islamaumaroc

الفتح الإسماعيلي لمدينة العرائش

  إدريس خليفة

العدد 326 شوال-ذو القعدة 1417/ مارس 1997

لقد كان فتح مدينة العرائش في العهد الإسماعيلي حدثا تاريخيا عظيما، احتفل به أهل المغرب أيما احتفال عند وقوعه، وغمر البشر والفرح النفوس، وأحس الناس بأن الدولة العلوية المجيدة التي قات لحماية الدين والدنيا جادة في الوفاء بعهودها من أجل تحرير المغرب من براثين الاستعمار الخبيث، الذي تمكن منذ احتلال مدينة سبتة من قبل البرتغال عام (818هـ - 1415م) من مواصلة عمله في محاولة اختراق المغرب، وتطويقه عسكريا واقتصاديا، بالسيطرة على مدنه الساحلية، وعزله عن العالم.
وإن الاحتفال بهذا الحدث لا يعني أبدا احتفالا بحقبة تاريخية انقطعت آثارها، وصارت من قبيل أمس الدابر، والتعلق بأمجاد الغابر وإنما هو احتفال بمجهود لا يزال المغرب يقوم به في وفاء وإخلاص من أجل تحرير بقية المدن المغربية، والجزر المحتلة في شمال المغرب، وتأكيد حقه في صحرائه المسترجعة بقيادة عاهله المفدى أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، ومن أجل أن يحقق المغرب كامل نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، محررا من أثقال الماضي وأغلال السيطرة الاستعمارية عن البلاد.
وفي نطاق رسم صورة كاملة ضمن ما تسمح به هذه العجالة المتاحة لنا، ينبغي الحديث عن محاولات الدولتين الإيبريتين: «إسبانبا» و»البرتغال» احتلال شواطئ المغرب، والاستيلاء على المغرب منذ بداية القرن التاسع الهجري (بداية القرن الخامس عشر الميلادي)، والحديث عن جهود المغاربة لمقاومة تلك الخطط، والحديث عن احتلال العرائش، ثم تحريرها من قبل السلطان المجاهد المولى إسماعيل.وسأختم حديثي بالكلام على منظومة في فتح العرائش للفقيه التطواني محمد الشودري، وهي منظومة تاريخية جيدة احتفت بهذا الحدث، وسجلته تسجيلا دقيقا، مستنبطة، من خلاله، عبره ودلالاته على المستويين العملي والشعبي.
ـ أولا: التآمر البرتغالي والإسباني على المغرب:
لقد قام المغرب بعمل عظيم في الدفاع عن دولة الإسلام بالأندلس، إذ كان المغاربة في مقدمة طلائع الفتح، وظلوا طوال عصور الأدارسة والمرابطين والموحدين إلى آخر عهد المرينيين يبذلون جهودا جبارة لإيقاف المد الصليبي، الذي كان يحاول الاستيلاء على شبه الجزيرة الأندلسية، والقضاء على الوجود الإسلامي فيها.ولقد مرت الأوضاع بالأندلس والمغرب في هذا السياق بمراحل ثلاث:
الأولى: مرحلة كان الإسلام فيها قويا، ودولته ناهضة، وكلمة المسلمين مجتمعة، وهو عصر ذهبي ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية، وأتت أكلها في مجالات العلوم والفنون والمعارف.
الثانية: فترة خلافات داخلية، ابتداء من عصر ملوك الطوائف، وقد أخذ المسلمون يفقدون منذ هذه العصور عددا من المدن والقلاع والأراضي بسبب ما كان بينهم من منازعات وخصومات، ومؤامرات مؤذنة بخراب العمران، وزوال الملك «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»
وقد عبر عن هذا شاعر الأندلس «ابن الأبار» إذ قال:
يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا            للحادثات وأمسى جدها تعســا
في كل شارقة إلمام بائقـــة                 يعود مأتمها عند العدا عرســا
وكل غاربة أجــحاف نائبة                 تثنى الأمان حذارا والسرور أسى
الثالثة- مرحلة القضاء على دولة الإسلام بالأندلس، حيث كانت النهاية الموجعة عند استسلام غرناطة على يد السلطان ابن الأحمر بشروط نقضها الإسبان، مؤكدين بذلك الرغبة في فرض المسيحية على المسلمين، وخضد شكوتهم، وإخراجهم، من ديارهم بقرارات لملوك الإسبان، وفي ظل محاكم التفتيش التي نصبتها الكنيسة لحرب المسلمين، ومنعهم من ممارسة حرياتهم الدينية.
الرابعة- مرحلة دفاع المغرب عن نفسه وضمن حدوده التاريخية يعد سقوط الأندلس، وتميز بمحاولات حربية مستمرة من قبل الدولتين" «إسبانيا» و»البرتغال»س لاحتلال المغرب، انطلاقا من شواطئه المتوسطية والأطلسية كثأر تاريخي للدولتين على المغرب، الذي ظل بالأندلس طيلة ثمانية قرون، يحميها ويمدها بحضارته وكيانه الفكري والعلمي والبشري والاستراتيجي.
وكان من غايات الحملة على المغرب القضاء على الإسلام، ونشر المسيحية في ربوعه، كما يؤكده الكاتب الإسباني (طوماس فيغيراس)، وهي السياسة التي خطط لها الملكان الكاثوليكيان: (Les Reyes  Catholicos)  منذ القرن الخامس عشر للميلاد، وقام على تنفيذها رجل الدولة الإسباني الداهية الماكر (Cisneros)، وكانت لا تستثنى من غاياتها العمل على الاستيلاء على البقاع الإسلامية المقدسة.
وفي هذا النطاق تركت الملكة الكاثوليكية (إيزابيلا) وصية لها، وعملت السلطة البابوية المسيحية في مجال التنسيق بين الدولتين، وتقسيم مناطق النفوذ بينهما لنا فيه صلاح الكنيسة الكاثوليكية.وقد وقعت الدولتان لهذا الغرض معاهدة (Alcoçovas) بتاريخ 4 شتنبر 1479، التي اعترفت فيها البرتغال للدولة الإسبانية بالحق  في غزو مملكة فاس، ومعاهدة (طليطلة) بتاريخ 6 مارس 1480، التي تخلت فيها البرتغال لجارتها عن (جزر الكنارياس)، وتخلت الأخرى لجارتها عن أراضي (مملكة فاس).
وجاءت بعد ذلك اتفاقية (طردسياس) Tordesillas لعام 1494، التي أكدت نفس الاتجاه، وإن كان من الملاحظ أن كل دولة كانت تسابق الدولة الأخرى بمواقفه ومباركة من سلطان البابا لاحتلال أي موقع مغربي يمكن احتلاله.
وفي إطار هذه السياسة التي كانت معززة بجيوش جرارة مدربة، وأساطيل قوية معبأة، وقواد عسكريين ممتازين، بجد، ومهارة، وتخطيط، وأمن، تنعم به الدولتان الاستعماريتان، وتصور واضح لهيمنتهما على العالم بعد نهاية عصر الاسترداد كانت الحملات التي شنتها الدولتان على المغرب، واحتلال عدد من المواقع الشاطئية فيه.
وأول هذه العمليات كانت عملية احتلال مدينة «سبتة» عام 818هـ - 1415م من قبل دولة البرتغال، وبقوا هم المحتلين لها إلى عام 1580 عندما انتزعها الإسبان منهم بعد هزيمة البرتغاليين في معركة (وادي المخازن)، ثم محاولة احتلال «العرائش» عام 1418م، وهجومهم على «تطوان» عام 1435م، وعلى «طنجة» عام 1437، وتخريبهم مدينة «تطوان» في بداية القرن التاسع الهجري، واحتلال «القصر الصغير» عام 1458، وكانت منهم محاولة أخرى لاحتلال «طنجة» عام 1463 أو 1464م.
وفي عام 1468 هاجموا «آنفا» واحتلوها، ثم تخلوا عنها بعد ما هدموا أسوارها، وهاجموا «أصيلا» عام 1471م، واحتلوا «طنجة» عام 1471م، واستمر احتلالهم لها إلى عام 1662م حين سلموها كصداق لزواج الملك الإنجليزي (شارل الثالث) بالأميرة (كاثرين دي براغانزا) البرتغالية، واحتلوا «أكادير» عام 910هـ - 1505م، وبنوا بها حصنا سموه (فونتي)، واحتلوا آسفي عام 918هـ - س1507م، «آزمور» عام 919هـ - 1513م، وثغر «المعمورة» (المهدية) عام 921هـ - (1515م).وفي عام 986هـ - 4 غشت 1578 كانت «معركة وادي المخازن الكبرى» بين البرتغاليين بقيادة عميدهم الملك (سبستيان) والمغاربة بقيادة البطل (عبد الملك السعدي)، والتي انتصر فيها المغاربة انتصارا ساحقا كان سببا في أفول جدولة البرتغال، والقضاء على ملكهم.
وقد كان لسقوط عدد من المراكز الشاطئية في يد القوات الاستعمارية البرتغالية أثره العظيم في إذكاء الحماس الوطني، الذي تجلى في شكل نزعه دينية صوفية، تدعو الناس للجهاد في سبيل العقيدة والوطن.وقد ترأس أهل الزوايا عددا من حملات الجهاد، وكان لهم دور القيادة الروحية في هذا العصر، واستشهد كثير من زعمائهم، وصلحائهم فيمن استشهدوا في جهاد البرتغاليين.
وقد حدثنا عن هذا التيار القوي الذي ساد المغرب في هذه الفترة أبو العباس الناصري فقال:
«ولما نزل بأهل المغرب الأقصى ما نزل من غلبة عدو الدين واستيلائه على ثغور المسلمين، تباروا في جهاده وقتاله، واعملوا الخيل والرجل في مقارعته ونزاله، وتوفرت دواعي الخاصة منهم والعامة على ذلك، وصرفوا وجوه العزم لتحصيل الثواب فيما هنالك، فكم من رئيس قام لنصرة الدين غيرة واحتسابا، وكم من ولي عصر أو عالم مصر باع نفسه من الله ورأى ذلك صوابا، حتى لقد استشهد منهم أقوام، وأسر آخرون، وبلغ الله تعالى جميعهم من الثواب ما يرجون.
فممن استشهد منهم في سبيل الله سيدي عيسى من الحسن المصباحي دفين الدعداعة بأرض البروزي من بلاد طليق، وأبو الحسن بن عثمان الشاوي من أصحاب الشيخ أبي محمد الغزواني، وأبو الفضل فرج الأندلسي ثم المكناسي، وأبو عبد الله محمد القصري المعروف (بسقين)، قتله النصارى عند ضريح الشيخ أبي سلهام، وكان قصده للزيارة، ففتكوا به هنالك، وكل هؤلاء معود في أولياء الله تعإلى.
وممن أسر منهم ثم خلصه الله الشيخ أبو محمد عبد الله بن ساسي دفين (تانسيفت) من أحواز مراكش، والشيخ أبو محمد عبد الله الكوش دفين (جبل العرض) من أحواز فاس، ووالد صاحب «دوحة الناشر» وهو أبو الحسن علي بن مصباح الحسني عرف (بابن عكر)، والشيخ العلامة أحمد بن القاضي المكناسي أحد قضاة مثلا، وهو صاحب «جذوة الاقتباس» و»المنتقى المقصور» وغيرها من التأليف الحسان، أسر وهو ذاهب إلي الحج، وأبو عبد الله محمد بن أبي الفضل التونسي المعروف (بخروف) نزيل فاس وشيخ الجماعة بها.
هؤلاء كلهم أصابه الأسر، ثم خلصه الله بعد حين، وغير هؤلاء ممن لم يحضرنا ذكرهم، أجزل الله ثوابهم، ويسر بمنة حسابهم.ولقد ألف الناس في ذلك العصر التأليف في الحض على الجهاد والترغيب فيه، وقال الخطباء، والوعاظ في ذلك وأكثروا، ونظم الشعراء والأدباء فيه ونثروا.
فممن ألف في ذلك الباب أفاد «الشيخ المتفنن البارع الصوفي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن يجبش التازي قال في «الدوحة»:
«وقعت له على تأليف في الحض على الجهاد، في سبيل الله، فكان مما ينبغي أن يتناول باليدين، ويكتب دون المواد، باللجين، أودعه نظما ونثرا».
وممن نظم في ذلك فأجاد الشيخ الصالح المتصوف المجاهد أبو عبد الله محمد بن يحيى البهلولي، قال في «الدوحة»: «كان هذا الشيخ ممن لازم باب الجهاد وفتح له فيه، وله في ذلك أشعار وقصائد زجليات وغيرها.
وكان معاصرا للسلطان أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد الشيخ الوطاسي المعروف بالبرتقالي، فكان إذا جاءه زائرا خصة على  الغزو، فيساعده على ما أراد من ذلك.
ولما توفي السلطان المذكور، ودالت الدولة لولده السلطان أحمد، وغص بالشرفاء القائمين عليه ببلاد السوس: الهدنة مع النصارى المجاورين له ببلاد الهبط، وصاحبهم سلطان البرتغال، فبلغ ذلك الشيخ أبا عبد الله المذكور، فإلى على نفسه أن لا يلقى السلطان المذكور، ولا يمشي إليه، ولا يقبل منه ما كان عينه له والده من جزية أهل الذمة بفاس لقوته وضرورياته، فمكثت على ذلك إلى أن حضرته الوفاة، وكان في النزع وأصحابه دائرون به فقال له بعضهمك: «يا سيدي» أخبرك أن السلطان أمر بالمعروف، ونادى به، وحض الناس عليه، والمسلمون في شره لذلك وبفرح.
ففتح الشيخ عينيه، وتهلل وجهه فرحا، وحمد الله وأثنى عليه ففاضت نفسه وهو مسرور بذلك.
ولهذا، الشيخ زجليات ومقطعات حسان في الحض على الجهاد، منها اللامية المشهورة التي خاطب بها السلطان أبا عبد الله المذكور ومطلعها:
قل للأمير محمد              
           يا طلعة الهلال
لويلة في السواحل               
          من أفضل الليال
ومنها القصيدة التي مطلعها:
قم للجهاد رعاك الله منتهجا           
         نهج الرشاد إلى الأقوام لو فهموا
من بعد أندلس مازلت محتدما         
          لو كان يمكنني في الليل أحترم
وترجع الأطماع الاستعمارية الإسبانية بالمغرب إلى نفس الفترة التي عبأت البرتغال قواتها لبسط نفوذها عليه، بقطع النظر عن بعض المحاولات السابقة التي قامت بها إسبانيا في هذا المجال آخر عصر الموحدين.
وفي نطاق هذه الأطماع احتلت إسبانيا مدينة «مليلية» عام 1497م و"غساسة" القريبة منها عام 1505م، و"حجرة النكور" (Pnon de Alhvencas) عام 1673 وجزر كيدانة» (تعرف بجزر ملوية)، ويطلق عليها الإسبان اسم (الجزر الجعفرية)  (Las Chafaninas)عام 1848، و»جزيرة البرهان» التي توجد على بعد بضعة كيلوممترات شمال مدينة «مليلية» عام 1848م، و»جزيرة الطاورة» (La islade)  Pergil (جزيرة المعدنوس) عام 1668م، عندما سلمها إليهم البرتغاليون، الذين احتلوها عام 1415م، في الوقت الذي احتلوا فيه «سبتة» واحتل الإنجليز هذه الجزيرة عام 1808م، ثم اضطروا للجلاء عنها عام 1808م.
ثانيا: احتلال الإسبان مدينة العرائش وتحريرها على يد المولى إسماعيل:
لقد احتل الإسبان مدينة العرائش عام 1019هـ مستغلين الفتن الداخلية للمغرب أواخر العصر السعدي، عندما حارب الأمراء السعديون بعضهم بعضا، وعندما تغلب السلطان زيدان على فاس انهزم أمامه أخوه الشيخ المامون من المنصور، متوجها إلى العرائش، ومنها ركب البحر إلى إسبانيا، مستصرخا ملكها على أخيه السلطان زيدان فشرط عليه ملكها أن يسلم إليه العرائش ويملكه إياها.
فقبل الشيخ ذلك والتزمه، وخرج حتى نزل «حجر بادس» سنة 1018هـ وشرع بعد العدة لتسليم العرائش، ولم يجد أحدا يساعده على غرضه عدا فائدة الجرنى.
ودخلها الإسبان نتيجة لذاك في رابع رمضان سنة تسمع عشرة وألف هجرية.
وقد ارتج المغرب لهذا العمل الشفيع، واضطرب وتمادى الناس بالجهاد قال النصارى:«وكان الشيخ لما خاف الفضيحة، وإنكار الخاصة والعامة عليه إعطاءه بلدا من بلاد الإسلام للكفار، احتال في ذلك وكتب إلى علماء فاس وغيرها، يذكر لهم فيه أنه وغل في بلاد العدو الكافر، واقتحمها كرها بأولاد وحشمه منعه النصارى من الخروج حتى يعطيهم ثغر العرائش، وأنهم ما تركوه يخرج بنفسه حتى ترك لهم أولاده وهنا في ذلك، فهل يجوز له أن يفدى أولاده من أيدي الكفار بهذا الثغر أم لا؟
فأجابوه بأن فداء المسلمين، سيما أولاد أمير المومنين، سيما أولاد سيد المرسلين (ص) من يد العدو الكافر بإعطاء بلد من بلاد الإسلام له جائز، وإنا موافقون على ذلك.
قال:
«ووقع هذا الاستفتاء بعد أن وقع ما وقع، وما أجاب من أجاب من العلماء عن ذلك، إلا خوفا على ننفسه.
وقد فر جماعة من تلك الفتوى كالإمام أبي عبد الله محمد الجنان صاحب «الطرر على المختصر»، وكالإمام أبي العباس أحمد المقري مؤلف «نفح الطيب» فاحتفيا مدة استيراد لدينها حتى صدرت الفتوى من غيرهما، وبسبب هذه الفتوى أيضا فر جماعة من علماء فاس إلى البادية: كالشيخ أبي علي الحسن الزياني شارح «جعل ابن الجراد» والحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي وغيرهما.
وعندما عصفت رياح التغيير بالدولة السعدية التي عجزت عن تحمل مسؤولياتها التاريخية، وطنيا ودوليا، قيض الله لهذه الأمة من يحدد لها ملكها، ويجدد شبابها ويحمي حماها، ويذود عن حدودها، وينظم شؤونها ويقوم اعوجاجها ويوحد صفوفها في شخص الدولة العلوية ، التي جعلت في مقدمة اهتماماتها وانشغالاتها أمر تحرير المناطق المحتلة، والدفاع عنها، ورصد كل الإمكانات لإرجاعها للوطن، وفك أسرها.
وفي ظل هذا الاهتمام كانت مسيرة السلطان العلوي أبي النصر المولى إسماعيل بن الشريف، الذي كان ملكا ماضي العزيمة، أبي الهمة، شجاع النفس، وطنيا غيورا، استخلص غيرته الوطنية من أحكام الدين، وسيرة جده المصطفى سيد المرسلين. ومن تجارب الماضين من ملوك الأمة وزعمائها وعلمائها. وقد توطدت هيبته في النفوس، وهابه ملوك أوروبا والدول المجاورة، فكانوا لذلك يخطبون مودته، ويوفدون إليه السفارات ويستشيرونه. وكان هو ملتزما بأصول المعاملات السياسية الحكيمة، فكان يكرم من يتودد إليه ولا يعاقب ويؤنب إلا من يخرج عن الجادة. ويسلك مسلك الطغاة، ولا يعلن الحرب على أحد حتى يعلم الخصم بنيته، ويطلب منه التخلي عن أسباب النزاع والخصام، وله في هذا الشأن مراسلات مع ملوك فرنسا وإسبانيا وإنجلترا وغيرها من الدول.
ومن أجل الإعداد لتحرير الثغور الغربية من براثين الاحتلال قام بإصلاحات داخلية كبيرة، كان من أهمها القضاء على الفتن الداخلية وعلى زعمائها، وتنظيم مالية الدولة، وتجريد القبائل من السلاح حتى لا يستعمل في الاقتتال بين المواطنين، وتكوين جيش وطني قوي مجهز بالأسلحة المناسبة للعصر، مدرب على خوض المعارك الضارية، وفرض الخدمة العسكرية الإجبارية بالمغارب -لأول مرة- على كل الرجال الأصحاء القادرين على حمل السلاح، وبنى القلاع العسكرية في كل جهات المغرب، وبذلك أعاد للمغرب هيكلة نظمه الأساسية التي تجعله قادرا على مجابهة تحديات العصر.
وعندما تمكن من التغلب على أكثر التحديات الداخلية وجه همته لتحرير الثغور المحتلة.ففي عام (1092هـ - 1681م) تمكن من فتح المعمورة (المهدية)، التي كان الإسبان احتلوها عام 1610م، ودخلها جيشه عنوة، وفتح (طنجة)، وأجلى الإنجليز عنها عام (1095هـ 16.84م). وحرر (أصيلا) عام 1691. وتمكن من فتح (العرائش)، وانتزاعها من يد الإسبان عام (1101هـ 1689م)، ثم وجه عنايته لاسترجاع مدينة (سبتة) التي ضرب عليها الحصار إلى وفاته عام (1139هـ 1726م). كما وجه جيشه لحصار مدينة (مليلية).
وتذكر المصادر المغربية لتاريخ فتح مدينة (العرائش) من قبل المولى إسماعيل أنها فتحت بعد معاناة شديدة على يد القائد المغربي أبي العباس أحمد بن حدو البطوثي، وأن المجاهدين حفروا تحت خندق سورها الموالي للمرسي، وملأوه بالبارود، ثم أوقدوه فنفطت، وسقط جانب من السور، فاقتحم المسلمون منه، وتسلقوا نحو من كان من النصارى فوق الأسوار، ووقعت ملحمة عظيمة، فر على إثرها النصارى نحو حصن القبيبات الذي بناه المنصور السعدي واعتصموا به يوما وليلة، ثم خامرهم الجزع وطلبوا الأمان.
فآمنهم القائد أبو العباس المذكور على حكم السلطان، ثم أخذوا زسارى، ولم يعتق منهم إلا أميرهم وحده. وكان هذا الفتح يوم الأربعاء الثامن عشر من المحرم «سنة إحدى ومائة وألف».
وكان عدد نصارى العرائش قبل الأسر ثلاثة آلاف ومائتين، أسر منهم نحو ألفين، وقتل إثنتا عشرة مائة، ووجد المجاهدون بها من البارود والعدة ما لا يحصى كثرة، ومن المدافع مائتين وثمانين، اثنان وعشرون من النحاس، والباقي من الحديد، ومدفع كان يسمى باسم (الغصاب)، طوله خمسة وثلاثون قدما.وقد أعطى «مانويل القشتالي» معلومات عن هذه الموقعة تفيد أن مدينة (العرائش)، عندما دخلها الإسبان بإذن الملك السعدي الشيخ بن المنصور، وفي زمن الملك الإسباني فيلب الثالث، عملوا على إصلاح تحصيناتها حتى صارت في غاية المناعة، وأن الملك المغربي استعان في فتحها بالملك الفرنسي (لويس الرابع عشر) الذي أمده بخس بوارج (فراقط) لحصارها بحرا، بينما حاصرها المولى إسماعيل بستة عشرة ألف جندي برا، وأن الحصار انطلق من بداية عام 1689، وتخلى عنه المغاربة فترة من الزمن، ثم فرض الحصار عليها من جديد في يونيه من السنة المذكورة، ودام خمسة أشهر، إلى أن استسلم النصارى في الحادي عشر من نونبر.
وزعم «مانويل» أن ذلك كان على شرط إخلاء سبيل الحامية الإسبانية وتحريرها من الأسر، لكن السلطان أمر بأسرهم، وساقهم إلى فاس ومكناس، وقد قتل من المغاربة جثمانية عشر ألف رجل.وما ادعاء «مانويل» من كون استسلام النصارى للمغاربة كان على شروط -منها أمان الأسرى وتحريرهم- موضوع لا يسلم به الجانب المغربي. كما توضح ذلك رسالة السلطان المولى إسماعيل إلى ملك إسبانيا، التي تفيد أن الأمان بذل لمائة جندي إسباني، لكن هؤلاء رفضوه.
ولذلك لم يكن من الممكن أن يستفيدوا منه، ويظفروا بالتحرير من الأسر حسب مقتضيات الشريعة الإسلامية وفتاوي فقهاء المسلمين في الموضوع.
واغتنم المولى إسماعيل فرصة إثارة الموضوع لمطالبة إسبانيا بفداء أسراها بالكتب التي أخذها النصارى من مسلمي الأندلس، ومقابل الأسرى المغاربة الذين كانوا في حوزة الدولة الإسبانية.وفي هذا تقول رسالته المشار إليها:
«وجه خلاص هذه المائة بالوجه الذي عملناه لكم، وأعطيناكم فسحة فيه، وإلا فالمائة المذكورة أرقاء أسارى من جملة إخوانهم، وذلك أن تعطونا في الخمسين نصرانيا من هذه المائة خمسة آلاف كتاب، مائة كتاب عن كل نصراني من كتب الإسلام الصحيحة المختارة المثقفة… وتعطون خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى، عشرة أسارى لكل نصراني من عبد الله إسماعيل المتوكل عن الله، المفوض أموره إلى الله، أمير المومنين المجاهد في سبيل رب العالمي الشريف الحسني أيده الله آمين.
ثم الطابع الملوكي، بداخله إسماعيل بن الشريف الحسني أيده الله ونصره، وبدائرته «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجل أهل البيت ويطهركم تطهيرا»:
«إلى عظيم الروم، وملك أقاليم اسبانية وبلاد الهند، والمتولي أمورها، والمنصرف في أقطارها (درنكرلوس).
السلام على من اتبع الهدى
أما بعد،
فقد بلغنا كتابكم صحبة خديمكم (دون منويل بيردلون)، وخديمكم (دون أبيل مسيح)، وهو الكتاب الذي وجهتم لنا جوابا عن كتابنا الذي أصدرناه -إليكم، ووصلكم صحبة (الفرايلي) قبل هذا.
وبعد أن قرأناه، وفهمنا لفظه ومعناه، وألقى إلينا خديمكم (دون أبيل مسيح) ما في خاطركم، وما طلبتموه منا من فك هذه المائة من النصارى، الذين وقع الكلام قبل هذا، رددنا إليكم جواب كتابكم، ووجهناه من خديم دارنا العلية بالله، كاتبنا ومتولي الخط الأقرب من بساطنا السيد (محمد ابن عبد الوهاب) الوزير.
ولولا مزيتكم عندنا، ومعرفتنا بمنصبكم، ما سمحنا بفراق كاتبنا عن بساطنا لمهمات أمورنا، وأذنا لخديمنا الأكبر الأعز الأشهر (أبي الحسن القائد علي بن عبد الله) أن يبعث معه رجلا من أصحابه، فوجه خديمنا (عبد السلام بن أحمد جسوس) معاشرا له ومرافقا، وعند الكاتب المذكور قضية دخول جند الإسلام المظفر بالله على نصارى العرايش، وفي علمه وعلى باله كل ما كان في ذلك من الكلام والأسباب، وكيفية الخبر في ذلك، فثقوا به، وتعرفوا منه، فإنه حفظه ورعاه من أوله إلى آخره، لملازمته لسلطنا العلي بالله في سائر أوقاته.
ونحن بلا شك كنا أعطينا القول لهذه المائة من النصارى بالسراح، ولكن وقع من النصارى ما اختل به منهم الأسباب ما يوجب عدم الوفاء لهم بذلك، فمنهم من كان ينادي بلفظ عينا على رؤوسهم، ومنهم من لم يرض بخروجهم على ذلك لذلك القول، وكاد يفتك بمن دخل إليهم من ختامنا الذين أوفدناهم عليهم، وبعضهم ركب لجج البحر، فارا بنفسه حتى أدرك وقت على الموج، وحاجنا مع هذا كله كبار ملتنا، وعلماء شريعتنا، وأئمة ديننا، بأن قالوا لنا: إن المسلمين كانوا أشرفوا على الغنيمة ساعتئذ، ووقع الغلب والظفر، ولم يبق للنصارى إلا المون بالسيف أو بالغرق، فلا وجه إسراحهم في الشريعة رأسا، وكنا في أثناء هذه المدة كلها نترك الكلام مع هؤلاء العلماء حفظهم الله. وقالوا لنا: هؤلاء المائة يكونون أسارى، ويسترقون من كل وجه، كيف وقد أخذوا العرايش من أول وهلة بلا موجب، بل أضغطوا الشيخ ابن السلطان الذهبي، وقبضوا عليه حتى أنفقوا عليه أموالا عديدة، ومسكوا أولاده بسببها حتى أعطاهم العرايش على ضغط منه، وعلى غير تأويل حقيقي في ذلك، وذكرونا في مسألة غير أسلافكم بأهل غرناطة وغيرهم، بما يزيد على الأربعين زلفا بعد تعدد الشروط على ستين شرطا، ولم يوفوا لهم بواحد منها، إلى غير ذلك من القدر والمكر بأهل غرناطة وغيرهم من أهل الأندلس في كل بلد وقرية بعد بلد وقرية، فألفيناهم ما تكلموا إلا بالحق. ويقينا في حيرة من أجل هذه المسألة من وجهين:
الأول: لا نقدر نخالف شريعتنا التي هي أساس ديننا.
والوجه الثاني: ذلك المقول الذي سمعه في تلك المائة أحببنا الوفاء به، وأنفت نفوسنا أن يسمع عنا الناس قلنا كلمة ولا نوفي بها، ولولا معارضة العلماء لنا بعذا الاحتجاج القوي لكنا سرحنا هذه المائة مع (الفرائلي) وأصحابه الذين أتوكم قبل هذا مسرحين.
فلأجل هذا، أبصرنا كلام علامائنا في هذه النازلة لابد منه ولا محيد عنه، وأحببنا أن تسع الناس أنا وفينا في قولنا، ولم يلزم فيه حرج، ولا معارضة، ولا كثرة اعتراض، ولم يلزم فيه من حجة الشرع إثم، فأردناكم تعملون لنا وجه خلاص هذه المائة بالوجه الذي عملناه لكم، وأعطيناكم فسحة فيه، وإلا فالمائة المذكورة أرقاء أسارى من جملة إخوانهم، وذلك أن تعطونا في الخمسين نصرانيا من هذه المائة خمسة آلاف كتاب (مائة كتاب عن كل نصراني) من كتب الإسلام الصحيحة المختارة المثقفة في خزائنهم باشبيلية وقرطبة وغرناطة، وما ولاهم من المدن والقرى، حسبما يختارها خديمنا المذكور، من المصاحف وغيرها، وتعطون خمسمائة أسير من المسلمين في الخمسين الأخرى (عشرة أسارى لكل نصراني) وإن لم توجد الكتب التي هي مرادنا فاجعلوا عرضها من أسارى المسلمين، وأعطوهم لنا من الأسارى الذين في الأغرية وغيرهم، وقبلنا منكم في العدد المذكور الرجل والمرأة، والصبي الصغير، أو الكبير والشيخ المسن، من أيالتنا وغيرها، إذ ما لنا قصد إلا في الأجر والثواب في فكاك أسرى المسلمين كيف ما كانوا، ومن أي بلاد كانوا، وإلا فالاعتناء الكلي إنما يكون بأهل الدواوين من الجند، أو العلماء حملة الشريعة، وعامة المسلمين، إنما نقصد بفكاكهم وجه الله تعالى، فإن أنتم سارعتم لهذه المسألة فما عملكم إلا الخير في أرواحكم وفي إخوانكم، وإن ثقل عليكم هذا الأمر، ولم تقدروا عليه، فرجعوا خديمنا الكاتب الذي وجهناه إليكم في أمان الله كما أتاكم، والمائة من النصارى نصيرهم من جملة الأسارى إخوانهم، يخدمون مثلهم.
وإذا نحن أبصرنا منكم المسارعة لأغراضنا، والجد في ابتغاء مرضاتنا، وأنجزتم بأرواحكم في هذه المسألة فلا ترون منا إلا ما يعجبكم، وحتى باقي نصاراكم الذين هم عندنا من أصحاب العرايش وغيرها من غير هذه المائة نعمل لكم الكلام في سراحهم بما يرضينا فبهم عندكم، إن عملتم الواجب الذي لنا عليكم، وتعرفتم الصواب الذي تعين عليكم، كما ذكرتم في كتابكم.
وبرجوع خديمنا حامله بما ذكرناه في هذه المسألة نلقاه هذه المائة نصراني لسبتة، ويكون ملتقى الجميع فيها، ولا عندنا معكم في هذا إلا الجد الصحيح، والعمل الصريح بحول الله تعالى: وكتب لسادس عشر ذي  الحجة الحرام خاتم عام واحد ومائة وألف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here