islamaumaroc

عيد العرش تاج الأعياد الوطنية ورمز السيادة والوحدة الكاملة

  عمر بنعباد

العدد 333 ذو القعدة 1418/ مارس 1998

يقبل شهر مارس من كل سنة، ويحمل معه وفي طياته بالنسبة للمغرب والمغاربة مناسبة وطنية عزيزة، وذكرى جليلة خالدة، تعد من أبرز الذكريات، ومن أجل المناسبات الوطنية المجيدة، إنها ذكرى اعتلاء أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين.
ففي الثالث من هذا الشهر تحل هذه الذكرى الطيبة الحبيبة، ويستحضرها المغاربة قاطبة، ويخلدونها بمنتهى الاعتزاز والفخار، وكامل المسرة والابتهاج، ويرون فيها عيدا وطنيا متجددا، يعتبر في المنظور المغربي تاج الأعياد الوطنية، وأساسا لكل ما ينعم به هذا البلد وأبناؤه الأوفياء من أعياد أخرى ومن سيادة وطنية ووحدة كاملة، ويتمتعون به من حرية وكرامة، ويسعدون به من عزة وفخار، ومنطلقا لكل ما يصبون إليه ويأملونه من تقدم ورخاء وازدهار، ونهوض واطمئنان واستقرار.
ومن ثم كانت لعيد العرش المجيد مكانته الرفيعة بين الأعياد الوطنية المغربية، وكانت له خصوصيته الذاتية، وقدسيته المتميزة بين الذكريات الخالدة حيث أخذ العرش المغربي وشعبه الوفي يحتفي به على مدى أزيد من سبعة عقود، ومنذ أنشئ هذا العيد في عهد جلالة محمد الخامس، وفي أوج الكفاح الوطني، سنة 1933م،
فكلما حلت هذه المناسبة الكريمة، وأقبلت بشائرها المتواصلة، إلا وانتقلت الذاكرة بكل مواطن ومواطنة من أبناء هذا المغرب، وشعبه الأبي، إلى تاريخ هذا العرش المغربي العتيد، وإلى أصالته وعراقته الممتدة على مدى أزيد من اثني عشر قرنا من الزمان، ومرور الحقب والأجيال.
ترجع الذاكرة بالإنسان المغربي الواعي إلى أول دولة مغربية تأسست على أرض المغرب الأقصى في عهد الدولة الإدريسية، وتكونت بها ومعها مملكته الشريفة المستقلة، فجمعت شعبه وأمته، وصانت حدوده وأطرافه، ووحدت أبناءه وأهله، وكونت منهم شعبا واحدا متآخيا متراصا كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضا، يجتمع على كلمة الإسلام وأخوة الدين والإيمان، ويلتقي على دينه الحنيف، ويعتصم بشرعه الحكيم، ويتكاثف ويتضامن على المصلحة العليا للدين والوطن، ولخير البلاد والعباد، فكان تأسيس دولة المغرب بهذه البقعة المباركة الطيبة من أرض الله فاتحة خير وبركة، ومصدر يمن وسعادة لأبناء وشعب هذه الأمة المغربية.
وتتواصل العهود، وتتوالى الأجيال، ويتلاحق تعاقب الدول الشريفة والأيدي الحاكمة الأمينة على تولي مقاليد حكم المغرب، والأخذ بزمام قيادته الظافرة، والسهر على صيانة مقدساته الدينية، وحفظ مقوماته الوطنية، والمكاسب المشروعة الثمينة التي تحققت في كل مجال وميدان على يد جميع ملوك دولته المنيفة، وأمرائها الأمجاد العظام، حيث كانت كل دولة من دوله الشريفة، وعلى يد المجاهدين الصالحين من ملوكه الأخيار، تنهض بحضارته، وتترك لها معالم ومآثر بارزة، وتضيف لبنات جديدة في صرحه الحضاري الشامخ المتين، وفي ثقافته الأصيلة المتجذرة من أعماق التاريخ.
وتتوالى هذه النهضة المباركة، والحضارة الفكرية والمادية في كل الميادين إلى أن ألقى الله مقاليد أمور هذا البلد المغربي الأمين إلى الدولة العلوية الشريفة، وإلى أئمتها وأعلامها الأبرار، وملوكها الأتقياء المجاهدين الأخيار، فساروا به خلفا عن سلف على نهج أسلافهم السابقين، وتقدموا به خطوات إلى الأمام، وعملوا على النهوض به في كل مجال، فسهروا على حفظ شخصيته وهويته الدينية والحضارية، وصيانة كيانه، ووحدته الكاملة، وعملوا على وقايته من أي طمع خارجي، ومن أي تشتت أو تمزق داخلي، ومن أي عدوان أو تنطع، أو اختلاف أو شقاق يمس تلك المقدسات، أو ينال من المقومات والدعائم التي قامت عليها الدولة، وقام عليها نظامها الملكي العريق، المؤسس على البيعة الشرعية، والولاء والطاعة لمن ولاه الله مقاليد الحكم، وجعله ظل الله في أرضه، وأساس وحدة الشعب المغربي المنضوي تحت لواء ملكه وعرشه العلوي المجيد. ومن ثم كان لكل ملك من ملوك هذه الدولة العلوية الشريفة، عمله العظيم، ودوره البارز في حفظ تلك المقومات، وأثره الكبير في إغناء ذلكم الرصيد التاريخي والحضاري الثمين للمغرب ودولته القوية المنيعة.
ويصل عهد ملك من أبرز وألمع ملوك هذه الدولة العلوية الشريفة في هذا القرن العشرين، إنه عهد جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، وجعل الجنة مقامه ومأواه.
 فلقد شاء الله أن يتولى هذا الملك الصالح المصلح مقاليد المغرب العزيز، ويتربع على عرش أسلافه المنعمين في ظرف يعد من أصعب الظروف وأدقها في تاريخ هذا البلد الأمين، حيث كان هذا البلد يعيش في عهد الحماية وتحت وطأة الاستعمار، وفي أوج تحكمه وسيطرته وجبروته وتسلطه على هذا الشعب المغربي الأبي، وعلى خيراته، فكان لابد لجلالته محمد الخامس من جهاد طويل ونضال متواصل، وكفاح مستميت، خاضه بإيمان وحكمة، وشجاعة ومصابرة، ومن ورائه شعبه الوفي، وكان لابد من مواقف حازمة وقفها جلالته حتى حقق الله على يديه الفتح والنصر، واسترجاع الحرية والكرامة لبلده وشعبه، وتمتيعه باستقلاله وسيادته، ووضع معالم الملكية الدستورية في عهده، وتثبيت دعائمها في ظله، واستمر في جهاده الأكبر الهادف إلى بناء المغرب دولة حديثة، عصرية قوية، حتى اختاره الله إلى جواره، والتحق بربه راضيا مطمئنا بعدما ترك شعبه حرا مستقلا، معززا مكرما، فكان بحق، أبا المقاومة الوطنية، ورائد التحرير في المغرب وكثير من البلاد الإفريقية، وصدق فيه قول الحق سبحانه: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا»، وقوله تعالى: «ولينصره الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز».
ويشاء الله أن يتسلم مقاليد الأمة المغربية، ويعتلي عرش المغرب العزيز الإبن البار، والخلف الصالح المغوار لجلالة محمد الخامس، ولي عهده، ووارث سره، ورفيقه في الجهاد والتضحية والنضال، جلالة الملك الحسن الثاني، ويواصل المسيرة العظيمة على نهج والده وسنن أسلافه، ويعمل ليل نهار على أن يخطو ببلده المغرب خطوات عملاقة موفقة، وأن ينهض به نهضة كبيرة عزيزة النظير والمثال، وأن يحقق لشعبه وبلده ما لم يسبق تحققه ونيله في عهد من العهود، وأن يجعل وطنه يعيش في ظل ملكية دستورية، بكل ما تحمله الكلمة من مغزى ومعنى.
فقد جعل حفظه الله في مقدمة اهتماماته وعنايته أن يظل بلده المغرب محافظا على دينه وأصالته، متشبثا بمقومات شخصيته وهويته، وأن ينهض في مجال الثقافة والإنسانية والعلوم التطبيقية، وأن يزدهر في مجال الفلاحة والصناعة المتنامية، وأن يواكب النهضة المعاصرة، وأن يبقى المواطن المغربي متمتعا بحريته وكرامته، وبكامل حقوقه الإنسانية والاجتماعية والمدنية التي يكلفها له دينه الإسلامي الحنيف، ودستور المملكة.
وكان من أعظم الأعمال الجليلة في عهده، ومن أجل المنجزات العظيمة في حياته حدث عظيم شهده الربع الأخير من هذا القرن العشرين، لصالح وحدة بلده وشعبه ألا وهو تنظيم المسيرة الخضراء المظفرة، واسترجاع الأقاليم الجنوبية المغربية، واستكمال الوحدة الترابية، التي أصبحت منذ عودتها إلى سيادة الوطن والعرش تحظى برعاية ملكية خاصة، وعناية مولوية فائقة، وصارت تنعم به سائر الأقاليم الأخرى من المملكة، وتتمتع بما تتمتع به من تقديم وعمران، ونمو وازدهار، وأمن واستقرار، ويزداد أبناؤها الأصلاء المخلصون تمسكا بمغربيتهم، وتشبثا ببيعتهم الشرعية لعاهلهم المفدى، ويعبرون عن ذلك وعن تجديد ولائهم وإخلاصهم وعن تعلقهم بأهداب العرش العلوي المجيد في كل مناسبة دينية ووطنية، ويحرصون بذلك على أن يظلوا أوفياء مخلصين لدينهم ووطنهم، ولبيعة آبائهم وأجدادهم، وعلى أن يكونوا من المشمولين بقوله تعالى: «ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما».
كما أن من أبرز المآثر والمفاخر التي ادخرها الله لجلالة الحسن الثاني، وشهدت النور في عهده، تلكم المعلمة الإسلامية العظيمة، والمآثرة الجليلة الفاخرة، التي تعتبر أعجوبة من أعاجيب  الدنيا ومآثرها الباهرة، ألا وهي مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، ذلك المسجد العظيم الذي أصبح عامرا بالمصلين وبتلاوة القرآن المبين، وبدروس العلم والتفقه في الدين، فصار بذلك مركز إشعاع منير، ومنطلق هداية ودعوة إلى الخير للعباد المهتدين، يصدق عليه قول الله تعالى: «إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وأتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين».
 فبارك الله في حياة أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني وأمد عمره، وحقق على يديه المزيد من الخير والسعادة لبلده وأمته، وللإسلام والمسلمين، وأقر عينه بولي العهد المبجل، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد، وحفظه في كافة أسرته الملكية الشريفة. وأعاد الله على جلالته أمثال هذه الذكرى الميمونة، وهو يرفل في حلل الصحة والعافية، والهناء والسعادة، إنه سبحانه سميع مجيب

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here