islamaumaroc

الخطاب الملكي السامي الذي وجهه الملك الحسن الثاني إلى الأمة بمناسبة الذكرى 22 لانطلاق المسيرة الخضراء.

  الحسن الثاني

العدد 332 رجب-شعبان 1418/ نونبر-دجنبر 1997

بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين لانطلاق المسيرة الخضراء المظفرة وجه مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، خطابا ملكيا ساميا إلى الأمة المغربية وذلك مساء يوم الخميس 4 رجب 1418 هـ موافق 6 نونبر 1997م.
وكان جلالته –رعاه الله- أثناء إلقائه الخطاب الملكي السامي محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه صاحب السمو الملكي الأمير السعيد مولاي رشيد.
وفيما يلي النص الكامل للخطاب الملكي السامي الذي نقل مباشرة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة:
الحمد لله
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
شعبي العزيز
نلتقي اليوم لنحتفل بالذكرى الثانية والعشرون للمسيرة الخضراء، تلك المسيرة التي أثارت، إعجاب الجميع، والتي عرفت الجميع بك -شعبي العزيز- حيث ظهرت لهم كشعب متحمس متوثب، لا فرق بين مدنك وبواديك، وشبابك وكهولك وشيوخك، وسرت بإيمان، كتاب الله في يد، وعلمك الأحمر بالنجمة الخضراء في يدك الأخرى، ووطنيتك في قلبك ووجدانك، فسرت كما كنا أوصيناك به آنذاك في نظام وانتظام، فدخلت حدود الأقاليم المغتصبة كما طلبناه منك، وكما كنت ترجوه من صميم قلبك، وتمت المعجزة حينما دعوناك للرجوع فرجعت في نفس النظام والانتظام، مظهرا أنك إذا عزمت فعلت، وإذا قلت نفذت، وإذا قررت سرت نعم –شعبي العزيز- علينا اليوم، وقد مضت أكثر من عشرين سنة على تلك المسيرة، أن نفكر مع قرارة أنفسنا لإخواننا في الأقاليم الجنوبية، ولا أريد أن أقول الأقاليم الصحراوية، فالمغرب موحد له شمال، وله وسط، وله جنوب.
في السابق، كنا نعني بالجنوب كلميم وما تحتها، أما اليوم فالجنوب هو العيون وما تحتها. وسأحاول في المستقبل أن لا أستعمل لفظ الأقاليم الصحراوية.
أقول: علينا أن نحلل شيئا ما عملنا ونشاطاتنا بالنسبة للأقاليم الجنوبية، وأن نطرح السؤال على أنفسنا:
هل نحن حينما قررنا أن نفتح الأوراش، ونبني الطرق والمطارات والمراسي، وأن نفتح المدارس والمستشفيات والعيادات، وحينما قررنا أن نربط الهاتف الجنوبي بالهاتف الشمالي، وحينما قررنا أن نوسع شبكات الراديو والتلفزيون، وحينما قررنا أن نطبق الحياة اليومية التي نعيشها هنا على تلك النواحي؟
هل فكرنا كما يجب آنذاك –ولا يزال الوقت للتفكير- في المشكل الآتي: أن الخلية الصحراوية من الأسرة إلى القبيلة كانت تعيش في مناخ خاص بها، وفي سلم لدرجات النفوذ والاستشارة والاحتكام الخاص بها، وفي مناخ تربوي ثقافي تفكيري تتميز به؟
هل هذه التطورات كلها والتي هي تطورات إيجابية وضرورية، ولا يمكن أن نفكر في أن نتمتع بها هنا دون أن يتمتع بها إخواننا ورعايانا وأبناؤنا في الجنوب.
هل هذه الكيفية وبرامج التعليم والبرامج الاجتماعية وبرامج التكوين وإدماج المرأة في المجتمع الجديد، وإدماج مربي الماشية والرحل في المدن: هل هذا كله وقع دون أية مشاكل داخلية ظاهرة أم غير ظاهرة؟
هل لم تخلق تناقضات خفية بحيث لا يشعر بها ربما حتى أصحابها؟
هل خلقت السعادة التامة حيث أنها ربما لم تأخذ بعين الاعتبار العنصر الاجتماعي: الخلية الأسروية والخلية القبلية؟
أظن شخصيا أنه لا بد وقد وقع شيء، ولا يمكن أن لا يقع لأنه يجب أن لا  ننسى أن تاريخ المغرب تضرب جذوره في الأقاليم الجنوبية إن لم أقل الصحراوية.
علينا أن لا ننسى أنه كان هناك علماء وشعراء وأشراف ومفكرون، وكانت هناك قبائل معروفة يشرفني أن أنتمي من جهة الأم إلى إحداهن، وهي المغافرة، فللا خناثة المغافرية هي زوجة المولى إسماعيل.
علينا أن لا ننسى أن المرابطين من هناك أولئك المرابطون الذين فعلو الشيء الكثير، شيدوا، بحيث حينما يتحدث عن تلك الأقاليم الجنوبية يقال جغرافيا وجيولوجيا أنها صحراء، لكن في القرون الماضية كانت هناك حضارات، وكانت هناك مياه، وكانت هناك غابات، كما تدل على ذلك الحفريات في سجلماسة القديمة إلى العيون أو بوجدور أو الداخلة.
إذن، لم نأت إلى أرض موات من الناحية البشرية أو من الناحية الثقافية.
إذن من الضروري أن تكون قد وقعت بعض التساؤلات في أذهان الجميع من شبان وشابات، وسيدات ورجال وسيدات أكبر سنا وشيوخ، ولربما لا ولت تلك التساؤلات تطرح:
هل هذا السؤال وهذا التحليل الذي أرجوك أن تقاسمني إياه وليد اليوم؟
لا أقول لك: لا، ليس وليد اليوم، فمنذ سنين وأنا أفكر في هذا الموضوع، لكن لم أرد أن أبوح به ولا أن أطرحه دون أن أوجد له قبل كل شيء الإطار اللائق به لإيجاد الحلول الثابتة والجيدة له.
وما هو ذلك الإطار الذي سيصبح حقيقة بعدما كان حلما: إنه إطار الجهة، فحينما تستكمل الجهات إطارها وهيكلها –وسوف يكون ذلك في شهر شعبان المقبل- آنذاك سأتمكن من أن أضع هذه الملفات وهذه التساؤلات وتساؤلات أخرى وأسئلة أخرى أن أضعها في حوار ونقاش وتدارس مفتوح كما هي العادة مع أبنائها في الأقاليم الجنوبية في الجهات الثلات، وسوف أزورها، إنشاء الله بعد عيد العرش، وملفاتي تحت إبطي وخبرائي معي، لتكون أول تجربة للمغرب في الجهة بما فيها من مشاكل بشرية وإنسانية عميقة، ومن تساؤلات تتعلق بالمصير والتكوين.
وسيكون أول اجتماع-إن شاء الله- في إطار هذه الجهة التي أقول بها منذ عشرات السنين ليكون أو اجتماع في أقاليمنا الجنوبية مع الجهات الثلاث فاتحا للحوار والنقاش والأوراش.
وعلي إذن بهذه المناسبة أن أتوجه إلى سكان أقاليمنا الجنوبية الأعزاء لأقول لهم:
إننا – ولله الحمد- قد  وفقنا في تشبثنا بحق كل مغربي من أقاليمنا هناك لم تتح له الفرصة ليقيد نفسه وهويته في لائحة من يستفتون، فعلى كل واحد منهم أن يلتحق شخصيا بالمكاتب التي ستحدد حينما يحين الوقت بنفس الحماس، نفس اليقين، ونفس الإيمان، ليضع اسمع وهويته في الائحة، حتى يستفتي، ويكون له الحق في الاستفتاء كباقي إخوانه.
وإن هذه التساؤلات التي قلت لك شعبي العزيز في المناطق الجنوبية بالخصوص، وشعبي العزيز على العموم لن توقف مسيرتنا في التعمير، ولن توقف مسيرتنا في الخلق، ولن توقف مسيرتنا في البناء، بل سنطبعها وسنجعلها مكيفة بما يترك لتلك الأقاليم الجنوبية هويتها، وخصوصيتها، وعبقريتها، وأسباب نموها، في إطار وطنها من الكويرة إلى طنجة ومن أكادير إلى وجدة.
هذه شعبي العزيز بعض الإيحاءات التي جاءت بها ذكرى المسيرة.
لأن تاريخ المغرب –ولله الحمد- كله مسيرات. فعلينا إذن أن نسميها المسيرة الخضراء حتى نميزها عن المسيرات الأخرى. ولا سيما المقبلة التي أنت على عتبتها في يوم الجمعة من الأسبوع المقبل إن شاء الله، تلك المسيرة التي ستجعلك –شعبي العزيز- تعين بالاقتراع منتخبيك في الغرفة الأولى من البرلمان ذي الغرفتين.
وقبل أن أعطيك بعض النصائح فيما يخص الاقتراع – وهي فقط نصائح أخلاقية ووطنية- علي هنا شعبي العزيز أن أثبت مبدءا يجب أن يكون إيمانا راسخا في قلوبنا وعقولنا، فنظرا لتكاثر المشاكل وتنوعها وتداخل بعضها في بعض، و نظرا لكون أي أحد ليس في إمكانه أن يقول: إن هذا المشكل وطني أو جهوي أو قاري أو عالمي، إذ عندما نكون بصدد دراسة مشكل وطني نرى امتداداته وعواقبه وما يترتب عندما تصبح تهم الجهة أو القارة أو العالم أو تدخل في إطار اتفاقية عالمية، أو نظام جديد للعالم.
إذن، لا يمكن لأي بلد كبير شاته أو صغر أن يظن أنه سيكسب الرهان إذا هو تخلى عن طريقة الديموقراطية، فالديموقراطية هي نهج كجميع المناهج، وليس لفظ الديموقراطية بمثابة المفتاح الذي سيفتح جميع الأبواب،و وسيجعل جميع الكنوز أمام الإنسان يتبرع بها. أو يتمتع منها كما يريد، بل نهج الديموقراطية هو بمعنى، أولا: إعدام، ولا أقول: انعدام. بل إعدام الطبقية بين مثقفين، وغير مثقفين، ولا أقول: أمين أو غير أمين، يل مثقفين وغير مثقفين.
إن مفهوم الديموقراطية القديمة كان يتمثل في كون طبقة مثقفة تسير طبقة لها مستوى الثانوي أو الابتدائي فقط.
أما اليوم، فإن الطبقة المثقفة العليا إن لم توجد لها تلك الطبقة ذات الشهادة الابتدائية أو الثانوية، والتي يجب أن تكون على بينة من الكتابة والقراءة حتى تستعمل ما تقرأه وما تكتبه في جميع الميادين: النجارة والآليات، والماء والكهرباء، والكومبيوتر الصغير أو المتوسط.
ففي هذه الحالة، هؤلاء المثقفين العالين لا يمكنهم أن يقلعوا إذا لم يكونوا على يقين من أن قاعدتهم هي كذلك مثقفة في مستواها.
إذن، الديموقراطية هي نهج وليست فلسفة، نهج عليه أن يحترم جميع أنواع الثقافات وطبقات الثقافات، حتى نضمن للجميع الكرامة والاحترام. فثقافة العامل المتواضع يجب أن يحترمها صاحب الثقافة العليا، وذلك العامل صاحب الثقافة الصغرى أو المتوسطة يجب أن يعلم أن عليه أن يمد جسورا بينه وبين المثقف الكبير.
إذن القاعدة الأولى: هي أنه لا مناص بل لا نجاح دون الديموقراطية كنهج، والديموقراطية تقتضي أن يكون لكل طبقة من الطبقات الشعبية ثقافتها، بمعنى أن يكون لها سلاحها ليمكن أن تسير بالسيارة العامة.
أما القاعدة الثانية: فهي كيفية إصلاح ذلك المنهج الديموقراطي، وهذا سؤال مهم.
فكيفما كانت القوانين وكيفما كانت الدساتير، لابد أن ننظر غلى الديموقراطية كنهج إذن، كسلوك وكتطبيق، ولا أدل على ذلك أننا اليوم نرى في أوربا – وأقول أوربا فقط لأنها قريبة منا- ليست هناك دولة لم تعد النظر في تشريعاتها الرامية إلى تنظيم معاملاتها الداخلية حتى تنسجم مع المعاملة القارية والعالمية.
إذن النهج الديموقراطي المبني على الثقافة على جميع مستوياتها هو نهج يجب أن يكون سلاحا مطابقا للمصلحة وللواقع، وقابلا للتغيير من أجل التغيير، بل التغيير لبلوغ الأهداف والفعالية، ولسهولة التطبيق، وبالتالي لدر أكثر ما يمكن من الخير على المجتمع أفرادا وجماعات.
إن هذا السلوك –شعبي العزيز- يقتضي منا أن نذهب إلى الاقتراع وهذه هي نصيحتي لك.
علينا أن نذهب إلى الاقتراع، مستفتين قلوبنا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاءه أعرابي وسأله عن حالته الشخصية هو مع أفراد أسرته.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك.
إذن، على كل واحد منا حينما سيذهب إلى الاقتراع أن يستفتي قلبه بطرح سؤالين:
السؤال الأول هو: هل أنا مقتنع بأني أقوم بعمل وطني؟ وهنا يجب أن يكون الجواب (نعم).
فالاقتراع واجب وطني ليس صوريا فقط، بل هو وجداني كذلك.  وذلك للأسباب التي فسرتها لك. لأن الديموقراطية أصبحت -كنهج وكوسيلة لا كنظرية- الوسيلة الوحيدة لكسب الرهان، والاستمرار في العيش الكريم.
فالسؤال الأول إذن هو: هل أنا مقتنع، فيجب أن يذهب كل واحد إلى محل الاقتراع باقتناع.
والسؤال الثاني هو: هل هذا الاقتناع سيدفعه إلى اختيار الأصلح؟
وهنا يجب أن ننظر إلى زاوية النزاهة وإلى زاوية الفراسة.
فبخصوص النزاهة: أنتم تعلمون موقفي من هذا الباب. وتعلمون ما هي نصائحي وتوجيهاتي في هذا الباب.
أما بخصوص الفراسة: فيقول النبي صلى الله علية وسلم، مرة أخرى، وكم أريد أن أذكر بتعاليمه وبوصاياه وبتوجيهاته عليه الصلاة والسلام، كان يقول صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن، فأن فراسة المؤمن لا تخطئ"، وكيف يمكن لهذه الفراسة أن تخطئ؟
علينا أن ننظر إلى خريطة بلدنا، وأن نحاول، كل حسب طاقته، أن نصنع فيلما ولو لمدة خمس أو عشر دقائق، نضع فيه وفي بعض المجالات، وبعض المدن، وبعض القرى، وبعض الجهات، الأبطال المغاربة الذين صنعوا هذا التاريخ، ونقول: فلان ازداد هنا، وكبر هنا، وكانت له نشاطاته هنا، وفلان في القرن الفلاني كان هناك وفلان وجد هنا... وهكذا...
فإذا نحن صنعنا ذلك الفيلم التاريخي، وتصورنا بلدنا يوميا على خريطة تاريخية قديمة أو قريبة، ويمكن أن نقول مستقبلية، إذ يمكن أن يكون التاريخ مستقبليا، لي اليقين أننا سنلهم تلك الفراسة، وسنقتنع بأن ولوجنا محل الاقتراع هو ولوج وطني، سواء في المظهر أو في الوجدان.
وأخيرا، إذا أردنا أن نتوج هذا كله حتى يبقى الله بلدنا آمنا مطمئنا راسخا ثابتا في حفظ الله ورعايته، علينا أن نقرأ جميعا قبل الاقتراع ومن اليوم "ربنا آتنا من لدنك حسنة وهيئ لنا من أمرنا رشدا" ونزيد "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتيكم خيرا".
صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here