islamaumaroc

تأملات في مفهوم الهوية المغربية

  محمد فاروق النبهان

العدد 326 شوال-ذو القعدة 1417/ مارس 1997

تتكون هوية الأمم والشعوب على امتداد التاريخ من خلال مكونات ثابتة تترسخ في الذاكرة والوجدان الشعبي كعناصر أساسية في تكوين الذاتية، وتسهم بطريقة مباشرة في صياغة ثقافة عامة موحدة للوعي الوطني، ومغذية للوجدان الشعبي، ومحركة للطاقات والإرادات في عمل جماعي في مواجهة التحديات والأخطار...
والمكونات التي تسهم في تكوين الذاتية الوطنية ليست على درجة سواء من حيث الأهمية، وتختلف مكانتها بحسب الأثر الذي تحدثه في ضمير الجماعة في المواقف الحرجة عندما تتعرض ذلك الشعوب للأخطار، كما تختلف أهميتها بحسب ما يشعر الفرد بحاجته إليها في صياغة ذاتيته وتكوين شخصيته.والشخصية المغربية هي نتاج ذلك التفاعل بين الإنسان والمكونات التي أسهمت في صياغة الذاتية المغربية، سواء كانت تلك المكونات ذات طبيعة جغرافية أو تاريخية أو ثقافية أو عاطفية، والهوية المغربية هي تميز ناتج عن أثر تلك المكونات في سلوك الفرد وعاطفته...
وإذا كانت الجغرافيا تمثل الانتماء الجغرافي المؤثر في تكوين الذاتية فإن تلك الجغرافيا -لا يمكن أن تؤثر بطريقة مباشرة في صياغة شخصية حضارية متميزة، لأنها تجسد الانتماء المكاني، والمكان هو العامل الأقل أهمية في صياغة معالم الهوية، ولابد من مضمون ثقافي يجعل من الجغرافيا ذات أبعاد حضارية، تعبر عن خصوصيات ذاتية ملهمة ومحركة للإرادات ومثيرة للعواطف.
وأمة بلا ثقافة سرعان ما تنهار لأنها لا تملك مقومات الحياة، وأهمها هوية انتماء، والأمم التي تملك هوية الانتماء تضعف ولكنها لا تنهار، وتنهزم ولكنها لا تستلزم وتتراجع ولكنها لا تفنى، لأن هويتها تظل في ضميرها كبذرة تتطلع إلى الحياة، وتكابد ففي سبيل تلك الحياة.
والأمم التي تملك مكونات حقيقية لهويتها الوطنية ترفض الاستلاب وتفشل كل مخطط لإفنائها، ولا تقبل بأن تفرط في ذاتيتها، وتحرص على أن تحافظ على وجودها، وهذا هو السبب الحقيقي في رفض الأمم والشعوب لفكرة الاستعمار، والشعوب ذات الهوية تحارب وتضحي. لأنها تدافع عن هويتها وذاتيتها وحرمة كيانها، ولهذا فإن الفكر الاستعماري يحرص على التشكيك في هوية الأمم وفي إضعاف الذاتية، لكي يتمكن من السيطرة والهيمنة، وهذا ما نلاحظه في جهود المستشرقين الذين كانوا يحرصون على إثارة القضايا الخلافية، سواء كانت دينية أو طائفية أو قومية أو لغوية…
والهوية في مفهومها العام هي ما يكون به الشيء متميزا عن غيره من حيث خصائصه الذاتية، ومن حيث تفرده واستقلاليته عن غيره، ولكل فرد هوية متميزة، هي نتاج خصائصه، ولكل أمة هوية هي نتاج ما تتميز به تلك الأمة من مكونات ومقومات وخصائص…
والشخصية المغربية هي نتاج عوامل ومكونات أسهمت في تكوين ملامح هذه الشخصية، وجعلت الهوية المغربية واضحة المعالم عميقة الجذور، والعقيدة الإسلامية هي العامل الأهم في تكوين الشخصية المغربية.
والإسلام بالنسبة للمغاربة ليس مجرد دين، وإنما هو ثقافة وعقيدة وتاريخ وحضارة ولغة وقيم وعادات، ومن اليسير أن نكتشف أثر الإسلام في القيم السائدة والعادات الاجتماعية، والإسلام هو سلاح المغاربة الأقوى والأمضى… وهو الهوية الحقيقية التي تميز الشخصية المغربية في مواقفها وسلوكها وتجسد ثقافتها وقيمها.…
والهوية المغربية العربية والإسلامية هوية حقيقية متكاملة ومنسجمة، والتاريخ المغربي يؤكد أن المغاربة اختاروا الإسلام بمحض إرادتهم، وأرادوه أن يكون بالنسبة لهم الهوية الثقافية الوحيدة التي لا تقبل المزاحمة والمنافسة، وأصبح الإسلام هو المصدر الوحيد للفكر المغربي، والإسلام بالنسبة للمغاربة ينبوع فكر، ومصدر ثقافة، وعنوان انتماء وبفضل الإسلام أصبحت الشخصية رؤيتها وتكامل تصورها الحضاري.
واستطاعت الشخصية المغربية أن تواجه وأن تتحدى خلال تاريخها، وكان الإسلام هو العامل الأهم في تكوين شخصيتها الذاتية القادرة على الشعور بالتميز، والدفاع عن تلك الشخصية بفاعلية وحماس.وتاريخ المغرب يؤكد أن الإسلام كان يمثل الهوية المغربية الوحيدة التي ما ضاق المغاربة بها يوما، لأنها الهوية الموحدة للكيان المغربي، التي أعطت للحضارة المغربية امتدادها الإنساني المستمد من الثقافة الإسلامية.
واللغة العربية هي لغة القرآن ولغة الثقافة الإسلامية، ولغة التراث الإسلامي، والمسلم لا يضيق بالعربية أبدا، لأنها لغة ثقافته وتراثه، وهي تجسيد لذلك التواصل بين الذاتية المغربية وتراثها الثقافي، وبفضل هذا استطاعت اللغة العربية أن تجد موقعها في تكوين الهوية المغربية، كأداة معبرة عن التواصل بين الإنسان وفكرة…
إن أزمة الهوية المغربية ليست نتاج الواقع المغربي الذي كان باستمرار واضحا في انتمائه العربي الإسلامي، في ماضيه وحاضره، وإما هي نتاج أفكار مشبوهة أريد لها أن تكون أداة لتمزيق الكيان المغربي الموحد، عن طريق التلويح بوجود أزمة الهوية، وتكوين تيارات فكرية تتبنى هذا الشعار، لإضعاف الثقة بالشخصية المغربية وتفكيك صلة المغرب بمحيطه الجغرافي العربي والإسلامي الذي كان مصدر قوة للمغرب في صراعه التاريخي مع الدول الأوربية التي كانت تريد إخضاعه وإذلاله وإلغاء هويته العربية الإسلامية…
والمغرب في دفاعه عن هويته العربية الإسلامية يدافع عن وجوده وحدته وثقافته وتراثه، كما يؤكد بهويته هذه على رفضه لكل الثقافات الوافدة والأفكار المشبوهة التي تهدد استقلاله ووحدته وكيانه.ولفظة «أزمة الهوية» يراد بها التشكيك في الشخصية المغربية التي ما شعرت يوما بوجود هذه الأزمة، ولو كانت هناك أزمة في وضوح الهوية المغربية لما استطاع المغرب أن يصمد في وجه التحديات لمدة قرون، وأن يكسب معاركه بفضل تعلق المغاربة بهويتهم العربية الإسلامية التي كانت مصدر إلهام وعامل قوة في كل المواقف…
والهوية العربية الإسلامية لا تعني الانتقاص من مكانة أي شعب واستقلالية ذاتيته، ولا تعني تبعية أي شعب لآخر. فالمغاربة حافظوا عن استقلالية شخصيتهم، ومازالت الثقافة الإسلامية في المغرب محتفظة بخصوصياتها الذاتية عقيدة وفقها ومنهجا، واستطاع المغاربة أن يطبعوا ثقافتهم بالتميز، وأن يضيفوا الكثير الى الثقافة الإسلامية، من خلال مصنفاتهم التي اشتهرت في العالم العربي والإسلامي، وأصبحت لها مكانة الريادة والتقوى بين المصنفات الإسلامية، نظرا لأصالة منهجها، ووضح صلتها بالرواية الصحيحة، واعتمادها على الأسانيد الموثوق بها، حتى أصبحت الأسانيد المغربية حجة في مجال التوثيق، لدقة معاييرها في الجرح والتعديل.
والخصوصية العربية الإسلامية التي تميز الهوية المغربية هي المكون الأقوى في وضوح معالم هذه الهوية، لأن هذه الخصوصية ذات أبعاد كبيرة ومؤثرة في  الكيان المغربي، سواء على مستوى الثقافة العربية أو على مستوى القيم الاجتماعية السائدة، وعندما تتوارى هذه الخصوصية تحت تأثير الرؤية الضيقة للشخصية المغربية فسرعان ما يظهر أثر ذلك بطريقة سلبية في السلوك العام وفي القيم والعادات وفي تكوين الشخصية ووحدة المشاعر الوطنية، لأن الشعب المغربي على اختلاف انتماءاته شديد التعلق بالثقافة الإسلامية، واسع المعرفة بكل مكونات هذه الثقافة، غيور على كل ما يتعلق بالقيم الإسلامية، معتز كل الاعتزاز بلغة القرآن، متشبث بتراثه العربي الإسلامي، مؤمن بأن الإسلام بالنسبة لله هو انتماؤه وهو هويته....
واللغة العربية في المغرب هي لغة الثقافة المغربية، وهي أقوى أثرا من هوية الانتماء القومي، فالمغربي لا يبحث عن العروبة كانتماء قومي وإنما يبحث عن العربية كهوية إسلامية، والشخصية المغربية تمزج بين الانتماء العربي والإسلامي وترفض أي فصل بينهما، وترى في اللغة العربية ملامح الإسلام، وهذا ما جعل العروبة والإسلام في المغرب يعبران عن معنى واحد ويشيران الى شخصية واحدة، وهذه الظاهرة تجدها واضحة في تصور الشخصية المغربية و في فكرها لأن العروبة في نظر المغاربة هي إطار معبر عن الانتماء لعقيدة الإسلام، وهي لا تنفصل عن مكوناتها الأساسية في مجال العقيدة أو الثقافة أو السلوك العام…والمغربي سواء تكلم العربية أو لم يتكلمها يجد في العربية ملامح هويته، ولا يضيق بهذه اللغة وإن كان لا يحسن التعبير بها لأنها لغة ثقافته ولغة عقيدته ولغة تراثه.
والتعددية القومية في الشخصية المغربية ليست تعددية ناتجة عهن تناقض في الانتماء الفكري، وإنما هي تعددية منسجمة في إطار الهوية العربية الإسلامية، ولهذا فإن معظم الأفكار والدعوات التي حاولت إيجاد فجوة في مفهوم التعددية المغربية فشلت على صعيد المواطن المغربي، ولم تجد تلك الأفكار رواجا في الأوساط الشعبية التي تنظر للشخصية المغربية في إطار مكوناتها الأساسية المتمثلة في العقيدة الإسلامية واللغة العربية والتاريخ الإسلامي...
والعروبة في الشخصية المغربية ليست عروبة مفردات لغوية وليست عروبة أنساب وإنما هي عروبة شعور بالانتماء، وعروبة ثقافة، وعروبة تراث، وعروبة تاريخ مشترك، ولهذا فإن المغاربة يجدون في ملامح العربي ثقافة الإسلام وقيمه، ويضيقون بالعروبة الرافضة لثقافة الإسلام، ولا يصدقون وجود عروبة بلا إسلام… وهذا ما يفسر رؤية الشخصية المغربية للعلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والإسلام كعاملين أساسيين في تكوين ملامح الهوية المغربية…

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here