islamaumaroc

العقوبة المالية في الفقه الإسلامي

  الحسن اليوبي

العدد 332 رجب-شعبان 1418/ نونبر-دجنبر 1997

لقد اختلفت آراء الفقهاء في شأن العقوبة المالية، وانقسموا إلى قسمين:
- قسم يرى أنها ممنوعة، وقسم يرى أنها جائزة.
فقد اعتبرها الإمام الغزالي من الأمور الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، (1) وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي في مذهبه الجديد، وبعض الحنابلة. (2) أما أبو يوسف فقد رأى أنه يجوز للإمام أن يعزر بأخذ الأموال، (3) كما أجازها ابن تيمية ونص في فتاويه على أن "التعزير بالمال سائغ إتلافا وأخذا". (4) واعتبرها ابن قيم الجوزية من الأمور المشروعة، واستدل بما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه في ذلك، كإباحته صلى الله عليه وسلم سلب من اصطاده بالمدينة، وأمره بكسر دنان الخمر وكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الوحشية، وكتحريق عمر وعلي رضي الله عنهما المكان الذي تباع فيه الخمر. ولذلك اعتبر أن المدعين للنسخ (ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم، إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها، وكذهب أصحابه عيار على القبول والرد). (5)

وتعتبر مسألة العقوبة المالية منم المسائل التي وقع فيها الخلاف بين فقهاء المالكية، وقد قسموا هذه العقوبة إلى قسمين:
1- عقوبة في المال: وهي إتلاف المال الذي وقعت به المعصية. (6)
2- عقوبة بالمال: وهي إغرام الجاني شيئا من ماله الذي لا تعلق للجناية به. (7)

ويمكن تصنيف آراء المالكيين في ضوء هذا التقسيم للعقوبة المالية إلى ثلاث فئات:
1- فئة ترى المنع في القسمين معا.
2- فئة ترى الجواز في القسم الأول والمنع في الثاني.
3 – فئة ترى الجواز في القسمين معا.
فمن الفئة الأولى "ابن رشد" وهو يرى أن العقوبة في الأموال قد جرى بها العمل في العهد الأول، كقوله صلى الله عليه وسلم بأن سلب من أخذ وهو يصيد في الحرم لمن أخذه. (8) ولكن الإجماع قد انعقد على أن العقوبة في الأموال – وإن وقعت فغي عهد الرسول وحكم بها عمر بن الخطاب – لا تجب، وأن العقوبات على الجرائم تقع في الأبدان، وبذلك تكون العقوبة المالية منسوخة بالإجماع. (9)
ومن هذه الفئة أيضا الشيخ أبو العباس الشماع الذي اشتهر برده على البرزلي عندما أفتى بجواز العقوبة بالمال معتمدا في رده على أن تحريم أكل المال بالباطل ثابت بالكتاب والسنة، وأن العقوبة بالمال من باب أكل الأموال بالباطل، بالإضافة إلى أنها تبديل للأحكام الشرعية. (10)
ومن الفقهاء المغاربة الذين تأثروا برأي ابن رشد نذكر الشيخ عبد الرحمان الفاسي صاحب نظم العمل الفاسي الذي عبر عن رأيه في نظمه، (11) والشيخ عبد القادر الفاسي الذي قال في كثير من فتاويه: إن العقوبة بالمال بدعة وتعطيل للشرعية الإسلامية، ورجوع إلى قوانين كقوانين كسرى وقيصر. (12)
ومن الفئة الثانية "الشاطبي"، فقد ذكر الخلاف الواقع بين المالكية في هذه المسألة، ونص على أن مذهب مالك هو جواز العقوبة في المال وعدم جوازها به. (13)
ويظهر أن هذا هو رأي ابن فرحون، فإنه عندما تناول الموضوع في  تبصرته قائلا: "والتعزيز بالمال قال به المالكية فيه العقوبة"، (14) أورد مجموعة من المسائل تنضوي كلها تحت العقوبة في المال المتعلق بالمعصية.
ومن أصحاب هذا الرأي عبد الواحد الونشريسي الذي يرى أن العقوبة بالمال "لا يتجوز بحال" (15) وإن "ما وقع من الخلاف الردية النسج وشبه ذلك، هو من باب العقوبة في المال لا من العقوبة به". (16)
وهذا ما رآه الفقيه الرباطي في شرحه للعمل الفاسي، فإنه بعد أن أورد مسائل من العقوبة في المال، قد جرى بها العمل لدى المالكية، عقب قائلا: "إن الجمع بين نقل الأئمة لها ودعوى النسخ مما يشكل"، (17) أما العقوبة بالمال: "فيجب إلغاؤها وترك العمل بها مطلقا". (18)
أما في الفئة الثالثة: فقد اشتهر "الإمام البرزلي" بفتواه (19) التي أصدرها سنة 828 هـ، وقال فيها بجواز العقوبة بالمال، وقد أحدثت هذه الفتوى ضجة كبرى بين الفقهاء الذين عارضوه، ومن بينهم أبو العباس الشماع الذي ألق ردا يعارض فيه الفتوى ويبطلها.
وتعتبر فتوى البرزلي ذات أهمية خاصة باعتبار أن الذين أفتوا بالجواز في الموضوع بعد البرزلي قد اعتمدوها في فتاويهم.
ومن الفقهاء المغاربة في هذه الفئة، نذكر العربي الفاسي، وهو يرى أن العقوبة بالمال "ممنوعة، ولكنها في هذا الزمان محل الضرورة، وفعلها عام الملحمة، كما أن تركها عام المفسدة". (20) ويفسر العربي الفاسي هذه الضرورة بأن "القبائل التي لا تنالها أحكام السلطان لا تمكن فيهم العقوبة بالأبدان، لأنهم لا يذعنون لمن أراد ذلكم منهم، ووقع القطع بأن إرادة تنفيذ ذلك موقع فيما هو أدهى وأمر من الفتنة والفساد". (21)

ونستنتج من خلال هذه الآراء المختلفة ما يلي:
1- إن الذين أفتوا بالمنع في العقوبة بالمال أو فيه، قد اعتمدوا على أن ما وقع من العقوبة في المال في العهد الأول منسوخ بالإجماع.
2- إن الذين أفتوا بالجواز في العقوبة في المال وبالمنع في العقوبة به، اعتمدوا في الأول على نفي النسخ لما وقع في العهد الأول، باعتبار أن مسائل جرى بها العمل عند مالك تعد من باب العقوبة في المال. أما في الثاني فقد اعتمدوا في المنع على أن نصوص الكتاب والسنة قد نصت على تحريم أكل المال بالباطل، والعقوبة بالمال أكل للمال بالباطل، فهي ممنوعة، كما أنها تبديل للأحكام الشرعية.
3- إن الذين أفتوا بالجواز في العقوبة بالمال لم ينكروا أنها ممنوعة في الشرع، ولكنهم جوزوها معتمدين المصلحة ودرء المفسدة، وجعلوها مشروطة بعدم التمكن من إقامة الأحكام الشرعية، فيه حكم مؤقت بظروف خاصة.
ومن الملاحظ أن هؤلاء جميعا قد نظروا إلى هذه القضية من زاوية خاصة، فقد راعوا تعلق المال الذي تقع فيه العقوبة بالمعصية وعدم تعلقه بها.
وينبغي أن نشير هنا إلى أن صاحب البهجة قد نظر إلى القضية من زاوية أخرى، فقد تناول العقوبة المالية باعتبارها عقابا على المعاصي دون اعتبار للعلاقة بين المال المعاقب به وبين المعصية المعاقب عليها، ومن هذه الزاوية يقسم المعاصي إلى قسمين:
1- ما وجبت فيه الحدود لا تجوز فيه العقوبة بالمال، إلا إذا تعذرت إقامة الحد: فيعاقب بالمال حينئذ ارتكابا لأخف الضريرين، ودفعا لأثقل المفسدتين:. (22) وفي هذه الحالة لا تسقط الحدود، بل تنفذ حالما يرتفع التعذر، ويصبح بالإمكان تنفيذها.
وإذا كان يتفق في هذه نقطة مع من سبقه من الذين جاوزوا العقوبة بالمال، فإنه قد تميز عنهم بالدقة في إعطاء مفهوم لتعذر إقامة الحدود، فالفقهاء لمغاربة بصفة خاصة حين تناولوا الموضوع، تركوا مفهوم هذا التعذر مطلقا، مما جعله قابلا لاعتبارات مختلفة، أما صاحب "البهجة" فقد حدده في عدم الظفر بالمذنب: "ولا عذر لهم في كونه يتعذر حده، لأنه لا تعذر بعد الظفر بعينه، لأن من يسجن لإعطاء المال يمكن إقامة الحد عليه قطعا..ومن سجن الزناة والقاذفين وقاتلي الغيلة مثلا، وذوي الحرابة والسراق لأخذ الأموال بعد ثبوت ذلك عليهم بموجبه ثم يسرحهم، فقد بدل الأحكام الشرعية". (23)
2- ما وجب فيه التعزير والأدب، ورغم أن صاحب البهجة هنا ترك الاختيار مفتوحا بين جواز العقوبة المالية بصفة مطلقة، وبين جوازها مع تعذر التعزير، فإنه مال إلى الجواز المطلق متفقا مع ابن قيم الجوزية، (24) وغيره ممن قالوا بنفس الرأي، بل إنه يلتمس لها أصلا شرعيا، وهو حديث التنفيل الذي يفسره بقوله: "معنى قوله عليه السلة والسلام: فخذوا سلبه، أي فعاقبوه بأخذ ماله على معصيته التي ارتكبها، فإن تمحض الحق لله كالصيد في الحرم، وعدم التناهي عن المنكر، وإخراج الصلاة عن وقتها مثلا مع قضاءها في غير وقتها، والأكل في رمضان نهارا، فإنما يؤخذ سلبه، أي ماله فقط، وإن كان الحق لله ولآدمي، فيؤخذ ماله لحق الله، ويغرم بعد ذلك حق الآدمي، إذ ما من حق لآدمي على وفيه حق الله الذي هو إثم الجرأة والإقدام، والحديث الكريم على أخذ السلب على معصية الله، كان معها حق لآدمي أ/ لا". (25)
ويتضح من هذا التفسير أنه يقيس كل معصية وجب فيها الأدب على معصية الصيد في الحرم، وحيث أن معصية الصيد في الحرم قد جاز فيها أخذ السلب – وهو عقوبة مالية – فكل المعاصي التي تستوجب التعزير، يجوز فيها ذلك مطلقا، ولا يشترط تعذر التعزير بغير المال.
أما قدر العقوبة المالية، فينبغي أن يحدد حسب اجتهاد الإمام، إلا أن تحديدها ينبغي أن يتم حسب جريرة المذنب وحسب ما له من سوابق في المعصية: "وذلك يختلف باختلاف عظم جريرته، وبحسب الشخص من تمرده على العصيان وعدم تمرده، ولو أدى ذلك إلى أخذ ماله كله، حيث كان لا ينكف إلا به". (26)
ونحن نتفق مع صاحب "البهجة" هنا في أن العقوبة المالية في الحدود التي بينها الشارع هي تبديل للأحكام الشرعية، إذ لا يحل لحاكم من الحكام أن يعدل عن الحدود التي حدها الشارع في الكتاب والسنة إلى أخذ الأموال.
ولا يقبل التبرير بعدم القدرة على تنفيذ الحدود، فلا شك أن القادر على أخذ الأموال قادر على تنفيذ الحدود، أما ادعاؤهم بأن تنفيذ الحدود موقع فيما هو أشد من الفتنة بخلاف أخذ الأموال، فغير معقول، إذ فيه فتح لأبواب البدع، وجرأة على تغيير الأحكام الشرعية، وتغييرها كفر.
أما في التعزير، فأدلة القائلين بالجواز أقوى من أدلة القائلين بالمنع، إذ في معاقبة الرسول وصحابته بها دليل على جوازها، كما أن قياسها على الكفارات أمر معقول، فلا يخفى ما في الكفارات من عقوبة بالمال، فلا يتم الإطعام والعتق إلا بالمال.
والقول بأن العقوبة المالية ذريعة يتذرع بها ظلمة الحكام لأخذ الأموال قول غير مقنع، وتعطيل هذه العقوبة يؤدي إلى ما هو أقدح من الفساد والشر. وإذا كانت التعازير تكون في الظهر وبالسجن فالمال أهون. (27)
وخلاصة القول في هذا الموضوع، أن التعزي يكون باجتهاد الإمام الذي ينبغي أن ينظر إلى المصلحة العامة، ولا شك أن التعزير بالمال أعم نفعا من التعزير بالصرب أو غيره، فلا يكفي أن تعتبر المخالفة في حد ذاتها ولا ظروف مرتكبها فقط، بل الأصلح أن تراعى أيضا الظروف والمصلحة العامة.

1) انظر: ما نقله الشاطبي في "الاعتصام" ج: 2 – ص: 123.
2) انظر: "جرائم أمن الدولة وعقوبتها في الفقه الإسلامي" : د. يوسف عبد الهادي الشال ص: 215.
3) انظر : "أبو يوسف: حياته وآثاره وآراؤه الفقهية" ص: 431.
4) "الفتاوى الكبرى": ج: 4-ص: 601.
5) "الطرق الحكمية": ص: 247.
6) انظر: أجوبة العربي الفاسي "بالمعيار الجديد" للوزاني ج: 10-ص: 182-193.
7) انظر :"شرح الرباطي للعمل الفاسي" ج: 2- ص: 342.
8) أخرج الحديث أبو داوود في "المناسك من سننه" ج: 1- ص: 470
9) "البيان والتحصيل "لابن رشد ص: 12/السفر التاسع/مخطوط الخزانة العامة بالرباط/رقم: 1225.
10) انظر : فقرات من هذا الرد، نقلها الرباطي في شرحه "للعمل الفاسي" ج: 2- ص: 338.
11) "العمل الفاسي" : ص: 142.
12) انظر: الفتوى التي نقلها الرباطي في شرحه للعمل الفاسي ج: 2- ص: 339.
13) "الاعتصام": ج: 2- ص: 123.
14) "التبصرة ": ج: 2- ص: 298
15) انظر :ما نقله بناني في "حاشيته" على الزرقاني ج: 5-ص: 61.
16) نفس المصدر.
17) "شرح الرباطي": ج: 2- ص:342.
18) شرح الرباطي": ج: 2- ص:342.
19) كل المصادر التي تتحدث عن الموضوع نذكر الفتوى بالإشادة من غير أن تنقلها.
20) انظر: فتوى العربي الفاسي في "المعيار الجديد" ج: 10- ص: 186
21) نفس المصدر.
22) انظر : "فتوى الفقهي التسولي": مخطوط الخزانة العامة.
23) انظر : "فتوى الفقهي التسولي": مخطوط الخزانة العامة.
24) "الطرق الحكمية": ص/ 245.
25) انظر : "فتوى الفقهي التسولي": مخطوط الخزانة العامة.
26) نفس المرجع.
27) نفس المرجع.
28) انظر : "فتوى الفقهي التسولي": مخطوط الخزانة العامة.
29) نفس المرجع.
30) نفس المرجع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here