islamaumaroc

نداء الشباب في عيد رائد الشباب

  محمد الحبيب الناصري الشرقاوي

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

من المعلوم المسلم به أن الشباب هم عماد الأمة، فمنهم يكون العلماء والمرشدون والموجهون، ومنهم يكون الجنود والمجاهدون، ومنهم يكون العاملون الجادون الناصحون المتقنون.
إذا صلح هؤلاء كلهم، سعدت بهم أوطانهم ومواطنوهم، وقرت بهم أعين آبائهم وأمهاتهم، وجرى عليهم نفعهم في حياتهم، ولحقوا بهم في دنياهم وأخراهم مصداقا لقول الله تعالى في حقهم: «والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم». ولقوله سبحانه: «جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم».
لذا أمر رسول الله (ص) المسلمين بأن يعتنوا بأبنائهم منذ نعومة أظفارهم، يعلمونهم وينشؤونهم على الخير، ويبعدونهم عن الشر، ويختارون لهم من المربين من يطمئنون إلى قدوتهم، ويثقون في تربيتهم وتوجيههم من العلماء الأتقياء والمربين الحكماء الذين يأخذون بأيديهم، ويحسنون تنشئتهم، أمر -عليه الصلاة والسلام- الآباء والأولياء والمعلمين والمربين بأن يبدأوا مع أولادهم وناشئتهم التربية الدينية والخلقية من سن التمييز، حيث يقول (ص): «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها (أي: عن تركها) لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع».
وهذه نماذج من التوجيهات النبوية التي كان يوليها الرسول (ص) إلى الشباب. فيقول (ص) لابن عباس رضي الله عنهما -وكان صغيرا-: «يا غلام» إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
ويقول عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل رضي الله عنه -: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله» الحديث.
ويقول لعمر بن أبي سلمة: ربيبه - وهو طفل صغير لما أراد أن يأكل معه (ص)، وجالت يده في الصفحة.
- «يا غلام» سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك»…
إنها نماذج تربوية نبوية نقيس عليها، وننهج نهجها، وتوجيهات يوجهها النبي (ص) لهذه الناشئة، ليغرس في قلوبهم هذه الآداب العظيمة، وهذا مما يدل على أهمية توجيه الشباب نحو الخير، وعلى مسؤولية الكبار نحوهم.
ومن التوجيهات التي يوجهها الشرع الحكيم إلى الآباء والأولياء والمربين للعناية بالشباب:
 أولا: اختيار الزوجة الصالحة التي هي منبت الذرية، وهذا رسول الله (ص) يحث كل من يريد الزواج على حسن الاختيار فيقول له: «اظفر بذات الدين»، لأن الزوجة الصالحة، إذا رزق الله الزوج منها أولادا، فإنها توجههم، وتقوم بدورها نحوهم من سن طفولتهم.
ثانيا: اختيار الاسم الحسن المشرف بين الناس، لأن الاسم الحسن له معنى ومدلول، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار الأب أو الولي للمولود اسما حسنا، وأن يبتعد عن الأسماء المكروهة، أو التي يستحيي بها المولود في كبره، وخير الأسماء ما تضمن تحميدا أو عبودية لله، عملا يقول رسول الله (ص) «خير الأسماء ما عُبد أو حُمد».
ثالثا: إقامة وليمة العقيقة في اليوم السابع من ولادته، لأن العقيقة سنة مؤكدة، ولها تأثير طيب في نفس المولود وحياته.
رابعا: مراقبة أعمال الأولاد وتصرفاتهم عن كثب، وتعويدهم على الصدق والصراحة، فكل مولود يشب على ما تعود عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، وهذه الفطرة -إذا ما حوفظ عليها، ووجهت إلى الخير، اتجهت نحو الخير، لأنها تربة صالحة، أما إذا سيء استعمالها، وحرف اتجاهها، فإنها تفسد وتنحرف حسب استعمالها. عملا بقول الرسول (ص): «رب ولدك لسبع، وعلمه لسبع، ورافقه لسبع، واتركه بعد ذلك» أو كما قال عليه السلام.
خامسا: أمر الله الولد في سن مبكرة بوالديه، حينما يدرك الكبر أحدهما أو كلاهما، أن يحسن ،إليهما، أو إلى الموجود منهما، وأن يذكر تربيتهما له يوم أن كان صغيرا، لتتوارث هذه السنة أخلاقا عن أسلاف: «إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة. وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا».
وموضوع الشاهد من الآيتين، هو قوله تعالى: «كما ربياني صغيرا» فتربية الوالدين لولدهما نعمة وإحسان منهما إليه، يجب أن يكافئ عليها والديه.
هكذا يهتم ديننا الإسلامي بتنشئة الشباب اهتماما بالغا، لأنهم رجال المستقبل، وهم الذين يخلفون آباءهم، ويقومون في الحياة بعدهم، وهذا الاهتمام يجب أن يصاحبهم منذ حداثة سنهم ليشبوا عليه، ولا يجدوا في أنفسهم حرجا ولا صعوبة في السير على هذا النهج في كبرهم.
أرأيتم الأغصان في نضارتها كيف تستقيم وتشتد بالمتعاهد والري، ويزداد رونقها؟ ويعظم عند أوان العطاء خيرها؟ إنها مثل للشباب في عنفوانه، ونضارة أيامه، يستقيم بالرعاية والتأديب، ويثمر أطيب الثمار بالعناية والتهذيب، ويكون كل واحد منهم عضوا صالحا في مجتمعه، وعنصرا هاما لحماية د ينه، ورعاية شريعته، ورفع راية فضيلة أسلافه.
ولقد كان للشباب في أزهى عصور الإسلام، جولات عظيمة ومواقف موفقة حميدة، كان فيها عز الإسلام، ونصر لشريعة خير الأنام، ورفع لعلم الدين خفاقا يحكي العزة، ويشخص المجد والقوة، ويشعر بالشموخ والكرامة.
فهذا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وحمزة بن عبد المطلب عم الرسول (ص)، ومصعب ابن عمير، وأسامة بن زيد، وابن عفراء قاتل أبي جهل، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وأنس بن مالك، وخالد ابن الوليد، وعبد الله بن عمر، والزبير ابن العوام، وجعفر، وغيرهم كثير كثير ممن لا يحصيهم عد، ولا تحيط بهم أرقام، ولا يسع الحديث عنهم مقام، رضي الله عنهم أجمعين، هؤلاء الشباب نشأوا في المدرسة المحمدية، وغذاهم الإسلام بمبادئه، وروضهم على تعاليمه، وقومهم برفيع توجيهاته، وجعل لكل واحد منهم بطلا في ميادين جهاده، وكون منهم الفدائي الذي لا يشق له غبار، يخوض معركة الشرف، هدفه إحدى الحسنيين: إما الاستشهاد أو الانتصار، لا لإبراز شجاعته، ولا للاعتزاز بفنونه، ولكن لتكون كلمة الله هي العليا،وكلمة الذين كفروا السفلى، فاستحقوا بذلك هذا الوصف الإلهي الرائع: «محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا».
هذا في ميدان الجهاد والنصر والفتوحات.
وفي ميدان العلم والمعرفة جعل منهم أئمة في الدين، وأعلاما في الفقه والتفسير والحديث، وكل العلوم التي جعلت منهم قادة العالم وسادة الأمم في كل الميادين.
وفي مجال العبادة، جعل منهم رهبانا يتبتلون ولا يستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يومرون، وبهذا المضمون وصفهم ربهم في كتابه المكنون: «كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون».
وفي ميدان البذل والعطاء، والبر والإحسان والإيثار جعل منهم رهادا يبذلون ما بأيديهم من فضل، طلبا للمثوبة، ورغبة في الأجر: «وفي أموالهم حق للسائل والمحروم»، إلى ما لا يحصى من جميل أوصافهم، وحميد مزاياهم، فكانوا خير قدوة للشباب المسلم الصالح المتدين، الذي رفع الله بها درجته، وأمن خوفه، وأظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وقال في وصف مثله: «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده».
وفي التنافس في بلوغ درجاتهم، والاهتداء بهديهم والسير على مناهجهم، محك عزائم الشباب، ومختبر قوة إرادتهم، ومعيار تفاضلهم. «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».
إن الإسلام وضع بتعاليمه الحكيمة، وتوجيهاته الرشيدة أسسا متقنة ثابتة لتكوين الشباب، وتهييئه لبناء الدولة، إذ عليه قيام نهضتها، وبناء مجدها وحضارتها.
وإذا رجعنا إلى ماضينا  المجيد، وجدنا أن الشباب هو الذي صنع تاريخنا الحافل بالمفاخر، والعظمة وأنواع البطولات، وهو الذي رسم طريق العزة والكرامة، بمواقفه المشرفة الرائعة، التي وقفها في كل عصر، وتعرض فيها لشتى صنوف الأذى.
والشباب هو الذي دافع دفاعا مجيدا عن حقوق شعوبنا في حريتها، وفي عزتها وكرامتها، ووضع لها الطريق على النهج القويم.
لذلك حرص الدين الإسلامي على العناية بتربية الشباب، وعلى أن نوليه من إرشاداتنا وتوجيهاتنا ما هو أهل له من التعهد والرعاية، لنشجعه على المضي بمواهبه ومضاء عزائمه إلى الغاية التي يصبو إليها من الرقي والازدهار.
إن الزمن الذي يعيش فيه الشباب يختلف عن الزمن الذي عشا فيه الآباء والأجداد في نواح كثيرة، لذا يجب ألا نطبق الأساليب القديمة على الأجيال الجديدة الصاعدة.وإذا كان للمجد والعزة وسائل ومقومات -وهي العلم والعمل- فلا يمكن أن يتحقق مجد ولا عزة إلا لمن
هيأوا لأنفسهم هذه الوسائل، وأعدوا إعدادا صحيحا علميا مسايرا لركب التطورات وموكب المعاصرة، وليس العلم وفقا على جيل من الناس، ولا عصر من العصور.
والملاحظ في هذا العصر أنه وقع تهافت بعض الناس على تقليد الغرب، والتشبه بهم في عاداتهم وتقاليدهم الخاصة بهم، دون علمهم واختراعاتهم، ودون مجاراتهم في اللحوق بركب الحضارة الزاحف، وفي  العلم ومسايرة مواكب الاختراع والتجديد في  مختلف الميادين الحيوية.
شباب محمد لا حياة لأمة           
                بالأمنيات بل الحياة مساع
فثبوا إلى الأهداف وثب مغامر           
                لا وواجف قلب ولا مرتاع
فلقد تطورت الحياة وفلككم           
                ما زال يمخر ماءه بشراع
إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الحكمة ضالة المومن ينشدها أنى وجدها»، وقال: «المومن القوي خير وأحب إلى الله من المومن الضعيف»، وهذا مبدأ من مبادئ ديننا في الذود عن حياتنا، وهذه تعاليم الله في دستور شريعتنا: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم»
والقوة في عصرنا تكمن في العلم الصحيح، والتفوق في الصناعة المهنية، والاختراعات العلمية.
ولاشك أن هذا ليس وقفا على أمة دون أخرى، ولا هو كذلك قاصرا على جيل من الأجيال، ولكنه ميدان مفتوح لبني الإنسان، فيه تتفاضل الأمم، وتتفاوت الأجيال بما يجدون في  هذه الآفاق المادية والصناعية، مع الحرص على المثل العليا، والأخلاق الفاضلة، مصداقا لقول الله عز وجل: «والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون».
فعلى الشباب أن يدرك قيمته ومكانته، وينهض لكسب الرهان، ويعمل لنبوئ أوطانه أسمى مكان، فبمضاء عزائم الشباب تتحقق الآمال، وتعلو الهمم، وتدرك الأغراض وتنال، وعلي كواهل الشباب المتينة تحمل الأثقال، وتزدهر الصناعة والأعمال، فمنهم التجار والصناع والزراع والعلماء والجنود والأبطال، ومنهم الشعراء والخطباء والأدباء والأطباء والصحافيون والعمال، ومنهم القضاة والمحلمون ومعلمو الأجيال.إن الشباب هم أسس المجد، وركائز  الشرف، وهم خير خلف لخير سلف، وهم ذوو العزيمة والإرادة القوية على متابعة المسيرة، والتغلب على صعوبات الحياة ومشاكلها المتباينة المتراكمة:
فكل صعب على الشباب يهون                    
                هكذا همة العظام تكون
الشباب، هم عمدة البلاد وعدتها، وهم دعائم الأوطان وركائزها، فمن لها إذا انهارت دعائمها؟ ومن لها إذا خابت في أبنائها آمالها؟ ومن لها إذا ضعف شبابها؟ ومن يحفظ أموالها وينميها؟ ومن ينشط ويثري مردودية الأعمال في أوراشها؟ ومن للتنمية إذا لم يكونوا أربابها وأحق بها وأهلها؟ من يحل محل الشيوخ في الأمة إلا فتيانها؟ ومن للفضائل والمراتب العليا في الحياة إذا وهن طلابها؟ ومن للمساجد والمعاهد والمدارس في الدولة إلا شبابها؟ ومن للزراعة والتجارة والصناعة، وحماية الأوطان إلا شبيبتها؟فها هو عيد الشباب هذه السنة قد أشرق في سماء المغرب هلاله وهو يذكر بالأعمال الصالحات أولي الأيدي والألباب، والذكرى فرصة لشحذ العزائم وتحريك الهمم، والتوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب، ويعتبر عيد الشعلة الطموح، ونبراسا وفرقدا يهتدي به الشارد الجموح.
فعيد الشباب يعني: تعهدنا للطاقة التي تتفجر منها المعجزات، وتوفر للوطن ما يتطلبه من سواعد بناءة وإطارات.
وعيد الشباب يعني: تحميس الناشئة لبلوغ أسمى الدرجات، وتحقيق أعظم المراتب والغايات.
وعيد الشباب يعني، احتفاء الأمة بهؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم ووجودهم وحقهم في الحياة، فحققوا المعجزات، وحولوا المستحيلات إلى الممكنات.
وعيد الشباب يعني: تجديد العهد على مواصلة العمل في كل الأوقات بكل جد وإخلاص ونكران ذات.
وعيد  الشباب يعني: اعتزازنا بإحياء ذكرى ميلاد حامل شعلة الشباب المتوقدة، وضامن عزته الأثيلة: جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله ورعاه حامي الناشئة، وراعي الشبيبة المغربية.
لقد سن جلالة الملك المغفور له محمد الخامس عيد الشباب في التاسع من شهر يوليوز من كل سنة -و هو حفظه الله- ليبقى ذلك اليوم رمزا لعزة الشباب، ولتتجدد به عزيمة الشباب، وليزكو به عمر الشباب، وليحصى به رصيد أعمال الشباب، وليتمدد به شرخ أعمار الشباب.
فما العمر بالأزمان حين نقيسه                 
                وإنما بالأعمال نردفه عمرا
إذا قيس عمر العاهل الفذ مرة                
                بحسن فعال كان عمره أدهرا
عقود من الأعوام: ستون حجة                 
                وثمانية لنا تحكي قرونا وأدهرا
لأنها في وزن الحياة وثقلها            
                 تعادل أزمانا بإكسابها وطرا
فليعش رائد الشباب أسوة وقدوة للناشئين، وليسلم حصنا حصينا لرعاياه المخلصين، وليدم مرشدا ومرجعا وحجة أميرا للمومنين.
ووفق الله شباب الطموحات، وبارك قرائحهم الشامخات، وأعمالهم الباقيات الصالحات.
فبطموحاتهم تتحقق المعجزات، وبقناعاتهم تركد الحياة، وتتوقف الحركات:
شباب قُنع لا خير فيهم               
                وبورك في الشباب الطامحين
أطال الله عمر رائد الشاب أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله ونصره، وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، وأقر عينه بسمو ولي العهد المحبوب الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد الأمير المولى الرشيد، وسائر أفراد أسرته الكريمة، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، والسلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here