islamaumaroc

جهود أمير المؤمنين الملك الحسن الثاني في مجال المحافظة على الهوية والأصالة.

  إدريس خليفة

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

من مميزات العبقرية الحسنية التي أعطت للمغرب الجزيل والكثير في مجالات البناء والتنمية والإصلاح والتجديد، اهتمام أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني -أعزه الله ونصره- وعنايته الفائقة بمجال الهوية والأصالة، وهو اهتمام ناشئ عن شعوره بأهمية هذا الميدان باعتباره مكونا أساسيا وضروريا للكيان الوطني الذي يجب أن يحتفظ بسماته الحضارية والثقافية والإنسانية التي تميز بها عبر العصور.
ولا يعني هذا المكون الانغلاق على الذات، ورفض كل ما لا يتصل بتاريخنا وثقافتنا بصلة، وإنما هو عند جلالته مكون منفتح قابل للتعامل والاستفادة من نتائج عطاء الحضارات والثقافات العالمية، ولتزويد ثقافتنا بكل ما يغنيها ويثريها، ويقوي صمودها وجهاز مناعتها أمام كل عنصر مضاد للذات متصادم مع الهوية، متعارض مع الكيان الأساسي للشـخصية الوطنية، التي هي مظهر وميزة لوطن وشعب سكن أرض المغرب منذ آلاف السنين، وعرف حضارات إفريقية وبربرية وفنيقية ورومانية، واعتنق الإسلام ورفع رأيته على ربوع الأندلس وحوض البحر المتوسط وشرق إفريقيا وجنوب الصحراء، وعاش تجربة الخضوع للاستعمار -التي كانت لحسن الحظ- مرحلة قصيرة، ثم عاد بعدها وبفضل جهاد الشعب والتخطيط الرشيد للقائدين المجاهدين الملك الراحل سيدي محمد الخامس -طيب الله ثراه- ووارث سره أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني- أطال الله بقاءه وأدام عزه- ليعيش حياة الحرية والأصالة، ويدهب خدوش المرحلة الاستعمارية التي استهدفت الهوية الوطنية، ويعيش حياة الاستقلال، ويسترجع للوحدة أقاليمه المغتصبة، ويؤكد انتماءه القومي إسلاميا وعربيا، ويبني مغرب الأصالة والمعاصرة، وهو المغرب الذي تفخر به وتعتز، مغربا آمنا مطمئنا منسجما مع تاريخه وثقافته، تحفل ذاكرته التاريخية بالملاحم والبطولات والمواقف العظيمة المشرفة، وتسجل حياته الاجتماعية جهود البناء والتنمية، وتتركب حياته العلمية والإيمانية من عقيدته السلفية الأشعرية ومذهبه المالكي، الذي التزم به عبر العصور، وتتشكل حقيقته الفنية من إبداعات أبنائه التعبيرية والرمزية، وتتوج كل ذلك ملكية دستورية أصيلة عريقة، تعكس طموح أبناء الوطن نحو الرقي والتقدم والازدهار، ويواصل عاهله المفدى كلال الليل بكلال النهار، ليصل بلدنا إلى مصاف الدول الراقية، محتفظا بهويته الحضارية والثقافية، ومتميزا بشخصيته الوطنية الفذة.
والاحتفاظ بالهوية الشخصية والأصالة الذاتية أمر له شأن في عصرنا الحاضر، وهو عصر تقاربت فيه المسافات، وتعانقت الثقافات وتمازجت فيه الشعوب، وصار الناس يطلون من نافذة العولمة التي صارت شبحا يهدد باكتساح الحدود، والهيمنة الاقتصادية والسياسية، واستنساخ الهوايات والحضارات، وربما استنساخ الشعوب، إن لم يكن بالأجسام، فبالأوصاف، والعادات والمعتقدات وأنماط العيش والعمران والاجتماع.
ولا يمكن اعتبار كل هذا الزخم إيجابيا في غياب ضمانات عالمية بأن الشعوب القوية التي تتزعم قافلة العولمة لن تظلم الشعوب الأصيلة، ولن تسحق حضاراتها بعد أن تستدرجها إلى نسيان ذاتها وهويتها، والانبهار بمدينة الغالب والانغماس فيها، ومحاولة تقليدها طبقا للنظرية الاجتماعية القائلة بتقليد المغلوب لغالبه.
وإن من أسباب الاحتفاظ بالهوية والحرص عليها -عدا ما تقدم- الرغبة الأكيدة في التخلص من التركة الاستعمارية الثقيلة التي كرست إضعاف الشعوب، والتفرقة بين المواطنين على أساس العرف، ومنها ما للقديم الأصيل من جمال وقدرة على التطور وانسجام مع البيئة، وما أنتجه التراث من النماذج العالمية النادرة التي يجب أن تبقى إرثا حضاريا للإنسانية جمعاء، فكان من الواجب لهذا كله حماية التراث، والدفاع عن الأصالة الوطنية، وإحلال الشعور بالهوية محل الحب والتقدير والإعجاب، ووضع الخطط الحكيمة لإبراز معالم الشخصية الوطنية: ماديا وأدبيا، وجعلها من مجال اهتمام المؤسسات الجهوية والوطنية، وخاصة في نشاط المدارس والمعاهد والكليات والجماعات.
وقد تميزت سياسة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني بالعناية الفائقة بميدان الأصالة والمعاصرة، وجلالته ملك عالم أصيل، مثقف واع مجتهد في علمه، تلقى علوم القرآن والشريعة بإشراف كبار الفقهاء والعلماء، كما حصل على ثقافة عصرية واسعة، ومعرفة كبيرة بالتاريخ، وقواعد الاجتماع والقوانين الوضعية، وعاش المرحلة الاستعمارية وعرف مشاكلها وآلامها، وناضل من أجل وضع حد للوجود  الاستعماري.
وما لبث أن تسلم بعد الاستقلال مقاليد الملك ليجد أن عليه أن يبذل جهودا كبيرة لإنقاذ المغرب من التخلف، ورفع مستواه الحضاري، وتكوين أطره، وتجهيزه بالوسائل المادية الضرورية لنموه، وضمان أمنه، والمحافظة على حدوده، واسترجاع أراضيه المغتصبة، وإقامة مؤسسات ديمقراطية ودستورية إلى غيرها من المستلزمات.وقد حصل ذلك في مدة قصيرة، ونتيجة إرادة واعية، عانقت إرادة أمة وفية مخلصة مناضلة، ونتيجة آثار فكر حسني متميز بحسه الحضاري الرفيع، الذي لم تشغله المنجزات المادية عن الشؤون الفكرية، بل إن شؤون الفكر عند تفقد قيمتها إذا لم تكن عملا، ولم يكن هذا العمل موافقا للمرجعية الدينية والوطنية والحضارية والإنسانية، ولهذا نجده في كل مواقفه وأعماله رجل الإيمان والعقل والحكمة والفصاحة والإنجاز والسلام.
ولا غرابة أن يكسبه علمه الواسع الذي انصب على طينة الشرف ووراثة الخلافة عن الرسول (ص) والجهاد، كل تلك الخصال، فإن من شأن العلم الذي يتنزل على أرض طيبة أن ينبت نباتا طيبا، ونظاما متناسقا متألقا، وطمأنينة خاشعة.
وكانت نتيجة ذلك استيعاب فكرة لقضية الأصالة والمعاصرة، وهي قضية يتطلب جهد إخراجها بذل مجهود كبير لا تتسع له هذه الصفحات، وينوء به العصبة أولو القوة من رجال البحث العلمي.وحسبي في هذا الصدد الإشارة المقتضبة لذلك، ملاحظا أنه يصعب الفصل بين شؤون الأصالة والمعاصرة، لكن النماذج والأمثلة التي سأسوقها كفيلة بإبراز مجالات الأصالة، وحقائقها التي لم أتكلف الآن البحث عن تعريف أو تحديد لها.
إن الأصالة في الفكر الحسني مرتبطة بالإسلام عقيدة وشريعة، وهي أصالة ممتدة عبر أطوار تاريخ المغرب، ولا يمكن فصل الفعل الديني فيها عن المجال التاريخي الذي رسخ هذه الهوية، وفتح أمامها طريق الإبداع والرقي والازدهار.يقول أمير المؤمنين في «خطاب العرش» لعام 1404هـ - 1984م:
«إن أوجب ما يجب علينا نحن الذين نعيش منفتحين على جميع التيارات، متلقين بصدر رحب لجميع الحركات الفكرية أن نأخذ ونستقي عن بصيرة وبينة، ونحتاط لأنفسنا حتى لا يفلت من يدنا زمام الاختيار السليم، وحتى لا تعصف رياح هذه التيارات وهذه الحركات بأنفس ما نملك، وهو أصالتنا الثقافية والحضارية، وأصالتنا هذه قوامها كتاب الله العزيز، وسنة نبيه الغراء، واللغة التي نزل بها الوحي، ومذهب أهل السنة والجماعة الذي هو مذهب السماحة والاعتدال والصفاء، وهذه الأصالة التي اتسعت على امتداد أطوار تاريخنا المعاصرة، ومعايشتها لا تضيق الآن صدرا بالمعاصرة النظيفة، بل تتسع لها أيما اتساع، وترحب بها أيما ترحيب.
وما دامت أصالتنا الإسلامية التي أينعت في ظلها العلوم والفنون، وازدهرت بها وفي أحضانها حضارة يعدها العارفون من أزهى الحضارات وأرقاها هي المعين الذي نستمد منه أبرز وأعلى ما تمتاز به هويتنا وشخصيتنا، فإن علينا أن نجتهد باستمرار تعزيزا لجانبها، وتمكينا واكتشافا واكتناها لما تزخر به من أسرار وأخلاق.
إن علينا أن نؤمن لها باستمرار الأسباب التي تقيها شر التفريط والإهمال، وتصونها من كيد الكائدين واعتداء المعتدين، فإن انفصمت -لا قدر الله- في نفوسنا عرى أصالتنا لسبب من أسباب التضاؤل والاضمحلال، وانقطع ما هو موصول بيننا وبينها، فإننا سنصبح حينئذ وقد ضاعت الذاكرة، واستحالت الملامح، وشاه الوجه، وصوحت رياض الوجدان، كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى».
وهي كلمة جامعة، حددت الأصالة وأبرزت معالمها وركزت على أهم مكوناتها:
* الكتاب العزيز والسنة النبوية.
* لغة الوحي.
* مذهب الإمام مالك.
وهذه الأصالة لا تضيق بالمعاصرة النظيفة، التي يمكن أن تفيد وتثري الفكر ولا تضمر الشخصية، وهي التي أينعت في ظلالها العلوم والفنون، وازدهرت بها حضارة من أرقى الحضارات الإنسانية، وهي التي ينبغي الدفاع عنها ووقايتها من شر التفريط والإهمال، وكيد الكائدين واعتداء المعتدين. ويتناول أمير المؤمنين موضوع الأصالة والهوية بالبحث في خطاب غشت عام 1408هـ - 1987م بمناسبة «ذكرى ثورة الملك والشعب» مؤكدا على المفهوم السابق، موضحا ارتباط الأصالة بتضامن الأمة وعدم وجود طوائف دينية بالمغرب:
«علينا -شعبي العزيز- أن نحتفظ قبل كل شيء بشخصيتنا ومقومات شخصيتنا، فشخصيتنا مبنية على وحدة المذهب والعمل بالسنة، وكتاب الله سبحانه وتعالى، ومبنية على التضامن، وعلى إحساسنا بأننا أمة، ذلك الإحساس الذي يجعلنا نئن ونتضرر كلما تضرر فرد من مجتمعنا في المغرب كان أو خارج المغرب.مقومات شخصيتنا هو أننا ربما الشعب من الشعوب القليلة التي ليست فيها طوائف دينية، أو أقليات، فإذا نحن قارنا يوميا ما هو جار في بعض الدول من الشرق، وهي دول عربية، وأكثر سكانها مسلمون، نرى أن الطائفية والأقليات الدينية كانت الوحيدة في تمزق الشمل وضعف الشخصية.
فالتضامن ميزة من ميزات الشخصية المغربية التي كانت دائما تشعر بمشاعر التعاطف، والتراحم، والتناصر بين جهات المغرب، إذا ألم خطب أو نزلت نازلة، وإزاء الإخوان خارج الوطن، كما أن من هذه المميزات وحدة العقيدة الدينية، فليس في المغرب طوائف دينية تعتنق غير الإسلام، ولا توجد به عوامل التمزق التي تعمق ببعض البلاد الإسلامية في الشرق العربي.
ويلاحظ أمير المؤمنين في حديث صحفي تضمنه كتاب «ذاكرة ملك» صفحة 57، أن هناك فروقا بين الحضارات الرومانية والجرمانية أو الفرنسية وحضارة بلاد الغال وبين حضارتنا العربية البربرية التي وقع فيها امتزاج المغاربة مع القادمين من اليمن أو من التشاد، وليس من حق أي أحد أن يطلب منا التنازل عن هويتنا أو التخلي عن مقومات شخصيتنا. والأصالة بهذا المعنى لا تتعارض مع التنوع والاختلاف الذي لا يصل درجة التقاطع والتدابر والتباين، والاختلاف أو التنوع الممكن، إنما هو اختلاف قسمات لا اختلاف هوايات.
يقول أمير المومنين في خطاب «عيد العرش»، سنة 1995.«قد ساهم بالطبع تمازج الأفكار، وتلاقح الخصوصيات، وتشابك التنوعات في إعطاء شعبنا وجها مشرقا واحدا، ولكن متعدد القسمات، وهو ما خوله الميزة التي تطبع شخصيته القوية ذات الأصالة الثابتة، وتضمن في نفس الوقت انفتاحه الواسع على الإسهامات الخارجية».
وقد تعرضت الأصالة المغربية لامتحان عسير ومحنة شديدة بغرض التمزيق والتفريق، وخلق كيان مبعثر مكون من قبائل متفرقة، لكنها نجحت في محنتها مثلما انتصرت على نزعات التطرف والغلو.يقول جلالته في فقرات من نفس الخطاب:
«إن المغرب المتفتح، الرافض رفضا باتا للغلو والتعصب عرف كيف يبني شخصيته ويرسخها في خضم التقلبات التي يجيش بها التاريخ، وأن شخصيته المتميزة هذه هي التي أهلته لأن يتكيف مع التطورات العديدة دون أن يتردى في هوة التبعية، أو ينتاب وجهه المشرق تشويه.وأخر مثال على ذلك هو الحماية التي زرعت في كيانه كجسم غريب، والتي لم تكن في تاريخه سوى عارضة بين قوسين في النهاية.
ومع ذلك، فكم من مناورات ومجهودات بذلت لتفرقتنا وتشتيتنا، وتحويلنا إلى فسيفساء قبائل متفرقة مبعثرة ركاما بعضه فوق بعض.وقد خرجت -ولله الحمد- أصالتنا من هذه الحرب غير المعلنة، أشد قوة وأعلى شأنا، بفضل الكفاح المستميت الذي خاضه الشعب والملك ضد الغزاة».
ويلتفت أمير المومنين، في خطبه إلى ما يكونه الكتاب العزيز والسنة النبوية من قيم الأصالة المغربية والإسلامية مذكرا بمدلول البعث الإسلامي، وضرورة ترشيد الصحوة الإسلامية، محذرا من مزالق المغالاة والتفريط ومساوئ التزمت والتنطع والهوى، فيقول من رسالة موجهة إلى «المؤتمر الدولي الرابع للمسيرة النبوية» المنعقد بإسلام أباد عام 1985.
«إن واقع أمتنا الإسلامية في الظروف الراهنة، يدفعنا إلى أن نجعل في مقدمة المهام التي يجب أن تبذل من أجلها الجهود إعطاء مدلول البعث الإسلامي، وتوجيهها، ورعايتها وفق ما تقتضيه مصالح الأمة، وفي إطار مقاصد الشريعة الإسلامية التي يتعين الاستمساك بها، والخضوع لمنابعها الصافية التي هي الكتاب والسنة النبوية الصحيحة، مهتدين بالهدي النبوي الشريف، دون مغالاة أو تفريط في شؤون دنيانا، وغير منحرفين عن المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، بما يلزم ذلك من الاستقامة على الطريق اللاحب الذي اختطه رسول الله سيدنا محمد (ص)، من غير تزيد أو تزمت، ودون تنطع أو انسياق مع الهوى والغرض».والتمسك بالمذهب المالكي مظهر آخر من مظاهر المحافظة على الأصالة المغربية، فقد عمل المغاربة بهذا المذهب منذ قرون، وخلت الساحة المغربية من منافسة مذهب آخر له، واطمأن المغاربة إلى أحكامه وعدالة استنباطات فقهائه، وسلمت تلك الساحة من النزاعات الفقهية المذهبية التي أقضت مضاجع المسلمين في بعض البلاد الشرقية الإسلامية، وتعبد المغاربة به، وحفظوا في ظلاله وحدتهم الدينية.
وقد أبرز أمير المومنين في عدد من خطبه وأحاديثه أهمية التمسك بهذا المذهب وأنشأ المجالس العلمية بالأقاليم، وعهد إليها مهمة طبع الحياة الدينية بأحكام الفقه المالكي المتفق مع تعاليم الكتاب العزيز والسنة النبوية الطاهرة، ويصف أمير المومنين المذهب بـ»مذهب أهل السنة والجماعة… مذهب السماحة والاعتدال والصفاء».ولقد أظهر الوفد المغربي الذي قام بالدفاع عن مغربية الصحراء أمام محكمة العدل الدولية «بلاهاي» عام 1975 للمحكمة المذكورة خاصة تميز المغرب عن غيره من جيرانه بتشبث المغاربة المطلق بالمذهب المالكي خلال عصور التاريخ، وأنه الدولة الوحيدة التي حافظت عبر تاريخها على كيانها، ولم تستطع جهة أخرى أن تخترقها، وخاصة العثمانيين الذين استولوا على بقية أقطار إفريقيا الشمالية (1) وكانوا يعملون بالمذهب الحنفي، فكان هذا التميز مظهرا من مظاهر أصالة المغرب وشخصيته التاريخية وروابطه بأقاليمه الصحراوية، التي لم تخرج عن هذا المذهب الفقهي قط، وهو أثر من أثار البيعة التي تربط تلك الأقاليم بملوك المغرب.
واللغة العربية مقوم آخر من مقومات الأصالة المغربية، فهي لغة الوحي المنزل، ولغة التعليم والإدارة ببلادنا منذ أقدم العصور، وكتب المغاربة بها كل تراثهم، وظلت شامخة عبر التاريخ حتى العصر الحديث الذي زاحمتها فيه اللغتان الفرنسية والإسبانية بسبب الاستعمار الذي حاول القضاء على العربية، وفرض لغته على الأمة.
وقد دافع أمير المومنين دفاعا حارا عن هذه اللغة الشريفة، إذ أوضح في كتاب «التحدي»(2) أنها لغتنا الدينية والوطنية في آن واحد، وطرد العربية من المدرسة ليس إهانة فحسب، وإنما هو ظلم لا يمكن فهمه وتعليله، ومن شأن هجر هذه اللغة أن يصبح المغاربة كمن سماهم «مورس باريي» "Maurice Barés" بحق: «المقتلعين من الجذور» وقد تنكرت فرنسا بإقصائها وتآمرها على للغة الضاد لتاريخها نفسه الذي استمر الكثير والكثير من عناصره الثقافية من تراث هذه اللغة وحضارتها وعلومها، وليس هذا الموقف تحيزا ضد الفرنسية التي يحبها من يعرف آثار أعلامها، وهي في الحقيقة: «نافذة متسعة مفتوحة لا على العالم الغربي فحسب، بل على عالم المنطق والعقل والبرهان أيضا».
ويلاحظ جلالة الملك أن الإنجليزية، ويمكن القول الأمريكية، أزاحت اللغة الفرنسية ليس في الميدانين الدبلوماسي والقضائي فحسب، بل كذلك في الميادين العلمية والتجارية والتطبيقية.و»اللغة العربية لم تبق فقط لغة الباحثين والمتضلعين، ولا لغة تقليدية، ولا لغة الفلسفة والآداب والدين، إذ عمدت الأمم المتحدة إلى تقرير وجوب أن تكون العربية -في أجهزتها المختلفة- لغة عمل إلزامية، وقد سبق أن جعلت مقتضيات الطاقة منها لغة تجارية قد تصبح معرفتها غدا لا غنى عنها»(3)
وبناء على هذا الفكر الواضح الذي يجعل اللغة العربية بحق من مقومات الأصالة نص الدستور المغربي في ديباجته على مكانة اللغة العربية كإحدى ثوابت ذلك الدستور: «المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية…».
ويستفاد من نعتها في الدستور بأنها لغة الدولة الرسمية أن المملكة المغربية لا تناهض أية لهجة محلية، ولا تسعى للقضاء عليها، لكنها تحترمها، وجعلت العربية لغتها الرسمية للاعتبارات الدينية والحضارية والتاريخية والمستقبلية، واعتبارها كذلك لغة تنضبط فيها المعاني والدلالات بحيث تتميز بوضوح المفاهيم والمعاني، وبغزارة القدرة التعبيرية عن مختلف الأغراض، وبكونها أداة تواصل مع الأشقاء العرب والمسلمين، وما لها من روابط الجذور الاشتقاقية مع اللهجات المحلية التي ترجع إلى أصول سامية قديمة.
ولا يخفي بعد أن هذا المغرب يمتاز بأصالته كدولة ملكية، فالملكية هي النظام الذي عرفه المغرب منذ أقدم العصور، وهي نظام يقوم على أساس البيعة لملوك المغرب الذين كانوا يقومون بأعباء ممارسة السيادة على مجموع التراب الوطني، لا يشغلهم شاغل عن إرساء أسس الوحدة وإقرار الأمن، وحراسة الثغور، والقضاء بين الناس بمقتضى أحكام الشريعة، وتنصيب العمال، وتأديب المنحرفين، وزجر الثوار، وتشجيع التعليم، وحماية العقيدة، والتعاون مع المسلمين ومسالمة الدول الأجنبية، إلى غير ذلك من المهام التي كانت من اختصاص ملوك هذه الدولة.
والنظام الملكي المغربي هو في حقيقته نظام الخلافة الإسلامية القائمة على سنن هدي الكتاب والسنة، وغاية الحكم بين الناس بالحق: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله».
ولهذا خلعت الأمة على ملوك المغرب لقب إمارة المسلمين في العصر المرابطي، وإمارة المومنين منذ العصر الموحدي، وهذا هو لقب أمير المومنين -حفظه الله- في عصرنا، وهو لقب أطلق في الصدر الأول على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم على الخلفاء الذين اقتفوا آثاره، وأقاموا الدولة على أسس البيعة، وعلى هدى من الأصلين: القرآن والسنة.
تلك هي ملامح من حقيقة أصالة المغرب وهويته الحضارية التي فجرت طاقاته النضالية والإبداعية، وجعلت منه مغرب التحدي الذي يواصل مسيرته التنموية والوحدوية في ظل عاهله المفدى جلالة الملك أمير المومنين الحسن الثاني -أعزه الله ونصره- بعزم وإصرار، وهي ملامح ترتبط بفروع كثيرة متواشجة في نطاق الفكر الحسني: كالديمقراطية، والتعددية، والجماعة، وفكرة العمل، والإبداع، وفكرة مراعاة التقليدية، وغيرها من الأفكار المطبقة أو القابلة للتطبيق والتي لا يتسع المجال في هذه العجالة لتتبعها.
وحسبي إثارة الموضوع، ورده إلى أصوله من الفكر الحسني العبقري الأصيل.


1) عبد الوهاب التازي: «وثائق لم تنشر عن الصحراء المغربية، مجلة المناهل: عدد 49/ ص: 23 - 24.2) المصدر المذكور: 172 - 175.3) نفس المصدر: 176.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here