islamaumaroc

استعمال الوسيلة في ضوء درء المفسدة وجلب المصلحة

  محمد بالوالي

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

إن مبنى الشريعة قائم على تحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والمصالح جمع مصلحة، وهي ما فيه صلاح يوافق الإنسان ويليق به أو ما يتعاطاه الإنسان من الأعمال النافعة له ولقومه، والصلاح في القرآن قوبل بالفساد تارة وبالسيئة أخرى. قال الله عز وجل: «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها»(سورة الأعراف -الآية 56)، وقال «خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا» (سورة التوبة، الآية 102)، والصلح يختص بإزالة النفار بين الناس، والإصلاح بين الناس من الخير ومن دواعي القضاء على الفساد، وقد دعا إليه الإسلام وأمر به كما جاء في قوله عز وجل: «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نوتيه أجرا عظيما». (سورة النساء الآية 114)، وقوله «وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين» (سورة الحجرات الآية 9). وقوله: «إنما المومنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون» (سورة الحجرات الآية 10)، وكما جاء في الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله (ص) بذلك فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم»(1)
أما الفساد  فهو خروج الشيء من الاعتدال، وهو ضد الصلاح، ويلحق النفس والبدن وغيرهما، وهو مفهوم منهي عنه ومما ورد في ذمته والنهي عنه قول الآية: «والله لا يحب الفساد» (سورة البقرة، الآية 205) وقوله: «إن الله لا يصلح عمل المفسدين» سورة يونس، الآية 81) وقوله: «وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض» (سورة القصص الآية 77).
والمصلحة في ضوء الإسلام ليست ما يوافق هوى الناس فحسب، وإنما يعتبر فيها ما تقام به الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لأتباع الهوى قد يحول صاحبه -إذا ملك أسباب القوة- إلى طاغية ظالم يفرض ما يريده على غيره، حقا كان أو باطلا، فيدخل على الناس من هذه الجهة فساد عريض قال الله سبحانه: «ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن» (سورة المومنون.الآية 71).
والمصالح والمفاسد عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، أي أنها تكون مصالح أو مفاسد في خال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص أو وقت دون وقت، فالأكل فيه منفعة، ولكن في بعض الأحوال قد تكون فيه مضرة.(2)والمصالح دنيوية وأخروية:
- فالأولى تعرف بناء على ما غلب، والثانية تفهم بالشرع، ويقتضي تحصيل الأولى واجتناب الوقوع في الشر والفساد.
- والثانية التوجه إلى الله سبحانه، والتقريب إليه، والفوز برضاه ودخول الجنة، وهذا ما يعمل المومنون، من أجل تحقيقه، لأن به يحصل الأمن والسلام،. والإقامة الدائمة التي تختفي معها كل فتنة. قال الله تعالى: «إن المتقين في جنات وعيون أدخلوها بسلام آمنين، ونزعنا ما في صدورهم من غل، إخوانا على سرر متقابلين، لا يمسهم فيها نصب، ولا هم منها بمخرجين». (سورة الحجر الآية 45- 48) وقال: «وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتي إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين». (سورة الزمر: الآية 73) (3)
أما الوسيلة فمن أفضل ما قيل فيها أنها (ما يتوصل به إلى تحصيل المقصود).(4) فالأدوات التي يستخدمها الفلاح لحرث الأرض وزراعتها، وسقيها وسائل، والأدوات التي يعتمدها الخياط في عمله وسائل، والمشروعات العلمية والتجارية وغيرها يعتمد تحقيقها على وسائل.والوسائل كثيرة ومتنوعة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين أساسيين:
1- يشترك فيها المومن وغير المومن كاستعمال الماء في الشؤون العادية، وتناول الطعام، واستعمال اللباس، وركوب السيارة…(5)
2- وسائل خاصة بالمومن وهي التي تعتمد للتقرب إلى الله سبحانه، وما يقترب به إلى الله لابد أن يكون خالصا لوجهه، وموافقا لشرعه.(6) وهذان الأمران لا يتوفران في عمل غير المومن، ولذلك فلا قيمة لعمله في الآخرة، كما جاء في قوله تعالى: «والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، و وجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب». (سورة النور: الآية: 39).
أما المؤمن فحين يتوفر عمله على ما ذكر، فإنه يثاب إن شاء الله على استعمال الوسائل في أمور عادية، فعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك»(7) فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، والوسيلة تابعة لما نوى مستعملها وقصد، فإن كان مصلحة محققة أو راجحة كانت الوسيلة تابعة لها، وكان استعمالها مشروعا، وإن كان ما نوى وقصد محرما، أو مكروها كانت الوسائل التي توصله إلى ذلك محرمة هي كذلك أو مكروهة فالإسلام ينظر إلى المقاصد والأهداف وينظر كذلك إلى الوسائل التي تعتمد لتحصيلها.
والوسيلة الواحدة، قد تستعمل لجلب المصلحة، وقد تستعمل للمفسدة، فالكلمة إذا خرجت من صاحبها دون أي اعتبار لمقامها وأثرها في النفوس، حاملة قدرا من الاستقرار والبذاءة من غير داع شرعي يستوجب ذلك، قد تصبح عاملا من عوامل الفتنة والصراع ونشر الفساد، ولذلك نجد الإسلام دعا إلى اجتناب استعمال الكلمة السيئة، أو التي تحتمل الإساءة، وتجعل الناطق بها قادرا على أن يقصد بها الأذى كما يشير إلى هذا قول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم». (سورة البقرة: الآية 104).
ففي هذه الآية نهي المومنون الذين خالط الإيمان قلوبهم عن استعمال الألفاظ المؤدية إلى فساد محقق أو راجح، أو المحتملة لذلك، فبمقتضى القراءة المعتمدة وهي (راعنا) يكون مطلوبا من المومنين في الآية اجتناب النطق بالألفاظ التي ليس في ظاهرها ضرر، ولكن مع ذلك قد تستعمل لمعنى يراد به الأذى فراعنا لفظ طلب به المومنون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتأنى في إلقاء ما يبلغهم إياه حتى يفهمون رفقا بهم، ولكن المنافقين من اليهود وجدوا فيه وسيلة لشتم النبي عليه السلام، لكون هذا اللفظ يشبه لفظا عندهم يستعملونه للسب والشتم أو نهي المومنون عن استعماله، لأن لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالبا، فصار المعنى ليقع منك رعي لنا وهذا رعي لك، وهذا فيه ما لا يخفى من الجفاء في مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم فأمروا أن يقولوا انظرنا، إن هو فعل من النبي عليه السلام لا مشاركة لهم فيه(8) وبمقتضى قراءة الحسن وابن أبي ليلى وأبي حيوة وابن محيصن وهي (راعنا) بالتنوين تكون اللفظة صفة لمصدر محذوف -أي قولا راعنا- من الرعونة وهي مصدر (رعن) بمعنى حمق… وفي القراءتين معا تظهر منزلة الكلمة كوسيلة للتعبير قد يحسن استعمالها فتؤدي إلى مقصود حسن، وقد يفسد استعمالها فتودي إلى فساد…
وفي قول النبي عليه السلام: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي»(9) إشارة كذلك إلى قيمة التعبير…
فالألفاظ وسائل لإيصال المعاني إلى الأذهان، وكلما كانت مناسبة مختارة أوصلت المعاني إلى من وجهت إليهم في أحسن الأحوال، وقد يكون المقام في حاجة إلى ألفاظ لينة سهلة غير منفرة، كما جاء في قوله سبحانه لموسى وأخيه هارون: «فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى» (سورة طه، الآية: 44).
والمصلحة قد تكون هي وسيلة لتحصيل مصالح أخرى، فالداعي إلى الإسلام قد يعتمد على الكتابة أو الحوار أو غيره، لإقناع من لا يومن بالإسلام بالدخول فيه والنطق بالشهادتين، وهذا هدف شريف يستحق أن تستخدم لتحقيقه كل وسيلة مشروعة، وهو وحده لا يكفي، ولكنه يعد أساسا لكل عمل صالح.
ولكي تكون الوسيلة شرعية لابد أن توافق الشرع وضوابطه، فالدعاء مطلوب ومرغوب فيه، وقد نصت على هذا نصوص الكتاب والسنة، ومن أراد أن يكون دعاؤه أقرب إلى الاستجابة، فعليه أن يلتزم ببعض الشروط والآداب كترك المذكرات وفعل الواجبات والدعاء بغير الإثم، والطهارة وسيلة شرعية لا يصح بدونها كثير من الأعمال كالصلاة قال الرسول عليه السلام: «لا تقبل صلاة بغير طهور»(10) وفي القرآن الكريم: «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون». (سورة المائدة، الآية 6) فنحن مأمورون بالطهارة ولكن لنحقق بها المراد لابد أن تكون كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله.
ونصب الولاة والقضاة وسائر المسؤولين وسيلة إلى توفير حراسة الدين والدنيا، فإذا تم باجتهاد شرعي حمل إلى المسؤولية من يستحقها ووضع الشخص في مكانه المناسب… فيكون ذلك معينا على تحقيق المصالح، فإن ذلك يجلب للمجتمع الفساد، لأن غير الصالحين يجعلون وظائفهم وسائل للثراء غير المشروع، فيقبلون الرشوة ويظلمون الناس… فيقع بسبب تصرفاتهم فساد.
ودفاع طبقة من طبقات المجتمع عن حقوقها وسيلة، ولكي تكون شرعية محققة للمصلحة لابد أن تستعمل في نطاق الإحساس بضرورة التضامن مع الطبقات الأخرى، ومراعاة حقوقها، وإلا كان في استعمالها مصلحة للطبقة المدافعة عن حقوقها ومفسدة كبيرة لغيرها.
والوسائل الطبيعية الموجودة في البيئة من هواء وماء ونبات ونحو ذلك، حين تستعمل بحسب الحاجة وفي نطاق الاعتدال تكون محققة للمصالح، وحين تستعمل بشكل جائر يقع الفساد والخلل وتفقد البيئة توازنها، كما هو واقع اليوم، فقد تزايدت الضغوط على البيئة نتيجة التغييرات الصناعية الكبرى التي حدثت، وظهرت مشكلة التلوث الذي أصبح يتسرب إلى الهواء الذي نستشفه والماء الذي نشربه والطعام الذي نأكله، والأصوات التي نسمعها… وتغير المناخ وانحسرت الغايات في بعض المناطق وانقرضت بعض الحيوانات البرية والبحرية، وزحفت الصحاري وأصبحت التربة تتعرض للانجراف الشديد، إلى غير ذلك مما نشاهده، ونحس به أو نقرأه أو نسمعه.
ووسائل الاتصال الحديثة من إذاعة وتلفزة وغيرها في العالم الإسلامي، تستطيع أن تجلب المنافع للناس، وتخدمهم في مجالات حياتهم المختلفة من دون أن تسقط في أحضان الرذيلة إذا هي التزمت بقواعد الشريعة وضوابطها، وقدمت مادة إعلامية تساعد تحقيق الأهداف الآتية:
1- الدعوة إلى الإسلام ونشره في سائر بقاع العالم والتعريف به.
2- التوعية الشاملة للجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من منظور إسلامي.
3- بث برامج تعالج مشاكل المسلمين الجديدة، وتقدم الحلول لها في ضوء مقاصد الشريعة.
4- ترقية الجوانب الجمالية لدى أفراد المسلمين في حدود الأحكام الشرعية.
5- الوقوف على أحوال المسلمين في العالم، والعمل في سبيل توحيد الأمة.
6- نشر الوعي الصحي وإيضاح ما للإسلام في هذا الجانب.
7- الرد على الذين يسيئون إلى الإسلام والمسلمين.(11)
إن الوسائل في ظل الإسلام حين تستعمل في أي مجال، ولأي غرض، لابد أن نعمل من أجل اجتناب الحرام في استعمالها، فهي بالنسبة للمقاصد تأتي في درجة ثابتة، ولكن مع ذلك، فإنها مراعاة.والمجتمعات الإسلامية حين تصون الوسائل وتستعملها للأغراض الشرعية، تستطيع أن تؤدي حقوق الله وحقوق العباد في هذه الحياة، فتتحقق لها الكفاية الروحية والمادية، وتفوز بسعادة الدارين إن شاء الله.

1) صحيح البخاري 3 - 183- ما جاء في الإسلام بين الناس - مطبوعات مكتبة. ومطبعة الحياة عبد السلام بن محمد بن شقرون.
2) الموافقات في أصول الأحكام للشاطبي - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده 2 : 28.
3) الموافقات 2: 16 – 26
4) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2: 52 دار إحياء التراث العربي بيروت.
5) التوسل: أنواعه وأحكامه - محمد ناصر الدين الألباني - المكتب الإسلامي 16.
6) المرجع نفسه: 17.
7) صحيح البخاري 1 : 17 كتاب الإيمان.
8) المحرر الوجيز لابن عية 1: 312 - تحقيق المجلس العلمي بفاس - البحر المحيط 1: 338 - 339 مكتبة ومطابع النصر - الرياض السعودية.
9) مسند الإمام أحمد 6 - 209 المكتب الإسلامي للطباعة والنشر - بيروت.
10) صحيح مسلم يشرح النووي 3 - 102 - دار الفكر - بيروت لبنان.
11) هذه الأهداف السبعة مأخوذة بتصرف من «وسائل الاتصال الحديثة، وأثرها على المجتمعات الإسلامية» - منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو - 1417هـ - 1996م - ص 18 - 19.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here