islamaumaroc

رحلة حجازية في عهد المولى إسماعيل

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

 هذه الرحلة شرع فيها مسجلها منذ خروجه من مدينة فاس، وهي موجزة مكتوبة بخط مغربي في أوراق عادية تتخللها ثقوب ناتجة عن الأرضة التي استولت عليها، وهي عبارة عن تقييد بسيط لا يتجاوز اثنتين وعشرين صفحة، كتبه مقيدة أواسط ذي الحجة الحرام متم عام سبعة وعشرين ومائة وألف، وسجل فيه وقائع رحلته التي قام بها من فاس المحروسة ابتداء من يوم الأربعاء تاسع رجب عام ستة ومائة وألف، متوجها إلى البقاع المقدسة مع شيخ الحجيج السيد الحاج علي بن محمد الذيب، الذي كان مكلفا بهذه المهمة أيام السلطان المولى إسماعيل الذي وحد البلاد، وحرر الثغور.
 ومن الطبيعي أن الدولة حينما تكون منتصرة يكون رعاياها معتزين بأنفسهم، فخورين بانتسابهم إلى بلادهم، كما تكون مؤسساتهم العامة ذات شأن كبير في المجال الاجتماعي والديني والأمني.
 ومن أهم الشؤون الدينية التي كان لها اعتبار داخل البلاد المغربية ما يتعلق بتنظيم الرحلات الحجازية تحت إشراف رئيس يكون مسؤولا عن المسيرة من حيث إعداد وسائل النقل، وإعداد الموجهين والمرشدين، وتيسير سبل الأمن طوال الرحلة في جميع مراحلها.
 وكان هذا النظام معهودا لدى المغاربة قبل زمن هذه الرحلة، فقد اشتهرت بعض الفرق الصوفية بتعهده كما هو الحال بالنسبة إلى أبناء أبي محمد صالح الماجري الآسفي ، الذين كانوا يتولون رعاية الحجاج ويتعهدونهم طوال الطريق، وذلك بإقامة مراحل رسمية يتكلفون برعايتها وحراستها، وضمان الأمن للسائرين بها، تيسيرا لاستمرار إقامة هذا الركن الذي هو فرض على من استطاع إليه سبيلا فهم كانوا يرون أن تيسير الأمن للحجاج طوال الطريق يعد من أعظم القربات إلى الله ليلا يتعطل القيام بهذا الفرض الديني المرتبط بالاستطاعة، قائلين بأن الإعانة على الاستطاعة تدخل في باب نصرة الدين والعمل على تطبيق أركانه.
 ولذلك كان من أعمالهم المشهورة الإشراف على الركب الحجازي الذي كان يخرج من المغرب إلى أن يصلوا إلى مكة المكرمة، استجابة للشعور الديني الذي يتحلى به المغاربة، تشوقا إلى قضاء الحج من جهة، وإلى زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، إذ من المميزات التي تطبع الحضارة المغربية بطابع الحزم والتطلع والمعرفة تشوق المغاربة إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن هذا التشوق دعاهم إلى السفر الطويل، وجعلهم يستفيدون من هذا السفر في مختلف المجالات، خصوصا فيما يتعلق بالإطار الثقافي والفكري.
 ولا يخفى على أي باحث في تاريخنا ما كان يدونه بعض هؤلاء الحجاج في رحلاتهم، وما يسجلونه من مشاهد، وما يخلدونه من مآثر، الشيء الذي جعل كتب المغاربة في هذا الباب ذات شأن كبير، ووزن خطير، فهي لم تقتصر على ذكر المراحل، ولا على وصف المنازل، بل تعدت ذلك إلى ذكر المظاهر الحضارية العامة لكثير من المدن والأقاليم، وإلى الحديث عن النظم السياسية في مختلف الأزمنة.
 وقد جرت عادة بعض الذين يدونون رحلاتهم أنهم يولون عنايتهم لوصف الأماكن التي يمرون عليها، ولوصف بعض المشاهد والمعاهد، ولذكر أحوال بعض العلماء والصلحاء، ولتسجيل بعض الأحداث السياسية والظواهر الاجتماعية.
 ويمكن اعتبار «رحلة ابن جبير» و«رحلة ابن بطوطة» و «رحلة العبدري» و «رحلة العياشي» و«رحلة الإسحاقي» من هذا النوع، لكن هذه الرحلة التي نتحدث عنها اليوم المسجلة بالخروم الجديدة من خزانة القرويين تحت رقم 32 لا تمثل هذا النوع المسهب، وإنما نراها تعني بذكر مراحل السفر، والإشارة إلى المدن الموجودة من بلاد المغرب إلى الحجاز مع إظهار طبيعة أرضها ومناخها وحالات أمنها ليستفيد من معلوماتها من يريد التوجه إلى تلك الديار، فيحتاط لنفسه،  وفيها إشارات قليلة إلى بعض الجوانب التاريخية، أو إلى ذكر بعض المراكز العلمية، زيادة على إظهار طبيعة المناسك التي لا يتم الحج إلا بها.
 قال مقيد الرحلة:
 «الحمد لله خرجنا بحول الله وقوته قاصدين الحج إن شاء الله من مدينة محروسة فاس مع شيخ الحجيج السيد الحاج علي بن محمد الذيب يوم الأربعاء تاسع رجب عام ستة ومائة وألف، وخرج معنا وقتئد ركب كبير لا حد له، ونزلنا عشية اليوم المذكور قرب عين السمار لأن الخروج لم يكن على طريق تازة لكثرة المطر والطين والزلق» (1)
 وهكذا نراه مند البداية يحدد الطريق التي مر عليها، ثم يتدرج بعد ذلك في وصف المراكز والمراحل، غير مهمل لبعض النقط الأساسية التي تبنى عليها العلاقات البشرية، مثل ذكره للاحتفاء الذي يقيمه أهل طرابلس يوم الأحد ثالث رمضان من نفس السنة ما يأتي:
 « قد خرج أهل البلد من الرجال والصبيان للتلقي، وفرحوا فرحا كبيرا، وارتقوا على أسطحة دورهم، ثم خرج ركب الحجيج مع أشياخ الحاج الحسيني والد كروج للتلقي، وكان يوما عظيما، ومشهدا كريما، ونزل كل منا بدار، ومررنا بسوقها وقيساريتها فلم نر شيئا أحسن من ذلك، والبحر مع سورها، وبه سفن كثيرة، والبحر أيضا مستو مع أرضها...(2)
 وبعد خروجهم من طرابلس ببعض أراضي ليبيا ذكر أنه لما وصل الركب في الخامس عشر من رمضان من هذه السنة إلى المكان المعروف بالزعفراني غارت فرقة من العرب المعروفين بأولاد زيان على خيلهم، واستولوا على تسعة عشر من الإبل الحاملين المركب، ولكنه ذكر أن رئيس الركب مع بعض التجار أخذوا أسلحتهم، وتوجهوا إلى دوار شيخ أولئك الذين غاروا عليهم فما هو إلا يوم واحد حتى رجع الرئيس بأربعة عشر من الإبل المغتصبة، وترك بعض أعوانه ليعودوا بالخمسة الباقية. (3)
 وهكذا نرى حزم هذا الشيخ وهيبته، فقد استسلم الغاضبون لطلبه، وردوا ما فوتوه عليه وهذا لا شك أنه راجع إلى تخوف شيخ تلك القبيلة من رد الفعل الذي سيقوم به الركب المغربي إذا تمادى هؤلاء في عدوانهم.
 ولم يكتف بالإشارة إلى هذه الواقعة الدالة على سهر الركب المغربي على مصالح الحجاج، بل تحدث فيها بعد عن أمر له ارتباط بالتاريخ العلمي لبعض الأراضي التابعة لليبيا.
 فقد أشار بعد خروجه من طرابلس ومروره على بعض الأراضي المؤدية إلى مصر أنه وصل يوم السبت الثالث والعشرين من رمضان إلى مكان يعرف بمعطن جدابية، وحينما تحدث عنه قال:
 «وجدنا فيه أثر بنيان كثير من مدينة وقصبة وأبراج وغير ذلك، ذكر لنا أنها كانت مدينة عظيمة مدينة علم، وكان يقرأ بها ثلاثمائة بكر في الزمن المتقدم.
 وكان من عادة المغاربة إذا مروا بهذه المدينة التحدث عن ماضيها العلمي، ومن ذلك ما أشار إليه الرحالة الإسحاقي فقد قال عنها: إنها مدينة قديمة يقال إنها بلد سحنون، ومنها انتقل إلى القيروان، وبها محراب يزار يقال انه صلى فيه الإمام المذكور.
 وبعد الخروج من (أجدابيا) واصل الركب رحلته إلى أن دخل إلى مصر في اليوم السابع عشر من شهر شوال عام ستة ومائة وألف هجرية، وبعد خروجه من مصر صار المؤلف يتحدث عن مختلف المنازل التي نزل بها ويصف أحوالها الطبيعية، وأحوال تجارتها، وعلاقة أهلها بمن يفد عليهم.
  واستمر الركب في السير إلى أن وصل إلى الينبوع من بلاد الحجاز، ثم رحل عنه يوم الإثنين ثامن وعشرين من شهر ذي القعدة عامه إلى أن وصل السقيفة، ثم رحل يوم الثلاثاء تاسع وعشرين من هذا الشهر إلى أن وصل إلى جبلين عظيمين، أحدهما من رمل، والأخر من حجر، وجبل الرمل أعظم وأعلى، وهما قريبان من بندر وحنين.
  قال المؤلف: (4)
 ذكر لنا أنهما فيهما وقع قتال بين المصطفى صلى الله عليه وسلم وبين الكفرة، وهي غزوة بدر، وسرنا بين الجبلين إلى أن انقضيا، ووجدنا مقابر الصحابة رضوان الله عليهم الذين قتلوا في الغزوة المذكورة، وذكر لنا أنهم عشرة، وزرناهم والحمد لله.
 وهذه الإشارة التي أشار إليها توجد مفصلة في «كتب السير والمغازي»، وقد تعرض لها بعض الرحالة بتفصيل أكبر ، وجاؤوا بأشعار تتعلق بها، وذكروا اسم الصحابة الذين استشهدوا، وأنهم قد تجاوزوا هذا العدد الذي أخبر به المؤلف.

(1) الرحلة / ص: 1.
(2) الرحلة / ص: 8.
(3) الرحلة / ص 9.
(4) الرحلة / ص: 18.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here