islamaumaroc

عرش الوفاء والتحدي

  محمد يسف

العدد 326 شوال-ذو القعدة 1417/ مارس 1997

كلما حلت ذكرى عيد العرش المجيد، حل بحلولها كل ما هو جديد نافع مفيد، يصلح الناس ويمكث في الأرض، ويرقى بالحياة إلى الأفق الذي يتحقق معه طموح الأمة في متابعة خطوها نحو المستقبل بثقة وإيمان، وراء خطو القيادة التي تطوي المراحل، وتقرب الأبعاد، وتختزل المسافات في زحمة التخطيط والإنجاز الدائمين، لا يشغلها عن التفكير والتدبير شاغل أو تأخذها في السعي نحو تحصيل الأصلح وإدراك الأفضل لومة لائم.
وعد قطعته القيادة والأمة على أنفسهما من أول يوم تأسس فيه العرش بمقتضى ميثاق مقدس، تحددت على أساسه فلسفة الحكم والسياسة، واتضح فيه نهج القيادة والريادة، وفق التوجيه الإسلامي النابع من روح البيان الإلهي.
كان ذلك منذ أن سطعت شمس الله فوق ربوع هذه الديار حين ألهم بمنه وفضله إنسان هذا المغرب إلى اختيارات حاسمة في تحديد أسلوب ممارسة حياته الدينية والدنيوية، اتخذها له شعارا دائما، لا يقبل التنازل عنه، أو المساومة عليه بحال، وجعلها منارا يهتدى به في غبش الرؤية، ومفترق الطرق، ومشتبه المسالك ومتعدد المسارات.
شعار اعتصم بحبله واستمسك بعروته الوثقى، فوفاه الله به شر الشتات والفرقة، وأنجاه من داء التمزق والتشرذ.
ويأتي في مقدمة هاتيك الاختيارات المذهب المالكي في المعاملات والعبادة، والنظام الملك في الحكم والسياسة.
ولئن كانت وحدة المذهب الفقهي قد عصمت الأمة من فتنة التنافر والتدابر، المفضيين إلى التفكك والانحلال، فإن النظام الملكي في نمطه المغربي القائم على مبدإ البيعة التي تجسد إرادة القيادة والأمة معا في تحديد المسار، وتلزم الطرفين بالتزامات صارمة، يعد الإخلال بها مساسا بأمن الجماعة وانتهاكا لحرمة الميثاق، ونقضا لعهد الله، قد آمن رحلة الأمة عبر الحقب والعصور في كنف عرش سهر على حراسة الوحدة ورعاية القيم والثوابت خلال فضاء زمني كان مقداره اثني عشر قرنا من التاريخ، دون توقف أو انقطاع من عهد أمير المؤمنين المولى إدريس الأول الوافد، إلى عصر أمير المؤمنين، مولانا الحسن الثاني الرائد المجدد.
زي تراث مجيد هذا الذي أبدعه الشعب والعرش بتلاحمهما ووحدتهما المتفردة، خلال هذه المسيرة الظافرة التي لم يحدث أبدا أن انشغل العرش خلالها، عن هموم الأمة ونصالها، أو تقاعس عن النهوض بأعباء القيادة، أو ضعف عن مواجهة التحديات، ومقارعة الخطوب والتصدي للمعوقات، بل كان دائما العين الساهرة، والعقل المدبر، والضمير الحي اليقظ.
ومن لطائف المتن التي تدارك الله بها هذا المغرب، أن أدخل لقيادته في ساعات الحرج، ولحظات المحن، وأوقات الشدة والابتلاء، من نوابغ الملوك ودهاة السياسة والحكمة، من قادوا سفينة في وسط بحر لجي بغشاة موج من فوقه موج نحو شاطئ الأمن ومرفأ السلامة، بأيسر كلفة وأدنى خسارة ممكنة، وثبتوا أقدامه في مواقع الزلل، ومزالق الطريق، في حين فقد الكثيرون توازنهم فالتبست عليهم المسالك، واشتبه الحق بالباطل، تحت ضغط فلسفات ظرفية عابرة، لم يسلموا من السقوط بين مخالبها، ولم يتبين الرشد من الغي إلا بعد فوات الأوان. وكان هناك من يدعو إلى الحذر، ولكن صوت الحق كان خافتا يومئذ، وكأني بالقائل كان يعني هذه المرحلة، ولو أنه أقدم منها تاريخا:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
           فلم يستبينوا لرشد إلا ضحى الغد
."فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله"
إن العرش المغربي ليس نظاما للحكم، كسائر الأنظمة، بل هو للأمة بمثابة صمام أمنها، وإكسير حياتها، وطوق نجاتها، تلوذ به من مفاجآت الطريق ومباغثات الرحلة، فتجد فيه الملاذ القوي، والركن الركين، والحصن الحصين، ضد كل من يروع أمنها، ويهدد وجودها، ويروم إذلالها، إنه عرش نابع من ضميرها، ساكن في وجدانها. يترجم إحساسها. ويعرب عن إرادتها، حوله تلتف، وتحت رايته تتعبأ، ووراء خطوة تسير نحو الغايات الواضحة المعالم، المرسومة الأهداف.
أسر إلى ذات يوم أحد أساتذتنا البارزين من أقطارنا العربية، في سياق حديث دار حول الأنظمة العربية، في سياق حديث دار حول الأنظمة العربية المعاصرة، حديثا، أحييت أن أشير إلى بعضه، ولست أفشي عليه سره، إذ لم يَسُتَكُتِمُنيه.
قال: «إن الله قد وهب المغرب خلال تاريخه عامة، والمعاصر منه خاصة، قيادة عبقرية عالمة، استطاعت أن تجنبه الكثير من الأزمات، وتقود خطاه فوق أرض صلبة وطريق آمن مع المحافظة على القيم، والأخذ بكل جديد نافع، وهو ما تفتقده كثير من القيادات المفتونة بالشعارات الملغومة التي شتتت شمل الأمة، وأضعفت انتماءها الحضاري والثقافي والديني» فقلت: «أجل» وأظن أن هذا شيء طبيعي بالنسبة لنظامنا، فالعرش المغربي كما يعلم الجميع من أْرق العروش وأمجدها، وهو في آن واحد عرش وجامعة يتلقى فيه الخلف عن السلف فن الحكم، وعلم القيادة، كما يتلقى الطلاب تخصصاتهم العلمية على يد رموز الجامعة، وأساتذتها المبرزين.
ومعنى ذلك أن قيادة الشعوب ليست صدفة أو مغامرة أو تسلطا، كما قد يحدث بالنسبة لمن وصلوا إلى الحكم، من حيث لا يحتسبون، ولكنها علم وفن وملكة وهي في نظامنا قائمة على حساب دقيق ومنهج مضبوط ثابت، ولكنه مرن يتكيف مع الحياة وفق مقتضيات التطور الحتمي، بالإضافة إلى أن ملوكنا لا يعتبرون وراثة العرش تشريفا وامتيازا، بل أمانة ومسؤولية ورسالة تضعها الأمة على عاتق وإرث العرش، وهي مسؤولية ثقيلة، لأنها تقتضي حراسة رصيد ممتد على مدى اثني عشر قرنا من الزمن، مع إثرائه بالإضافة وإغنائه بالجديد، فإذا حدث ما يمنع أداء هذه الأمانة على وجهها، ثار الملك، ورفض وتحدى. وثار الشعب بثورة الملك، وغضب غضبا، لا ينهيه إلا الرضوخ لمطالبه.
حدث هذا في تاريخنا الحديث على يد مولانا محمد الخامس -طيب الله ثراه- عندما استثاره الذين حاولوا أن يجردوا العرش من صلاحياته، ويجعلوا منه مجرد رمز، فثار الملك، ورفض وتحدى، لأن بيعة الأمة التي في عنقه ترفض قبول مثل هذا الإجراء، وعندما انتفض العرش ثار الشعب، وكان ما كان مما وعته الذاكرة درسا رائدا من ملك رائد في مقاومة الظلم ومكافحة العدوان.
ولم تهدأ الثورة حتى جاء الحق وظهر أمر الله، وزهق الباطل، والعدو كاره، فالعرش في فقهيات الملكية المغربية، ليس متعة ولا بذخا وتنعما، ولكنه جهاد ومعاناة. لا يقوى على النهوض بأعبائه إلا أولو العزم من الملوك، والأمة تدرك هذه المعاناة وتقدرها. وتقف مع العرش في خندق واحد ملتفة حوله. باذلة كل غال ونفيس في فدائه ومن ثم ظل محمد الخامس -وهو في المنفى السحيق- في نظر الشعب، الملك الشرعي الذي لا يبقي به بديلا، رافضا بإصرار أن يتربع فوق العرش غيره كائنا من كان، فكان له ما أراد، وقد أراد أن يحيى في ظل الكرامة، ولا كرامة مادام العرش أسيرا، واستجاب القدر لإصرار الأمة على الحياة، وما كان له إلا أن يستجيب.

إذا الشعب يوما أراد الحياة
                فلابد أن يستجيب القدر
كانت حركة الملك محمد الخامس ثورة وتحديا وصرخة مدوية في وجه من أرادوا إذلال الشعب، ومس المقدسات، حركت همة المظلومين في سائر أرجاء المعمور، وسيظل فعله رمزا للبذل والتضحية، وقدوة صالحة للأحرار في كل زمان ومكان.
ثم جاءت مرحلة التحدي الأكبر، مع اعتلاء أمير المومنين، مولانا الحسن الثاني عرش المغرب الذي دخل عهدا جديدا، عهد الوحدة والتجديد، والبناء والتشييد، بناء دولة عصرية بكل ما تعنيه الكلمة في ظل ملكية دستورية تتكيء على رصيد هائل من المجد الحضاري والثراء التاريخي وتتحرك نحو المستقبل بعزم وطموح لا يضاهي.
ولا يجادل مجادل في أن الفترة التي تولى فيها الحسن الثاني قيادة العرش كانت من أحرج الفترات وأدقها، وأكثرها ازدحاما بالشعارات المضللة، كانت فترة التحديات في الداخل والخارج، فترة التربصات الماكرة المنبثة في كل زاوية وركن، هدفها الإطاحة بالقيم، ودك الثوابت، واقتلاع جذور الأصالة بالترغيب والتحبيب تارة، والإرهاب والتهديد تارة أخرى، خصوصا وقد استطاعت هذه الأنظمة الإرهابية أن تستأجر لها وكالات يتلقون خطابها، ويبشرون بمبادئها، ويجتهدون في تنفي تعليماتها بدعم مرموز حينا، وسافر مكشوف حينا أخر، فكيف السبيل في هذا الحقل المزروع بالألغام والمتفجرات، الذي أصبح فيه المتمسك بأصالته وخصوصيته كالقابض على الجمر، في هذا الحقل قاد الحسن الثاني أمته بشجاعته وحكمته وبعد نظره إلى واحة الأمن والسلام دون أن يفرط في شيء من أصالة شعبه وقيم دينه ونمط حضارته.
لو شاء الحسن الثاني أن يختار من بين ركام الناهج، والأنظمة التي كانت تعج بها الساحة نظاما جاهزا، ويتبنى شعارا براقا، كما فعلت الكثير من القيادات الظرفية الموسمية في أكثر من جهة، لكان من اختار الطريق الأسهل، ولكن روح التحدي والرفض لكن زائف سقيم - وهو ما جبل عليه منذ أن كان غض الإهاب، طري العود، أبت عليه إلا أن يكون أصيلا مبدعا، ذا نهج متميز، وأسلوب في السياسة والتدبير متفرد، فأقام بناء المغرب الحديث وفق فلسفة لا شرقية ولا غربية، أساسها الجمع بين الأصالة في شفافيتها وإشراقها، والانفتاح العاقل الحكيم في الفضاء الإنساني الأرحب.
وإن المشتغل بدراسة هذه المرحلة، لابد أن يجد نفسه بإزاء حشد هائل من الملفات الضخمة التي يتطلب ضبط مادتها، وتحليل مضامينها، عددا من القدرات المختصة، لما شهدته من تحول جذري كبير على جميع المستويات، ولما تحقق خلالها من إنجازات علمية ومادية، ما كان لمثلها أن يتحقق في حيز زمني قصير كهذا.
إن استقصاء الحديث عن المنجزات التي حققها العرش والشعب بقيادة الحسن الثاني، تحتاج إلى عشرات المجلدات، وهي مهمة لا يمكن أن ينهض بها إلا الجم الغفير من الخيرات والتخصصات.
ومجمل القول: أن الله سبحانه، أعد لهذه الرحلة في دقتها وتشعب مسالكها، وخطورة منعرجاتها فأرسها المغوار هو الحسن الثاني الذي لولاه لضلت عن الطريق، وغاصت في حماة الشعارات السرابية التي يحسبها الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
فما أنسب أن نعيد إنشاد ما أنشده بلسان الحث قائلة قديما:
أتته الخلافة منقادة
            إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له
            ولم يكن يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره
             لزلزلت الأرض زلزالها

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here