islamaumaroc

الشباب … رسالة ومسؤولية

  محمد يسف

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

موضوع الشباب: موضوع قديم جديد في آن واحد.
هو قديم، لأن الحديث عنه قديم قدم الشباب نفسه، فما من كاتب يكتب إلا وقد قال ما شاء الله أن يقول عن الشباب، إما مباشرة، أو بطريق غير مباشر.
وهو أيضا جديد ومتجدد، إذ ما من جيل ينشأ إلا وله كلمة يحرص على نقلها، ووجهة نظر يرغب في طرحها، ولن يتوقف الحديث عن الشباب، أو يستنفد مقاصده وأغراضه، إلا أن تتوقف الحياة نفسها، وينتهي الوجود ذاته.
وعلى كثرة ما قيل وكتب عن الموضوع سابقا، وما يكتب ويقال الآن، وما سوف يكتب ويقال لاحقا، فإن القارئ لهذا التراث الضخم لا يحس في شيء منه بالتكرار والاجترار، ولا يشعر معه بالابتذال في الآراء والنظريات والأفكار، بل على عكس من ذلك تماما يجد نفسه في نسق متسلسل من التجديد والإبداع والابتكار.
شيء واحد لا يريح القارئ لهذا النمط من أنماط الخطاب التربوي والإصلاح، ويمكن اعتباره ظاهرة تمثل القدر المشترك بين معظم من مارسوا تجربة الحوار مع الشباب، وهو غلبة البنوة القوية عليه، بمعنى أن هناك  طرفا موجها من أعلى، وهو من اتفق له أن يكتب أو يتحدث، وطرفا متلقيا دونه، وهو من في مقام التلمذة، وهو وضع غير طبيعي إطلاقا.
وقد آن الأوان لأن يتحرر الخطاب من هذه العقدة التي قد تخلق فجوة ستتسع باستمرار بين من يخاطب ومن يتلقى الخطاب، كما أنها قد تواجه برفض صارم، لأنها تفقد المرونة الضرورية لقبولها، ومناقشتها، خصوصا في عصر كعصرنا الذي شهد ويشهد تعددا في مصادر المعرفة، وتراكما في الكم الثقافي ذي المرجعيات المختلفة، وتصارعا عنيفا أحيانا على مراكز النفوذ الفكري، التي غالبا ما تكون متناقضة أشد التناقض، تصل أحيانا إلى درجة التصادم العنيف، عندما يحدث تقابل بين ندين متكافئين يحرص كل واحد منهما على أن يكون الرابح.
لاشك أن هذا وضع لا يفرض فقط إعادة النظر في أسلوب الحوار المفيد الذي نعيد به الثقة إلى شبابنا، وأجيال المستقبل التي ستصبح مسؤولة عن إنجاز حضاري وعلمي يجب أن يصب في محيطنا الحضاري والثقافي، وألا يتحول عنه إلى مصب آخر، بل يحتم على الأمة الإسلامية كلها أن تهب لنجدة ميراثها الديني والثقافي والحضاري، المهدد تهديدا مباشرا بالضياع، وإن أخشى ما نخشاه اليوم أن يتحدث التاريخ عن جيل الضياع، هذا الذي عجز عن حمل الأمانة وفرط في الحقوق.
قراءة واعية علمية في وثائقنا القرآنية والحديثية تجعلنا نكشف الحقائق التربوية الكبرى التي فجرت قوة الإنسان العقلية والوجدانية، وصنعت من إنسان القرآن نموذجا عاليا الرقي والتحضر.
علمنا ديننا في جملة ما علمنا من المكارم والفضائل التي ترفع قدر الإنسان، وتحقق فيه معنى السمو والخلافة عن الله، بل مما أوجب علينا -منها- الحرص على تعليم ناشئتنا فقه الدين والدنيا على نحو يفتح في وجههم سبل الحياة، ويجعل منهم رجالا صالحين مصلحين أينما حلوا وارتحلوا، ففي ثنايا هذا التراث نجد من فقهيات التربية وقواعدها هذه القاعدة الرائعة التي تقول: «ربوا أبناءكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم».
فإذا ربيناهم وعلمناهم، وجب أن ننتفع بعلمهم وندعوهم لتحمل المسؤولية، ونعطيهم الكلمة، ونحسن الاستماع إليهم إذا تكلموا، فقد يكلمنا الشباب بلغة المستقبل، فنسيء فهمه، لأننا تعودنا أن نتحدث بلغة الحاضر.
إن الإسلام عندما يدعونا إلى إشراك جيل المستقبل في التفكير والتدبير والتسيير، فإنه يلفت انتباهنا إلى مضمون القاعدة التربوية السالفة الذكر، باعتبارها ذات مدلول في غاية الأهمية والدقة، أغفلتها مناهج التربية قديما وحديثا، بالرغم مما لها من أثر بالغ على جوهر انتقال المسؤولية من جيل إلى جيل عبر تسلسل الأزمنة والأجيال.
وفيها الإشارة كذلك إلى ضرورة إعادة النظر في الكثير من الأشكال التربوية الموروثة أو المقتبسة من الآخر، إذا كانت لا تخدم منطق الحوار بين الحاضر والمستقبل، ولا تسهم في صياغة الجيل وبناء فكره بناء سليما يحمى عقله ووجدانه وفق ما يخططه المشروع الإسلامي الراشد.
إن إقصاء الشباب من معترك الحياة وعزله عن المسؤولية يخلق قطيعة أكيدة بين جيلين يتمسك كل منهما بمنطقه، ويجتهد في فرضه على الآخر، ويرافق هذا التصلب في الرأي والموقف تبادل التهم والتنابز بالألقاب، وتسفيه الرأي الآخر، فجيل الشباب ينسب الكبار إلى التزمت والانغلاق والتحجر، في حين ينعت الكبار جيل الشباب بالطيش، والتنطع والنزق والانحراف، وتتسع الفجوة بين الفريقين مع مرور الزمن، وتتقلص فرص التقارب والتقريب بين الموقفين، في حين كان بالإمكان مع قليل من المرونة والذكاء والحكمة أن تضيق مسافة الخلف، أو تزول بالمرة.
ولو أن رجال التربية أخذوا بمنهج الإسلام في إقامة الجسور بين الأجيال، وبذل كل فريق وسعه للتقرب من الفريق الآخر، ووعاه بعمق لكان الأمر مختلفا جدا، وربما كان الوضع الاجتماعي والأمني والاقتصادي قد تشكل هو الآخر بصورة أفضل.
كذلك علم النبي (ص) صحابته وأعطى الكلمة للشباب منهم، واستعان في التسيير والتدبير والتفكير بالنبهاء والنبغاء من بينهم، وتولى بنفسه الدفاع عنهم إزاء من أنكر عليهم هذا الحق من الكبار، وجادل بالحكمة وبالتي هي أحسن عن هذا الاختيار حتى استقر في فكر ووجدان الجميع أن تطور الحياة، ورقي الإنسان، رهين بتعبئة القدرات الشابة والعقول النيرة المؤمنة لمعترك البناء والنضال ضد الجهل والتخلف.
وبالرغم من أننا نقرأ سيرة النبي (ص)، وهي منبع لا ينفد، لتوجيه الإنسان الوجهة الصحيحة - ونعيد قراءتها، وقد نتجاوز القراءة إلى الكتابة والتحليل والاستنباط والاستنتاج، فإن التطبيق العملي لما في هذه السيرة من حلول لقضيانا المختلفة بقي غائبا غيبة تكاد أن تكون كاملة، وبقينا نبحث عن أنفسنا في ثنايا مذاهب تربوية، واجتهادات بشرية، فلا نجد ما نبحث عنه، وهذه هي مشكلتنا -نحن المسلمين- فكيف نتحرر من عقدتنا إزاء هذا الغرب، فنتعامل مع اجتهاداته بشكل آخر يكون أقرب إلى الصواب؟
 ذلك ما يجب أو نتوجه إلى البحث عنه، والنظر فيه، ولاشك أننا سنهتدي إلى أفضل المخارج وأقوم السبل.
وبعد، فقد شاءت عناية الله أن يبقى هذا المغرب مشمولا بالألطاف الخفية، وتتوالى عليه نعم الله وآلاؤه، ويأتي في مقدمتها نعمة الأمن والطمأنينة في كنف عرش ضارب في عمق الزمن، تتوارثه أمجاد شوامخ صنعوا تاريخه بحكمتهم وإخلاصهم وعلمهم: «قلادة تتلألأ في جيد ابن أطلسه الثابت الشامخ.
فمنذ أن اعتلى سرير الملك سليل الدولة العلوية الشريفة وواسطة عقدها، أمير المومنين، مولانا الحسن الثاني، بدأ عهد سعيد، ومغرب جديد.
حيث شهد عهده نمطا راقيا للدولة وهندسة جديدة لهياكلها ومكوناتها، يضاهي أو يفوق أرقى ما بلغته أشكال الدولة العصرية، تنظيما وتسييرا وإشرافا وتتبعا ومراقبة، ومواكبة لمستجدات التطور، أهلت هذا المغرب لدخول الحداثة من أبوابها، دون أن يفرط في شيء من قيمه الحضارية وثوابته الدينية وتقاليده العريقة.
لكن دور الحسن الثاني لم يقف عند حد الممارسة التقليدية لشؤون الملك والسياسة، بل نهج نهجا مزج فيه بين سياسة الملك وتربية القدرات على اكتساب فن التعامل مع مؤسسات الدولة في صيغتها المتطورة، وبذلك زاوج بين تدبير الملك وتنوير العقول، فكان ملكا انعقد الإجماع على حبه، وأستاذا علم الأمة كلها فن بناء الأمة والسلام والتعايش والتعاون والتكافل.
الأمر الذي طرح نموذجا متفردا في باب القيادة والحكم، يجمع بين الأصالة والحداثة، ويقرن بين سياسة الملك وسياسة العلم.
ومما لاشك فيه أن الفكر السياسي المعاصر سيقبل على هذا النموذج بالدرس والتحليل، كظاهرة نادرة في دنيا إدارة الدولة، وكوثيقة غنية بالإبداع والابتكار في باب قيادة الشعوب وسياسة الأمم.
هذا هو النموذج الرفيع لشباب الإسلام، الذي يصح أن يكون مثلا وقدوة للآخرين، رأى فيه جلالة الملك المقدس، مولانا محمد الخامس بثاقب فكره، ما تقر به عينه، فأعطاه الكلمة التي عرف خطورتها وفعاليتها كسلاح في معترك النضال ضد العدوان، وكأداة للتنمية والبناء والإصلاح والتصحيح وقت السلم والاطمئنان، فأجاد استعمالها في الحرب كما في السلم على حد سواء.
وتقديرا لهذه العبقرية الفذة، وتكريما للفتوة في شخص أمير الشباب، أحدث محمد الخامس - نور الله ضريحه - يوما يحتفى فيه بالفتوة، ويكرم فيه الشباب، فكان هو يوم تاسع يوليوز، الذي تنفس صبحه عن ميلاد مجدد المغرب الحديث، ومؤسس الدولة العصرية، يوم ميلاد أمير المومنين الحسن الثاني الذي أكد من خلال سيرته أن «الشباب رسالة ومسؤولية».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here