islamaumaroc

التعريف بالمقري لأبي العباس الونشريسي

  بنعلي محمد بوزيان

العدد 332 رجب-شعبان 1418/ نونبر-دجنبر 1997

*تمهيد:
ذكر محقق إيضاح المسالك أن لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي تأليفا في التعريف بأبي عبد الله المقري، ذكره في النفح، ولم يقف عليه (1).
ومن مزايا هذا التصريح أنه منحنا فرصة البحث عن المصنف الضائع فيما بقي من أثر بخزانة الإمام المفسر سيدي عبد الجبار الفجيجي (2). مستلهمين روح الصداقة الحميمية التي كانت تجمع بينه وبين الونشريسي، ومستروحين نسائم الأبوة التي خص بها هذا الأخير هذا الأخير تلميذه الأنجب محمد بن عبد الجبار مثلما هو واضح من فهرسته التي ألفها بإسمه.
ولم أكد أشتد في الطلب وأحتد حتى خرج عن صمته وأعرب عن نفسه، فوجدته على غير الهيئة التي صوره بها صاحب دليل مؤرخ لمغرب الأقصى (3)، فقد أبى إلا أن يجعله في مجلد، بينما هو في أصله رسالة لا تزيد عن سبع عشرة صفحة.

*وصف المخطوط:
يقع في سبع عشرة صفحة، مسطرته: 23، مقياسه: 145x 215 مكتوب بخط مغربي متقن جميل وواضح، يرجح ترجيحا قويا أنه خط المؤلف –رحمه الله-
أما رؤوس موضوعاته، وجل أشعاره فقد حررت بقلم مغلظ بين السواد، تمييزا له عن سائره، بعض أطراق أوراقه ممزقة، وجل سطوره العليا مطموسة بشكل تصعب معه القراءة غالبا وتتعذر أحيانا، وحواشيه خالية من أي استدراك أو تعليق إلا في تسعة مواضع:

*دواعي التأليف وموضوعه:
بالنظر في ديباجته يتضح أن الونشريسي لم يقم بهذا العمل إظهارا لرغبة مكنونة، أو اعترافا بجميل سابق، بل لكونه قد كلف به من لدن ابن غازي (4). وكانت بينهما صداقة الإخوان، ومراسلات حسان.
ويقول بعد البسملة: أما بعد حمد الله تعالى، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد صلاة تتجدد وتتوالى، فإنك أيها السيد الفاضل، الإمام العالم العامل، العلامة العلم الذي لايضاهى، وذو الخلال السنية العثمانية التي لا تتناهى، كلفتني مع قصر باعي، وقلة إطلاعي، وعدم انطباعي، أن أفيد لكمالك، وباهر جلالك، نبذة من التعريف بالفقيه القاضي المقري ونسبه وعدة تأليفه ومسألتي شيخه ابي عبد الله محمد بن يحيى بن علي بن النجار التلمساني الهندسي (5)، في ضابط الحرمة، وتخلل الخمر، وذكر طبقات بني الإمام، ومن لقي من الآبلي (5) منهم معلما ومتعلما، وقضية بلدينا أبي علي الحسن بن عثمان بن عطية التجاني مع عدول بلدكم مكناسة المحروسة، وقصيدته التي قال فيها، وتعيين ما ذهب إليه العقباني القاضي أبو (7) عثمان بن سعيد بن محمد بن محمد العقباني التجيبي الأصلي، التلمساني الدار  (8) في مسألى قيطون الإعانة مما ذهب إليه الشيخ الصالح الحافظ المؤلف المفتي أبو العباس أحمد الجذامي الأصل الفارسي الدار، الشهير بالقياب (9).
وبعد هذا أخذ الونشريسي يتوسع بالاستقصاء والتفصيل في حصيلة ما قسمه ’نفا، ويبدو أنه تقسيم متداخل متشابك، يحتاج إلى فك الارتباط بين أجزائه، وتلك عملية يسرها المؤلف بضبطه وترتيببه وحسن تبويبه، فجاءت أقسامه ما يلي:
التعريف بالمقري: ويحتل صفحتين من الرسالة.
تأليفه: وقد استوفاها في ثلاث عشرة صفحة كاملة.
بنو الإمام: وقد تحدث  عنهم في نصف صفحة فقط.
قضية الحسن الونشريسي مع عدول مكناسة: ولم يتجاوز استعراضها صفحة واحدة.
مسألة قيطون الإعانة، وجاءت في أسطر معدودات.
وهذه الأقسام الثلاثة الأخيرة أشد اقتضابا، إذ لم يزد فيها على صفحتين، تحتل الخاتمة في ثانيتهما زهاء ستة أسطر، وهي كالآتي:
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الرسول، وعلى آله وصحبه ومنتهى كل رسول، وكان الفراغ من تقييده وجمعه، وضم جنسه ونوعه، على يد محبكم المسلم على سيادتكم عبيد الله أحمد بن يحيى... غدوة يوم الخميس رابع ربيع الأول عام ستة وسبعين وثماني مائة.
ولما كان الهدف من العرض يتوخى التعريف بالمخطوط بشكل يؤدي إلى الإلمام بأهم جزئياته ودقائقه. فقد سار لزاما علينا أن نمثل لكل قسم على حدة، منتقين ما يبدو مفيدا أو طريفا جديدا.
1- التعريف بالمقري:
يبدأ الونشريسي بتقديم المقري إلى صاحبه ابن غازي بما نصه:
فاعلم يا نعم السيد المولى، أولاك الله أضعاف ما أولى، أن المقري هو محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى القرشي المقري الأصل، التلمساني المولد والمنشأ، الفاسي الدار، كنيته أبو عبد الله، و"مقرة" (بفتح الميم بعدها قاف مشددة)، قرية من قرى بلاد الزاب الغربي من عمل إفريقية، سكنها سلفه، ثم تحولوا إلى تلمسان، وبها ولد الفقيه وجد، وبها نشأ وقرأ وأقرأ إلى أن خرج منها صحبة الركاب المتوكلي العناني أمير المسلمين فارس بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق أوائل جمادى الأولى عام تسعة وأربعين وسبعمائة إلى مدينة فاس المحروسة، حاضرة ملك بني مرين، وقاعدة المغرب الأقصى، فولاه بها قضاء الجماعة، فنهض بأعبائه علما وعملا، وحمدت سيرته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، إلى أن توفي بها إثر قدومه من بلاد الأندلس في غرض الرسالة لسلطانه أبي عنان المذكور، في عام تسعة وخمسين في غالب ظني، كما توفي سلطانه أبو عنان ليلة السبت الثاني عشر لذي حجة الحرام متم عام تسعة وخمسين وسبعمائة (10).
ثم نقل القاضي أبو عبد الله المذكور إلى مسقط رأسه، ومحل نشأته بلده تلمسان فدفن بالعرصة المتصلة ببعض نواحي داره الكبرى الكائنة بباب الصرف المقابلة لدار السرور من القصر الجديد داخل تلمسان المحروسة، وبحومة باب الجياد منها، والدار والعرصة في هذا التاريخ على ملك بعض ورثة الشيخ الصالح العالم المفسر السيد أبي يحيى الشريف التلمساني المتوفى عام خمس وعشرين وثمانمائة، المدفون إلى جنب والده...(11).
2- تآليفه:
افتتح الونشريسي عرض تآليف المحتفى به بكتاب القواعد قائلا: ومن تآليفه كتاب القواعد (12)، اشتمل على ألف قاعدة ومائتي قاعدة، وهو كتاب غزير العلم، كثير الفوائد، لم يسبق إلى مثله، بيد أنه يفتقر إلى عالم فتاح، منه قوله ...... ومنه ...... ومنه ......، وعلى هذه الشاكلة مضى يلاحق نصوصه فينقل من هنا وينقل من هناك ما يراه مناسبا ومفيدا، حتى إنه فعل ذلك سبع عشرة مرة، الأمر الذي نتج عنه طول هذا القسم مقارنة بالأخرى.
ولعله من الصعب أن نقفو قفوه، ونجاريه في ميدانه، إلى أنه تقريرا لمنهاجه من جهة، ونشرا لطي بعض فوائده من جهة ثانية، يحسن بنا أن نقتطف نموذجين للتمثيل:
أ- النموذج الأول: ومنه الشبهة إما أن تكون قريبة جدا كالشركة في القطع فتعتبر، أو بعيدة جدا كالأجير والصديق فيه، فلا تعتبر، أو متوسطة فقولان، هذا ضابط مذهب مالك، ومن هذا تعرف وجه الرد فيما أفتى به الفقيه أبو موسى عيسى بن محمد الإمام، حدثني –رحمه الله- أن عبد الحق بن أبي بكر حاكم تونس أنه وجد رجلا وامرأة، فأفلت الرجل وأقرت المرأة أنها مكنته من نفسها واعتلت بما كان الناس فيه يومئذ من شدة المسغبة، وأنه لحقها من الجوع ما حملها على ذلك، فرحمتها وسرحتها، قال: فقلت له: فقد قالو: إذا سرق لجوع أصابه لم يقطع، فقلت: الجوع يبيح أخذ مال الغير باختلاف لزوم الثمن فيه، فسرقته إذا لم تكن جائزة فهي شبهة قوية، ولا يبيح الزنى بوجه ولا على حال، ولا مناسبة بينه وبين إباحته، فلا ينتهض شبهة تدرأ الحد، فيجب الحد ولابد.
ب- النموذج الثاني: ...... ومنه تنافي المقصودين مانع من اجتماع حكميهما. ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه (13) فلا يجتمع النكاح والملك، لأن مقصود الزوجية التراكم والود من الطرفين، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا (14) والرق الامتهان والاستخدام بسبب سابقة الكفر أو مقارنته زجرا عنه، وإن كان العبد هو الزوج زاد، فإن مقتضى النكاح قيام الزوج على المرأة بالإصلاح والتأديب والصون، الرجال قوامون على النساء (15)، فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن (15)،  والملك قيام الملم بذلك مع الإذلال، ومن ثم قال بن الجلاب:
لا يغسل للجنابة والجمعة معا، ورد بمنع تنافيهما وهو المشهور، ومن ثم حرم نكاح المتعة لمنافاته الود والتركن المطلوبين بالنكاح.
وبنفس الوتيرة يسترسل الونشريسي فى عرض ثاني مصنفات المقري: "نظم اللآلي في سلوك الأمالي"، حاصرا عنايته أيضا في نقول سماها "فوائد" بدت لكثافتها ظاهرة أصيلة في الرسالة، بل إن اهتمامه بها زاد وغزر، وتنوع بين النثر والشعر وتفاوت بين إنشادات الإخوان، والإفادات القرآنية والحديثية والفقهية والأدبية، والنوادر المليحة، وأخبار الأصحاب، ومشاهداتهم، وملاحظاتهم الذكية، بل بلغ بها أربعا وعشرين فائدة، ثم ذيلها باثنتين من غير هذا التأليف (16)، وقبل أن ينذب نفسه لإنجاز هذا وذاك أشار إلى أن المقري جمع كتابه "نظم اللآلي" لصاحبه العلامة ورئيس الكتاب بدار المغرب أبي القاسم بن رضوان (17).
ولما كانت الشواهد ركيزة حيوية وضرورية للتعزيز والبرهنة والتوثيق فلا مناص من إيراد بعضها.
-منها: قال لي أبو عبد الله النجار: انظر إلى الناس يقابل بعضهم بعضا بألفاظ قبيحة المعاني، ثم لا يأنفون لما سره حسن ظاهرها عنهم من قبح باطنها، فإنهم يقولون: فلان الفقيه مطبوع، ومعناه قليل الدين، وفلان خفيف الروح ومعناه مضحكة، وفلان طيب النفس، ومعناه عديم الغيرة، وذكر من هذا كثيرا مما لا يتنبه إليه إلا مثلها في الذكاء والبحث عن أحوال الخلق، سمح الله لي وله.
-ومنها: كنت يوما مع القاضي أبي عبد الله بن هدية (18) في جنازة فذكر غلظة أهل أجادير وقبح غلوهم في الفخر، فحدث أن رجلا كان نزل به ، فولى عندهم خطة، فكان يكتب في شهادته القرشي، ثم رفع إلى أعلى منها فكتب الهاشمي، فقال بعضهم: تداركوا هذا الرجل قبل أن يزيد رفعته فيكتب الجاديري، قلت: ولولا ما عرفو به لأمكن أن يكون مراده فينتسب إلى ما لا يخفى عليكم كذبه فيه، وكان القاضي- رحمه الله- صاحب نوادر وطرائف.
-ومنها: حدثت عن أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي بابلة التلمساني، وقد كنت لقيته صغيرا، أنه دخل على مصيب أبي عبد الله محمد بن عمر بن خميس (19)،  بغرناطة من مرضه الذي توفي منه، فوجده قلقا، فقال: مالك؟ فقال: رأيت بن خميس في النوم، أراه –قال- على هيئة حسنة، قال: فجمع خمسة يده اليمنى، وقال لي: يا محمد، هذه بقيت لك، وأوقفك بين يدي أحكم الحاكمين، فيسألك عن دمي، فخذ أهبتك، قال: فو الله ما مرت عليه خمس إلا وهو في قبره، وكان قتل ابن خميس يوم الأضحى آخر سنة ثمان وسبعمائة مع الوزير أبي عبد الله الرندي الحكيم.
وربما أرهق الغلو في النقل يراع الونشريسي، فانكفأ إلى الإيجاز والاختصار في تقديم ما بقي من آثار المقري مركزا في غير ما إسهاب على كتابه: "عمل من طب لمن حب"، وما في هذا القسم من معارف جديدة وفوائد جليلة لا يدرك إلا بإيراده كاملا.
يقول: ومن تأليفه أيضا –رحمه الله- كتاب "الحقائق والرقائق في التصوف"، بديع المنزع، لطيف الإشارة، وهو كثير بأيدي الناس في تلمسان وفاس، وكتاب " التحف والطرف"، في غاية من الحسن والطرب، رأيت منه في تلمسان بعض أوراق بخطه رحمه الله، وكتاب " اختصار المحصر" غير تام، وكتاب "شرح الجمل الخونجي" لم يتم أيضا، وكتاب: عمل من طب لمن حب"، مشتمل على فنون:
-الأول: في أحاديث حكمية كأحاديث الشهاب، وسراج المهتدين لابن العربي.
-والثاني: في الكليات الفقهية مر بها على جملة من أبواب الفقه في غاية الإفادة وقد كنت قد اقتنيت من هذا الكتاب أصلا جيدا بخط مؤلفه القاضي رحمه الله، ثم أتى عليه وعلى غيره مما تحصل في ملكي من الكتب، وضاع بسبب محنة ابتليت بها خامس المحرم الحرام فاتح عام أربعة وسبعين وثمانمائة، أسأل الله الجبر وحسن الخاتمة في الدين والدنيا والآخرة.
-والثالث: في قواعد وأصول.
-والرابع: في اصطلاحات وألفاظ، وقد أطلعني الفقيه أبو محمد عبد الله بن عبد الخالق على نسخة من هذا الكتاب عنده، فتلطفت في استخلاصها لأنسخ وأرد فلم يسمح.
ومن تأليفه أيضا كتاب "المحاضرات" ضمنه من الفوائد والحكايات والإرشادات والكلام كثيرا.
بذلك أسدل الونشريسي الستار على مؤلفات المترجم، وطلبا للاختصار ذيلها بالتعقيب الآتي:
هذا ما حضرني الآن من التعريف بالرجل وتآليفه، وقد استوفى الكلام على مشيخته وشعره صاحب القلم الأعلى بدار الأندلس أبي (كذا) عبد الله بن الخطيب السلماني المتوفى بقصبة فاس البالي آخر عشرة الثمانين وسبعمائة، في حرف الميم من كتابه "الإحاطة في التعريف بمن دخل غرناطة"، وكذا شيخ شيوخنا المحقق العالم النظار أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بم محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التلمساني المتوفى في النصف من شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة في كتابه النور البدري في التعريف بالفقيه المقري، ولم يتمكن محبكم من مراجعة واحدة من هذين الكتابين أما الثاني فلعدم وجوده بهذه البلدة، وأما الأول فلحصوله حيث لا يتوصل إليه بوجه.
3-بنو الإمام:
لعل أول ما قد يترجع في صدر أي منا، ويتنزل على روعة قبل أن يتوغل في تعرف بني الإمام أن يكون المقصود بهم أولاد المترجم له، لأنهم أولى بالذكر، وأوفى تناغما مع معطيات الرسالة، وأهدافها، وربما لا تكتمل معالمها، ولا تتضح صورتها إلا بهم، لكن الونشريسي فاجأنا بغيرهم، فحدثنا عن أبناء الإمام الشريف التلمساني، ومرد ذلك –كما يستنتج من الديباجة- إلى أنه كان يحترم بل ينفذ رغبة محبه وخليله ابن غازي الذي وضع له مخططا ليس له أن يزيغ عنه، ولا ينهض هذا المبرر مستقيما إلا بالارتكاز على عامل العلاقة العلمية المكينة التي جمعت المقري بهذه الأسرة، وذلك جلي في النغمة المخيمة على كلامه يقول: وأما بنو الإمام فأعلى طبقاتهم الشيخان، الراسخان الشامخان العاملان العالمان، المفتيان الشقيقان:
الفقيه العلامة آخر صدور أعلام المغرب بشهادة أهل الإنصاف من المشارقة والمغاربة، أبو زيد عبد الرحمن، والعلامة النظار آخر أهل النظر، وجامع أشتات المعارف أبو موسى عيسى ابنا محمد بن عبد الله الحميري الشهير بالإمام (20)، ثم الشيخ أبو سالم إبراهيم بن الشيخ أبي زيد المذكور، وأبن عمه الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن أبي موسى المذكور، ثم الشيخ العلامة القاضي الرحال أبو الفضل المتوفى عام خمسة وأربعين وثماني مائة بن الشيخ أبي سالم إبراهيم.
وعن الشيخين أبي زيد وأبي موسى أخذ الآبلي والمقري والشريف والعقباني، وغيرهم من أهل تلمسان وغيرها علم المعقول، والمنقول والحديث رواية ودراية، وبسببهما انتشر العلم ببلاد المغرب [وعن الآبلي أخذ المقري والعقباني والشريف وصغار طلبة ابني الإمام وأولادهما رحمهم الله] (21)، ولم يبق للشيخان أبي زيد وأبي موسى عقب بتلمسان في هذا التاريخ سوى صاحبنا وتلميذنا الطالب الخير الفاضل أبي العباس أحمد بن أبي الفضل بن إبراهيم بن أبي زيد المذكور، وللشيخ أبي الفضل المذكور –رحمه الله- في علم البيان والتصوف والأدبيات والشعر (والطب) (22) قدم راسخ، وهو أول من أدخل للمغرب الكتاب الشامل، وشرح المختصر لبراهم، وحواشي التفتازاني على العضد وابن هلال على ابن الحاجب الفرعي وغيرها من الكتب الغربية.
4- قضية ابن عطية الونشريسي:
لن نضع هذه القضية تحت النظرة شبه الجامعة التي أوليناها لما سبق إذ في شهرتها واحتفاء المصادر بها كفاية تتبعها (23)، وعليه سننصرف إلى تقديم أهم مراحلها مستأنسين بأسلوب الونشريسي نفسه، يقول:
وأما قضية بلدينا الشيخ القاضي العلامة أبي علي الحسن بن عطية الونشريسي (24) مع عدول مكناسة وقصيدته التي قال فيها، فهي أن السلطان المتوكل على الله أمير المسلمين أبا عنان فارس بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني –رحمه الله- كان قد أمر بالاقتصار على عشرة من الشهود بمدينة مكناسة، وكتب اسم الشيخ لأبي علي هذا في العشرة الذين أثبتهم، فشق ذلك على بعض شيوخ العدول المؤخرين لحداثة سن أبي علي، فلما علم تشغيب أولائك عليه، وضع رجزا ورفعه إلى مقام المتوكل على الله أبي عنان وهذا ما يقول فيه:
نبدأ أولا بحــمد الله
     ونستعـينه علـى الـدواهي (24).
5-مسألة قيطون الإعانة:
يقول الونشريسي:
وأما تعيين ما ذهب إليه العقباني في مسألة قيطون الإعانة مما ذهب إليه القباب المتوفى عام تسعة وسبعين وسبعمائة، كما توفي فيها الشيخ الفقيه صالح فاس ومفتيها أبو محمد عبد الله الوانغيلي الضرير تلميذ أبي الربيع اللجائي تلميذ شهاب الدين القرافي رحمه الله، وفيها أيضا توفي الشيخ الصالح أبو الربيع سليمان بن الشيخ الصالح أبي الحجاج يوسف بن عمر الأنفاسي شارح الرسالة المتوفى سنة إحدى وستين وسبع مائة بعد أن بلغ من السن مائة سنة، فاعلم أن مذهب القباب اختصاص الحاكة به، والله أعلم، ولعل هذا منتهى ما رسمه سيدي وأجل عددي من الأغراض والفصول ، فله الفضل في الإغناء وحسن القبول بلغه الله كل مأمول.
كان ذلك آخر ما تعقبه الونشريسي من حياة المقري، وما يستوقفنا فيه هو اختفاء مسألتي الشيخ ابن النجار الهندسي من المتن رغم وعده الكريم في المقدمة بإثارتها وبسطها مباشرة عقب الكلام عن مؤلفاته، فهل هو سهو من الونشريسي؟ أم هل أعوزته المصادر؟ سيما وأنه استعجل إتمام الرسالة ملمحا إلى هذا السبب، أم هل نحن أمام نسخة مبتورة؟
مهما يكن الجواب فإن اليقين الذي لا شبهة فيه أنه ذكر القضيتين معا في غير الموضع المخصص لهما حسب تصميمه، فجاءتا في صلب منقولاته من كتاب اللآلىء، والاحتمال القوي أن يكون هذا التصرف سببا في عدوله عن إيرادها في بابها مع أنه لم يلمح إلى ذلك لاحقا على عادة المصنفين في تلك العهود.
يقول في القضية الأولى":
"... ومنها ما ذكرت يوما حكاية ابن رشد الاتفاق على طهارة الخمر، واعترضته بما في الإكمال عن وضاح أنها لا تطهر، فقال لي أبو عبد الله بن النجار لا عبرة بقول ابن وضاح لأنه يلوم عليه نجاسة كل خل، لأن العصير لا يكون خلا حتى يكون خمرا.
ويقول في المسألة الثانية:
"... ومنها كنت يوما أتكلم في ضابط ما تمنع القرابة من نكاحه، فذكرت قول ابن الحاجب: "وهي أصوله وفصوله" إلى آخره، والفاضل أبو عبد الله بن النجار يسمع، فقال لي: إذا تركبت النسبة العرفية بين الرجل والمرأة كأن تقول له: ابن عمي أو عمتي، فتأملته فوجدته كما قال، ولم يكن بصيرا بالفقه إنما عنده ذكاء زائد" (25).

* قيمة الرسالة:
أخلص بعد هذا العرض إلى تسجيل بعض الملاحظات التي تهدف إلى تأكيد أهمية وقيمة ومزايا هذه الرسالة على صغر حجمها أولا وإلى الإشادة بفضل الونشريسي في التعريف بالمقري ثانيا:
1- إنها مصنف مستقل في موارده عن أهم مصدرين أرخا للمقري، هما: "الإحاطة" و "نفح الطيب".
2- إن النقول الكثيرة التي تتخلل الرسالة لا تنقص من قيمتها، ولا تعتبر إخلالا بأهميتها، وكأني بها اخترت بعناية لتزيد من نفاستها، ونظرا لما تنضج به من أخبار جديدة، وفوائد جليلة، وآراء ذكية، ومعلومات معتبرة.
3- إن هذه الرسالة يمكن – دون مبالغة أو محاباة- أن تكون وثيقة تاريخية معولا عليها في تصحيح أحداث وإضافة أخرى مثلما يتجلى من النصوص التي حرصنا على الاستشهاد بها، ويكفينا للدلالة على ذلك ما يأتي:
أ‌- أجمع المؤرخون للونشريسي على أن رحلته إلى فاض تمت أول محرم، وتأتي هذه الرسالة لتؤكد بالتحديد أنها بدأت في الخامس منه، وأنها كانت نتيجة محنة، وإني على مثل اليقين أنها كانت محنة سياسية.
ب‌- تصرح الرسالة أن أبا العباس أجمد بن أبي الفضل بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن الإمام تتلمذ على يد الونشريسي، وهذه إضافة جديدة لم يثبتها أي باحث من محققي كتبه (26)، إلى غير ذلك من المعلومات الجديدة التي تتناثر بين ألفاف الرسالة.
4- كانت هذه الرسالة مصدرا معتمدا، وموردا ثرا استسقى من معينه كثير من المتأخرين من أمثال المقري في "نفح الطيب"، والحفناوي في "تعريف الخلف".
ولا يطمح في هذا العرض –في آخر المطاف- إلى أسمى من إزاحة الغبار عن النادر من مصنفات أجدادنا –رحمهم الله- والنفخ في روح تراثنا الخالد، وهو التزام أخذته على نفسي، وسأنجزه ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

1) "إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك": لأحمد بن يحيى الونشريسي، تحقيق: أحمد بوطاهر الخطابي ص: 71 (مطبعة فضالة 1980/)، وانظر في ترجمة الونشريسي "مقدمة" المحقق، وفي ترجمة المقري "معجم أعلام الجزائر" ص 180( الطبعة 71/1).
2) "ثبت الوادي آشي": تحقيق عبد الله العمراني، ص 378 وما بعدها (ط – درا الغرب الإسلامي 83).
3)  "الترجمة": رقم 707_ ص: 186 (ج: الأول – ط 1960).
4) "ثبت الوادي آشي":ص  459 وما بعدها
5) "ثبت "أعلام الجزائر": ص 188.
6) المرجع السابق: ص: 136.
7) في الأصل أبي، ولعله سهو من المؤلف.
8) المرجع السابق: ص: 75.
9) "الإعلام": للزركلي ص: 197 ج:1.
10) المرجع السابق:ص: 5/127.
11) " تعريف الخلف" ص: 208-209- ج2 (وفيه أنه توفي سنة 826)- مؤسسة الرسالة 1982).
12) قارن بما في "نفح الطيب" ج: 5 ص: 284 (طبعة دار صادرة 1968).
13) الآية رقم / 4 سورة الأحزاب.
14) الآية رقم / 20 – سورة الروم.
15) الآية رقم / 34 – سورة النساء
16) انظرهما في "نفح الطيب" ص: 282-283- ج:5.
17) المصدر السابق: ج6 ص: 107.
18) معجم أعلام الجزائر ص 186.
19) "نفح الطيب": ج: 5 ص: 359 وما بعدها.
20) انظر ترجمة هذه الأسرة العالمة في: "تعريف الخلف" ج:2 ص 209 وما بعدها.
21) ما بين المعقوفتين زيادة من الهامش وعليه علامة صح.
22) زيادة من الهامش وعليه علامة صح.
23) انظرها في "نفح الطيب" ج:5 ص: 353 وفي "تعريف الخلف" ج:2 ص: 129.
24) "معجم أعلام الجزائر" ص:64.
25) قارن بما في "نفح الطيب" : ج5 ص: 237 و "تعريف الخلف: : ج2 ص 574.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here