islamaumaroc

الإسلام وتكامل الحضارات

  حامد بن أحمد الرفاعي

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، وصلوات الله و سلامه على أنبياء الله ورسله أجمعين... وبعد:
إن الإسلام دعوة للناس جميعا، ومن خصائصه: الشمولية، و التأكيد على وحدة الأصل البشري والتعايش، وتحقيق المصالح البشرية، و إن موقع العالم الإسلامي يمثل نقطة ارتكاز هامة في حركة التوازن و الاستقرار الدولي؛ لذا لابد أن يدرك المسلمون أهمية و فعالية مكانتهم ودورهم على الساحة العالمية، مع إدراك واجب التكليف الرباني لهم، باعتبارهم الأمة الوسط التي بوأها ربها مهمة الشهود الحضاري بين الناس.
ولتحقيق هذه الغاية لابد من الانفتاح بكل موضوعية وحكمة باتجاه العالم لتحسين وتقوية العلاقات بين مجتمعاتنا و المجتمع الدولي من خلال تقديم منهجنا الإسلامي العالمي، وتصوراتنا وقيمنا في التعايش الإنساني، وتخفيف التناقضات الثقافية و المنهجية بين نظرة المسلمين وتصورهم للعلاقات الدولية، و المشاركة في إقامة نظام عالمي عادل، ونظرة الآخرين وتصوراتهم تجاه هذا الأمر، ولتحقيق ذلك لابد من:
أولا : العمل على وحدة الخطاب الحضاري الإسلامي على أساس من تصور موضوعي و علمي لمفاهيم المنهج الحضاري الإسلامي، الذي يرتكز على ثوابت قيمية ربانية، تشكل أساس التصور الإسلامي للسير الحضاري في الأرض، وتحدد الأهداف العليا و المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية... التي جاءت لتحقق مصالح الإنسان، وتسهيل مهمته وطموحاته وغاياته، وهو يؤدي مهمته الأساس في عمارة الأرض، التي استخلفه ربه جل شأنه في الأرض من أجلها...
ويمكننا أن نستعرض ثوابت المنهج الحضاري الإسلامي على النحو التالي :

1- كرامة الإنسان :
   الإنسان وكرامته، هما من أبرز ثوابت المنهج الحضاري الإسلامي... فإنسانية الإنسان و آدميته هي مادة موضوعه الأساس... فالإنسان أعلى مراتب المخلوقات في الأرض، فهو أحسنها خلقة وخلقا لقول الله تعالى : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، (التين – 4 )، وهو مكرم  لذاته ولآدميته بصرف النظر عن  ثقافته وهويته السياسية و ذلك لقول الله تعالى : " ولقد كرمنا بني آدم "، ( الإسراء – 70 ).
لذا فإن حفظ النفس البشرية و إكرامها و احترام آدميتها هي المحور التي تدور حوله قيم المنهج الحضاري الإسلامي، فالإسلام هو المنهج الوحيد الذي جعل قيمة حياة الإنسان، و الحفاظ على وجوده، تعدل الكل الإنساني تعظيما للذات الإنسانية و كرامتها، وهذا واضح بين في قول الله تعالى، " أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا..."، الآية.. ( المائدة – 32)، بل إن كثيرا من أحكام الحلال والحرام تواجه بأحكام استثنائية يوم تتصادم مع آدمية الإنسان و سلامة حياته و تحقيق مصالحه... وهذا في قوله تعالى: الآية ... " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه..."، الآية... ( البقرة – 173)، فتهديد حياة الإنسان و انتهاك سلامة الإنسان و كرامته أخطر و أشد عند الله تعالى من انتهاك محرماته... فتلك التحريمات ما كانت أصلا إلا من أجل مصلحة حياة الإنسان و سلامته و كرامته... فيوم تتصادم و تتعارض مع ذلك فإنها تستباح بأمر الله الذي سنها وشرعها... إكراما للإنسان تنظيما لحياته و سلامتها...
وذات يوم مرت جنازة برسول الله (ص) فقام لها  تكريما وإجلالا، فقيل له : إنها جنازة يهودي؛ فقال عليه الصلاة و السلام : " أليست نفسا "، فالنفس الإنسانية مقدرة لذاتها، معظمة لآدميتها، بصرف النظر عن هوية انتمائها الديني أو العرقي أو الجنسي أو اللوني.

2- الاستخلاف في الأرض :
الإنسان مستخلف في الأرض باعتباره سيد المخلوقات، وأقدرها كفاءة، و أكملها خصائصا، حيث كلفه ربه جل شأنه بمهمة عمارة الأرض لقوله تعالى : " إني جاعل في الأرض خليفة "، ( البقرة – 30)، وهذا الاستخلاف هو تأكيد على تكريم الإنسان و الرفع من شأنه و مكانته عند خالقه... وقد فطره على خصائص وخصال وسمات تؤهله لهذه المهمة العظيمة و المسؤولية الخطيرة... من أهمها حب الخير و الرحمة و المودة، وعشق الحرية و المساواة و الأمن و الاستقرار، و الارتباط بالأرض و حنانه للالتصاق بتربتها و أجوائها... فالأرض موطنه الأكبر، وميدان طموحاته و آماله... فهي وطن إنسانيته و آدميته التي تحتضنه مع إخوانه من بني آدم مما يولد عنده نزعة " المواطنة الإنسانية " الذي يؤكدها المنهج الحضاري الإسلامي بقول الله تعالى: " الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه و إليه النشور"، ( الملك – 15 )، فالأرض موطن الإنسان، مسخرة له، ليتعايش في مناكبها مع غيره من بني آدم، متعارفين متعاونين على أساس من معايير احترام قيم الإنسان و كرامته التي قررها خالقهم وربهم كما يقول جل شأنه: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، ( الحجرات – 13).

3- عالمية منهج الاستخلاف :
إن الله سبحانه، وقد كرم بني آدم واستخلفهم في الأرض فقد شرع جل شأنه للإنسان منهاجا يحقق به مهمة الاستخلاف الرباني في الأرض ... وجعل قيم هذا المنهج عالمية الخطاب والمقصد إنسانية القيمة و المضمون ...
ومنهج الاستخلاف الرباني لعمارة الأرض يقوم بالفهم الحضاري الإسلامي على مرتكزين اثنين...:
- أولهما: " مرتكز القيم و السلوكيات ".
- وثانيهما: " مرتكز الماديات و المهارات".
والتعامل الصحيح و الإيجابي مع منهج الاستخلاف الرباني لعمارة الأرض يتحقق بالتكامل و التوازنية الدقيقة بينهما، وأي خلل يصيب هذا التكامل أو ينتهك هذه التوازنية إنما هو خروج وتعطيل لمنهج الاستخلاف الرباني، مما يولد سلبيات ومخاطر على ثمرات الجهد الإنساني الحضاري في الأرض...
وأساس مرتكز القيم و السلوكيات ... الإيمان بالله خالق الإنسان و السموات و الأرض وما بينهما و برسله..
وأساس مرتكز الماديات و المهارات... الإيمان بأن الأرض و السموات وما فيهن إنما هو مسخر للإنسان، وخير الإنسان، وسعادة الإنسان، وأمن الإنسان...
والناس في ذلك شركاء، وأصحاب حق مطلق لا يحق لأحد أن يستأثر بذلك دون غيره من الناس أو على حساب غيره من بني البشر... وهذا لا يلغي الخصوصيات الإقليمية والقومية أو التفوق على أساس المنافسة في الإبداع و المهارات...، فهذا أمر مطلوب ومرغب فيه كما هو في التوجيه من رسول الله محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
ولكن الأمر غير المرغوب فيه و المرفوض هو أن تطغى الخصوصيات وتتسع على حساب حق الآخر، و البر بالآخر، وحب الآخر، والتعايش بأمن و سلام مع الآخر... فهذا إن حصل فهو يتناقض ويتصادم مع قيمة من أبرز قيم عالمية المنهج الحضاري الرباني... قيمة حب الخير للناس كما هو في توجيه سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله (ص ): "خير الناس من أحب الناس"، بل يتعارض مع خطاب التوجيه الرباني لرسول الله(ص) " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ( الأنبياء – 107 ).

4- في إطار هذه المقومات الثلاث : «كرامة الإنسان» « وطنية الإنسان» ، «حضارة الإنسان» التي يقوم عليها المنهج الحضاري الإسلامي ... لا بد أن توجد مفاهيم وصيغ الخطاب الحضاري الإسلامي ونحن نتعامل مع الآخرين في السعي لإقامة نظام عالمي عادل ... تتعايش في ظلاله وعلى أساس من قيمة المجتمعات البشرية التي تجمعها هموم مشتركة وطموحات مشتركة، من أهمها: الحرية، العدل، الأمن، الرخاء، السلام... فهذه «الكليات الخمس» جديرة بأن تكون منظومة حضارية إنسانية... يتعاون الناس جميعا على تحقيقها، ومحاربة كل ما يعيق الوصول إليها، والتمتع بفضائلها وأدبياتها... مع إعطاء الفرصة الكاملة للخصوصيات الإقليمية والعرقية والدينية والقومية التي لا تتصادم كما يريدها « صموئيل هانتفتون»، ولا منظومة هيمنة واستعلاء بمعايير خاصة لجهة ما في الأرض كما يدعي «فرانسيس يوكوهاما».
ثانيا: إن المنهج العملي والموضوعي للتعريف بقيم ومفاهيم الحضاري الإسلامي يتطلب ما يلي:
1- تقديم دراسات عميقة وموضوعية حول مفاهيم وقيم ومبادئ الإسلامي العالمية، وتقديم دراسات حول المناهج التطبيقية التاريخية  والمعاصرة التي تؤكد جدية النهج الإسلامي وصلاحيته في الدعوة إلى تعايش بشري عالمي، مع اختلاف الأديان والأعراق والأجناس.
2- التعرف على التيارات الكبرى في العالم وموقفها من الإسلام، سواء تلك المنصفة أو المتطرفة لإجراء حوارات بناءة للتعريف بمبادئ الإسلام وقيمه، مع تنبيه إلى خطورة معاداة العالم الإسلامي، وإبراز الآثار السلبية لهذه الظاهرة على الأمن والاستقرار الدولي، والتأكيد بأن تجاهل القدرات الإسلامية وتجاوزها يشكل عقبة كبيرة في طريق إقامة أي نظام عالمي مستقر وعادل.
3- إرسال وفود من الفعاليات الإسلامية المتنوعة رسميا وشعبيا لزيارة المسؤولين في الدول الكبرى في العالم، وكذلك المنظمات الدولية للتعريف بالإسلام وقيمه ومبادئه للتعايش الإنساني، وتقديم مشروع حول التصور الإسلامي في إقامة نظام عالمي عادل.
4- الدعوة إلى مؤتمر عالمي لبحث أخلاقيات البث الإعلامي المباشر ومخاطره على تربية الأجيال، والمطالبة بعقد اتفاقية دولية لحماية القيم الدينية والفضائل الإنسانية، ومنع بث برامج الجنس والعنف والرذيلة.
5- تشجيع قيام معاهد ومراكز وجمعيات ونواد للحوار الفكري في العالم بين المسلمين وغيرهم مع بذل الجهد لوضع منهج واضح للتنسيق بينها.
6- التأكيد على القواسم المشتركة والموضوعية في الحوار والجدال بالتي هي أحسن، والتركيز على تطلعات الإنسان وآماله في السلم والعدل والرخاء.
7- تكوين الدعاة من المناطق التي تسكنها الأقليات الإسلاميات ليقوموا بتبليغ بني قومهم، ودعوتهم إلى الإسلام، والتركيز على قيمه العالمية.
8- عوض التصورات الإسلامية الأصلية عن قضايا الحياة كحقوق الإنسان، والعلاقات الدولية، وحقوق المرأة، والنظام الاقتصادي، وإزالة الشبهات التي تلصق بالإسلام في الأذهان عبر الكتب ووسائل الإعلام.
9- المساهمة في تحمل أعباء المشاكل الإنسانية الطارئة الناتجة عن الكوارث دون تمييز أو تفرقة.
10- العمل على تشجيع الدراسات الإسلامية في الجامعات العالمية مع توفير الإمكانات المطلوبة لتحقيق ذلك.
وختاما، نؤكد على أن المنهج الحضاري الإسلامي يدعو إلى التكامل بين الحضارات على أساس من القيم الإنسانية الربانية، وعلى أساس من الترشيد والتصحيح الحضاري المشترك...
وفي المقابل، فإن المنهج الإسلامي يرفض ويمقت الدعوة إلى التصادم الحضاري، والصراع الحضاري ويعتبر ذلك من الفساد في الأرض حيث يؤكد ذلك في قول الله تعالى: «ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين»، «الشعراء – 183».
كما يؤكد المنهج الحضاري الإسلامي على أن قضية العدل والإحسان إلى الناس هي مهمته الأساس فهي أم الفضائل، ومرتكز كل خير، ومبعث الأمن والرخاء والاستقرار والسلام... وذلك في قول الله تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى...»، «النحل – 90».
كما يؤكد المنهج الحضاري الإسلامي على أهمية وضرورة التعاون والتنافس بين المجتمعات من أجل إقامة الخير في الأرض، وصرف الفساد عن ربوعها، وذلك في قوله تعالى: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين»، «البقرة – 251 ».
كما يؤكد المنهج الحضاري الإسلامي احترام المواثيق والعهود بين الناس حيث يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود...»، «المائدة – 1».
هذه هي بعض مقومات الخطاب الحضاري الإسلامي... التي نمد يدنا على أساسها ووفق معاييرها الإنسانية العليا لكل الناس من أجل حياة إنسانية كريمة، يشيع فيها العدل، والأمن والاستقرار، والرخاء والسلام للجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here