islamaumaroc

الجعيدي وبحثه الطويل عن أصل الحركة الآلية في أوربا من خلال رحلته "اتحاف الأخيار بغرائب الأخبار"

  عز المغرب معنينو

العدد 331 جمادى 1-جمادى2 1418/ أكتوبر 1997

ينتمي إدريس الجعايدي السلاوي إلى أسرة شريف أنجرية الأصل، كانت تستوطن مدينة تطوان التي يوجد بها ضريح جدهم الولي أبي الحسن علي بن مسعود (1) الجعايدي المتوفى عام 1032هـ. وقد احتل حفدة هذا الولي مناصب مخزنية هامة في الدولة المغربية، من بينهم سيدي عبد القادر بن الخياط (2) الجعايدي الذي عين كاتب الديوان الجهادي بسلا عام 1203هـ، وبالتالي هو أول من استوطن مدينة سلا من آل الجعايدي أو الجعيدي بسبب الوظيفة المذكورة.
ولد إدريس الجعايدي أواسط القرن 13هـ بمدينة سلا "...(3)، كانت هذه المدينة إذ ذاك زاهرة العلون الإسلامية والعربية، وفيها جماعة وافرة من العلماء والمدرسين والأساتذة القراء الذين يعتمد عليهم في تحقيق الفنون ودرس أصول العلوم والمتون..."
ومما لا شك فيه أن إدريس الجعايدي استفاد من هذا الجو الثقافي الذي كانت تعرفه سلا، والتي كانت (4) "تصل إليها بعض المجلات العلمية والجرائد السيارة تأتي من مصر والشام وفرنسا..."
هذا فيما يخص الدراسة والثقافة العامة، غير أن الجعايدي اهتم بدارسة العلوم العقلية كالرياضيات والهندسة وعلم الفلك الذي برع فيه كاختصاص، كما جاء عند ولده سيدي عبد القادر الجعايدي السلاوي في إحدى أوراقه المخطوطة التي عثرت عليها بخزانته العائلية بباب احساين بسلا: (5) "إن والدي رحمه الله كان برز في هذا الفن وغيره، وتميز تحقيقا وتدقيقا وتنظيرا، واستخراج الكنوز الغامضة من قعر معادنها، وقد أخذ هذه العلوم عن عدة علماء....: منهم سيدي الجيلالي الرحالي بمكناس، (6) هو الذي صنع رخامات بجامع مكناس...، ثم أخذ والدي أيضا عن الشريف المتفنن سيدي عبد السلام العملي. (7) وله تآليف عديدة وصنع رخامات..."، كما أخذ والدي عن مولاي أحمد الصويري، (8) قرأ الفنون بأوربا بأمر مولوي بإيطاليا وغيرها. وأخذ عن علماء أربعة، منهم الحاج إدريس الشاوي (9) برز في الهندسة وعلم الرماية بالمدافع وغيرها، والسيد المختار الرغاي، (10) وعن السيد أحمد بناني الفاسي (11) الذي كلف آخر عمره بمكينة ضرب السكة بقاس. وأخذ والدي رحمه الله عن العلامة أحمد بورقية، (12) كان يدرس تأليف أقليدس في الهندسة برباط الفتح، وإذا أصابه عذر كالمرض يستنيب والدي في الدروس بالرباط، كما أخذ أيضا عن الاحبابي (13) الكبير الموقت بالقرويين..."، كما وصفه عبد الله الجراري: "(14)..أبو العلاء الجعيدي من المولعين بالرياضيات والهندسة والتعديل والرصد...." ووصفه أحمد الصبيحي: (15) "...وكان رحمه الله بارعا في  الأدب والعلوم الرياضية، إليه المنتهى في الهندسة وأحكام النجوم والتوقيت والتعديل والحساب والفرائض وغير ذلك، مع مشاركة في فنون شتىن وجال في بلاد الشرق وحج...."
ومما لا شك فيه أن الجعايدي استفاد من سفريته هذه عام 1277هـ إلى الشرق العربي الناهض قصد أداء فريضة الحج.
فلا غرابة إذن أن تحضر هذه الثقافة العلمية بكل ثقلها في رحلة الجعايدي "إتحاف الأخبار بغرائب الأخبار" إلى أوروبا الناهضة في كل المجالات، والتي قطعت أشواطا كبيرة في مجال البحث العلمي التجريبي والاختراع، بل أخذت الدول الأوربية تتسابق بأقصى ما لديها من إمكانيات وطاقات لزيادة الإنتاج وسرعة الاتصال والتنقل بأقل كلفة ممكنة لغزو الأسواق الخارجية وزيادة الربح.
وبالتالي مهما أوتي الجعايدي ممن ثقافة علمية (متجاوزة) – والتي تعود مصادرها إلى كتاب شرح أصول أقليدس (16) في الهندسة والعدد ومساحة الكرة والهرم والأسطوانة والقطاع الدائري والقطعة الدائرية، وقد شرحه العرب في شروح كثيرة وصلت إلى أوروبا في العصور الوسطى بواسطة الترجمة إلى العربية، وما وصلت إليه أوروبا من اختراعات – فإن امتلاك الجعايدي لهذه الأدوات العلمية الأولية والذهنية المتفتحة القابلة للتطور ساعدته على البحث والتنقيب عن خصائص هذا الانقلاب الصناعي الذي يعتمد استخدام الآلة القوى المحركة لها.
أولى خصائص هذا الانقلاب الصناعي في أوروبا انتقال القوى المحركة للآلة (الأداة) م يد الإنسان وقوة الحيوان إلى قوة الماء والهواء، ثم إلى بالبخار الذي شاع استعماله كطاقة جديدة في إدارة الآلات، بل استخدام في تسيير البواخر والقطارات، والتي فتحت الباب أمام اختراعات لا حصر لها في جميع الميادين، وقد أثارت هذه القوة المحركة الغربية عن مجتمع الجعايدي انتباهه، وشغلت فضوله العلمي منذ نزوله من الفركاطة الحربية الفرنسية Cassar  بمرسى (17) مرسيليا قادمة من طنجة يوم 28 ماي سنة 1876م/1293هـ صحبة الشيخ الحاج محمد الزبيدي الرباطي الذي عينه السلطان الحسن الأول سفيرا متنقلا لدى فرنسا وبلجيكا وإنجلترا وإيطاليا، ردا على زيارة سفرائهم بطنجة له، وتلبية لدعوتهم الرسمية، ومصلحة في حل الكثير من المشاكل السياسية، ورغبة في جلب وشراء العدة والسلاح وتطوير العلاقات التجارية وغير ذلك. (18)
الحركة القوية الدائمة والمنظمة للإنسان الأوروبي والآلة التي أبدعها كانت هي الإشكالية الرئيسية التي وجهها الجعايدي في أوروبا.
ففي أول جولة له في شوارع مرسيليا الواسعة النظيفة بدأ يلاحظ سرعة الحركة بالنسبة لعصره.
حركة الأكداش والراجلين وفق نظام محكم، وبها (19) "فنارات توقد ليلا ولا تنطفئ حتى يمضي من الليل كاشتغالهم بها بالنهار...الأشجار والفنارات والنظافة ليست خاصة بطريق واحد أو عدة طرق، بل الطرق كلها كذلك.."، ثم زاد إيقاع هذه الحركة سرعة ونظاما داخل فابريكة صنع السكر القالب، التي توجهوا لزيارتها، وقد خصها بالبحث المستفيض نظرا لحاجة المغرب لهذه المادة في صنع الشاي الواسع الاستهلاك، قائلا (20): "وهناك آلات حديد متفاوتة في القدر والشكل، منها ما تراه يتحرك يمينا ويسارا، ومنها ما يكون تحركه من الأعلى إلى الأدنى، ارتفاعا وانخفاضا، ولم أقف على أصل الحركة الأولى التي ينشأ عنها سائر الحركات".
إن الجعايدي لم يعرف أو يتعرف على القوة أو الطاقة التي تحرك آلات الفابريكة، فعلق عن تساؤل الجعايدي هذا المؤرخ محمد بن علي الدكالي السلاوي صاحب "الإتحاف الوجيز" (21) على هامش الصفحة " هي قوة البخار الذي ينشأ من سجن الماء الحار الشديد الغليان، كما شاهدنا ذلك مباشرة، قاله مقيده محمد بن علي سامحه الله".
وهذا يؤكد أن الجعايدي قد أطلع علماء بلدته سلا على رحلته السفارية بعد عودته.
غير أن الجعايدي لم يهمل الموضوع بل واصل بحثه الطويل طول الرحلة بحثا عن أصل الحركة، فيكتب نفس السيناريو عند دخولهم باريس يوم الخميس 28 يونيو 1876 م قائلا (22) "وطرقها فهي بكثير من طرق مرسيلية...والفنارات بينها مرفوعة على أعمدة...وبه خلق كثير وجم غفير، كأنهم الجراد منتشر" فزادت قوة الحركة إيقاعا أكثر من ازدحام الخيل والأكداش المارة...فطرق هذه المدينة (باريس) فيبيت الضوء مشعولا في فنارتها المنصوبة في الطرق إلى الشروق.
وأما الخدمة أصحاب الأكداش الذين يحملون السلع من البابورات إلى المدينة، وينقلون السلع، فلا تفتر خدمتهم ليلا ونهار، فتراهم بين غاد ورائح، كأن الحرب مشتعلة بينهم،و كل يجري حسب جهده وطاقته،وإذا نظرت إلى الطرق من الأعلى ترى كأن المحلة دخلت البلاد، وبضعهم يجري على بعض..."
أما الآلة، فقد قلت حركتها في باريس التي سحرت الجعايدي بفضائتها الثقافية وأندية المؤانسة والتسلية، ولسان حاله يقول: (24) "باريس ذات الحسن الفريد الجامعة لما تشتهيه النفس في الأرض على وجه ما تحب وتريد، إذ هي كما قيل جنة الدنيا بلا منازع، ومأوى الحكماء والعقلاء والنبلاء بال معارض....وقلت في ذلك:
أباريس إن كانت الأرض جنة  فأنت هي المأوى على رغم حاسد
فما تشتهيه النفس من كل رائق  كثير بها لكنه غير خـــــالد
كما اهتم المغاربة بالأمور السياسية التي من أجلها حضروا إلى فرنسا المسيحية التي أصبحت تجاور المغرب، وتهدده بعد انتصارها في معكرة إيسلي 1844م. واقتصرت زياراتهم على المرافق العلمية والثقافية كمتحف ليزانفاليد وحديقة الوحوش وبنك فرنسا الذي تصنع فيه المسكوكات ودار المطبعة الوطنية والمكتبة الوطنية وفرجة السيرك ومخازن الأواني والزجاج وفرجة سباق الخيل واللقاءات السياسية.
غادر الجعايدي باريس – وهو في حيرة عن أصل حركة الآلة التي اكتوى بنارها بفابريكة السكر: (25) "في كل طبقة نار عظيمة ومكينات تدور...ومن شدة النار ضاق صدري أن أرجع وأخرج، فلم أثبت على الطريق التي دخلنا منها...والخدمة لا تفتر ولا تعطل أصلا، كل واحد يخدم اثنتي عشرة ساعة ويدب بغيره.." – إلى بلجيكا الدولة الفتية التي كانت ترغب في الحصول على موضع قدم بالساحل الجنوبي المغربي من أجل أن يكون مكان استراحة يربط بلجيكا بالكونغو، والتي وصل إلى عاصمتها ابروكسيل يوم الإثنين 26 يونيو 1876م صحبة القنصل البلجيكي بطنجة السيد دالون (26) Dalium الذي سبق له أن قام برحلة استطلاعية إلى المغرب نشرت نتائجها سنة 1866م، وساهم في إرسال بعثة طلابية مغربية إلى بلجيكا سنة 1875م (27) والترجمان إبراهام سكس SUCCIC.A، الذي كان يضطلع بمنصب الترجمان الأول بالقنصلية البلجيكية بطنجة منذ 1866م. فكان فرح البلجيكيين كبيرا بوصول السفارة المغربية لبلدهم.فوزير خارجيتهم قال لهم (28) " إنه  يحب الغرب (يقصد المغرب) وأهله، لو لأنه كان فيما سلف في تفيلالت، وأقام بها خمسة أشهر..ويرجو الله أن لا يموت حتى يرده إلى الغرب..".
أما ملك بلجيكا ليوبولد الثاني فقد حصل له فرح وسرور عظيم حتى إنه قال: "إنه يرجو (29) الله أن يشرح صدورنا لبلده...ويأذن لنا في المسير للفابركات التي بداخل المدينة وخارجها...وتستوعب ذلك كله بحلول الله".
بعد هذا اللقاء الملكي انطلقوا بحماس كبير إلى  فابريكة السيد Cristophe في مولابريك سان جان (30) لصناعة الأسلحة وتجريبها في ميدان الرماية، فأعجبوا لسباح الرشاش الذي يطلق رمايات غزيرة بسرعة كبيرة لكن الجعايدي تنبه إلى وجود عيوب في بعض البنادق البلجيكية، ونبه الزبيدي إلى ذلك.
أما عمدة ابروكسيل الذي استقبلهم بقصر البلدية عرفهم على أهمية المجالس الببدية ودورها في خدمة سكان الحواضر، وأخذهم إلى معمل تحويل الفحم الحجري إلى غاز يستعمل في الإنارة والطهي: (31) "وصلنا إلى محل صنع الغاز، وجدنا كدي عظيمة عن الفاخر تأتي به البابورات البريو من نواحي كثيرة..."، وجدنا ثلاثة بيوت معدة لحرف ذلك الفاخر.." داخل أفران كبيرة، وصفها وأعطى مقاييسها، وأنها تكون محاطة بمواد عازلة من الطوب الحراري حتى لا تضيع الحرارة. (32) "فعند ذلك يصير ذلك الفاخر يشتعل في تلك البيوت وله لهيب عظيم، ودخانه يخرج ممن تلك الجعبات المتصلات بأفواهها...تنتهي إلى صهاريج عظيمة من الحديد، وهي صهاريج تكثيف الغاز المتولد عن تشخين الفحم الحجري، وتحويله إلى مادة سائلة تحت ضغط كبير، فعندما يراد الحصول على غاز الإنارة أو الاستصباح كطاقة رخيصة تخفض درجة الحرارة، أما إذا ارتفعت حرارة التسخين، فتتحول الغازات الإيدروكاربونية إلى إيدروجين تستخدم في آلات الاحتراف الداخلي، بعدها تبدأ عملية توزيع الغاز على أحياء بروكسي، (33) "ومنها يتفرق على المدينة في قواديس صغيرة وكبيرة بحسب الديار والحوانيت مع وجود رخامة المجانة (الساعة) المستديرة...تنبئ عن القدر الذي يشغل منه في ذلك المحل كل ليلة".
دقق الجعايدي في وصف عملية تغوير الفحم..كما فعل في صناعة قالب السكر، ودار المطبعة وضرب السكة، وغير ذلك، وبالتالي يتعامل مع المخترعات بمنهجية علمية مبنية على السماع والمشاهدة والوصف والوعي، والدراية مرتبط بالصدق والجدية في البحث والتجديد، وبأسلوب يتميز بالسرعة والحركة والتداخل بعيدا عن الاستطراد والحشو.
بل ينفرد الجعايدي في وصفه لحركة الآلات، والعمال على التتابع والتسلسل الذي أوصله إلى أهمية الفاخر أو الفحم الحجري الذي يحولوه إلى غاز الاستصباح الذي يظل مشتعلا في الطرق طول الليل حتى تستمر الحركة والبيع والشراء عكس ليل بلدته المظلم الجامد.
هذا الاكتشاف زاد من اهتمام الجعايدي بالفاخر الذي اعتبره المصدر الطاقي الوحيد المعمد في تحريك الاقتصاد الأوربي، وأصل حركة الانقلاب الصناعي وسر المستحدثات التقنية الغربية.
لكن من أين يأتون بهذا الفاخر؟ وبهذه الكميات الكبيرة؟
أسئلة كانت تراود الجعايدي وتثير فيه رغبة المتابعة لمعرف مصدر الفاخر سر أصل الحركة.
يوم السبت فاتح يوليوز 1876م، كان يوم راحة استغلوه بزيارة متحف التاريخ الطبيعي ببروكسيل حيث اكتشفوا فيه وجود عينات من معادن مختلفة جاءت من الغرب (المغرب)، وعدد ما في هذين الصندوقين من المعادن المغربية سبعون معدنا، منها ما هو من الجديدة، ومن طيط وغيرهما، مع العلم أن المهندس البلجيكي ديكان DECUINS (35) ورد على المغرب سنة 1868م للتنقيب عن المعادن والثروات الطبيعية ودراسة إمكانيات صناعية وغيرها. كما أن المؤرخ (36) مييج أكد اكتشاف الكثير من المعادن بالمغرب، إلا أن السلطان الحسن الأول كان يتحرز كثيرا ولا يأذن للأجانب ولا لغيرهم من التنقيب فضلا عن الأشغال، خصوصا أن المناجم كائنة بداخل المغرب وواقعة بنواحي نائية منعزلة.
تبين للجعايدي أن بلده تحوي في باطنها العديد من المعادن النفيسة، وأن الأوروبيين جادون في البحث عنها أينما وجدت لاستغلالها لتطوير وتحريك دواليب صناعتهم التي تعتمد أساسا على المفاخر الذي يشاهده يلتهب في الأفران، أينما حل وارتحل، فزاد شغفه في مواصلة بحثه الطويل عن الفاخر وكيفية إيجاده بهذه الكميات الضخمة، فأخذوهم البلجيكيون بالقطار البخاري إلى مدينة الياجLIEGE (37) "منها أخذ أعضاء السفارة المغربية الباخرة البخارية Le Michel Orban  التي قطعت بهم نهمر MEUSE في ظرف 40 دقيقة أوصلتهم إلى رصيف ميناء Seraing سوران الداخلي حيث توجد المركبات الصناعية الضخمة. وهي أوراش لشركة كوكريل Cockerill (38) التي صوفها: "وهذه الدار تخدم لجميع الأجناس من جميع ما يطلبون من المكينات، وليس يوجد في بر النصارى أعظم منها، ولا ما يماثلها، وطولها عشرون ميلا". وقد استقبلهم عند وصولهم (39) "السيد سادوان SADOINE َA مدير الشركة وعدد م المهندسين حيث زاروا الأوراش الشاسعة....في كل مكان تعطى شروح دقيقة من طرف السادة رؤساء المصالح، وتترجم بواسطة الترجمانين MONGE و SUCCIC، وكان كاتب السفير (يقصد الجعايدي) يأخذ نقطا لهذه الشروح.."، لأنه كان دائم التنقل وفي يده ورقة وقلم، فأثار انتباه الأوربيين، واستحسنوا عمله، فساعدوه بكل الشروح لفهم وإدراك بعض الأنظمة والمستحدثات لينقل تلك المعلومات في رحلته: (40) "ودمت على ذلك في مدن الروم وأمصارها، حتى استحسن ذلك الحال الحذاق من الدول وأعيان أنصارها"، خاصة أنه عثر على ما كان يبحث عنه منذ أن وطأت قدنه أرض أوروبا، وهو مناجم الفحم أو الفاخر التي كانت تقام بجوارها المركبات  الصناعية. (41) "ومعدن الفاخر تحتها ينزل إليه الخدمة بالضوء. كل واحد في حزامه فنار، يقفون على مائدة ستة أناس..تنزل بالخدمة إلى معدن الفاخر بمقدار خمسمائة متر...يخدمون الفاخر هناك ستة ساعات، ويطلعون في أسوأ حال كأنهم من عبيد الزنج، وينزل لهذا المعدن ريح عظيم...لولاه ما تأتي الخدمة فيه".
أضاف الجعايدي رسما على طرة الصفحة يوضح فيه فكرة المصاعد والمهابط الخاصة بآبار المناجم، وركز على أهمية التهوية لإخراج الهواء الملوث وامتصاص الغازات السامة والغبار والتقليل من السخونة، بل سألهم كيف يتعاملون مع المياه الجوفية، فأجابه المهندسون: (42) " حين وسلوا إلى الماء نزحوه بالطرونيات وبنوا عليه بناء محكما من جميع الجهات، فرجع إلى مواضع أخرى..." وقيل له: إنهم يستخرجون عشرون ألف قنطار من الفحم كل يوم، ويعمل بهذه المناجم تسعة آلاف عامل واثني عشر مهندسا، فتعجب الجعايدي من صغر سن أحدهم وقدر عمر بثلاثين سنة، (43) "فسئل عن سنة (حوار)ن فقال: في هذا الشهر يكمل ستا وعشرين سنة، ولا غرابة في ذلك لمن نشأ في علوم الهندسة والرياضيات". إنها القوة التي تحرك الآلة أصل الحركة الصناعية.
ومما لا شك فيه، فإن التقارير التي كانت تصل السلطان الحسن الأول من سفيره الزبيدي قد أطلعته على أهمية الفاخر وطرق استخراجه، ودوره في تحريك دواليب الحياة الاقتصادية. (44)
"بالفعل بعد عودة الزبيدي إلى طنجة سافر إلى فاس ومثل أمام السلطان..وقص عليه قصص سفارته وقرر له شاذة وفاذة..." أمره بالرجوع لطنجة لتتميم المسائل المحالة على القناصل والباشدورات القاطنين هنالك...."
ابتداء من سنة 1878م أي بعد سنة وبضعة شهور من عودة سفارة الزبيدي إلى المغرب (45) وجه السلطان أوامره إلى الحاجب موسى بن أحمد ليستفسر سفير بريطانيا بطنجة عن إمكانية استخراج الفحم بطرق علمية، وتحليل العينات وفحصها ببريطانيا، وطبقا لذلك توافد على المغرب العديد من المهندسين منهم البريطاني ادوارد سيلف E. SILVA الذي عثر على منجم الفحم قرب طنجة بمساعدة المهندس المغربي الزبير سكيرج، والإشراف الإداري لمحمد الزبيدي الذي أوضح في رسالة للسلطان الحسن الأول بأن بداية استغلال المنجم يمكن أن تتم (46) "...بحفر آبار ثلاثة كآبار السواني متفرقة ليعرف منها الجهة القريبة للمنفعة فيقع الشروع منها.."
كما طلب السفير الزبيدي من السلطان «التوجيه على عشرين معلما من أهل تدغة الذين يحفرون الخطاطير بالحوز يحفرون الآبار بصائر قريب الأجرة..." بعد أن رفض السلطان استغلاله من طرف المؤسسات الأجنبية، بل طلب المساعدة في البحث والتنقيب فقط، لأنه كان يرى في ذلك أداة للتغلغل الأجنبي، كما رفض باقي العروض الأجنبية، لأن المخزن كان يرغب في استغلال المعدن على يده. كما أسندت للزبيدي (4) مهمة الإشراف على التشاور مع سفراء الدول بطنجة لضرب الريال الحسني واستيراد الأسلحة وغير ذلك.
أما الجعايدي بعد عودته من السفارة همش عن أية مهمة مخزنية لمدة تزيد عن ثلاث سنوات حتى عينه الحسن الأول سنة 1297هـ لإحصاء صائر بمراكش، فمدح السلطان بقصيدة طويلة نشرها المؤرخ أحمد الناصري، (48) بقول الجعايدي في مطلعها:
لبيك يا منقذي من لجة العدم سعيا إلى الجفن لا ماشيا على القدم
إلى أن يقول:
مولاي أنت الذي تغني الضعيف إذا ما الدهر أفضى به لقبضه الهرم
أما رحلته السفارية بقيت مهمشة أكثر من قرن من الزمن، قابعة داخل خزانة ولده عبد القادر الجعايدي بسلا، حتى كشف عنها حفيده محمد الجعايدي سنة 1985م، وزودنا بها مشكورا، فقمنا بدراستها وتحقيقها ومناقشتها أمام خيرة ومناقشتها أما خيرة مؤرخينا: محمد حجي، ومحمد المنوني وعبد المجيد القدوري في بداية صيف 1999م، وهي ما زالت مرقونة، وتوجد برفوف خزانة كلية الآداب بالرباط تبحث هي الأخرى عن سر الحركة أو الطبع.

1) انظر: "تاريخ تطوان": محمد داوود – القسم 3 من المجلد الأول: 332.
2) انظر: "الإتحاف": ابن زيدان – ج: 3، ص: 306.
3) انظر: "الاستفادة: "الاستقصا": ترجمة أحمد الناصري، ج: 1، ص: 9، لأن كلا من الناصري والجعايدي قرينان في العمر ومن أبناء مدينة واحدة، وهو الذي أوحى للجعايدي بكتابة هذه الرحلة: "إتحاف الأخبار بغرائب الأخبار"، ووصفه "بالأديب فلكي العصر وحاسبه" ج: 9، ص: 151.
4) " الاستقصا" ج: 1، ص: 10.
5) وهبت هذه الخزانة العائلية بكاملها إلى الخزانة العلمية الصبيحية بسلا، والتي يوجد بها كذلك العديد من الرسائل المخزنية والظهائر السلطانية والرسوم العدلية الخاصة بأسرة آل الجعايدي.
6) ميقاتي مكناس السيد الجيلالي بن عزوز الرحالي، اندبه السلطان الحسن الأول لتدريس نجباء طلبة الجيش عام 1302هـ وتوفي عام 1309هـ، انظر "أتحاف ‘لام الناس" ج:2، ص: 211-212-214).
7) الميقاتي عبد السلام بن محمد بن أحمد الحسني القاسي، المتوفي عام 1323هـ/1905م عينه السلطان الحسن الأول ليدرس الطب بقصر العيني بالقاهرى عام  1291م/1875م. انظر "مزاهر يقظة"، المنوني. ج: 1، ص: 185. ط/1
8) أحمد بن عبد الإدريسي التنائي المعروف بالصويري، له عدة مؤلفات في الحساب والجبر والمقابلة واللوغاريتيمة "الإعلام": عباس ابن إبراهيم ج:2، ص: 266-267 و"اليقظة": للمنوني، ج: 1، ص: 169.
9) الذي صار في قيادة المدفعية المغربية "إتحاف أعلام الناس" ج: 2، ص: 466.
10) ذكره ابن زيدان ضمن طلبة البعثة المتخرجة من مدارس فرنسا في الجزء 4، ص: 498، واستخدمهم السلطان الحسن الأول بدار السلاح بفاس.
11) كان ضمن بعثة طلابية لإيطاليا سنة 1291هـ"العز والصولة" :لابن زيدان، ج:1، ص: 150-160.
12) انظر: "مجالس الانبساط" لأحمد دينية الرباطي، ج: 2، ص: 131 درس علم الفلك بالرباط.
13) الفلكي الحاج محمد بن الطاهر الفاسي، درس التوقيت بالقرويين "سلوة الأنفاس" ج:2، ص: 360.
14) "أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين: ج: 2، ص: 275.
15) الفالودج "كناشة لمية مخطوطة بالخزانة العلمية الصبيحية بسلا" رقم 426".
16) دائرة المعارف، المجلد 4،/ ص: 93، هناك أعداد كثيرة من المؤلفات في تحليل المسائل الهندسية والعددية والجبرية، والكسوف والخسوف وحركة القمر والكواكب,
17) Correspondance politique, Maroc, volume 40, folio 150.
18) انظر الدراسة التي نشرتها ب"مجلة الاقتصاد والمجتمع" العدد5، يونيو 1991، ص: 71، وكذلك بمجلة دعوة الحق عدد 294، نوفمبر – دجنبر 1993 ص: 79.
تعالج الجوانب السياسية والعسكرية في سفارة الزبيدي، وتعرف برحلة الجعايدي، والسرقة التي تعرض بها بإيطاليا بمجلة دعوة الحق العدد 323، نونبر 1996 ص: 62.
19) رحلة إدريس الجعايدي درسها وحققها عن المغرب معنينو، مرقونة بخزانة كلية الآداب بالرابط/ ج:2،ص: 150.
20) رحلة الجعايدي "إتحاف الأخيار" ج2، ص: 155، خصص 7 صفحات عن صناعة قالب السكر.
21) الإتحاف الوجيز في تاريخ العدوتين حققه بوشعراء مصطفى وطبعته الخزانة الصبيحية بسلا.
22)  رحلة الجعايدي المحققة "دبلوم الدراسات العليا" ج:2، ص:167-172..
23) نفس الرحلة، ج: 2، ص: 213-214، في البداية يعترف الجعايدي بعجزه عن فهم حركة المكننة المتطورة لصنع القالب "فرأينا العجب العجاب، ما يتحير فيه الدهاة من أولي الألباب" وعن الإنارة يقول الجعايدي منبهرا "..انتشر الضوء على جميع الخلائق....حتى كأنه النهار...وتعجبن من عقول هؤلاء الشطار كيف تخيلوا وصيروا الليل كالنهار" ج: 2، ص: 365
24) رحلة الجعايدي "إتحاف الأخيار" المحققة سنة 1990 ج:2، ص: 161-162.
25) نفس الرحلة، ج:2، ص: 155.
26) MIEGE (Le Maroc et l’Europe) T, l : 96 et T/ 2 :275
انظر "الإتحاف"لابن زيدان، ج: 2، ص: 293 كلمة الزبيدي أما ملك بلجيكا
27) انظر: مصطفى بوشعراء "الاستيطان والحماية" ج:2، ص: 462.
28) " رحلة الجعايدي" ج:2، ص:221..
29) "رحلة الجعايدي"، ج: 2، ص: 225.
30) Ministère des Affaires étrangères du Royaume de Belgique. Archives d’Histoire Diplomatiques. P:479.
31) رحلة الجعايدي" ج:2، ص: 232. زار الوفد المغربي ببلجيكا أكثر من عشرين معملا صناعيا.
32) نفس الرحلة، ج:2، ص: 232 رسم الجعايدي عددا من الرسوم التوضيحية والخطاطات في مؤلفه.
33) نفس الرحلة، ج:2، ص: 234 أعد البلجيكيون برنامجا ضخما لتعريف المغاربة عن قوتهم الصناعية والعسكرية، وكشفوا للسفير أنهم ينعون الماكينات للإنجليز وثوب شراء المراكب لإسبانيا، ولعبوا دورا مهما في لقاء السفير الزبدي مع عهد ابروكسيل آنذاك غليوم الثاني لتطوير العلاقات الألمانية المغربية. ج:2، ص: 266.
34) " رحلة الجعايدي" ج:2، ص:238..
35) انظر "أتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس": عبد الرحمن بن زيدان: ج:2،ص: 461.
36) MIEGE, (Le Maroc et l’Europe 1830-1894) PUG/ 1961). T4 :335.
37) Documentation Bibliothèque Royale Albert 1er. Journal de Bruxelles, Août 1876.
38) " رحلة الجعايدي المحققة" ج:2، ص:252..
39) D.B.R.A 1er Journal de Bruxelles, Août 1876.
40) " رحلة الجعايدي المحققة" ج:2، ص:238..
41) نفس الرحلة، ج:2، ص:252..
42) نفس الرحلة، ج:2، ص:253..
43) نفس الرحلة، ج:2، ص:253..وأضاف الجعايدي، وذكروا أن في غربنا (المغرب) من ذلك (الفاخر) معادن كثيرة، وأخبرنا أن هذه الدار (المناجم) صير عليها في بنائها وإقامتها ثلاثون مليونا من الريال، وأن صاحبها ربح في هذا العام فيها أربعة ملايين من الريال.
44) انظر: "إتحاف أعلام الناس" :عبد الرحمان ابن زيدان، ج: 2، ص: 311.
45) انظر "المغرب وبريطانيا العظمة ق 19" : خالد بن الصغير، منشورات كلية الآداب بالرباط، ص 407..
46) كناش الخزانة الحسنية 125 رسالة الزبيدي إلى السلطان بتاريخ 16 ربيع الأول 1301/15فبراير 1884 والإتحاف: 463.
47) انظر: "الدراسة التي أنجزتها مع التحقيق" ج: ف، ص: 94ن عادت السفارة المغربية على متن الباخرة الإيطاليةContre Cavour إلى مرسى طنجة يوم الاثنين 21 شعبان عام 1293 هـ الموافق ليوم 11 تنبر سنة 1876م.
48) "بالاستقصا"، ج:9، ص: 170 نصها الكامل. كما سبق للجعايدي أن مدح السلطان الحسن الأول بقصيدة جيدة فيها إحدى وستون بيتا بعد عودته للمغرب نشرها له الناصري بالاستقصا. ج: 7، ص: 151 وقد نقلها عن الناصري المؤرخ العباس بن إبراهيم حرفيا بالإعلام. ج: 3، ص: 39. أما نصها الكامل يوجد في كناشه أحمد الصبيحي (الفالودج رقم 1 بالخزانة الصبيحية بسلا تحت رقم 426).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here