اواخر القرن الخامس الهجري، وبه التقى بالامام الطرطوشي، ووصفه ابن جبير الاندلسي وصفا دقيقا، وابن بطوطة وغيرهما من الرحالة من عهد ابن حبيب القرطبي تلميذ الامام مالك بن انس الى العهود المتأخرة، ومن الذين امتعوا القارئ بوصفه في القرن (18م) المؤرخ المغربي ابو القاسم الزياني في كتابه "الترجمانة الكبرى" : (ط وزارة الانباء سنة 1967، بتحقيق : ذ عبد الكريم الفيلالي/ من ص 266- 275.
8) "تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي" للدكتور حسن ابراهيم حسن / ج 2 / 526- 527
9) "فتوح مصر..." ص 132
10) "فتوح البلدان" للبلاذري / ص 158 و 535 و 543
11) "فتوح مصر" 222
12) البلاذري : 170، وذكر : عبد القادر المعاضيدي في كتاب "واسط في العصر الاموي" : ان بناء مدينة واسط كلف بيت المال 43 مليون درهم/ ص 357
13) "البداية والنهاية" ج 10/ ص 102- 103
14) المصدر نفسه
15) قول ابن حزم هذا نقله ابن الازرق في كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك" ج 1/ 223- ط : الدار العربية للكتاب/ ليبيا- تونس سنة 1977
16) "مقدمة ابن خلدون" : ط : بن شقرون بمصر / دون تاريخ الطبع/ ص 270- 272
17) "بدائع السلك" : 1 : 226
18) و 18م ) المصدر نفسه
19) نفسه
20) ابن رضوان هو ابو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي ثم الفاسي، له عدة مؤلفات منها كتاب "السياسة" وهو من الكتب التي اعتمدها ابن الازرق في كتابه "بدائع السلك" توفي ابن رضوان بأزمور بالمغرب سنة (784هـ/ 1382م)
21) ّ"بدائع السلك" : 1 : 228
22) أول من صنف في الخطط : محمد بن يوسف الكندي، ثم القاضي بن سلامة القضاعي (ت : 494 هـ). له كتاب "المختار في ذكر الخطط والاثار"، وألف في الموضوع تلميذه محمد بركات النحوي (ت : 520هـ). ثم كتاب الشريف محمد بن اسماعيل الجواني : "النقط المعجم فينا اشكل من الخطط". ثم القاضي تاج الدين محمج بن عبد الوهاب (ت : 790هـ) له : "اتعاظ المتأمل وايقاظ المتغفل" في أحوال مصر الى حدود سنة 725هـ وكتب القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاعر بن نشوان (ت : 692هـ) كتاب "الروضة البهية الزاهرة، والخطط المصرية القاهرة"، ثك ابن الرامي البناء التوتسي له كتاب "الاعلان باحكام البيان" (ت : 734هـ). ثم الشيخ تقي الدين أحمد بن عبد القادر المقريزي له كتاب "المواعظ والاعتبار، بذكر الخطط، والاثار" وهو كتاب مشهور، احسن فيه مؤلفه واجاد، وألف علي باشا مبارك كتاب "الخطط التوفيقية الجديدة، لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة المشهورة" (ت : 1893م), الى غير ذلك من الكتب المؤلفة حول الخطط والعمران والبنيان، وكتب اخرى تضمنت الحديث عن ذلك، مثل كتاب : "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي، وكتاب "البلدان" لليعقوني و"معجم البلدان" لياقون الحموي وغيرها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here