islamaumaroc

آفاق السياسة الحسنية للتنمية الوطنية

  الحسين وجاج

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

وإذا سخر الإلاه أناسا               
لسعيد فإنهم سعداء(1)
أراد الله أن يسعد المغاربة، فيسر لهم الحسن الثاني السعيد، والموهوب لهم أزليا بفضله ومنه، ليتم لهم ما أراده لهم من السعادات، ويتحقق لهم ما يستحقونه من الكمالات، ويجعلهم في المستوى المرموق بين الشعوب، ويجعل دولتهم بين الدول رفيعة الشأن، شامخة البنيان.
هذا الملك الذي يفتخر ويعتز بمغربيته، ويشكر الله الذي جعله مغربيا أبا وأما حين قال حفظه الله في خطابه السامي بمناسبة ذكرى عيد الشباب المجيد سنة 1977.
«إنني فخور بعيد ميلادي، لأنه كان في الإمكان أن أزداد في حقبة أخرى من الزمن، سعيد لأنه كان في الإمكان أن لا أعيش هذه الظروف أو هذه الحقب من الملامح، سعيد لأنه لو تقدمت فيه، لما أعطيت من نفسي وجهدي وشبابي وقوتي، ما أعطيت وما بذلت، فخور بأن ولدت في  المغرب، وأن أكون فردا من الأسرة الكبرى، الأسرة المغربية، لأن شعبي الشعب المغربي جدير بأن يطمح، بأن ينسب إليه كل عظيم، ويعد في سجل مواليده كل حكيم حكيم».
أجل، لقد كانت السعادة تحفهم في الحركات والسكنات، وكانت نعين الله ترعاهم من فوق سبع سماوات، لأنهم سائرون دائما في طريق الحسنات، ومسلحون بصالح النيات، وعاملون لإدراك الدرجات، وراغبون في إسعاد ما في الكون من المخلوقات، وجادون في تزيينه بأنواع الفضائل والمكرمات، وتحريكه بمختلف العبادات والطاعات.
لقد قدر الله أن يكونوا من السعداء حقا، وأن يضاعف لهم الأجر إضعافا، فشحن قلوبهم بأسرار المودة في القربى، وأقبلوا عليها الإقبال المشكور، والمرتضى، متسمين بخلق الطاعة والانقياد، مسترشدين بتوجيهات الله، الموجهة الى العباد، مطبقين، قول الله عز وجل في كتابه العزيز: «من يطع الرسول فقد أطاع الله وقوله: «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى»:
وبفضل طاعتهم لله ورسوله، وتعلقهم بتعاليم نبيه ومحبة آل ببته، انساق إليهم الخير انسياقا، وأسعدهم القدر إسعادا، ورزقهم من الساسة الراحمين، وأكرمهم، بقيادة الملوك الصالحين، وميزهم بأنوار «البيعة» بين الناس أجمعين، ومتعهم في هذا العصر بسياسة الحسن الثاني الأمين، سليل الملوك العلويين، والعاهل الخديم للمسلمين، والعازم على تطبيق تعاليم الله الواردة في كتابه المبين، والمتشبث بسيرة أجداده وآبائه الأولين، والملهم من ربه سياسة تنموية نافعة للمواطنين.
فقد انطلق في سياسته الرشيدة الحكيمة الشاملة لكل الميادين أعزه الله منذ خطابه الأول بصفته رئيس الدولة المغربية وملكها يوم 3 مارس 1991 إذ قال:
«وإني أعاهد الله وأعاهدكم على أن أضطلع بمسؤولياتي، وأؤدي الواجب الوطني، طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية، وتقاليدنا القومية العريقة، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا».
وقد أبرز حفظه الله خطوط سياسته التنموية في خطابه التاريخي بمناسبة الاحتفال بليلة القدر المباركة لرمضان 1387هـ والمصادقة لذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم، موجها خطابه الى وفود علماء العالم الإسلامي حين قال:
«اجتهادنا هو العمل اليومي، على أن يصير كتاب الله عملة خلقية وإنسانية وقانونية ليتعامل بها جميع بني الإنسان، مسلمين كانوا أو عربا، إننا قد جربنا عدة مسالك، ومنها المسالك السياسية، فلم تمكنا إلى يومنا هذا من أي حل، علينا أن تجرب كوسيلة لتوحيد الصفوف، واتحاد الجهود، وسيلة سماوية مقدسة، ألا وهي حبل الله المتين».وهو الذي قال أيضا في الذكرى الأولى لجلوسه على العرش:
«يجب أن تكون شخصيتنا الإسلامية بارزة في جميع مظاهر النهضة، وإن تاريخ المغرب نفسه، ليشهد بأن أزهى عصورنا هي العصور التي كان التمسك فيها بالإسلام من أبرز المميزات، وإن كل حركة تحريرية إصلاحية إنما قامت على أسس القيم الروحية.
ففي إطار ديننا الإسلامي السمح سنصوغ كل عمل وكل إصلاح، لأن المكاسب الدنيوية ليست غاية في حد ذاتها، لأنها مكاسب محدودة، أما المكاسب الروحية، فليست لها حدود، لأنها هي الوجود، ولأنها هي التي تمكن الفرد من حسن التصرف في مكاسبه الدنيوية، وتكيف تصرفه بالخصال الحميدة، حتى لا تكون في المجتمع شحناء ولا بغضاء ولا تفرقة».
والحسن الثاني الملتزم والمنطلق من هذا المنظور والمدى السعيد، إنما يقتفي في سياسته وتدبير شؤون بلده وشعبه آثار أجداده المصلحين، ويسير على ضوء توجيهات وصايا أبيه محمد الخامس رحمه الله، الذي صرح للسيد كامل الشريف نائب أمين عام المؤتمر الإسلامي في القدس الشريف بقوله:
«لقد كان الإسلام هو غذاءنا الروحي في سنوات الكفاح الطويلة، ولولاه ما صمدنا في وجه الاستعمار، وهذا الدرس قد تلقيناه عملا لا قولا، فلا حياة ولا مستقبل لنا إلا بالإسلام، وإن انتصارنا على الاستعمار كان انتصارا للقرآن على خصومه، ولولا هذا الكتاب الذي جمع قلوب مواطنينا على اختلاف عناصرهم وقومياتهم لانتهت أمة المغرب والشمال الإفريقي من زمن طويل، ولأصبحت هذه الديار قطعة أوربية، حقيقية لا مجازا حقا،  لقد كان القرآن رائدنا في معركة التحرير، وسيظل كذلك بالنسبة لنا في معركة الوحدة والبناء»من هذه المدرسة المحمدية تخرج الحسن الثاني المتفائل والرائد والذائد الموحد والمنقذ، هذا الملك الذي ازدهر المغرب في عهده، وجعله كله ورش عمل، وطبعه بطابع الحركة والنماء والتطور، حتى عرف لدى الخاص والعام بأنه مغرب المسيرات، وما أكثر مسيرات جلالته الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتحريرية وغيرها، فبفضلها أيقظ الوعي الديني والوطني بين المواطنين في الداخل، كما أيقظه بين كافة العرب والمسلمين في الخارج.
وكان السياسي المتفائل والماهر والحكيم، فهو يشبه دائما طبيعة السياسة بالفلاحة التي لا تعطي إلا في إبانها المعروف، وهو ذو قدرة كبيرة على قراءة الأحداث واستخلاص النتائج من المقدسات، وهو ذو صبر كبير مع الأصدقاء والأعداء في آن واحد إلا أنه يضعف -ولا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلا…لقد أحسن كثيرا حينما دعا إلى «ندوة الطرق الصوفية» ليبين للمؤتمرين حولها أن التصوف الإسلامي بنقائه وصفائه واقتباسه من مشكاة النبوة وجذوتها، كفيل -إذا ما سلك به أهله العارفون المسالك الصحيحة السليمة- أن يسهم الإسهام الكبير في إصلاح أحوال المسلمين.
وحينما انعقد «المؤتمر الدولي للمسيرة النبوية» بإسلام أباد بالباكستان، أبى إلا أن يحمل وزير جلالته في الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري رسالة سامية إليه، يدعو المؤتمرين من خلالها إلى ترشيد الصحوة الإسلامية وتوجيهها والى إعطاء مدلول البعث الإسلامي صورته الحقيقية مع الاهتمام بحبل الله المتين، والعض على السنة النبوية بالنواجذ، والى التزام الوسطية دون تطرف أو مغالاة، وإلى مواجهة التحديات بفكر واحد، ورأي واحد، وعمل موحد.وقد تعلم من المدرسة المحمدية المذكورة حب شعبه، والمحافظة على شخصية وطنه المغرب إلى حد أنه صرح في شأن ذلك بقوله:
«إن المغرب معرض لخطر واحد، هو أن تمسخ شخصيته، المغرب لا يخشى الفقر، لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه الخيرات.
والمغرب لا يخشى السيطرة، لأن الله خلق فينا -والحمد لله- روح الكفاح، وروح الدفاع، وعدم الرضا بأي سيطرة كيفما كانت، ولكني أخشى المسخ لشخصية المغرب أكثر من كل شيء، وشخصية المغرب أمانة في عنق كل واحد منا، ولكنها أمانة لا يجوز تضييعها أبدا».
وللحفاظ على هذه الشخصية أنجز الكثير والكثير، وأنشأ العديد من المؤسسات التعليمية والثقافية، ونشر علوم القرآن والحديث والسنة، إلى جانب العلوم العصرية الجديد والتقنية، وبنى السدود لإنعاش الفلاحة، وربط المواصلات لتيسير الاتصالات الداخلية والخارجية، وزود البلاد بمؤسسات الإنتاج والتنمية، ومكنها من الوسائل المادية والبشرية، وهيأ المعاهد العلمية للتخصصات المختلفة، ونظم الندوات للصحوة الإسلامية، وحرك العالم كله بالدروس الحسنية الرمضانية، وشجع التراث المغربي، والمجالس العلمية، ونور مساجد المملكة بكراسي العلم لحماية الدين والعقيدة، وفتح الباب على مصراعيه، بمبادرات ديمقراطية أمام الهيئات السياسية للإسهام في المسؤوليات الوطنية. في رعاية الملكية الدستورية، كما فتح بها الباب -أيضا- أمام الهيئات العلمية، لتنهض برسالتها العلمية النببلة في رعاية إمارة المومنين، ليتعاون الجميع على خدمة المواطنين، ويكون السير في ذلك كله مرتكزا على دعامتي «الإيمان» و»الإمارة» اللذين بني عليها النظام الملكي الراسخ في هذه الديار المغربية.
إنه الابن البار، والتلميذ المخلص لمدرسة والده مولانا محمد الخامس، المخططة بالخصوص للديمقراطية، والفلاحة، ورفع المستوى، وتحقيق الازدهار، والنماء في كل مجال.
إنه الملك الذي أكرمه الله بقلب كبير مطبوع على الحوار، واحترام الجوار، وجعل الأخوة فوق كل اعتبار.
إنه الرائد الذي لا يكذب أهله، لقد وفى بكل ما ورد في الوصية التاريخية. وجاهد في سبيل الكرامة الإسلامية، والوحدة الوطنية، وواجه الخصوم بمحكمة «لاهاي» الدولية بالمنطق السليم، والحجة الدامغة.واختار للنهوض بشعبه مبدأ الشورى والأساليب الديمقراطية.
ونظم - إيمانا منه بالله واعتماد عليه، واقتناعا بالحق- المسيرة القرآنية لتحرير الصحراء المغربية.وتوج منجزاته الجليلة بمسجده العظيم في الدارالبيضاء للدعوة والهداية، يحدوه في كل ذلك واجب أداء الأمانة المقدسة، والدفاع عن العقيدة الإسلامية، وحماية الملة المحمدية وسطوع نورالدين، وهدايته للخلق أجمعين. «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون».

(1) من قصيدة الهمزية في مدح خير البرية للإمام البوصيري رحمه الله

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here