islamaumaroc

نظرات في "مفتاح كنوز السنة"

  محمد زين العابدين رستم

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

اعتنى الاستشراق بمختلف مدارسه ورجاله بالسنة النبوية المشرفة، جمعا لنصوصها، وفهرسة لمتونها: ودراسة الاتجاهات التأليف عند المشتغلين بها، وبحثا في تاريخ نشأة العلوم المتعلقة بها، وتنقيبا عن نفائس مصادرها، ونشرا لذخائرها، فكانت هذه الدراسات والبحوث الكثيرة التي أحصى بعضها من ألف في الظاهرة الاستشراقية، وتحدث عن أعمال أكابر رجالها في مجال الإسلاميات.(1)
وتتفاوت هذه الدراسات، وتلك الأبحاث في قيمتها العلمية، ودرجة التزام أصحابها بالأمانة في النقل، والسلامة من الهوى، والتجرد عن العصيبة، والتحلي بالحيدة ونبل المقاصد وخلوص النيات والأهداف.والذي يعنينا في هذا المقام من تلك الدراسات، ما قام به المستشرق الهولندي فنسنك عن عمل رائع في كتابه «مفتاح كنوز السنة»، الذي جعله فهرسا لأربعة عشر كتابا من أمهات كتب الحديث النبوي وهي: صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وموطأ مالك، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجة، وسنن الدارمي، ومسند الإمام أحمد، ومسند أبي داود الطيالسي، ومسند الإمام زيد بن علي، وطبقات ابن سعد، وسيرة ابن هشام، ومغازي الواقدي.(2)
«وقد رتب الأستاذ ونسنك كتابه على المعاني والمسائل العلمية، والأعلام التاريخية، وقسم كل معنى، أو ترجمة إلى الموضوعات التفصيلية المتعلقة بذلك، ثم رتب عناوين الكتاب على حروف المعجم، واجتهد في جمع ما يتعلق بكل مسألة من الأحاديث والآثار الواردة في هذه الكتب»(3)وذلل المؤلف بكتابه هذا صعوبات كثيرة، كانت تعترض سبيل المتطلبين لأحاديث، والمعتنين بجمع شتاتها في الغرض العلمي الواحد، والمسألة المعينة، مما أقر عيون الباحثين في العلوم الشرعية عامة، وعلم الحديث خاصة، وبعث عالمين جليلين من علماء الأمة وهما: الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ العلامة المحدث أحمد محمد شاكر على الثناء على الكتاب، والإشادة بفوائده، والتنويه بعظم عائدته على أهل العلم.(4)
ولا يعني هذا أن الكتاب يخلو من الضعف والنقص اللذين يلحقان أعمال البشر، أو أنه سالم من بعض الاعتراضات والانتقادات التي قد تعن لمن خبره، وأطال ممارسته، وعكف عن الاشتغال به في تخريج الأحاديث والآثار.
وهذا أمر قد نبه إليه غيرا واحد من الفضلاء المعاصرين، وإن كان ذلك يأتي عرضا بإشارة عابرة، ولفتة خاطفة لا تشفي عليلا، ولا تروي غليلا.(5)
وقد أردت في هذه العجالة أن أنبه المستعين بهذا الكتاب إلى عثرات مؤلفه، وأرشده إلى زلاته، وأقف به عند المآخذ التي عنت لي عليه.فمن ذلك:

* أولا: توعير الطريق أمام الباحث:
وذلك بإطالة سبيل البحث مما قد يضجره، فيترك الكتاب ولما يقضي منه طلبته، فالباحث عن حديث رفع اليدين في الدعاء ينقدح في ذهنه لأول وهلة، أنه يوجد في الكتاب في مادة «الدعاء»! وخاصة أن مرتبة الدال في حروف الهجاء تسبق غيرها كالياء مثلا، لكن الفهرس أعرض عن ذكر حديث رفع اليدين في الدعاء  في مادة «الدعاء»! وأحال على مادته «اليدين» المتأخرة.(6)
ومما يدخل في باب توعير الطريق أمام الباحث ما يقع المفهرس من مخالفة  الأولى في ذكر الأحاديث في موضع، غير ذلك الموضع قد يكون أولى بها، فالباحث عن حديث علي الذي فيه أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي (ص) عن ذلك. ورد البيع (7) لا يجده في مادة «البيع» التي تأتي في حرف الباء في أوائل الكتاب! وإنما يجده -بعد أن يقلب صفحات هذه المادة لانصراف ذهنه لأول وهلة إليها - في مادة «الرحم» المتأخرة عن الباء بستة حروف.(8)

* ثانيا: تضليل الباحث المستعين بالكتاب في الوصول إلى طلبته:
وذلك بعدم الوفاء في الإحالة على مادة من المواد، ففي مادة «الاستنجاء» ترجم المفهرس للأحاديث الدالة على استحباب الوتر في الاستنجاء بقوله: «الاستنجاء وتراء، ثم لم يذكر في هذا الموضع من خرج ذلك الأحاديث، واكتفى بالإحالة على مادة أخرى، وذلك بقوله: «أنظر الوتر»(9) وقد يسرع الباحث بلهف شديد إلى مادة الوتر في آخر الكتاب طامعا أن يجد ما وعد به المفهرس، ثم لا يلبث أن يطول عجبه عندما يعلم بعد التنقيب الشديد، والبحث الحثيث أنه لا أثر لذكر الاستنجاء وترا، فيما أحال عليه المفهرس: اللهم إلا في هذا العنوان الواسع الفضفاض: «ما يؤدي من أعمال العبادات وتراء»(10)

* ثالثا: قد يقع للمفهرس أن يذكر مسائل في غير مواضعها التي يظن أن توجد فيها، مما يشق على المستفيد من الكتاب طريق البحث، فلا مناسبة مثلا بين مادة «البيعة» التي تكون للإمام، وبين حديث «إذا
بايعت فقل لا خلابة»(11) الذي كان حقا على المفهرس أن يدرجه في مادة البيع، التي هو فيها أدخل، وبها أشكل وأنسب، لأن سياق الحديث يدل دلالة قاطعة على ذلك، فعن ابن عمر قال: «كان رجل يخدع عند البيع، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم  فقال:
«إذا بايعت فقل لا خلابة»(12)

* رابعا: قد يكثر المفهرس من تكرار العناوين، وما يندرج تحتها من مسائل وقضايا، ويوزع ذلك داخل الكتاب في المواضع التي يراها مناسبة، وهذا صنيع محمود، وعمل مطلوب في كتاب بني على الموضوعات، وما يتفرع عنها من معان وجزئيات، لكن ذلك قد يكون أمرا مرغوبا عنه، وعملا مخلا إذا فشأ وفحش.
فمثلا أشار المفهرس في مادة «العتق» إلى الحديث الذي فيه حكم الرجل الذي أعتق جاريته ثم تزوجها بقوله: «الرجل إذا أعتق جاريته، ثم تزوجها، فهو كالراكب بدنته»(13) وكان قد تقدم له بصفحتين فقط الإشارة إلى الحكم نفسه في مادة «العبيد»(14) التي أحال فيها على هذه المادة، فالواجب يقتضي ذكر هذا الحكم في مادة العتق، لأن المناسبة بينها وبينه أظهر، وذهن الباحث إليها أسرع.

* خامسا: من عادة المفهرس عند أول كل مادة: أن يذكر ما يندرج تحتها من مواد أخرى يجمع بينها رابط معنوي، أو مناسبة فقهية، أو غير ذلك كقوله: «الحدود، أنظر أيضا الصلب، التغريب، الجلد، الرجم»(15) لكن ذلك ليس يطرد له دائما، ففي المادة السابقة نسي زيادة «السفر» التي تشير حوإلى ما ذكره من  أنه: «لا تقطع الأيدي في السفر»(16) على أنه قد يقال: إن ذلك يطول: فيشقق ذكره كالعذر للمفهرس.

* سادسا: الإخلال في التخريج:
وذلك من وجوه عدة منها:
1- في استيعاب التخريج في موضع دون موضع:
وذلك يكون في المسألة الواحدة، والنازلة المعينة. فيذكر المفهرس في موضوع من المخرجين لتلك المسألة ما لا يذكره في موضع آخر، فلعل بعض من يقف على الموضع الأول يخرج المسألة منه، ولا يعرج على الموضع الثاني. فيكون تخريجه ناقصا قاصرا، ونسوق مثالا واحدا على ذلك من مادة: «النكاح» فقد خرج المفهرس حديث: «لا نكاح إلا بولي»: من طريق أبي داود في السنن،(17) وهذا تخريج مخل جدا، لأن الحديث أخرجه غير أبي داود من أصحاب الكتب السنة وغيرهم، فقد أخرجه كما ذكره المفهرس نفسه في مادة «الولي» الترمذي، وابن ماجة، والدارمي ومالك، وزيد بن علي في المسند، والإمام أحمد بن حنبل في المسند في عدة مواضع.(18)
2- في طريقة الإحالة على المخرجين:جرى المفهرس على تقديم الشيخين: البخاري ومسلم في العزو إليهما إذا اجتمعنا مع غيرهما، واطرد له ذلك في الكتاب كله، كما جرى على تقديم أحدهما إذا اجتمع مع أصحاب الكتب الستة وغيرهم، وهو في ذلك متبع لمنهج الصناعة الحديثية الذي سار عليه أهل الحديث قديما، واتفقت عليه كلمتهم، لكن المفهرس جانب هذا المنهج الحديثي في العزو إلى من دون الشيخين من أصحاب الكتب الحديثية التي تصدى لفهرستها، فوقع في عثرات، منها: تأخير مرتبة موطأ الإمام مالك عن ببقية الكتب الحديثية الأخرى، تقديم من دونه عليه، ففي مادة «التلبية» مثلا قال: «رفع الصوت بالتلبية»: وخرج الحديث المفيد لذلك بقوله: «ترك 7 بـ 15، مج ك 25 بـ 16، مي ك 5 بـ14، ما ك 20 ح 34و حم خامس ص: 192» (19).
فقد جعل المفهرس -في هذا المثال- الموطأ في المرتبة الرابعة، وقدم عليه الترمذي، وابن ماجة، والدارمي، وهذا مخالف لما عليه منهج أهل الحديث العزو إلى هذه الكتب.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي -وقد عدد طبقات كتب الحديث إلى خمس طبقات، فجعل الطبقة الأولى لكتاب الموطأ والصحيحين، والثانية لـ»سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، ثم قال: «والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع، ومصنفات، صنفت قبل البخاري ومسلم، وفي زمانهما، وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن، والضعيف، والمعروف، والغريب، والشاذ والمنكر، والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار كـ»مسند أبي يعلي» و»مصنف عبد الرزاق»، و»مصنف أبي بكر بن أبي شيبة»، و»مسند عبد بن حميدَ» و»مسند الطيالسي» وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني»(20)ومما يعاب على المفهرس التزامه تقديم (ابن سعد على الإمام أحمد في العزو، وإكثاره من ذلك.(21) وابن سعد، وإن كان في نفسه ثقة حافظا»(22) فإن الإمام أحمد بن حنبل أجل منه وارفع، مسنده أغزر مادة، واتقى حديثا، حتى بالغ بعضهم فأطلق عليه اسم الصحة «والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها أشد في الضعف من بعض»(23)
وقال الحافظ أبو موسى المديني مبينا شرط الإمام أحمد في المسند «ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه، وديانته دون من طعن في أمانته»(24)
3- في قوات تخريج بعض الأحاديث التي على شرط المفهرس:وذلك قليل ونادر، وقد يفتقر للمفهرس ذلك لغزارة مادة كتابه، وتعدد الموضوعات التي تتنوع إليها مواده ومعانيه.
ومما فات المفهرس أن يدل عليه -وهو على شرطه- الحديث المشهور: «الحج عرفة»، فلا أثر له في مادة «الحج» أو «عرفة» إلا أن يقال إن وروده قد يكون على جهة الإشارة فيما ترجم له بقوله: «مناسك الحج»(25) والحديث كما سبق آنفا على شرط المفهرس، فقد أخرجه من أصحاب الكتب الأربعة، أبو داود في المناسك باب            من لم يدرك عرفة، حديث رقم 1949، والترمذي في المناسك أيضا، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام يجمع، فقد أدرك الحج، حديث رقم 890، وابن ماجة في المناسك باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، حديث رقم 3015، والدارمي في المناسك أيضا، باب بما يتم الحج، حديث رقم 1827، كما أخرجه الإمام أحمد وهؤلاء على شرط المفهرس، وأخرجه من سواهم ممن ليسوا على شرطه كالحاكم والبيهقي.(26)
4- التقصير في تخريج الحديث، والاقتصار في عزوه إلى من هو أنزل رتبة:
وهذا صنيع كنا نود أن لو صان المفهرس نفسه عنه، لأنه يوهم الباحث أن الحديث ليس يوجد إلا عند الذي عزاه إليه، فيبادر إلى الحكم عليه بالضعف لنزول مرتبة مخرجه عن بقية مراتب أصحاب الحديثية التي اعتنى بها المفهرس، ويعظم الخطب إذا كان الحديث صحيحا، مما أخرجه الشيخان، فيعزوه المفهرس إلى من دونهما ممن يروي الصحيح والضعيف. وذلك كحديث: «إذا بايعت: فقل لا خلابة». فقد عزاه المفهرس في مادة البيعة» إلى الطيالسي.(27) موهما أنه لا يوجد عند غيره، بينما الحديث الصحيح أخرجه من هو أرفع من الطيالسي ممن التزم الصحة كالبخاري ومسلم.(28)
وبعد، فليس من غرضنا هاهنا التنقيص من قيمة «مفتاح كنوز السنة» ولا توهين من شأنه، فقد عرف الباحثون قدره، وأنزلوه منزلته، ذلك لأنه ألان صعوبات وذلل عقبات، وحال دون ضياع أوقات، لكنه مع ذلك لم يخل من هفوات قد يكثر لها عثار المستعين به.والحمد لله أولا وأخيرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله والصحب أجمعين.     
             
1) أنظر مثلا «المستشرقون» (ج: 13، ص: 546 - 549) نجيب العقيقي، دار المعارف الطبعة الرابعة.
2) إدخال طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام ومغازي الواقدي في كتب الحديث من جهة ما فيها من آثار نبوية.
3) أنظر تقديم الشيخ أحمد محمد شاكر لمفتاح كنوز السنة في الطبعة العربية التي نشرها محمد فؤاد عبد الباقي صفحة «ع» دار إحياء التراث العربي، ببيروت 1983م.
4) أنظر تقديم العالمين الجليلين لمفتاح كنوز السنة صفحة «ن» و»ت».
5) أنظر مثلا كلام الدكتور محمود الطحان على مفتاح كنوز السنة في «أصول التخريج ودراسة الأسانيد» (ص 134) مكتبة المعارف الرياض.
6) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص 160) و(ص 540) .
7) أخرجه أبي داود في الجهاد «باب التفريق بين السبي حديث رقم 2696.
8) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص 206)
 9) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص 41)
10) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص 517)
11) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص86)
 12) أخرجه الطيالسي في مسند حديث رقم 1881 وأنظر تعليقنا على هذا التخريج الناقص فيما يأتي قريبا.
13) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص: 333).
14) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص: 331) .
15) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص: 148).
16) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص: 150).
17) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص: 508).
18) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص: 537)
19) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص: 102) والإشارة في قوله: «تر» إلى الترمذي، وفي «مج» إلى ابن ماجة، وفي «مي» إلى الدارمي» وفي «ما» إلى مالك وفي «حم» إلى الإمام أحمد، وفي «ك» إلى الكتاب، وفي «ب» إلى الباب، وفي «ح» إلى الحديث.
20) أنظر حجة الله البالغة (ج 11ص 107) الطبعة الخيرية 1322هـ.
21) أنظر «مفتاح كنوز السنة» (ص 7 و10 و11 و13و17 و101 و104 و142 و267 و332 و438 و508).
22) أنظر خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص 337)، بعناية الشيخ  عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، حلب 1411ه
23) أنظر الرسالة المستشرفة (ص15) دار الكتب العلمية، بيروت.
24) أنظر خصائص المسند لأبي موسى المديني (ص6) مكتبة التراث الإسلامي القاهرة.
25) أنظر مفتاح كنوز السنة (ص142)
26) أنظر: فيض القدير للمناوي (ج 13، ص 406) دار الفكر بلا تاريخ.
27) أنظر «مفتاح كنوز السنة (ص 86)
 28) فقد أخرجه البخاري في البيوع، باب ما يكره من الخداع في البيع، حديث رقم 2117، ومسلم في البيوع أيضا باب من يخدع في البيع (ج 110 ص: 176).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here