islamaumaroc

رسالة منتحر-قصة

  كوبرين وتلرجمة عبد المجيد بن جلون

8 العدد

في الغرفة رقم (5) من فندق سيبيريا الوضيع، جلس الطالب يكتب رسالته الأخيرة إلى أحد أصدقائه، قبل أن يفرغ رصاص مسدسه في رأسه، وقبل أن يسمع نزلاء الفندق الطلقة التي ألقته على الأرض صريعا، وعندما فتحت رسالته قرئت على النحو التالي:                                                                          
" قل لهم كل شيء عن هذه الرسالة التي لاشك في أنك سوف تصدق كل حرف من حروفها، وإذا كانوا لا يصدقونني فهذا شيء لا يهم، على أنني أضمنها كلمات بسيطة قريبة إلى فهمهم: هناك شيء غريب جدا هو أنني أجلس للكتابة وأنا أعلم أنني سوف أطلق الرصاص على نفسي بعد عشر دقائق، أو خمس عشرة، ولكن ذلك لا يرعبني مطلقا، أما حينما أثارني ذلك الكولونيل الهائل، وحينما ضرب برجله الأرض وهو يردد شتائمه فقد ضاع رشدي، ثم حينما كان يصيح بأن معارضتي لا فائدة منها، وأنني أجازف بأصدقائي، وأن (بيلوسوف) وكذلك (ندج) و (وسلوفتشك) قد اعترفوا، حينئذ اعترفت أنا أيضا.                            

لقد أرعبتني - أنا الذي لا أهاب الموت - صيحات ذلك الضابط ذي العقلية الضيقة والمهنة التقليدية، ومما زاد في اشمئزازي أنه لم يجرؤ على الصياح في وجه الآخرين، بل كان معهم لطيف المعشر، كأنه طبيب أسنان، بل لقد كان معهم من "الأحرار" ولكنه لمس في إرادة ضعيفة مستسلمة، وهو الأمر الذي تستطيع أن تلمسه في الناس لأول نظرة دون أن تكون في حاجة إلى أن تستعين على ذلك بكلامهم.                                        

نعم، أعترف بأنني كنت مجنونا وخسيسا ومضحكا ومضايقا، ولكن لم يكن في استطاعتي أن أكون غير ذلك، ولو أعيد الأمر مرة أخرى لحدث نفس الشيء بالضبط كما حدث من قبل. وإذا كانت الفيران ترعب بعض كبار الضباط الذين يباهون في بعض الأحيان بقليل من الضعف، فإنني بكل أسف أخاف من هؤلاء الناس غلاظ الأكباد الذين يبدون في مظهر ثابت لا يتغير، والذين يؤمنون بأنفسهم ببلادة، ولا يعرفون التردد، إنني أهابهم أكثر مما أهاب الموت، وكم كان يضايقني أن أقف أمام رجال الشرطة العظام وحجاب بيتسبورج البشعين، والذين يضربون على الآلات الكاتبة في إدارات المجلات والصحف، ومسجلي الحسابات، ورجال المحطات المخبولين، وقد كان علي ذات مرة أن أثبت شهادة توقيعي في محطة من محطات الشرطة، فأرعبني مجرد النظر إلى المفتش السمين بشاربيه الأحمرين الكبيرين، كأنهما سعف النخل، وصدره العريض وعينيه الصغيرتين، فكان يقاطعني باستمرار ولا يسمع إلى ما أقول، ثم ينساني لعدة دقائق أو يزعم أنه لا يستطيع أن يفهم الكلمات الروسية البسيطة التي كنت أستعملها، لقد كان مجرد النظر إليه يرعبني بشكل يبعث على الاشمئزاز، حتى أصبحت ألاحظ نبرة حقيرة في صوتي.                                                                          

ومن الملوم على ذلك؟ سأقول لك من الملوم! إنها (آن) فهي السبب الرئيسي في غمر معنوياتي بالخراب، والدنس، والجبن الخسيس، لقد أصبحت (آن) أرملة وهي ما تزال يافعة، ولقد فتحت عيني في منازل الآخرين على ابتسامات الاحتقار، وما رق من الشتائم التي لا تستحمل، وعلى التذلل، والكذب، والوجوه العابسة، وعلى العبارات التي كانت تأمرني بأن أحمل " نقطة صغيرة أو قطعة صغيرة أو فنجانا صغيرا من الشاي"...
 لقد كان علي أن أقبل أيدي المحسنين إلي من الرجال والنساء وكانت أمي تزعم أنني لا أحب هذا الشيء اللذيذ أو ذاك، وتزعم أن لي معدة ضعيفة لأنها كانت تعرف أن أطفال المنزل يريدون ذلك الشيء اللذيذ، وكان الخدم يزجرونني خفية وينعتونني" بالأحدب"، فقد كان هناك ارتفاع في ظهري منذ الصغر وكانوا يدعون ( آن) في حضوري " بالطفيلية" و"المتسولة"، وكانت أمي لأجل أن تضحك الناس، تضع  علبة سجائرها الجلدية القديمة على أرنبة أنفها وتثنيها وهي تقول: "هذا أنف ابني العزيز ليفوتشكا"، فكانوا يتضاحكون. أما أنا فكنت أحمر خجلا لها، ولكنني كنت أظل صامتا لأنه كان يجب علي أن لا أتكلم في حضرة المحسنين إلي وإلى أمي، كنت أكرههم لأنهم كانوا ينظرون إلي كما لو كنت جلمودا، ويدفعون إلي بأيديهم في كسل وتقاعس لأجل أن أقبلها. كنت أكرههم وأخافهم كما لا أزال  أكره وأخاف كل شخص خشن واثق بنفسه متعال، مستهتر، كخطباء النوادي والأساتذة الشيوخ ذوي الوجوه الحمر الذين يتشدقون بالحرية، ورجال البيع والكنائس، وضباط البوليس، وأطباء النساء الذين يرددون دائما نصوص العرائض والبيانات، أولئك الذين تحس بأن أرواحهم أبرد من قطع الرخام الموضوعة على الموائد، كنت أشعر وأنا أتكلم معهم بأن على وجهي علامة مقيتة كانت تضايقني، وكنت أحتقر نفسي بسبب الضعف الذي كان يعتري صوتي، وهو الضعف الذي كنت أستطيع أن ألمس فيه تأثير أمي. إن أرواح هؤلاء الناس أرواح ميتة، وأفكارهم التقليدية تسير في خط مستقيم، وقد بلغت قلة رحمتهم مبلغا من البلادة لا يطاق.
* * *

قضيت ثلاث سنوات - بين السابعة والعاشرة - في مدرسة من مدارس الإحسان، وهي التي كان يشرف عليها عوانس من أولئك اللائي يعانين جميعا عقدا نفسية، فكن يبثثن فينا روح الانصياع، ويعلمننا كيف يتجسس بعضنا على بعض، ونرى أقاصيص الآخرين، وكيف نتحاسد، ثم - وهذا هو الأهم - كيف يكون سلوكنا أهدأ ما يمكن؟ ولكننا نحن الذكور علمنا أنفسنا أن نسرق ونخون. ثم بعد ذلك، دخلت مرة أخرى إلى مدرسة الثانوية من مدارس الإحسان، كان المفتشون فيها يزوروننا ويتجسسون علينا، كنت أتعلم كما تتعلم الببغاء، تعلمنا كيف ندخن ثم كيف نشرب الخمر، ثم كيف نتصرف كما تتصرف أردأ العواهر. ثم فجأة انطلقت في نفسي ريح تحمل كلمات جديدة، وأحلام الحرية، والأفكار الملتهبة، فتفتح فكري لاستقبالها، ولكن روحي كانت قد اندثرت، لقد تعلق بي الضعف تعلقا لا يزول مهما حاولت أن أقضي عليه أو أقل منه.
لم أكن الوحيد الذي مات في هذا الوباء الروحي، ولو أنني كنت أضعف الجميع. ولكن الجيل الماضي ترعرع في جو من الزندقة الهادئة، في جو من احترام الكبار وهو أخرس وفاقد للشخصية. وهذه لعنة من لعنات الصمت والفقر، كانت سببا في تكوين حياة هادئة تنمو في ظل الخرس. ذلك أن تجرد الروح الإنسانية من الشعور أفدح وأبلغ أثرا من جميع المجازر التي مرت في العالم البشري.

وإنه لمن الغريب أن أقول إنني حينما أكون على انفراد لا أشعر مطلقا بأنني جبان، بل أشعر بأنه لا يوجد أحد على استعداد مثلي للمخاطرة بحياته، كنت أرى نفسي أرتفع في السماوات مشرفا على العالمين. كنت أسبح بيدي في داخل البحر حتى يؤثر ذلك على يدي ورجلي وحتى لا يعود في استطاعتها أن تتحرك، فأستلقي على ظهري لأجل أن أتلخص من التعب. كنت أحلم بكثير من مثل هذه الأشياء. ولأجل أن أختصر أقول: إنني، سأقتل نفسي بعد عشر دقائق، وهذا شيء مهم، ولكنني أخشى الناس، إن الناس يرعبونني، إنني حينما أسمع من غرفتي السكارى وهم يتشاتمون ويتصارعون في الشارع، يتملكني رعب شديد، وحينما أتخيل في الليل - وأنا مستلق على سريري - جنود القوزاق وهم يخترقون الساحة الواسعة، على جيادهم المرعدة، أشعر بدقات قلبي تقف، وبجسمي برودة غامضة، وبأصابعي تنقبض في يدي، إنني أخشى دائما شيئا يوجد في معظم الناس، ولكنني لا أعرفه، فالجيل الحديث كله يعاني كما أعاني فترة الانتقال هذه. نحن نحتقر عبوديتنا، أما التذمر الذي نشعر به فهو عميق، ولكن لا تأثير له، لما جبل عليه من الصبر.                                                

وأنت تعرف كل شيء ولاشك، وسوف تشرحه لرفقائنا الذين أقول لهم قبل أن أموت إنني بالرغم من كل شيء أحبهم وأحترمهم. ربما صدقوك حينما تقول لهم إن السبب الرئيسي في موتي- وهو خارج عن إرادتي- لم يكن لمجرد خيانتي لهم، فأنا أعرف أنه لا توجد في العالم كله كلمة أبشع من "خائن"، إنها حرية في انتقالها من الشفاه إلى الآذان بأن تصرع الناس وهم أحياء، وقد كان من الممكن أن أصلح أخطائي لو لم أولد وأترعرع في مهد العبودية والجهل والبلادة، ولكنني الآن أموت لأنني عبد حقير، فإن من المنكر، بل ومن المستحيل على شخص مثلي، أن يعيش في هذه الأيام العجفاء....                                          
أجل يا عزيزي، لقد سمعت ورأيت وقرأت كثيرا في هذه السنة، وأقول لك إنه قد آن لبركان الخراب أن ينفجر، وإن نيران الغضب قد آن لها أن تندفع وتغمر كل شيء، فتجرف الخوف من المستقبل، وأحترم الآباء، وحب الحياة، وألعاب العائلات السعيدة. إنني أعرف كثيرا عن الأطفال الذين رفضوا أن تعصب أعينهم قبل أن يرموا بالرصاص، وأعرف كثيرا عن الذين تحملوا العذاب دون أن ينبسوا بكلمة، كان ذلك سببا في انطلاق الرياح... لقد انشق بيض الدجاج عن صقور.. فليحاول من أراد أن يعترض سبيلها.                       

إنني لمتأكد تماما، من أن أطفال اليوم يستطيعون أن يرفعوا أصواتهم في ثبات وفي حكمة، وربما غضب أمام جميع الرؤوس المتوجة، وأمام جميع رؤساء الشرطة في أروبا، وفي أية قاعة من القاعات الملكية..
صحيح أن أطفال المدارس يبدون مضحكين، ولكنهم يحترمون حريتهم احتراما مقدسا يتزايد مع الزمن، ويحترمون هذه الأشياء التي ورثناها عن فقرنا الروحي، وآدابنا التقليدية، ولذلك فيجب أن نلقي بها في الجحيم.
                                                    * * *

 لم يبق لحلول الساعة التاسعة سوى ثماني دقائق، وعندما تحل سوف أكون قد انتهيت... إن كلبا ينبح في الخارج، مرة، وثانية، ثم مرة/ وثانية، وثالثة.... سوف ينطفئ شعوري، فيختفي بانطفائه كل شيء: المدن، الساحات العامة، البواخر الماخرة، الصباح، والليل، غرف المنازل، دقات الساعات، الناس، الحيوانات، الجو، النور والظلام، الزمان والمكان، كل ذلك سوف يختفي فلا أحس له بأثر، وربما استمر الكلب في نباحه مدة طويلة هذه الليلة مرة، وثانية، وثالثة.....

لم يبق لحلول الساعة التاسعة سوى خمس دقائق، إن فكرة سخيفة تتقمصني، إنه يخيل إلي أن الفكرة الإنسانية تنطلق من مركز كهربائي، لتحدث تموجات تنطلق في جميع أنحاء العالم، فحينما تنطلق فكرة من رأس ما، تحدث اهتزازات ودوائر حولي، مثل الاهتزازات والدوائر التي يحدثها الحجر يلقى به في غدير، ومثل التي يحدثها لمس الأوتار، إنه يخيل إلي أن الشخص حين يموت ينتهي، ولكن أفكاره تبقى وهي تضطرب في أمكنتها القديمة، وربما كانت الأفكار التي اختلج بها فكر كل من سكن هذه الغرفة المستطيلة الدامسة ما تزال تهيم حولي، وتوجه تفكيري في خفاء، وقد يأتي الغد ويأتي ساكن جديد بعدي ليفكر في الحياة والموت والانتحار، بسبب أني تركت أفكاري هنا من بعدي. ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إن أفكاري المجردة من المكان والزمان، لا تنطلق بصفة حتمية غامضة إلى رؤوس أخرى يوجد أصحابها في كوكب "مارس" مثلا. وربما كانت تنتقل إلى رأس هذا الكلب الذي ينبح في الخارج. آه يخيل إلي أنه لا يوجد شيء في العالم يمكن القضاء عليه تماما، لاشيء، لا من بين ما يقال فحسب، ولكن من بين ما يدور في الألباب أيضا، إن جميع أعمالنا وكلماتنا وأفكارنا مثل الجداول الصغيرة، تندفع من أعماق الأرض، إنني أعتقد أنها تلتقي على سطح الأرض لتجري متحدة في جداول، ثم تندفع هذه الجداول جارفة في نهر الحياة الدافق، نهر الحياة! وأي نهر عظيم! سوف يجرف كل شيء عاجلا أو آجلا، ويحطم الأغلال التي كانت تقيد حرية الروح، فيصبح ما كان تافها هزيلا بطولة كبيرة حقيقة. وسوف يحملني النهر بعد لحظة إلى أرض باردة بعيدة، وربما رجع بعد سنة ليتدفق كالسيول في هذه المدينة الجبارة، لا ليجرف أطلالها فحسب، ولكن ليحمي اسمها أيضا.

ربما كان كل الذي أكتبه مضحكا. لم تبق  لي سوى دقيقتين، والشمعة تحترق، والساعة تدق بسرعة أمامي، ما يزال الكلب ينبح، فماذا سيحدث بعد أن لا يبقى مني إلا شيء واحد، ربما كان ألما. وربما صوت طلقة المسدس، وربما كان رعبا هائلا مجردا، ولكن هذا الشيء الأخير سوف يبقى إلى الأبد، لآلاف الملايين من السنين لقد وصل العقرب إلى الساعة التاسعة، سنعرف ذلك جميعا الآن. لا. لننتظر.
أن نوعا من التواضع المضحك جعلني أذهب إلى الباب لأقفله بالمفتاح. فالوداع. لا تزال عندي كلمة واحدة، فلا بد أن روح الكلب المظلمة أكثر إحساسا جدا باهتزازات الفكر الإنساني، ألا تنبح الكلاب لأنها تحس بأنها في جوار إنسان ميت؟ إن هذا الكلب الذي ينبح في الخارج يشعر بذلك. ولكن بعد لحظة، ستنطلق من مركز فكري تيارات جديدة هائلة، لتهز فكر الكلب المسكين. وحينئذ سيرسل عواء غريبا مرعبا لا يطاق... فالوداع ... إنني ذاهب". 
                                                       * * *

هب الناس في فندق سيبريا الوضيع، على سماع طلقة نارية انفجرت  في الغرفة رقم (5) التي صعد إليها الطالب البائس منذ قليل، وأعقب ذلك سقوط جثته التي هوت إلى الأرض سريعة تتخبط في الدماء.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here