islamaumaroc

سريت من حرم ليلا إلى حرم

  عمر بنعباد

العدد 332 رجب-شعبان 1418/ نونبر-دجنبر 1997

من فضل الله وامتنانه على أمة الإسلام أن خصها ببعض الشهور والأيام والليالي المباركة في العام، وذلك لما تحمله في طياتها من أيام جليلة مشهورة، ومن تذكير بمعجزات وفتوحات نبوية، وانتصارات إسلامية باهرة، تحققت للمسلمين عبر عهودهم المتوالية، وتخلد بها ذكرهم وارتفع بها قدرهم وشأنهم بين الأنام، فكانت من الأيام المشمولة بعموم قول الله تعالى: "وذكرهن بأيام الله".
ومن هذا المنطلق والأساس، ومع حلول شهر رجب من كل عام، وبزوغ هلاله، تلوح في أفق سماء الأمة الإسلامية مناسبة دينية جليلة، وذكرى معجزة نبوية عظيمة، هي معجزة الإسراء و المعراج التي يستحضرها العالم الإسلامي ويعيشها في سابع وعشري رجب من كل سنة، والتي أثبتها الحق سبحانه وخلدها في كتابه العزيز بقوله المبين: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا...".
والمسلم حين تأتي هذه المناسبة الدينية، والمعجزة النبوية وكلما تلا آيتها القرآنية، يقف عندها وقفة تأمل وتدبر، ويستعرضها بتفاصيلها وجزئياتها، كما وردت بها السنة الصحيحة، وذكرتها كتب السيرة النبوية فإنهما يستحضر تلك الليلة المباركة، وكيف تمت فيها تلك المعجزة الخارقة، ويخلص من ذلك، وينتهي إلى استخلاص حكم وأسرار يجعلها نصب عينيه، ويستنير بها في حياته، والسير فيها على صراط مستقيم، ونهج قويم.
فمن ذلك أن معجزة الإسراء والمعراج تجتل فيها قدرة الله جل جلاله، كما تتجلى في سائر مظاهر كونه وملوكته، وأنه سبحانه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
وكانت إكراما وضيافة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتقوية لإيمانه ويقينه، وتثبيتا لجنانه وفؤاده، وتهوينا عليه مما لاقاه من أصفنا المضايقة وإذاية المشركين، ومقابلته لذلك كله بالصب والثبات والدفع بالتي هي أحسن.
وكان خصوصية له عليه الصلاة والسلام، ولم تكن لأحد من قبله من الأنبياء والمرسلين، وأطلعه الله فيها على أسرا كونية، وأراه من آياته الكبرى.
- كانت هذه المعجزة امتحانا واختبارا للناس، ازداد بها المسلمون الصادقون إيمانا ويقينا، وتقصدا بالنبوة والرسالة ومعجزاتها الربانية، وازداد بها الكفار والمشركون عتادا وتكذيبا، فاستمروا في ضلالهم يعمهون.
- وكان من أسرار وحكمة الإسراء والمعراج إبراز الصلة القائمة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وما لهما من مكانة خاصة بين مساجد الإسلام، وما بينهما من الربط والتواصل، من حيث كونهما مهد التدين والتوحيد والإيمان بالله رب العالمين.
فالبيت الحرام أول بيت وضع للناس لعبادة الله، رفع قواعده بني الله إبراهيم الخليل وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وفي بلده الأمين بعث الله نبيه ورسوله سيدنا محمد ابن عبد الله بالرسالة الإسلامية الخالدة لتكون الرسالة الحق الخالدة إلى يوم الدين.
والمسجد الأقصى كان مهد كثير الأنبياء والمرسلين الأولين، ومكان مبعثهم ومنطلق دعوتهم لأقوامهم إلى التوحيد والإيمان والاستقامة وعبادة الله خالق الكون والناس أجمعين.
كما أن المسجد الأقصى هو ألأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين في الإسلام، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى".
ومن هذا المعتقد الإسلامي الصحيح، والمنطلق الديني كان للمسجد الأقصى في الإسلام قدسيته الدينية، ومكانته الخاصة، وحرمته العظيمة، وكان القدس الشريف أرضا من أراضي الإسلام، عبر مختلف العهود والأجيال، منذ فتحه الخليفة الثاني لرسول الله، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنذ استخلصه من يد الصليبيين المسيحيين القائد المسلم، والبطل المجاهد، صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، واستعاده إلى يد الإسلام والمسلمين.
واليوم، القدس الشريف والمسد الأقصى وقع أسير في قبضة التسلط اليهودي الغاصب، ويرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني الماكر، ويئن تحت وطأته الغاشمة، وغطرسته المتعنتة المغرورة، ويستهين هذا المحتل الدخيل، بالحقوق الشرعية الثابتة للمسلمين على أرض القدس الشريف وفلسطين، ويضرب عرض الحائط بالمقررات والمواثيق الدولية، ويستمر في العدوان والاعتداء الآثم، ويعمل على تغيير المعالم الإسلامية ومآثرها التاريخية والحضارية بالقدس الشريف.
فإن المسلم – وهو المهتم بأمر المسلم وأخيه المومن أينما كان وحيثما كان، ويقاسمه الشدة والرخاء، ويشاطره السراء والضراء – لا يمكن أن يستريح به بال، ويطمئن له خاطر، ولا أن يطيب له طعام ومنام ويستقر به قرار إلى إذا تحرر المسجد الأقصى والقدس الشريف، وعاد إلى حظيرة المسلمين يعيشون فيه آمنين مطمئنين، متمتعين فيه بكامل سيادتهم الكاملة، وحقوقهم المشروعة، وشخصيتهم وحريتهم المعهودة، وكرامتهم الإسلامية الثابتة.
وإن الظن بالله لجميل، والرجاء فيه سبحانه لعظيم وكبير أن يبارك جهاد الشعب الفلسطيني ونضاله المتواصل وصبره وكفاحه المستميت، وأن يعين سبحانه ويوفق لجنة القدس التي يرأسها أمير المومنين جلالة الحسن الثاني، ويبارك جهودها المشكورة ومساعيها الحميدة، وأن يوفق العرب والمسلمين، ويمدهم بعون وتوفيق من عنده، وأن يبارك جهودهم الخيرة المتواصلة لصالح القضية الفسلطينية وتحرير القدس الشريف، ويجعلها تلتقي وتتكامل وتتعاون وتتضامن، حتى يحقق الله لأمة الإسلام النصر على أعداء السلام، ويتخلص القدس الشريف والمسجد الأقصى، ويعود إلى يد الإسلام والمسلمين، وما ذلك على الله بعزيز.
وقد سجل الأدباء والشعراء قديما وحديثا حدث الإسراء والمعراج ومعجزاته العظمى، وخلدوها في قصائدهم الدينية، وكان من أروع وألطف من تناولها وذكرها الإمام البوصيري رحمه الله في قصيدته الشهيرة المسماة بالبردة حيث جاء فيها:
سريت من حرم ليلا إلى حرم     كما سرى البدر في داج من الظلم
وبت ترقى إلى أن نلت منزلة      من قاب قوسين لم تدرك ولم تـرم
وقدمتك جميع الأنبياء بــه          ا  والرسل تقديم مخدوم على خــدم
فأنت تخترق السبع الطباق به      في موكب كنت فيه صاحب العـلم
- وإذا كان المغرب يستحضر ذكرى الإسراء والمعراج، ويحتفي بها كباقي البلاد الإسلامية، وبالمعاني والدلالات التي تستخلص من ذكرى هذه المعجزة النبوية العظيمة.
- فإن من حسن المناسبة أن هذه الذكرى الإسلامية المباركة تزامنت وتواقفت مع شهر نونبر من هذه السنة، وهو شهر يخلد فيه المغرب ذكريات وطنية مجيدة، تتمثل الأولى في الذكرى الثانية والعشرين لانطلاق المسيرة الخضراء نحو الأقاليم الجنوبية المغربية التي كانت ترزح تحت سير السلطة الاستعمارية الإسبانية، تلك المسيرة التي يرجع الفضل الكبير في إبداعها وتخطيطها إلى رائد الأمة المغربية، وقائدها الملهم، جلالة الملك الحسن الثاني آدم الله له النصر والفتح والتمكين، والتي سار فيها ثلاثمائة ألف وخمسون ألف مواطن ومواطنة، منطلقين بحماس وإيمان منقطع النظير، وفي استجابة تلقائية لنداء ملكهم المفدى وداعي الوطن الذي يعتبر حبه من الإيمان، ويعتبر التفاني في خدمته من الإسلام، ومن الإخلاص من صدق المواطنة والوفاء بالعهد، والسعي في تحقيق المزيد له من النمو والرخاء، والتقدم والازدهار.
أما الذكرى الثانية التي يخلدها المغرب بكل اعتزاز وفخار، ويعيشها من أقصاه على أقصاه في الثامن عشر من شهر نونبر كل سنة، فهي ذكرى عيد الاستقلال والحرية، هذه المناسبة الوطنية الغالية خلد فيها الشعب المغربي هذه السنة الذكرى الثانية والأربعين للعودة الميمونة المظفرة لجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه حين عاد من المنفى مع أسرته الملكية الشريفة، معزا مكرما، متوجا، بتاج النصر وإكليله، حاملا في يده لبلده الأمين وشعبه الوفي بشارة انتهاء عهد الحجر والاستعمار، وبزوغ فجر الحرية والاستقلال.
إنها ذكرى متجددة يستحضر فيها المغاربة قاطبة ذلك اليوم المشهود الخالد للعودة الملكية الميمونة، المتوجة بتاج النصر وإكليل العز والكرامة، ويستحضر ما كان قلبه من مواقف ثابتة صامدة ومعارك بطولية حازمة، وقفها العرش العلوي المجيد في شخص جلالة محمد الخامس ومعيته ولي عهده آنذاك جلالة الحسن الثاني والأسرة الملكية، ووقف من ورائه شعبه الوفي ملتفا حوله بجميع فئاته وشرائحه الاجتماعية، قائما بما يجب القيام به ويفرضه عليه وفاؤه لعالهم المفدى ولعرشه العلوي المجيد، من نضال مستميت، وتضحيات جسام بالنفوس والأبدان، والمهج والأموال، حتى حقق الله لهذه الأمة المغربية ما تريده وتصبو إليه من استعادة نعمة الحرية والكرامة، وما تنعم به اليوم من التمتع بكامل الحقوق الوطنية المشروعة، وستعبد به من تقدم المغرب وخيراته المتزايدة، والنهوض المتنامي في المجالات المختلفة، الاستقرار والطمأنينة في ظل الملكية الدستورية التي أرسيت قواعدها وأحكم بناؤها وتشييد صرحها في عهد رائد الأمة المغربية، ورمز سيادتها وضامن وحدتها واطمئنانها، أمير المومنين وحامي حمى الوطن والدين، جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وأدام له النصر والتمكين، "ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز".                                                                         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here