islamaumaroc

المذهبية الحسنية أصالة ومعاصرة واستكمال لدولة الحق والقانون.

  إدريس العلوي العبدلاوي

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

إذا كان التقارب بين الشعوب هو الوسيلة الوحيدة لبقائها واستمرار حياتها، فإن هذا التقارب في الشكل الحديث للمجتمع الدولي لم يعد الآن غاية لذاته، وإنما أصبح وسيلة للتعاون على تحقيق الخير للإنسانية، وهذا يؤكد بأن حاجة الشعوب إلى بعضها البعض ضرورة حتمية لاستمرار بقائها في الحياة، وبأنه لا يمكن لأي دنلة أن تعيش بمعزل عن الدول الأخرى، بل هي فلي حاجة دائمة إلى الاتصال بكل أعضاء الأسرة الدولية لكي يكتب لها الوجود والتطور من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفنية والثقافية والسياسية.
من أجل هذا كان التعاون من أ هم المبادئ الأخلاقية على أساس أنه من ركائز استمرار الحياة الإنسانية وتحقيق الخيرات لكل الشعوب.
والإنسان اجتماعي بطبعه، عاجز بمفرده، مستطيع بغيره، والدولة بين جماعة الدول، كالفرد بين باقي أبناء جنسه، فكما أن الإنسان في حاجة دائما إلى التعاون مع أخيه الإنسان حتى تسهل عليه سبل المعيشة، كذلك الدولة لا يمكن أن تبقى في عزلة تامة عن زميلاتها الدول الأخرى، إذ قد يتوافر لديها من الحاجيات أكثر مما يلزمها في حين تنقصها بعض الحاجيات الأخرى مما هو متوافر لدى غيرها، فتجد نفسها مدفوعة بحاجة التبادل والتعاون إلى الدخول في علاقات مع الدول الأخرى.
لأجل ذلك فإن اتصال الدول وتعاونها فيما بينها أصبح من الأمور الضرورية لحياتها وحياة أفرادها. فالطبيعة لم توزع بالتساوي هباتها على الدول، ومنتجات الأرض تختلف تبعا للمناطق والطقس والتكوين الجيولوجي وغيرها من العوامل. وقلما يتوفر لدى دولة كل ما يلزم لسد حاجات أفرادها المتنوعة، فضلا عن أن هذه الحاجات في ازدياد مطرد، متمشية في ذلك مع التطور والتقدم المستمر.
على أن التعاون والتبادل بين الدول لا تقتصر ضرورته على الناحية الاقتصادية. بل تمتد إلى مختلف النواحي الأخرى من علمية وفنية وروحانية، فالبعض ينتفع من اكتشافات واختراعات البعض الآخر، وللتقدم الأدبي والفكري في بلد ما تأثير على الحياة الفكرية في البلاد الأخرى، وكلما خطا شعب خطوة إلى الأمام كلما زادت حاجته إلى التعاون مع  الشعوب الأخرى. فكثير من الاختراعات الحديثة لا يمكن استخدامها على الوجه الأكمل إلا في محيط دولي واسع.
فضرورة التعاون بين الدول تؤدي بها إلى العمل على قيام علاقات منتظمة بينها. وإيجاد ما يكفل توثيقها. والغاية منذ لك تيسير سبل الحياة للأفراد، وضمان رفاهيتهم بمعاونتهم على الحصول على جميع حاجاته من مادية وأدبية وروحانية، على اعتبارهم جميعا أعضاء في المجتمع الإنساني، أيا كانت جنسيتهم أو ملتهم أو عنصرهم.
إن حدة التمسك بالسلطان والسيادة المطلقة من جانب الدول بدأت تتخف شيئا فشيئا، بشعور زيادة الحاجة للتعاون والتضامن فيما بينها، وسوف يأتي اليوم الذي تشعر فيه الدول شعور اليقين بأن عالم اليوم عالم يجب أن تختفي فيه الحدود، لتتعايش فيه الشعوب.
إن العولمة تنزع بالإنسان نحو الكمال الذاتي، كما أنها تتوخى غاية نفعية، هي إقامة النظام في المجتمع العالمي، والمحافظة على كيانه، وكفالة تقدمه وارتقائه وازدهاره. والاستفادة من الخيرات والعطاءات، كما أنها تتوخى غاية مثالية هي السمو بالإنسان والنزوع به الكمال.
إن الناس تستوي في الحقوق، وتستوي في الإنسانية، لكنها تتفاضل في الطاقات والملكات، وبذلك تتوازن الحقوق والواجبات، وعلاقات الفرد بالجماعة، وعلاقات الدول بعضها ببعض، يجب أن لا يكون هناك تطرف نحو الفردية، ولا تطرف نحو الجماعية، ولا تطرف في التسلطية الشمولية، والإنسانية العالمية تعين الناس على التواصل وعلى التعاون في أقسام الخيرات والطيبات حتى يكون العالم كله سوقا للعمل، وسوقا للإنتاج، ومجالا للتبادل والتداول، ولا تقوم حواجز ظالمة بين منتج وآخر مستهلك، أو بين منتج في سلعة لقطر وبين منتج لسلعة أخرى في قطر آخر، كما يجب أن لا نكون هناك حواجز ظالمة أمام اليد العاملة وقصرها على فئة دون أخرى، وإنما يكون التعاون والتآزر في تلك القرية العالمية التي نعيشها في زماننا.
إن هناك علاقة بين الأرض والسماء، من حيث تلاؤم الإنسان مع البيئة واستطاعته التكيف معها، ومن حيث تصوير الإنسان في أحسن صورة ورزقه من الطيبات، كل هذا التكامل والاكتمال والتفاعل، والتبادل والتأثير يجعل الإنسان قادرا على إثبات وظيفته وخلافته وعمارة الأرض، وأن يتعامل مع ذلك الكون الفسيح الواسع الرحب، ليتنقل في هذا العالم، فالإنسان مخلوق ليكون عالميا، وليكون متنقلا في أرجاء الأرض، ليس مقصورا على مكان هو مسقط رأسه، ولا متحركا في نطاق محدود، وإنما تحمله أجواء الماء وأجواء الفضاء وأرجاء البر إلى كل العوالم التي يستطيع أن يكتشفها تسبيحا بحمد الله وفضله في الآفاق.
وإذا انطلقنا من سنة التداول الربانية، أو نظرنا إلى الحضارات في تفاعلها وتبادل التأثر والتأثير، فإن القواسم المشتركة تدفع إلى ضرورة توظيف إيجابيات الماضي لتصفية الأجواء في الحاضر، والاتجاه إلى البناء الإنساني في المستقبل.
إذا كان من شأن سياسة الانفتاح الاقتصادي إتاحة الفرصة أمام رؤوس الأموال والأجنبية لاستثمارها في المشروعات الاقتصادية والاستفادة من التكنولوجيا المتطورة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، فإن الدراسات الحديثة في الاقتصاد الدولي تتخذ من نظرية السلطة المهيمنة أساسا لتفسير استقرار العلاقات الاقتصادية الدولية أو لتحليل نشوب الصراعات بين أطراف التبادل التجاري الدولي في فترات زمنية محددة.
ويتخلص مضمون هذه النظرية في أن استقرار العلاقات الاقتصادية الدولية يستلزم وجود دولة مهيمنة تسعى لإنشاء هذه العلاقات وفرض المعايير المنظمة لها وقيادتها، وذلك عن طريق التهديد أو تقديم الحوافز التجارية المختلفة أو ممارسة الإكراه في أحيان أخرى.
إن العلاقة بين هيمنة القيادة وسياسة التجارة الخارجية التي تتبعها هذه القيادة، وتؤثر بها على اتجاه هذه السياسة عالميا، تتضح من خلال استقراء تعاقب وسيطرة بعض الدول على العلاقات الاقتصادية الدولية في فترة من الفترات.
ولأجل ذلك يرى خبراء الاقتصاد الدولي أن وجود دولة مهيمنة بخلق عامل استقرار للاقتصاد الدولي، بينما يؤدي غياب مثل هذه الدولة إلى أن تعم الفوضى ويسود النزاع في هذا الاقتصاد.إن الدعوة إلى حرية التجارة الدولية كسلعة عامة أو جماعية شكلت اتجاها تاريخيا عاما في السياسات التجارية للدول المهيمنة، ومع ذلك فإن هذه الدعوة كانت مشروطة بتحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية لهذه الدول.
إن التساؤل يثور حول حقيقة العلاقة بين الهيمنة الاقتصادية وسياسة التجارة الدولية للدولة المهيمنة، وعما إذا كان يمكن استخلاص اتجاه تاريخي محدد لهذه العلاقة وتعميمه على الوضع المعاصر.لقد تركت الظواهر الاقتصادية بصماتها على النظام القانوني، والقانون فن وعلم، فهو فن له وسائله المتميزة لتحقيق أغراضه، وهو علم يتناول بحث الظواهر الإنسانية التي تحدثها الإرادة البشرية.
إن النظم القانونية الجديدة التي ابتدعت استجابة لحاجات المجتمع الصناعي استهدفت تنظيم علاقات متميزة في أشخاصها وفي أهدافها.
لقد أفادت الملاحظة الواقعية عدم فاعلية التنظيمات القانونية التقليدية في احتواء المشاكل الاقتصادية الطارئة، ولقد ظهرت علمية جديدة تنبئ عن زوال سيطرة المعطيات القانونية التنفيذية على تحليل الظواهر الاقتصادية، وتعتمد على أفكار تبدو غريبة على المسلمات التقليدية، ولذلك قيل عندما لوحظ اعتماد الحلول القانونية على فكرة الملاءمة الاقتصادية أكثر من اعتمادها على نصوص جامدة إننا نعاصر ممارسة القانون من خلال أفكار غير قانونية.
إن من ملامح هذا التوجه العام ذوبان القومية الوطنية في أشكال من الشراكة والتكتلات، وسقوط ما يسمى بالحواجز القائمة على التمييز العرقي أو الديني.
يجب أن لا تتخذ القوة الاقتصادية أداة لنهب الخيرات، والغزو الفكري طريقا إلى تشويه الفكر وإضعافه.
إن الإنسان له كيان قائم على فلسفة وعلى مجموعة من القيم وله شخصية ثابتة مبنية على نصرة كونية متكاملة، وإن من العبث السعي إلى تذويبه، لأنه لا يذوب، ويجب أن يتعامل معه كما هو إنسانا قائم الذات، حيا معبرا عن ذاته وعن وجوده، فاعلا في الحياة بأخلاقه وتقاليده وطبيعته الخاصة.إذا كانت ظروف الحياة والتعايش تظهر النزعة إلى الاندماج، فإن الاندماج الإيجابي الذي يتيح الحفاظ على الهوية، والإبقاء على الجذور متصلة بالأصول، لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توافرت الظروف وتهيأت الأسباب المساعدة على تحقيق التوازن اعتمادا على معادلات سليمة ومتكافئة، وزالت أو خفت العوائق النسبية والاجتماعية وانعكاساتها السلبية.
والهوية بالنسبة لأي فرد هي ما يكون به «هو» أي مجموع المقومات والعناصر المكونة لشخصه والمميزة لذاته، وما به يثبت وجوده ويؤكد حضوره في مجتمعه الصغير والكبير، وما به كذلك يوجه أفعاله وانفعالاته، ويضبط علاقاته الخاصة والعامة، وبذلك كانت الهوية بمفهومها العام هي ما يكون به الشيء متميزا عن غيره من حيث خصائصه الذاتية ومن حيث تفرده واستقلاليته عن غيره.
إن الهوية تعتبر بمثابة الرحم الحنون، وهي تشكل انطلاقا من نوازع الفرد، وما يتمتع به من طاقات وقدرات، وما يكتب من معارف وتجارب، تجعله ينصهر في بوثقة تلك المقومات، لينبثق منها مطبوعا بملامح وسمات، هي التي تمثل هويته، وتحدد ماله فيها من أبعاد، وما يشده من روابط، وتعطيه حقا خالصا له لا سلطان فيه لأحد عيه، إن هو في طليعة ما يعترف به للإنسان من حقوقي.إن لكل فرد هوية متميزة هي نتاج خصائصه، ولكل أمة هوية هو نتاج ما تتميز به تلك الأمة من مكونات ومقومات وخصائص.
ليس أخطر على الإنسان من غياب الرجعية أو تضاربها، لما لذلك من انعكاس سلبي على المعادلات الاجتماعية والثقافية التي تحكم علاقة الإنسان بمجتمعه من جهة، وبأصوله وجذوره من جهة أخرى، ومن شأن الفراغ في هذا المجال أن يعمق الخلل ويقوي الهزات التي يتعرض لها الفرد والمجتمع، والنتيجة الحتمية لذلك هي تعرض المجتمع للتمزق، وسريان الشك، وزعزعة القيم، والضعف العام الذي يقعد بالأمة ويحول دون تحملها مسؤوليتها النبيلة في الحياة. ويجعلها تابعة مستهلكة، مفتقرة إلى شروط الإنتاج والإبداع التي تجعلها سيدة نفسها.
إن الأمم التي تملك مكونات حقيقية لهويتها الوطنية ترفض الاستلاب وتفشل كل مخطط لإفنائها ولا تقبل بأن تفرط في ذائنيتها، وتحرص على أن تحافظ على وجودها.
إن الإنسان اليوم يريد أن يعيش عصره دون أن يفقد شخصيته، يريد التمسك بالهوية الأصلية وعدم الذوبان في الآخر.لأجل ذلك وجب بحث إمكان التوفيق بين قيم الهوية ومقتضيات مد العولمة، وإن مع شيء من التطوير الذي لا يمس جوهر تك القيم كما يجب البحث عن تموقع العولمة في الذات، وتموقع الذات في العولمة.إن ركوب قطار العولمة الجامع يستلزم تكييف هذا المد مع الواقع وترشيده، والعمل على بلورة المواثيق الدولية والتشريعات الوضعية في  الواقع.
إذا كان عالم اليوم يتسم بالسرعة والتكتلات الاقتصادية فإن نجاح العولمة رهين بالمكان الذي يعترف به في النسيج الاقتصادي، وتحقيق الرشادة الاقتصاية التي تتطلب توفير حوافز ومزايا للوحدات الاقتصادية وتقديم ضمانات حمايتها.
يجب التعامل مع العولمة كرافد من شأنه أن يغني واقع المجتمع العالمي، ويحده ويفتح معه عبر المبادئ المشتركة والقيم العريقة بآفاق التفتح والتواصل في رحاب صدر وسعة ذهن، وفي تحاور هادف لمزيد من التفاهم والتعارف، وإرادة صادقة للتعايش والتسامح.
لقد اكتملت حلقات الإصلاحات التي دشنها جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في أوجه الحياة السياسية، إن من شك أنه من الناحية القانونية المحضة يعتبر الدستور المغربي الحالي نموذجا لتوازن السلطات وتفعيل الطاقات وتمثيل المكونات المجتمعية المغربية بدسترة الجهات، وأن تكون للدستور السيادة ولأحكامه مرتبة الصدارة، وللقيم التي احتضنها الأولوية على ما عداها ليؤدي كل هذا إلى ديمقراطية أشمل بعدا وعمقا، ديمقراطية راسخة البنيان، مستقرة في وجدان الأمة كحقيقة لا تنفصل عن وجودها، تتنفسها وتعايشها، تركن إليها وتحتمي بها، تعتصم بتقاليدها وتعمل على ترسيخها.
وموازاة مع الإصلاح الدستوري انتهج المغرب الذي وضع الرهان للإقلاع الاقتصادي إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تحرير الاقتصاد، وتشجيع المبادرة الفردية الحرة وضرورة الانغمار في نسيج العلاقات الاقتصادية الدولية، ومسايرة مد العولمة، ولكن في ذات الوقت الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المغرب الاقتصادية وتوجهاته ضمانا لمكتسباته.
لقد انتصر الإنسان المعاصر على البعدين المكاني والجغرافي فتلاشت بذلك المسافات التي تفصل بين القارات والأقطار، وبقي لزاما عليه أن ينتصر على المسافات التي تفصل بين العقول والأفكار، والتي تقيم حدودا وسدودا تحول بينه وبين التفاهم والتعارف، وأن يقيم علاقات التعاون لبناء عالم جديد ينسى فيه ما سببت له هذه الحدود والسدود من جهل الإنسان للإنسان، وتجاهله لرسالته التعبيرية في الأرض، وما تبع ذلك من حرب مدمرة ومآسي تطفح كتب التاريخ بسردها، فالإنسان خلق ليكون عالميا ومتنقلا في أرجاء الأرض.
إن التعارف والتعاون بين البشرية استراتيجية تلقائية فطرية لحفظ النوع البشري والتسامي بقدراته ومواهبه، تعتمد على الحوار والتفاهم ونبذ السيطرة الفكرية والاستعلاء العرقي والتمييز اللوني.
لقد كان الإسلام وما يزال دين سلام، وأمن واستقرار، وتساكن وتعايش، وتسامح، وتوسط، واعتدال، وتعارف، وتعاون، وتكافل، وتضامن وتآخ، وهو دين إنساني عالمي، وبذلك فهو دين واسع الأكناف، قادر على استيعاب الحضارات، واحتواء الثقافات، لكونه دين الحنيفية السمحة، التي تمنحه المرونة والقدرة على التكييف مع جميع الظروف والأحوال وتجعله صالحا لكل زمان ومكان.
ولم تكتف الدعوة الإسلامية بحض المسلمين على تجنب التطرف والغلو، بل توجه القرآن بنفس الخطاب إلى أهل الكتاب مصححا تعاملهم بدينهم، فقال: «يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم».
وذلك لأن الإسلام يقف موقف الوسط في خياراته وتعاليمه وتشريعاته، سواء في الميدان الاجتماعي أو الاقتصادي، وفي ميدان المعاملات وممارسة العبادات.
لقد جاءت الشرائع السماوية الثلاثة متدرجة وفق تطور مستوى الفكر البشري لتتلاءم ومدارك الإنسان، وتساير قدراته على استيعاب مضامينها، ومن تم اختصت الوصايا العشر في اليهودية بالدعوة إلى نظام قانوني قام على وضع أحكام ردعية تنطلق أغلبها مبدأ النهي: «لا تجعل لك إلاها غيري، لا تحلف باطلا، باسم إلهك الرب، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد زورا، لا تشته بنت قريبك، لا تشته امرأة قريبك.أما المسيحية فلم تأت -كما هو معروف- بنظام قانوني، وإنما جاءت بعدد من أدبيات الرحمة أو الأخلاقيات المستمدة من الطبع السليم والفكر القويم، متمثلة في المقومات والإحسان والفضيلة، وحسن التربية والسلوك فهي قبل كل شيء رسالة تهذيب في زمن بدأ فيه الإنسان يخرج من بدائيته ليتعامل مع مفاهيم معنوية ويستكين إلى هدي القيم العليا.
ولما تأهل الفكر البشري ليرقى إلى مستوى الاستنباط الفلسفي والاستنتاج العلمي، جاء الإسلام نظاما متكاملا ومكملا لما قبله، مع ميزة خاصة هي أنه، خلافا لليهودية والمسيحية ذاتي النزعة العرقية والقومية، أتى هو نظاما عالميا شموليا جديدا متجددا.
لقد جاءت الدعوة الإسلامية في شكل نظام جديد يفوض أسس المجتمعات القائمة، يحدث بها ثورة تحريرية شملت جميع مجالات الإنسان فردا وجماعة، فكريا وسياسيا، واجتماعيا واقتصاديا، وكان منطلقه الفلسفي هو تحرير الإنسان وتكريمه.
إن البشرية مدعوة إلى لقائها على كلمة سواء، توحد أجناسها وأعرافها وقاراتها وأقطارها، وانتماءاتها الحضارية، هي التي تشكل القاسم المشترك بين وحداتها العالمية، فعلى وحدة الخالق تلتقي الأديان السماوية الموحى بها، التي جاء الإسلام مؤكدا لمبدئها هذا والناس في ظل هذا النظام وحدة متماسكة عبر العالم، مهما اختلف لونهم أو عنصرهم أو عرقهم أو ثقافتهم.
كما تلتقي الأديان على وحدة الرسالة السماوية التي جاء بها الوحي على مراحل على لسان الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته، قال تعالى «إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وآتينا داود زبورا، ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما».
وقد كانت رسالة سيدنا محمد عليه السلام آخر حلقات الرسالات وأعلاها، وذلك بحكم المكانة التي خص الله بها رسوله عليه السلام خاتما للأنبياء والمرسلين، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، قال تعالى:
«وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من الثوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد».
ومن ثم فالإسلام ليس دين طائفة أو قوم، بل هو دين البشرية جمعاء
«وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
«وما أرسلناك إلا كافلة للناس بشيرا ونذيرا».
«إن هذه أمتكم أمة واحدة»
لأجل هذا كان الحوار الإسلامي شاملا ومفتوحا متمسكا بالحكمة والرصانة، قال تعإلى:
«ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن».
وسيظل الإسلام يخاطب الأفواج المتعاقبة برسالة التوحيد دون توقف ولا انقطاع.
«ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن».
«قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني».
لقد أقر الإسلام مبدأ التساكن بين الأديان السماوية وحرم الإكراه في الدين، كما أقر الإسلام مبدأ المعايشة بين الشعوب على أساس أن يبقى المسلم شديد الاعتزاز بعقيدته ودينه، مؤتمنا على أرضه ومقدساته، متمسكا بتراثه وثقافته وقيمه.
لقد كانت الأمة الإسلامية ولا تزال هدفا لألوان من التحدي الثقافي وأنواع من الغزو الفكري، ومن المؤكد أنه لا سبيل لها إلى الصمود وتحقيق الأمن المنشود إلا بحفاظها على هويتها بما تقوم عليه من  مقومات تجمعت في تراثها الغني المشرق الذي كان عماد حضارتها الشامخة خلال عصور البناء، ولا سيما هذا التراث يتميز على تعدد لغاته، بأن الوحي أساسه ومنطلقه، وهذا ما يؤكد الاتصال المتين بين الدين والفكر في حياة الأمة، ولذلك كان عماد هويتها، وحافظ كيانها من الذوبان والانقياد.
إن الإنسان يتطلع دائما إلى احترام تلك النفس التي يقدر قيمتها، فيقدم نحوها كل ما يليق بها من احترام وتقدير، ويسعى عن طريق ضميره الذي طبع عليه بفطرته نحو الخير من أجل تأمين حياته ومعيشته، والوصول إلى أعلى درجات احترام شخصه وكيانه الإنساني، كما يجاهد بكل ما لديه من قوة في استغلال كل ما يغذي نفسه من عوامل التربية العقلية والأدبية للوصول بطبيعته الفطرية نحو الكمال ليتسع إدراكه في تحديد المفاهيم الأخلاقية والقيم الإنسانية، فيبني وجوده في الحياة بأخلاقه الشخصية، فيعاهد نفسه بأن يكون كريم الخلق في تعامله مع الآخرين، وأن يسعى الوصول إلى محبتهم، كما يعزم في قرارة ذاته نحو التطلع لتحقيق أهدافه وبناء مستقبله، والكسب المادي الذي يحقق له حياة كريمة، بالإضافة إلى اجتهاده في اكتساب احترام الآخرين في المجتمع الذي يندمج فيه ويتكيف مع أفراده للتغلب على مصاعب الحياة وتطويع ما تنتجه الطبيعة لخدمتهم، والقانون في تنظيمه للروابط الاجتماعية إنما يتوخى غاية نفعية هي إقامة النظام واستقراره في المجتمع، لأجل ذلك كانت وظيفة القانون ضبط السلوك الإنساني المعبر عن الضمير الأخلاقي.
إذا كان الإنسان هو النواة التي يتشكل منها كل مجتمع، فإن عناية الله سبحانه وتعالى بالإنسان وخلقه في أحسن تقويم، متحليا بالفطرة الخيرة، هي من أجل أن يعبر هذا الكون، وعمارة هذا الكون لا تكون إلا عن طريق بناء المجتمعات التي يترابط فيها الأفراد على المحبة والتعاون والتآخي فالإنسانية واحدة، وجميع شعوب العالم رغم اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم إخوة، وأن الوحدة الإنسانية هي القدرة والشيء الوحيد لصلاحية الحياة في هذا الكون.
إن جوهر الديانات السماوية جميعا -وعلى رأسها الإسلام- هو الدعوة إلى ترشيد وتوجيه الاستخلاف الإنساني في الأرض بما يصل بالإنسانية إلى إقامة عالم متوازن يكون موقف الإنسان فيه -عقيدة وفكرا وسلوكا- متسقا مع حركة الكون والحياة، وغير متصادم مع الناس والأحياء.
لقد اتفقت الوصايا الدينية والشرائع السماوية والدراسات العلمية على أن جوهر الإنسان واحد لا يختلف بعضه عن بعض إلا بالصقل الثقافي والتقوى الدينية والتسامح الفكري.
إذا كانت الشرائع السماوية هي مصدر كل القيم والمبادئ الأخلاقية فإنها قد أشارت وأكادت على ضرورة المحافظة على الأمن وعدم الإخلال به، مع العمل على وحدة الشعوب وعدم تفرقها عن طريق التضامن والتعايش تحت مظلة السلام والاستقرار لدعم المحبة والترابط الأخوي، كما أن الشرائع السماوية نصت على أن التعاون من أهم المبادئ الأخلاقية على أنه من ركائز استقرار الحياة الإنسانية وتحقيق الخيرات لكل الشعوب.
إن الأديان السماوية قادرة على إشاعة السلام والتفاهم بين الأمم وتحقيق العدالة والمساواة بين الناس جميعا، وعلى محق أسباب الحروب والعدوان لتحقيق العدالة والأخوة والمساواة، وإلى خلق الحوار بين الأديان السماوية منطلقة من المبدإ الإسلامي في الدعوة إلى الكلمة السواء.
إن الفكر الإسلامي الذي ينهل من معين الوحي الإلهي ويتفاعل مع الواقع القائم يتشرف رؤية مستقبلية يكون للإسلام فيها دوره الفاعل في إقامة نظام عالمي قائم على العدل والمساواة، وفي تحديد ماهية الصراع في عالمنا على أساس من القيم العليا.
إن الدارس المتعمق للتاريخ المغربي ليجد أنه بفضل ما أتاه الله من قيادة حكيمة رشيدة في شتى ميادين الحضارة والعمران، وما حباه الله من نعمة العلم والعلماء والأفذاذ المبرزين استطاع أن يحافظ على  ثقافة وطنية أصيلة راسخة الجذور والمقومات، وأمكنه بحكم ماله من حصانة ذاتية مستمدة من هذه الأصالة أن يجابه شتى التحديات الفكرية الأجنبية التي واجهته على مر العصور، وأن يؤكد ذائنيته في معترك الثقافات والحضارات المختلفة، وأن يبرز شخصيته على هذا الصعيد، ناصعة الملامح، غنية بدلالاتها، وما تنم عنه من إيحاءات خلافة مبدعة.
وهكذا واستمرارا لتأكيد قيمة الشخصية المغربية وتعميق أصالتها يقف التاريخ المغربي، وقفة إجلال وإكبار أمام عظمة الدولة العلوية الشريفة، التي يحمل اليوم مشعلها الساطع، ويجسم مجدها الرائع، ويحقق أصلها الواسع جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأطال عمره، سليل دولتها العلوية العالية.وإن من جميل مأثرات هذه الدولة العظيمة وكريم مفاخرها ما دأب عليه حفظه الله،  ودأب عليه أجداده من بذل محمود العناية بالثقافة والعلم، وما سار عليه من نهج رشيد في إذكاء شعلة الفكر وإغناء ر صيده. وما أولاه حفظه الله من موصول الحدب والرعاية لأهل العلم وإعلام المعرفة، شحذا لهممهم على الإسهام في إغناء الثقافة بالجيد المفيد من الأعمال، واستنادا لمواهبهم وقرائحهم كي لا تني عن موصول العطاء في هذا المضمار.
إن جلالة الملك الحسن الثاني يعتبر بحق، بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي والرائح، فالجواهر تستخرج من بحوره، ولمعات الطروس تحلى بقلائد سطوره، فهو بحق مالك أعنه العلوم وناهج طريقها، والعارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها، الراقم لبردها، المجيد لإرهافها، العالم بجلائها، لم يترك حفه الله معنى مغلقا إلا فتح صياصيه، ولا مشكلا إلا أوضح مبانيه، يستنبط حقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب، يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني.يكفي الأسرة الملكية الشريفة فخرا ومجدا أنها ربطت معركة التحرير والاستقلال ربطا جدليا بمعركة الحرية وإرساء دولة القانون في هذا المعقل من معاقل الإسلام الحافل بالمكرمات والأمجاد، والذي يتمثل فيه وفاء الأحفاد لتراث الأجداد.
تهل في هذه الأيام الغر على ربوع المملكة السعيدة ذكرى ميلاد جلالة الملك الحسن الثاني، الطافحة بالبشائر، الواعدة بالآمال العذاب لشباب الأمة المغربية بمناسبة عيد الشباب المجيد، عيد التجدد والتطلع والبناء والتشييد، والذي يتزامن هذه السنة مع الاستحقاقات الوطنية في مجال إرساء واستكمال دولة القانون، إقرارا لمبدأ الشرعية والمشروعية، وتأكيدا لسيادة القانون، وترسيخا لمقومات العدالة بمفهومها النبيل، ومقاصدها المثلى، بهدف إثبات دعائم القانون، وإشاعة الإحساس بالعدل، وزيادة الاطمئنان والاستقرار.
هنيئا لمولانا أمير المؤمنين بهذا العيد السعيد، وأدامه الله هلال كل عيد، تحفظه عناية الله وتحرسه رعايته، وأدام الله على جلالته نعمة التوفيق والولاء والتأييد، ومتعه ببرد الصحة والعافية والعمر المديد، ومتع شعبه في ظل عرشه المجيد، بالهناء والعيش الرغيد، وجعل عهده الزاهر دائم الإشراق والتجديد، وجعل السداد والتوفيق حليفه في كل خطواته المباركة لما فيه خير الوطن والدين، وصلاح أمر الإسلام والمسلمين، وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here