islamaumaroc

الموسوعة الإسلامية الحسنية

  حمداتي ماء العينين

العدد 326 شوال-ذو القعدة 1417/ مارس 1997

عندما تتعامل الذاكرة مع تراكمات العطاءات يحير القلم في طريقة ترتيب الأولويات، وعندما تتسامى النتائج تصعب عملية الترجيح فيردد الكاتب المثل الشعري:
تكاثرت الظباء على خراش (أو خداش)      فما يدري خداش ما يصيد
أحيانا يصعب على الباحث والكاتب حصر المنجزات التي لها أهميتها ودلالاتها، مما يحول بينه وبين ترجيح بعضها دون البعض.
إن هذه المقدمات تسوق الكاتب إلى اللجوء إما إلى السرد المسهب دون منهج محدد، والتفاعل مع الموضوع بالتعرض لبعض عمومياته، ليستخلص منها ما يريد من النتائج، لكن لا يمكن ذلك إلا مع الإسهاب، أو إلى الكلام عن بعض المحطات لحصر حديثه، وسأختار الطريقة الأخيرة، لأتكلم عن رموز من نتائج التربية الإسلامية والأخلاقية التي خطط لها ونفذها أمير المومنين جلالة الحسن الثاني ببلادنا، إلا أن الكتابة عن العظماء الفاعلين المنتجين الموفقين تدخل في هذا السياق، إذ يجد الكاتب صعوبة كبيرة في محاولة انتقاء المعالم البارزة من بين عطاءاتهم عبر المرحلة التي كتبت لغرس الشوامخ التي أعدوا أنفسهم لتخليدها. ولهذا فبقدر ما توفرت مادة الكتابة في هذا الموضوع، بقدر ما صعب التحديد أو الانتقاء وما ينجم عنه من استبعاد.
وإنني أعترف أنني كلما حاولت الكتابة عن جلالة الحسن الثاني كلما واجهتني هذه الحقائق، فالعطاء ضخم، والعبقرية طافحة، والرؤية صائبة، إذ يكاد يصل استشرافه للمستقبل إلى درجة الإلهام، لصدق توقعاته ودقة تحديده للمحتملات، فجلالته رسم المعالم العامة للسياسة العالمية إنسانيا وثقافيا واقتصاديا، في أوائل الستينات، وما وصف محطة إلا وأتت كفلق الشمس. وهذه من بين المسلمات التي جنبت بلادنا هزات عنيفة تعرضت لها بلاد مثلنا، أو أكثر هي قابلة للصمود، لكن الإجراءات الواقية التي مكن منها جلالته بلاده جنبتها الكوارث، ومكنتها من اجتياز عباب غياهب المستجدات دون أن تكون حائلا عن التقدم والرخاء والنماء، فلقد حقق جلالته معجزات في كل المجالات التي كان الشعب المغربي يطمح إليها؛ وسيتحدث عنها التاريخ طويلا.
لكن أريد اليوم في هذا المقال أن أتعرض لمكسب واحد من بين أهمها استطاع جلالته أن يبوئ بلاده صدارة استحقاقاته؛ إنه المجال العلمي والفكري، إذ في فترة ثلاثة عقود من الزمن استطاع أن ينقذ المغرب من أزمة فقر في الأطر إلى ما يشبه مشكلة وفرة الأطر، ومع ذلك فقد تميز المسار التعليمي بمسايرة تطور المناهج عبر التمسك بالقيم الحضارية والدينية لبلد ظلت هويته تستقبل المستجدات فتنصهر فيها، لكنها ترفض الذوبان وما ينجم عنه من استلاب. ويتجلى هذا في الفعاليات العالية التي شرفت وجه المغرب في شتى المجالات العلمية والتكنولوجية مع الاحتفاظ بالسلوك الديني الملتزم والطابع الحضاري المتميز، وتلك مكاسب لا يقل المجهود الذي بذل من أجل الحفاظ عليها عن النضال الذي بذل في سبيل الحصول عليها.
وإذا كنا نشيد ونفخر ونعتز بدور الآباء - الذين بذلوا أرواحهم بقيادة جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، وبمعيته وارث سره ولي عهده بالأمس جلالة أمير المومنين الحسن الثاني أيده الله ونصره - على ما قدموه من تضحيات جعلت شباب الخمسينات والستينات من بناة الاستقلال بذل ضحايا للحصول على هذا الاستقلال، فإنه من واجبنا أن ننوه ونفخر بالمجهود العلمي والثقافي الذي خاضه جلالته معبئا البلاد في معركة محاربة الجهل والتأخر، دون أن تنمحي قيمنا الروحية والحضارية حتى لا يصبح كيانها واستقرارها وتماسك أبنائها شعرة في مهب عاصفة عاتية، عصفت بكثير من الدول المشابهة لنا والمؤمنة بنفس قيمنا ومبادئنا.
إن تساهل بعض القادة في قيم الإسلام التي هي الوليجة الوحيدة التي تحفظ لشعوب أمتنا تلاحمها وتماسكها، ونمط حياتها الخاصة، هي التي سهلت على التيارات المستوردة الانتشار في شباب أي بلد لم يعر الاهتمام الكامل للحفاظ على التراث الفكري والحضاري والعقدي، ولا يحتاج المرء إلى مبررات متعددة ليقنع القارئ بأن انتشار الفكر الشيوعي البائد، سواء تستر برداء الاشتراكية، أو اكتسح أي شعب بدون قناع، كانت مهمته الأولى اجتثاث احترام الأخلاق الدينية والأسروية وكل أسس النمط الحضاري المتوارث.
ونتيجة ذلك ما يشاهده العالم اليوم من إرهاب شوه وجه الإنسانية، وألصق وصمة عار بجبين آخر هذا القرن الذي لولاها لعد أفضل قرن عرفته الإنسانية، لما شاهدته خلاله من تحولات متعت الإنسان بأعلى مكاسب الرقي والتقدم والازدهار، وهذه الموجة الوحشية السيئة انطلقت كلها من المجتمعات التي فضلت تلقين مبادئ الفكر الشيوعي، أو على الأقل تلك التي آمنت بإصلاحاته المادية المزعومة على حساب التهذيب الديني والخلقي والإنساني، حتى إذا ما انقشعت ظلمته عن الجزء الذي خيم عليه من العالم، وأفرز جحافل من المثقفين لم تلتزم بوازع إنساني، ولم تلقن تعاليم دينية تلتزم من خلالها بمبادئ تحتم نمطا من السلوك يحرم انتهاك حرمات الغير، ويغرس قيم الحوار والتشاور والتناصح.
إن بلادنا لتفخر وتعتز، وستبقى أجيالنا القادمة تفخر وتعتز وتشيد، بحكمة وبعد نظر جلالة الملك العبقري الملهم ذي النظرة الصائبة، والتوقع الذي تسري على صاحبه سيما من خص بالوحي، ولا غرو أن هدت بشائرها سليل الدوحة النبوية الكريمة وارث سرها جلالة الملك المؤمن العبقري الصالح المصلح.
فبتلك العقيدة الراسخة والإيمان المتحكم في النفس والتربية الإسلامية الراقية، استشرف نهاية مطاف تيار اكتسح كل محيطه، وانتشر في كثير من أقطار الدنيا، والتهم جميع دول العالم الثالث، وأصبح المغرب هدف مؤامرات الكثير منها، فله يكيدون وعليه يتآمرون، ومن ثبات عقيدته وحسن تسييره وتربية أجياله يتوجسون خيفتهم، لإدراكهم أن بناءهم هش، ومستقبلهم مجهول.
وبالرغم من الرسائل الكثيرة التي لم يعوزها مال ولا تنظير ولا حبك جمل جدلية غررت بالكثيرين ظل المغرب، بفضل حسن تصور قائده وسهره على تربية أجياله، الطود الشامخ الذي تكسرت عليه صخرة كل أحلامهم، وعندما وصل المغرر بهم إلى بقعة سراب تلك الدعاية، ووجدوا عندها الندم والحيرة وقفلوا مع ذلك الطريق راجعين إلى نقطة البداية لبدء سلوك المسار الصحيح، وكأن قرابة أربعين سنة أسقطت من حساب بعض الدول الإسلامية التي اتبعت ذلك التيار، في هذا الوقت بقيت بلادنا بحمد الله تتابع مسيرتها دون مرارة الندم على ضياع مال وفكر وتعليم وجهود ووهن عقيدة من نفوس جحافل الشباب على مختلف مستوياتها مما سهل استخدامهم للقيام بما يشوهها.
إن مجهود جلالة الملك في هذا المجال تصغر أمامه جميع المكاسب، لأنه أعطى الإنسان الكامل، الإنسان المتحضر، إنسان الإيمان بالتقدم والتطور، ولكن من خلال الحوار والمشورة والبناء، واحترام الغير ورعي حق الله في عباد الله، يؤمن بأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يغدره ولا يحقره.
فبالتربية الإسلامية الحقة أصبح شبابنا والحمد لله يؤمن بحقوق الإنسان من خلال نظرة إسلامية تستبعد العنف، وتنزع من قاموسها غصب الحريات ووأد الأنفس تملصا من كل التعاليم الدينية، ونسفا لكل القوانين الوضعية، واستخفافا بكل العلاقات الإنسانية، ورجما بالغيب دون تبصر ولا تعقل، بل من فضل الله على هذا البلد أن حباه بقائد عبقري، موفق رسمت توجيهاته نظما جنبت المغرب هزات تلك التيارات التي أشير إليها قبل، وفتحت الباب أمام مستقبل سيكون بحول الله خلاله المغرب دولة الإسلام العصرية التي تعد نموذجا في التسامح والحوار، والتعاون والبناء والتشييد.
ولا أحتاج إلى التذكير بإرشادات كل رؤساء دول العالم على مختلف تناقضاتهم بمكانة جلالته، إذ أصبح موجها فاعلا في السياسة العالمية، ومرجعا يسترشد الجميع برأيه، ويستنير بفكره، ويعمل بتوجيهاته.
ولا أحتاج أيضا بأن أذكر بتنويه جميع علماء الإسلام من مختلف القارات والشعوب بجلالته خلال حضورهم للدروس الحسنية، التي أصبحت معلمة إسلامية بارزة، تميزت بها بلادنا عبر التاريخ، وقدم بها جلالته للإنسانية المثل الأعلى الذي تعجز الكلمات عن وصفه أو إدراك بعده التاريخي.
ولقد أصبحت تلك الدروس تستحق أن تعاد قراءتها، وتستخلص منها مواقف الإسلام في شتى مجالات المعارف، ثم تطبع منها الموسوعة الحسنية الإسلامية، لأنها أصبحت تتوفر على المادة الكافية لذلك.
وهي تتويج للعطاء الفكري والعلمي لأمير المومنين الحسن الثاني حفظه الله ونصره، وأقر عينه بولي عهده المحبوب سيدي محمد، وصنوه السعيد المولى رشيد إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here