islamaumaroc

ملامح الديمقراطية الحقة لجلالة الحسن الثاني.

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 329 ربيع 1 1418/ يوليوز 1997

يخضع لفظ الديمقراطية لعدة تعاريف، إسنادا إلى المراحل التي مر بها، والأشواط التي قطعها في سفره عبر القرون والأحقاب، وبفضل طموح من آمنوا إيمانا راسخا بوجوب احترام الإنسان بصيانة كرامته، والذود عن حريته، والدفاع عن روحه وجسده، ومساعدته على استغلال مؤهلاته، ومنحه كل الوسائل لتنمية خاصياته، وتوفير ما يضمن تعليمه وتنوير أفكاره، وكل هذا انطلاقا من المبدإ الذي أكده القرآن الكريم، حيث قال جل من قائل: «ولقد كرمنا بني آدم».
ولقد تولد عن هذا الاتجاه عدة مفاهيم للفظ الديمقراطية، خصوصا في الميدان السياسي: فهي النظام الذي يمارس فيه المواطنون هذه السيادة للأمة، وهي النظام الذي يمارس فيه المواطنون هذه السيادة بكيفية عملية، وهي النظام الذي يمارس فيه المواطنون هذه السيادة بكيفية عملية، وهي النظام الذي يبني أسسه على احترام مبادئ الحرية الفردية والمساواة بين المواطنين.
إلا أن ما عاشه العالم من تجارب، وما عرفه من أشكال أدى إلى بلورة حقيقة لا مراء فيها، وهي أن تطبيق فكرة الديمقراطية أدى في كثير من الحالات إلى عقم ذريع أو إجهاض مؤسف، كلما تغلبت الأنانية عن مكارم الأخلاق. وانتصر الشره وحب النفس على ما تفرضه المبادئ ويوصي به وجوب صيانة المصلحة العامة فتختفي الديمقراطية الحقة وراء الديمقراطية الشكلية التي هي من قبيل الاستبداد والطغيان.
ولقد كان من الضروري التذكير بهذه الحقائق، قبل الكلام على النظام الديمقراطي المغربي الذي جنب أمتنا كل الأخطار، وبنى ركائزه على أسس ثابتة بفضل عبقرية ملكه الصالح، وإرادته في خلق مجتمع نقي، وشعب حر،  ومؤسسات مثالية، وذلك بعد أن علم ووجه، وسطر العالم، وخطط الاتجاه والغايات، وأقدم على الاختيارات التي بدونها لا يمكن أن يكتب النجاح لأية مبادرة.
إن للنظام المغربي خاصياته ومميزاته، فدستور البلاد يحتوي على شروط فاعليته، وقد أعد وسائل احترام المبادئ التي أ كدها في مستهله.
وإذا ما تصفحنا بنوده واستنطقنا القيم التي سطرها في مواده، تأكد أنه لم يستثن أي شرط من شروط الديمقراطية السليمة التي جعل منها منطلقه، وبنى عليها وجهته الطموحة التي تضمن للفرد ممارسة حقوقه، وتؤهله إلى المشاركة في المجهود الجماعي، وتجنبه كل المخاطر، وتجعله في مأمن من كل حيف.
وقد يطول العرض لو أردنا التذكير بكل المبادئ التي يتضمنها الدستور، وهي من صميم ما ينصح به رجال القانون، وما يؤكده أعلام الفقه، وما يطمح إليه كل مواطن غيور، على ووطنه ومجتمعه.
وإن الجو الذي نعيشه، والآمال المعلقة على التجربة الذي يقودها جلالة الحسن الثاني، في إرادة أبية وطموح وثاب، وكذلك التحبيذ الجماعي المعلن عنه صراحة من طرف مجموع طبقات أمتنا الشكورة لأكبر دليل على أننا نسير على الحجة البيضاء، التي أهلنا لها تشبثنا بمبادئ ديننا الحنيف، وتعلقنا بأهداب عرشنا الذي واكب مسيرتنا منذ قرون، فكان المدافع الذي لا يلين، والموجه اليقظ، والضامن لاستقلالنا، والمحقق لمطامحنا، والمرشد الذي بوأنا المكانة المرموقة بين الأمم.
غير أنه من الملاحظ أن الدساتير، مهما كانت قواعدها، لا تكفي وحدها لفرض نظام ديمقراطي محكم ومفيد، فمن الضروري أن تتسم جميع قوانين البلاد بروح الديمقراطية، وتتصف بدفاعها عن نفس المبادئ التي احتضنها الدستور، سواء تعلق الأمر بالميدان الاجتماعي أو الاقتصادي أو الخلقي.ومن غريب الصدف أنه أمكنني الإطلاع على حالات لا علاقة لها بصيانة حقوق المواطنين في بلدان تؤكد ديمقراطية نظامها، وتدعي جدوى مؤسساتها.
فالفضيحة التي عرفتها بلجيكا في قضية الشذوذ الجنسي، مكنتني من الإطلاع على حالة تثير الاستغراب، وهي أن قضاة هذه الدولة ينتمون إلى أحزاب سياسية، وهذا طبعا لا يجعلهم في مأمن من التأثير، ولا يمتعهم بالاستقلال الضروري لممارستهم مهامهم، بالتجرد اللازم والاستقلال الذي بدونه لا يمكنهم الاستناد إلى مجرد معطيات ضمائرهم.
ومن ناحية أخرى، فإن قضايا الرشوة التي طغت على مجرى الحياة بفرنسا، واتهام قضاة النيابة العامة بكونهم يخضعون لأوامر وزير العدل، والحملة الانتخابية التي أدت إلى انتصار الحزب الاشتراكي، علمتني أن قضاة النيابة العامة، لا يخضعون في تعيينهم إلى المجلس الأعلى الفرنسي للقضاء كباقي قضاة الأحكام، بل هم موضوعون تحت رحمة وزير العدل، وهذا بالطبع يتنافى مع مبدإ استقلال القضاء.أما النظام المغربي، فلا يفرق بين هذا وذاك، ويجعل من المجلس الأعلى للقضاء السلطة الوحيدة التي
تتصرف في حاضر ومستقبل القضاة، وتقترح على جلالة الملك تعيين كل قاض في المنصب الذي يستحقه، مما يضمن استقلال هذه الفئة من المسؤولين.
ولا أريد أن أختتم هذه العجالة دون الإشارة إلى حالة تعطي الدليل القاطع على ديمقراطية أنظمتنا وقوانيننا، فكثير من دول العالم نومن بحرية الرأي والتعبير، إلا أن قواعد التنفيذ ننقص من فاعلية التطبيق لهذا المبدأ.
فهناك من يفرض الحصول على إذن سابق قبل نشر «مجلة» أو «جريدة» وبهذا يجعل حرية الرأي مجرد إناء فارغ.
وهناك من يفرض تقديم ضمانة مهمة قبل الإقدام على النشر، وبطبيعة الحال فإن هذا الشرط بكون حجر عثرة عن طريق من يريدون الإعراب عن آرائهم، وتبليغها إلى أفراد المجتمع.
أما قانون الحريات العامة الصادر بالمغرب يوم 15 نونبر 1958 ففلا يحتوي على أي شرط مسبق، ويكتفي بالقول بأنه يكفي تقديم تصريح للنيابة العامة قبل إصدار جريدة يراد نشرها.
هذا ما كنت أقصده عندما أكدت أن الديمقراطية دستور وقوانين، لأنها مجموعة من المبادئ تكمل بعضها البعض، ولأنها سلوك وأخلاق يجب أن تحويها جميع قوانين البلاد.
إن المغرب -والحمد لله- ديمقراطي بدستوره وقوانينه، وهو أيضا ديمقراطي بمبادئه وأخلاقه، واختياراته وتوجيهات ملكه المتشبث بأخلاق القرآن، وتعاليم ديننا الحنيف، ولن يخيب شعب اعتنق الإسلام منذ القدم، واهتدى بنصائح أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني، أطال الله عمره، وخلد في الصالحات ذكره.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here