islamaumaroc

ملك التحديات

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

المغرب بلد التآخي و التضامن، و الشهامة  و الإباء، و الإيمان المطلق، و التعبئة التي لا تعرف الملل، و الطموح الوثاب الذي يتوق إلى أسمى الغايات  و أنبل المقاصد، و الوفاء للمبادئ و القيم، و الإخلاص عند الالتزام، ونبذ كل ما من شأنه أن يهين كرامة أبنائه، ورفض الشبهات التي تشوب كيانه و تعكر صفو سمائه و نقاء ضمير فلذات أكباده.
فكم من مرة امتحن عبر تاريخه المجيد، وكم من محاولة تعرض لها ومحنة قاساها، و بلاء اعترض طريقه، وتجربة قبلها، فكان باستمرار، القلعة المنيعة التي كبحت الطغيان، وأذاقت المعتدي الجائر مرارة الهزيمة وقساوة الإخفاق، وذل الخيبة، وجزاء الطيش و العدوان.
لقد تعرضنا للتسلط و الاحتلال. ولكن ذلك أيقظ الهمم، وبلور الإمكانيات، وشحذ العزائم، فكانت تلك الحملة المباركة التي حققت الاستقلال أعادت الثقة للنفوس و الحق لأصحابه.
 وإذا كان لكل جواد كبوة، فإن كبوة شعبنا لم تطل، وأدت إلى انطلاقة كانت سر مسيرتنا المظفرة التي عشناها وراء ملكنا الراحل جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه، كما قادنا بعد ذلك وارث سره وحامل مشعل آبائه جلالة الحسن الثاني أطال الله عمره وخلد في الصالحات ذكره، مومنين بجدوى اختياراته، وموقنين بصلاح قصده، ومعجبين بما وهبه الله من خصال وإلهام، وماحباه به من شغف لشعبه و تقييم صائب للصالح العام، وإرادة أبية في خدمة أفراد أمته، وبعد نظر يلهمه الحل الأليق و المخرج المفيد.
كان المغرب ولا يزال بلد الحقوق وحصن المبادئ، استنادا إلى معطيات دينه الحنيف، وتشبته بالقيم المثلى التي جاءت بها عقيدتنا السمحة التي كرمت بني ءادام، ودعتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن، فلم نزغ عن الطريق، ولم نتأثر بالنزعات، ولم ينل منا الإغراء ولا الإغواء، معتصمين بحبل الله في تضامن شامل وتكافل مقدس.
ولقد عشنا منذ أن جاد علينا الخالق بالاستقلال، وبوأنا مقعد الكرامة، في ظل المساواة التي لا تقبل الامتياز ولا ترضى التفضيل ولا الإيثار.
فلما لبى ملكنا المرحوم أسكنه المولى فسيح جنانه داعي ربه والتحق بالرفيق الأعلى وبايعنا خلفه الصالح، في تعلق متين و شغف لا يعرف مثيل، كان من بين أول ما أقدم عليه، أن منح شعبه دستورا مثاليا، ضمنه المبادئ التي نومن بها، و القواعد التي فرضت نفسها على المستوى الدولي، والمؤسسات التي تصون الحقوق وتقي الحريات، وتكفل مصالح الأمة و ضروريات المجتمع.
ولم نفتأ منذ ذلك الحين ننعم بسهر ملكنا المحبوب ويقظته، وإبائه وغيرته، فكان دستورنا وسيلة لا غاية، نقحناه كلما ظهر ما هو أصلح، وأضفنا إليه ما فسر بنوده ووضح قواعده وزاد من فاعليته، وأضفى عليه حلة ترقى به إلى أعلى درجة في التضمين و التنسيق و التدوين.
ولما انتهى المحللون من تعاليقهم و المفكرون من ملاحظاتهم، والمؤولون من بسط أرائهم، ولجأوا إلى أدائه التطبيق ومواخذة إجراءات التنفيذ، ألقى عاهلنا المفدى ذلك الخطاب الملكي القيم الذي قال فيه حفظه الله على الخصوص:
" وكونوا أخيرا على يقين من أنني سأضع ثقلي الشخصي و هيبتي الشخصية و صلاحياتي الدستورية لتمر جميع الانتخابات المتوالية في هذا البلد على أحسن ما يكون في جو من الاستقامة و الشفافية و النزاهة، لأنني مللت أن أسمع أو أن يسمع عن بلدنا أن انتخاباته لم تكن نزيهة، أو أن استشاراته كانت مخلوطة أو مشوبة".  
فمثلما سهر جلالته دام نصره وعلاه على أن يكون دستورنا مثاليا، وغير متردد في إصلاحه كلما تجلت الفائدة من ذلك وغير مكترث بما ليس بمفيد، مثلما اهتم بالشكل و الإجراءات، عندما علت الأصوات وانتقدت، مؤثرا القضاء على كل الشبهات، ورافضا كل ما يوحي به الشك، في جنوح قويم إلى الوضوح و الشفافية.
ومنذ ذلك الحين، عشنا تعبئة عميقة و حشدا كليا لجميع القوى الحية في البلاد لتلبية نداء أمير المؤمنين، فظهر المغرب بمظهر البلد الديمقراطي الواعي الذي يأبى إلا أن يعطي لكل ذي حق حقه، وأن يختار من بين أفراد رعيته من هم أهل للثقة، بفضل كفاءتهم واستعدادهم لخدمة الصالح العام وتقديرهم للمسؤولية التي ستلقى كل كواهلهم، ونزاهة قصدهم ورفضهم للمساومة، ونبذهم لما قد يؤدي إلى الانحراف أو الزلة.
وكانت الهيآت المختصة والمحاكم الإدارية على استعداد كامل للضرب على أيدي العابثين بالقانون، المتنكرين لواجبهم، المخالفين لما يقتضيه الواجب.
وإذا كان من الطبيعي أن تظهر بعض الهفوات، وأن يقدم ذوو الضمائر الضعيفة على ارتكاب أعمال لا علاقة لها بالسيرة المثلى، فإن محاكمنا كانت لها بالمرصاد، فضربت على أيدي الجناة، وقضت فألغت، كلما اقتنعت بوجود الفساد، وحكمت فأنصفت، دون اكتراث بالعلل الواهية والذرائع التي تحاول التلاعب على حساب الحق و الرصانة.
إنها حقائق لا مراء فيها، وصورة صادقة عما حدث، ونتيجة حتمية للاحتراس المستمر الذي طبع السيرة المظفرة التي نهجها وقادها ملكنا الملهم المصلح، الذي استند على إيمانه القوي وطموحه المطلق الهادف، وشغفه بشعبه الشكور، فعمل بدقة ورصع بإمعان، واختار من بين القواعد أنجعها، و الإجراءات أفيدها، والمبادئ أصلحها، والمقومات أمثلها، حتى تجلت طبيعتها بوضوح، كبلد مسلم واع، ينقاد إلى أسمى القيم، ويومن بكرامة الفرد، ويعمل في إطار ما تدعو إليه المنظمات الدولية من إخاء و تضامن، ومساعدة وإنجاد وإسعاف، مجندا لخدمة الإنسانية، وملتزما إلى أقصى حدود إمكاناته.
وإن ماحققناه في هذا الميدان لصورة مطابقة لما وفرناه في غيره من الميادين. فهو نتيجة التحديات المتوالية التي أقدم عليها جلالة الحسن الثاني، و التي أتت أكلها، فأنعم بمفعولها شعب ملكي طموح، متشبت بأهداب عرشه، محب لملكه، مقدر لجهوده، معتز بوجوده، يربط مصيره بإرادة و إباء قائده، شكور للمسيرة التي خاضها وراءه.
وقد همت تحديات رائد الأمة جميع قطاعات حياة مجتمعنا المقتنع، فكانت اجتماعية وثقافية و اقتصادية، وفي كل مجال جنينا ما هو أوفر، وحصدنا ما حقق النماء و الازدهار.
وفي آخر خطاب ألقاه جلالته، ذكر بحقيقة الأوضاع الاقتصادية، وأشار إلى الحالة الصعبة لفئة من مواطنينا.
فذكر حفظه الله بما ينص عليه دستورنا من وجوب التآزر و التكافل و التضامن بين أفراد الأمة، فقرر- أطال الله عمره- أن يخصص قسط من الزكاة المفروضة على الأثرياء ويوزع على ذوي الحاجة.
إنها حقيقتنا، وكم يطول العرض لو أردنا التذكير بجميع المؤهلات التي ضمنها لنا جلالته، حقق الله رجاءنا في أن نكون في مستوى طموحه.
إننا نحتفل بعيد العرش، وما احتفالنا إلا شكر للعلي القدير على أن وهبنا ملكا عادلا، محققا لرغباتنا وأمانينا، نكن له كل حب و تقدير، وتعلق و إجلال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here