islamaumaroc

أثر البحوث الاستشراقية في الدراسات الإسلامية

  محمد فاروق النبهان

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

من الصعب علينا أن نغفل الآثار المباشرة وغير المباشرة للمناهج الاستشراقية في الدراسات الإسلامية، سواء في مجال التحقيق العلمي للنصوص، ونشر المصنفات التراثية في مختلف العلوم الإسلامية، أو في مجال التأليف المعجمي والموسوعي، وبخاصة في الدراسات القرآنية والحديثية والدراسات اللغوية.ومن الطبيعي أن تختلف نظرة المستشرقين عن نظرة العلماء المسلمين نظرا لاختلاف المنهج المعتمد في الدراسة، واختلاف الأهداف والغايات والمنطلقات. وهذا الاختلاف أمر حتمي، لأن الاستشراق كظاهرة ثقافية نمت في ظل ظروف تاريخية، كان الصدام قويا وعنيفا بين ثقافتين، تشكل كل منهما كيانا متميزا، وكان الاستشراق وليد ذلك الصدام، لمعرفة الغرب بحقائق الإسلام ومكوناته، فالإسلام كان ذلك الآخر الذي أراد الغرب أن يكشفه، لا رغبة في المعرفة العلمية المجردة، وإنما لكي تكون المعرفة أداة للتعامل معه بطريقة ميسرة وهادفة.
ولم يستطع الاستشراق أن يتعامل مع الثقافة الإسلامية من منطلق موضوعي، كما تعامل مع الثقافات الشرقية الأخرى لوجود موروث تاريخي في الوعي الذاتي للشخصية الغربية التي تنظر للإسلام بنظرة متعالية، ابتدأت منذ ذلك الصدام القوي بين الإسلام والغرب على امتداد تاريخ طويل، في معاقل الثقافة الغربية، وأدت فيما بعد إلى حروب صليبية ما زالت حتى اليوم تلهب المشاعر بعواطف الكراهية.
والمستشرق كما جاء في «قاموس اكسفورد الجديد» هو «من تبحر في لغات الشرق وآدابه»، وأطلقت على من تخصص في فقه اللغات الشرقية، وكانت غاية الاستشراق في البداية محاولة استكشاف ذلك الآخر، والآخر بالنسبة للغرب هو الشرق، بكل ثقافاته، ولغاته، وتقاليده، وتراثه، وعقائده، وبدأ الاستشراق كحركة ثقافية ذات طبيعة استكشافية لمعرفة الغرب بالشرق، وركز الاستشراق اهتمامه بالمنطقة الجغرافية التي تمثل العالم الإسلامي، وأخذ ذلك الموروث التاريخي يستيقظ وينمو في أعماق الشخصية الغربية، وبخاصة بعد أن أصبح العالم الإسلامي مثقلا بتخلفه الحضاري، وتراجعه الثقافي، وبعد أن كان الاستشراق يتطلع إلى معرفة علوم الشرق وثقافته، أخذ يتطلع إلى نوع من الوصاية على الشرق وبخاصة الشرق الذي يمثل العالم الإسلامي.
وكان يمكن للاستشراق أن يكون أداة للتقارب والتعايش، ومنبرا للتصالح والتساكن بين حضارتين و ثقافتين محكوم عليهما بالتعايش، وبخاصة في الحوض المتوسطي الذي مازال عنوانا للتقارب بين الشرق والغرب، ولكن الاستشراق اندفع بقوة نحو سياسة المواجهة. واختلطت الثقافة بالسياسة، وتداخلت الدوافع والأهداف.
وهذا ما أكده الدكتور «إدوارد سعيد» في كتابه «الاستشراق» وقال فيه: بأن الاستشراق ليس مجرد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبية في الثقافة والبحث، وليس مجموعة من النصوص حول الشرق، وإنما هو سلطة كاملة من المصالح التي لا يقوم الاستشراق بخلقها فقط، بل بالمحافظة عليها بوسائل الاستكشاف البحثي، والاستنباء اللغوي، والتحليل النفسي(1).
وكانت كلمة «الاستعراب» شائعة قبل ذلك، وتطلق لفظة المستعرب على غير العربي الذي يعيش في ظل دولة عربية وإسلامية، ويعلن ولاءه لحكمها، واعتزازه بثقافتها وتراثها، وربما كانت هذه اللفظة تطلق على المسيحيين غير العرب الذين سكنوا الأندلس، ثم ظهرت لفظة المستشرق في أحضان الكنيسة، عندما اتجه بعض رجال الكنيسة إلى الأندلس لدراسة الفلسفة على يد العلماء المسلمين، ومن أبرز هؤلاء البابا «سلفستر الثاني» الذي كان يحرص على دراسة الكتب المترجمة من العربية إلى اللاتينية في قرطبة.
وبعد هذه الفترة، اتجهت الدراسات الاستشراقية تحت تأثير العاطفة المسيحية المعادية للإسلام، وبخاصة بعد سقوط الأندلس، وما أعقب ذلك من اضطهاد المسلمين، الذين كانوا يعيشون في المدن الأندلسية، وتهجيرهم بالقوة إلى الضفة المغربية، وتسميتهم بلفظة «الموريسكيين» تحقيرا لهم، وإذلالا لمشاعرهم.
وبعد هذه الفترة أخذت الدراسات الاستشراقية تنمو وتتسع، وأنشئت مدارس للاستشراق، وكراسي علمية لدراسة اللغة العربية والتراث الإسلامي، واهتم المستشرقون بتحقيق التراث العربي والإسلامي، ونشروا المخطوطات النادرة، واهتموا بالديانات والعقائد والطوائف، واكتشفوا الكثير من أمهات الكتب الإسلامية، ويجب أن تعترف بأن المستشرقين خدموا التراث الإسلامي خدمة كبيرة، ووضعوا الفهارس القيمة والمفيدة، لما يوجد في المكتبات من مخطوطات وكنوز تراثية، وأصدروا المجلات العلمية المتخصصة التي أصبحت فيما بعد من المصادر المعتمدة التي يحتج بها في مجال التحقيق العلمي.
وقد اختصت كل مدرسة من مدارس الاستشراق الغربي بخصوصياتها ومناهجها، وأخذت تتنافس في ميدان البحث و التحقيق.
ومن الطبيعي أنه يمكن تقسيم مدارس الاستشراق بحسب الغاية المرجوة من ذلك التقسيم.فهناك التقسيم الجغرافي الذي يعتمد على الانتماء الجغرافي، كالمدرسة الفرنسية، والمدرسة الإنجليزية، والمدرسة الألمانية، والمدرسة الإسبانية.
وهناك التقسيم الموضوعي بحسب التخصص: فهناك من تخصص في اللغات والآداب، ومن تخصص في التصوف الإسلامي، وهناك من تخصص في القرآن والحديث، أو  في الفقه وتاريخه ونشأته، وهناك من تخصص في الفقه المالكي.
ويمكننا أيضا تقسيم المستشرقين بحسب طبيعة مواقفهم الفكرية، إلى من هو متعصب في مواقفه. حاقد في تكوينه، متحامل في آرائه، وإلى من هو موضوعي في  آرائه، ومنصف في مواقفه، يحرص على إبراز الحقائق العلمية بكل موضوعية.
ومع هذا، فإن منطلقات البحث في الدراسات الاستشراقية لا تخلو من وجود أخطاء منهجية تتمثل في عاملين:
العامل الأول: جهل كثير من المستشرقين بحقائق الإسلام… وهذا الجهل قد أدى بهم إلى كثير من الأخطاء في استنتاجاتهم العلمية.
العامل الثاني: الحكم المسبق على الإسلام، وإنكار كثير من المسلمات التي يرتكز عليها الفكر الإسلامي، وبخاصة فيما يتعلق بالوحي والقرآن والسنة والعقيدة.
ومن المستشرقين الذين اشتهروا بالدقة والعمق والقدرة على التحليل والاستنتاج.
1ـ المستشرق «ماسينبون» المتوفى عام 1962م، وكان من أبرز مستشرقي المدرسة الفرنسية التي اشتهرت بدقة دراساتها، وعمق بحوثها.(2) ولعل هذه المدرسة من أقدم المدارس نظرا لعلاقات فرنسا بالبلاد العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وأنشئت كراسي علمية في المعاهد والجامعات الفرنسية لدراسة اللغة العربية، والحضارة الإسلامية، وهناك عدد ممن اشتهر في هذه المدرسة من أمثال "بلاشير" و"شارل بيلا" و"جاك بيرك" و"بوسكه" الذي اهتم بدراسة الفقه الإسلامي.
2- المستشرق الإنجليزي «أرثر جون أربري» المتوفى سنة 1969م، وقد تأثر بأستاذه «نيكلسون»، وعاش فترة بالقاهرة، وتعلم العربية، واهتم بإعداد فهارس للمخطوطات العربية بجامعة «كمبرردج»، وترجم القرآن، وتعتبر ترجمته أقرب للتفسير لاهتمامه بالمعاني، وهناك «هاملتون جيب» الذي اشتهر بتعصبه  وأحكامه المسبقة ضد الإسلام، و"نيكلسون" الذي اهتم بالتصوف العلمي، و"توماس زرنولد" الذي كان معجبا بالإسلام، واهتم بدراسة الحديث والسيرة النبوية، وهؤلاء هم أبرز مستشرقي المدرسة الإنكليزية.(3)
3- المستشرق «كارل بروكلمان» المتوفى سنة 1956م، وكان من أشهر مستشرقي المدرسة الألمانية التي عرفت بالجدية والعمق والموضوعية، وبالرغم من أنها بدأت متأخرة إلا أنها استطاعت أن تأخذ موقعها في صدارة المدارس الاستشراقية، وصدرت عدة مجلات عن المؤسسات الاستشراقية الألمانية، من أبرزها مجلة «عالم الإسلام» ومجلة «الإسلام»، التي اهتمت بالتراث الإسلامي.(4)
واشتهر «بروكلمان» بعد إصدار كتابه القيم «تاريخ الأدب العربي» الذي ترجم فيه للمؤلفين وللعلماء العرب، وعرف بمصنفاتهم، وذكر أوصافها، ومكان طبعها، ومكان وجودها.
واهتم المستشرق الألماني «جوزيف شاخت» المتوفى سنة 1969م بدراسة الفقه الإسلامي، ونشر عدة كتب فقهية من أبرزها كتاب «الحيل والمخارج» للخصاف، وكتاب «الحيل في الفقه» للفزويني، وكتاب «اختلاف «الفقهاء» للطبري.
ومن أهم آثاره كتابه «بداية الفقه الإسلامي» الذي درس فيه المذهب الشافعي من خلال كتاب «الرسالة»… وله كتاب آخر بعنوان: «المدخل للفقه الإسلامي» واشتهرت كتاباته بالدقة، وعمق المعرفة، وسعة الاطلاع.(5)
ووصف الدكتور عبد الرحمان بدوي المستشرق شاخت بقوله:
«كان «شاخت» حريصا على الدقة العلمية في عرض المذاهب الفقهية، وفي دراسة أمور الفقه، مبتعدا عن النظريات العامة والآراء الافتراضية التي أولع بها «جولد زيهر»(6) واهتم المستشرق الألماني «نولد كه» بتاريخ النص القرآني، وألف فيه.

موقف الاستشراق من الإسلام:
برزت أخطاء المستشرقين واضحة وعميقة في مجال الدراسات الإسلامية، وبخاصة عند دراستهم للنص القرآني، من حيث التوثيق، أو عند دراستهم للمعايير النقدية للسنة النبوية، وقواعد الرواية، ومناهج الجرح والتعديل، كما وقعوا في أخطاء جسيمة عند دراستهم للمعايير النقدية للسنة النبوية، وقواعد الرواية، ومناهج الجرح والتعديل، كما وقعوا في أخطاء جسيمة عند دراستهم للعقيدة الإسلامية، أو لتاريخ الفقه الإسلامي.
وسبب تلك الأخطاء هو الموقف الاستشراقي العام من الإسلام والوحي والقرآن والرسالة، فالإسلام في نظرهم ظاهرة بشربة، ويخضع تاريخه ومفاهيمه وتراثه لما تخضع له الظواهر البشرية، من حاجتها لمناهج نقدية تتحكم فيها الرؤية الغربية الرافضة لظاهرة الوحي، والمشككة في الثوابت الإسلامية.ومن اليسير علينا أن نعرف طبيعة الموقف الاستشراقي من خلال تتبعنا الموضوعي لما كتبه المستشرقون عن شخصية الرسول سلى الله عليه وسلم، ومعظم كتاباتهم لم تستطع فهم حقيقة النبوة كرسالة إلهية، داعية البشر إلى تصحيح علاقاتهم بالكون والحياة والمجتمع، وتتمثل شخصية محمد في نظرهم في بروز الخصائص الإنسانية الفاسدة والفروق الاجتماعية ومناصرة الفقراء والمستضعفين.
فالمستشرق الألماني "هويرت جريمي" يرى أن محمدا لم يكن يبشر بدين جديد، و إنما كان يدعو إلى نوع من الاشتراكية، ولم تظهر دعوته كعقيدة دينية، بل كمحاولة للإصلاح الاجتماعي، وقد استخدم فكرة الحساب كنوع من الضغط المعنوي لتأكيد دعوته.
والمستشرق الإنجليزي «جيب» في كتابه «المذهب المحمدي» يرى أن محمدا ككل شخصية مبدعية، قد تأثر بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به.وفسر المستشرق «درمنجيم» الوعي بأن ليالي صيف الصحراء الباردة تشعر الإنسان بأنه يسمع بصيص ضوئها. وكأنه نغم نار هادئة، يتجلى في قلب مؤمن.
وذهب «جوستاف لوبرن» إلى أن مؤسسي الديانات ليسوا من أهل المزاج البارد، وإنما هم من أهل المزاج المتطلع إلى التغيير.(7)
ويعتبر المستشرق المجري «جولد زيهر»(8) من أبرز المستشرقين الذين تخصصوا في الدراسات الإسلامية. وكتبوا في العقيدة والشريعة، وفي علوم التفسير والحديث والتصوف، ويعتمد منهجه على الاستدلال، ومحاولة جمع النصوص والمقولات، ثم استنتاج ما يراه ملائما لها مما يوحي به النص الذي يستند عليه، وقد اشتهر بقدرته الكبيرة، في مجال المقارنات واستحضار المعاني المستفادة من النصوص، وهذه المنهجية مكنته من تفسير المواقف الدينية والاختلافات المذهبية بطريقة ملائمة لما يريده.
ويعتبر كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام»(9) من أبرز آثاره. وتناول فيه أهم القضايا التي تبحث عن نشأة الإسلام، وتطور الفقه، ونمو العقيدة وتطورها، والزهد والتصوف، والفرق الإسلامية، والحركات الدينية.
ويرى «جولد زيهر» أن الإسلام عند اكتمال نموه تظهر فيه ملامح المؤثرات الخارجية، والتيارات الدينية والعوامل الروحية التي وردت عليه من الخارج.
وأضافت إليه ثروة جديدة جعلته خصبا في فكره وشموليته.(10) وأن فقهه تظهر فيه آثار القانون الروماني، وتصوفه هو خليط من التيارات الهندية والأفلاطونية الجديدة.
أما نظامه السياسي -كما ظهر في عصور الخلفاء- فقد تأثر بالنظريات السياسية الفارسية.(11)
ثم يؤكد بعد ذلك أن محمدا لم يبشر بجديد في ميدان الفكر، ولم يأت بجديد فيما يتصل بعلاقة الإنسان بما فوق حسه وشعوره، وأن آراءه ليست إلا مزيجا منتخبا من معارف وآراء دينية، عرفها واستقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والنصرانية، التي تأثر بها ثائرا وصل إلى أعماق نفسه»(12)
ومما ذكرناه نلاحظ أن «جولد زيهر» استخدم المنهج العلمي للاستدلال على صفحة أفكاره المسبقة عن الإسلام، ولم يكن منصفا أو موضوعيا في مواقفه، واعتمد على روايات شاذة لتأكيد تلك المواقف التي نلاحظ فيها وضوح محاولته إنكار فكرة الوحي، والتقليل من أهمية العلوم الإسلامية، وإبراز المؤثرات الخارجية في الفكر الإسلامي، وهو فيما ذهب إليه، لم يأت بجديد، ووقع في أخطاء منهجية جسيمة، لأنه أراد التقليل من أهمية استقلالية العلوم الإسلامية.
ومن أبرز أخطاء الدراسات والاستشراقية أنها انطلقت من منطلق إلغاء الخصوصيات الإسلامية، وأخضعت المسلمات الإسلامية لمنهج التحليل النقدي المتحيز والمتعصب، ولذلك جاءت معظم هذه الدراسات بعيدة عن الحقيقة العلمية، ومناقضة لمناهج البحث الموضوعي.
ويكفي للتأكيد على هذه الحقيقة في معظم الدراسات الاستشراقية في مجال الدراسات القرآنية تلغي الجانب الإلهي في القرآن، وتعتمد على الروايات التي تشكك في جمعه ونسخه وكتابته وقراءته.وفي مجال السنة ألقوا ظلالا من الشك في موضوع الأسانيد، وتناولوا فكرة التدوين.
وشكك المستشرق «شاخت» في مدى الارتباط بين النص والفقه، وأعتبر أن المدارس الفقهية الأولى ليست لها علاقة بالقرآن والسنة، وأن الخلفاء هم الذين قاموا بمهمة التشريع… واستدل على ذلك بنمو المدرسة الفقهية في العراق في طلب انتشار ظاهرة الوضع في الحديث.(13)
وإذا كانت الدراسات الاستشراقية في مجال الدراسات الإسلامية قد أثارت مشاعر الشك والريبة في نفوس الباحثين المسلمين، لأنها صدمتهم لابتعادها عن الحقائق العلمية في معظم مواقفها، فإنها في نفس الوقت، استطاعت أن تثير الهمم للبحث والدراسة، لمناقشة تلك الآراء والرد عليها، وهذه الحركة العلمية غنت الدراسات الإسلامية بشكل عام، وأسهمت في تطوير مناهج البحث، وساعدت على معرفة الكثير مما كان مجهولا من كتب التراث، وأوجدت حركة علمية جادة في مجال التحقيق العلمي. وبفضل هذا التلاقح والتلاقي نشطت حركة التحقيق، وتنافس الباحثون في البحث عن كتب التراث والمخطوطات المخبوءة في الخزانات القديمة.(14) وازدهرت الكتابات المنهجية التي تناولت أصول نقد النصوص ونشر الكتب.(15) وكتب المستشرقون عن هذا الفن، وأشاد الباحثون بمنهجية الاستشراق في هذا الفن، وبدقتهم وبتحريهم وبأسلوبهم التحليلي، كما ازدهرت بفضل جهود المستشرقين المصنفات الموسوعية والمعجمية التي استطاعت أن تيسر عملية البحث، وتساعد على معرفة الحقائق المتعلقة بالتراث الإسلامي، وازدهرت بفضل جهود المستشرقين حركة التأليف في إعداد المعاجم المفهرسة للأحاديث النبوية والمعاجم اللغوية.
ومن أبرز هذه المعاجم كتاب «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث عن الكتب الستة»، والذي أعده المستشرق الهولندي «فيسينك» ثم تابع زملاءه هذا العمل بعد وفاته، ومنهم «شارل بيلا» و»جوزيف شاخت» ووضعوا تعديلات للأعلام والأماكن والاستشهادات القرآنية، واستمر العمل به لمدة طويلة.ومما ذكرناه، يتضح لنا أن الفكر الاستشراقي أسهم في إغناء الدراسات الإسلامية، وبخاصة في مجال  التحقيق العلمي، وفي مجال التراث الإسلامي، وساعد عن خدمة الدراسات الإسلامية في مجال المناهج المعتمدة في البحث والتأليف والتصنيف، واكتشف الكثير من المخطوطات القيمة ووجه عنايته للتعريف بها ونشرها، وهذه آثار لا يمكن التقليل من أهميتها.
إلا أنه يجب التأكيد على خطورة ما تضمنته معظم الدراسات الاستشراقية من أفكار وآراء، وما تسرب من هذه الأفكار إلى عدد من الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية، من التشكيك في بعض الثوابت والمسلمات، مما ظهر أثره لدى بعض الباحثين المعاصرين.
ويجب أن تشجع منابر الحوار العلمي في المؤسسات العلمية، ولا خطورة من حرية الرأي، وحق الاختلاف معترف به لكل باحث، ومن حق الفكر الاستشراقي أن يسهم في إغناء الدراسات الإسلامية،  إلا أنه يجب ألا تعتبر الدراسات الاستشراقية وصية على فكرنا الإسلامي، تعبث به كما تريد، وتتحكم في توجيهه تحت مظلة البحث العلمي، وقد استطاع الباحثون المسلمون التصدي بكل موضوعية للشبهات التي أثارها المستشرقون، وأكدوا بذلك أصالة علمائنا في مجال البحث والدراسة والتحقيق، لكي تظل المدرسة العلمية الإسلامية هي الركن الأهم في مجال الدراسات والبحوث الإسلامية.

1) انظر كتابه «الاستشراق» ص: 46
2) انظر «المستشرقون» للدكتور عبد الرحمان بدوي/ ج: 1 - ص: 264.
3) انظر «المستشرقون» للدكتور عبد الرحمان بدوي/ ج: 2 - ص: 118.
4) انظر «موسوعة المستشرقين» للدكتور عبد الرحمان بدوي/ ص: 57
5) انظر «موسوعة المستشرقين» ص: 254
6) انظر «موسوعة المستشرقين» ص: 255.
7) انظر «القرآن والمستشرقون» للدكتور التعامي النقرة/ ص: 27، بحث منشور ضمن بحوث في كتاب «مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية» الجزء الأول - نشرته "المنظمة المغربية للتربية والثقافة والعلوم "، و"مكتب التربية لدول الخليج".
8) ولد سنة 1830م، وتوفي سنة 1921م بمدينة بودابست. وينتمي لأسرة يهودية ذات مكانة، ودرس الاستشراق على يد المستشرق «فليشر» وتابع بعض دروسه في الأزهر، وأصبح أستاذا للغات الشرقية بجامعة المجر.
9) ترجمة الدكتور محمد يوسف موسى، والدكتور علي حسن عبد القادر، والدكتور عبد العزيز عبد الحق، ونشرته دار الكتب الحديثة بمصر… وله كتب أخرى أهمها كتاب «مذاهب المسلمين في تفسير القرآن»، ونشر جزءا من كتاب «فصائح الباطنية» و»كتب» عن أخوان الصفا.
10) انظر «العقيدة والشريعة في الإسلام» ص: 10.
11) انظر/ نفس المصدر: ص 11.
12) انظر نفس المصدر: ص: 12 – 13.
13) انظر «نشأة الكتابة الفقهية في الإسلام» للدكتور محمد الأعظمي - مجلة دراسات كلية التربية بجامعة الرياض - العدد الثاني/ ص: 13 – 14.
14) انظر «فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر» ص 558 – 567.
15) ألف المستشرق الألماني «برجستراسير» كتابه حول نقد النصوص ونشر الكتب، وهو مجموعة محاضرات ألقيت على طلاب كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1931، ونشر المستشرق الفرنسي «بلاشير» المتوفى سنة 1973 كتابه بالفرنسية «قواعد نشر النصوص وترجمتها»، وأهمها معرفة الفن، والمصطلحات والمادة العلمية، والإلمام بأسلوب المحدثين والفقهاء… وألف الدكتور عبد السلام هارون كتابا في «فقه تحقيق النصوص».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here