islamaumaroc

القلم والسيف المغربيان مع الجزائر في محنتها ضد الاحتلال الأجنبي

  عبد الحق المريني

العدد 326 شوال-ذو القعدة 1417/ مارس 1997

كان احتلال فرنسا للجزائر بمثابة مقدمة لاحتلا المغرب، فنادى المقاومون المغاربة بالجهاد الذي أصبح فرض عين -بعد أن نزل عدو الدين بأرض الإسلام- وبتجهيز المتطوعين الذين لا يولون الأدبار، ويحسنون احتراف مهنة الجهاد والنضال»، كما ووجه الفقهاء والأدباء نداء للمقاومين يحضونهم فيه على الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، مصداقا للحديث الشريف، المؤمن ممن يجاهد بنفسه ولسانه»، وذلك ما نقرأه في رسالة بعث بها محمد عبد الله بن عزوز، أحد المقربين من شيوخ الزوايا إلى السلطان العلوي: اعلم أيها المنصور بعون الله، المجاهد في سبيل الله، المخلص الأعمال لله، أن النصارى ملكوا الجزائر وسبوا نساءها، وتجاسروا على القريب منهم والبعيد عنهم، وضعوا في هذا المغرب وفي الوصول إلى مدينة فاس، وهي دار ملكك، ومحل حكمك وروايتك، موجب عليك -نصرك الله- التهييء لهم، وجمع العساكر للقائهم…».
وعندما شرع الفرنسيون في  الاستيلاء على القطر الجزائري، أشد الشاعر محمد ابن إدريس العمراوي قصيدة حماسية رائعة، يدعو فيها المغاربة إلى الجهاد في الكفر وأشياعه، مستنهضا أهل الحمية والدين من المجاهدين لإنقاذ الجزائر، مشجعا إياهم على الاستشهاد في سبيل الله، وموصيهم بالتقوى، وبالرجوع إلى الدين القويم، والاستمساك بحبل الله المتين، حتى ينصروا على أعدائهم. وقد أمر السلطان المولى عبدالرحمان بن هشام أن تقرأ عند كل صلاة في المساجد، وعلى كرسي الوعظ في أدنى البلاد وأقصاها ومن أبياتها:
يا ساكني الغرب الجهاد الجهاد           فالكفر قد شارككم في البلاد
قوموا لنصر دينكم قومـــة                تحطم أهل الشرك حطم الجراد
فأين ما أعددتم لهــــــم                     من قوة الرمي وسبق الجيــاد
موتوا كراما في جهاد العدا               فالموت في الله حياة تراد
وجاهدوا الكفر وأشياعه                   واستخلصوا منهم بلادا بلاد
إخوانكم دينا وجيرانكـــــم                 اضحوا رعايا الشرك بين أعاد
تذكروا وقعة أندلــــــس                   وأبصروا منها سبيل الرشاد
يا معشر الإسلام هل غـــيرة               لدينكم أو غارة تستجاب
ويا عباد الله ماذا الونــــى                  وعدو الدين لمكم في اجتهاد
صولوا وطولوا واقتلوا وابتعوا            فلهم ولو لبرك الغمــــاد
فالنصر مضمون لكم والعلا                وعزة لدينكم وامتـــــداد
وأنتم والله في دولــــة               أبدى بها النصر الهدى وأعـاد
ويمضي الشاعر متفجعا على ما أصاب الدين الإسلامي وأهله، مطالبا بالجهاد في الله حق جهاده:
آه على الإسلام قد ضعفت          أنصاره بعد قوى واشتـداد
يا أيها الناس اتقوا ربكـم             وجاهدوا في الله حق الجهاد
واعتصموا بالله واستمسكوا         بحبل تقواه فنعم العمـــاد
ثم يتخلص الشاعر للذكر بلاء المولى عبد الرحمان في الجهاد لرفعة الدين ونصرته:
إمامها إمام أهل الهدى               وملكه ملك على وسداد
همته للدين معروفة
     وهمه في قمع أهل العتاد
قد نصر الدين على غربة               في الغرب بعد فترة ولهاد
وأنشد الشاعر الوزير محمد بن محمد بن عبد الله غريط المكناسي قصيدة مماثلة، يشجع فيها المجاهدين للاستشهاد في سبيل الله، ونصرة ملته، بعدما هزته واقعة تلسمان،
مالي أرى جفن أهل الغرب وسنانا          من بعدما أخذ الكفار تلمسانا
لا عذر للمسلمين في التكاسل عن           جهاده حسبة منهم وإيمانــا
يا معشر المسلمين استيقظوا وخذوا         من العدا حذركم سرا وإعلانا
فجدوا عزمكم على قتالهم                    واستخلصوا منهم قرى وبلدانا
فالدين أوجب أن تسعى لنصرتهم            بالنفس والمال وأشياخا وشبانا
والله منا اشترى نفوسنا كرما                 بجنة جمعت حورا وولدانــا
موتوا كراما فإن الحر بأنف من              معيشة تدع الحليم حيرانـــا
لا موت أفضل من موت الجهاد لمن         يرجو من الله رحمة ورضوانـا
كونوا صلابا على أهل الصليب فلا          دين لمن لعدو دينه لانـــــا
ولما أخذ السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام في الاستعداد لمواجهة الجيش الفرنسي في حرب قاسية لنصرة الأمير عبد القادر الجزائري -حين اضطلع بأمر الجهاد- ومده بالخيل والسلاح لنصرة الدين الإسلامي. حين لا ناصر له في الربوع، أنشد الوزير ابن إدريس العمراوي أشعارا يستنفر بها أهل المغرب، ويحضهم على الجهاد ، ويوقظ عزائمهم، بعد أن صارت تدب إليهم عقارب عدوهم، وتدانيهم، دواهيه». من ذلك قوله:
يا أهل مغربنا حقق التغير لكم                إلى الجهاد فما في الحق من غلط
فالشرك في جنبات الشرق جاوركم          من بعد ما سام أهل الدين بالشطط
فلا يغرنكم من لين جانبه                      ما عاد قبل على الإسلام بالسخط
فعنده من ضروب المكر ما عجزت          عن دركه فكرة الشبان والشمط.
فواتح المكر تبدو من خواتمه                  فعنده المكر والمكروه في نمط
وأنتم القصد لا تبقن في دعة                  إن السكون إلى الأعداء من السقط
من جاور الشرك لا يعدم بواثقه               كيف الحياة مع الحيات في سفط»
وقوله أيضا من قصيدة نونية سماها سرية النصر لأهل هذا العصر»، يحض فيها المغاربة على أداء فريضة الجهاد، وحمل السلاح في وجه الأعداء، إذ بفضل الجهاد، وحمل السلاح في وجه الأعداء، إذ بفضل الجهاد انتصر المسلمون الأولون. منها:
فرض على كل مسكين وسلطــــان               حمل السلاح على عباد أوثـــان
فحمله شرف عال ومفخــــــرة                   خص الإلاه بها أعز عبــــدان
لاشيء أحسن من صوت السلاح على           الأعناق في طاعة المولى ورضوان
فهو الوسيلة في نصر الإلاه لكــم                 ونصرة المصطفى أجل عدنـــان
وليس بجحد فضل حمله ملــــك                   وليس بأنف عند كل خاقـــــان
به نبيكم الإلاه شرفــــــــه                         بحمله لامتثال أمر الرحمـــــان
به أزيلت لهذا الدين عربتـــــه                     وطار صيتا به بكل بلــــدان
والانتهاء كالابتداء قاعـــــدة                        في الفقه مقروؤة في كل ديـوان
وكقوله -مرة أخرى- من قصيدة أنشدها، يثبت فيها عزيمة أهل المغرب، ويؤيدهم، ويقلل من قيمة عدو الدين، ويمنيهم بالنصر والتمكين إذا ما استيقظوا وأخذوا أهليتهم للنضال والجهاد، ولبوا نداء الشرع والإسلام، وأنزلوا بأهل الشرك والكفر كل محنة وبلاء، وطهروا منهم البلاد والعباد.
الله أكبر نصر الله قد نـــــزلا                          وصارم الحق للإشراك قد خذلا
والله أعلى الأديان ملتــــــه                            وأدحض الكفر بالإسلام والمـلا
فأمسى الكفور بأهل الشرق مغربنا                    وظن صابهم من جمله عســلا
يا معشر المسلمين استيقظوا وخذوا                   للحرب أهبتكم فالنصر قد نزلا
وشمروا لجهاد الشرك واتزروا                        فقد ارتاح الهدى عن قلبنا العللا
وكنتم تتمنون الجـــهاد وأن                            يأتيكم إذنه فالله قد فعـــــلا
ماذا التأني وهذا الكفر جاهركم                       بالحرب وازدلفت أشياعه قبــلا
دعاكم الشرع والإسلام فابتدروا                      دفاعا وانفروا لحرمه الجــعلا
ولا جزوا الكفر واجتثوا دعائمه                      وأنزلوا به كل محنة ويـــلا
وطهروا الأرض من أنجاسه ودعــــوا               أشياعه بددا وجيشه همـــلا
إن تنصروا الله ينصركم بشارتها                       تهدي اليقين وتهدي خلق من وهلا
فجاهدوا، جالدوا رابطوا، اغتبطوا                    إن الجهاد شعار السادة الفضــلا
ولا يغرنكم لبن ببهرجة                                 فأكثر الشم ليلا شد ما قتـــلا
والموت آت وأعمال الفتى فرط                        فبادروا الموت ذخرا خيرها عملا
أنتم بنو الحرب والهيجاء فازدلفوا                     للشرك ورووا البيض والأسد
وقاتلوهم على دين الهدى وصلوا                       رواحلكم بالعدو فاز من وصلا
ولما ترددت أصداء هذه النداءات الشعرية للجهاد والاستشهاد في رحاب البلاد المغربية جاء دور السيف ليقول قوله الفصل. فبعد أن كان المولى عبد الرحمان يخوض غمار الحرب والنزال ضد رؤوس الفتنة والخراب، اتصل به خير استيلاء الفرنسيين - وهو بمراكش- على ثغر الجزائر سنة 1240هـ/ 1830م. وكان أتراك الجزائر على طرفي نقيض مع الفرنسيين، فتعددت بينهم الوقائع برا وبحرا حتى هاجمهم الجيش الفرنسي، وقام باحتلال الجزائر، ووهران، وتلمسان، فأدرك المولى عبد الرحمان أهمية على إيالة كانت تابعة للأتراك، وخصوصا لما عين مولاي علي خليفة له بها سنة 1830م، وهي السنة التي احتل فيها الجيش الفرنسي وهران.
أما السلطان العلوي فقد كان يعتبر تدخله في تلمسان وناحيتها وتحريضه لقبائل تلك الناحية على الجهاد، والتضييق على الكفار واجبا يفرضه الدين والجوار. ومما ينسب للقائد الجزائري قوله شعرا:
لنا في كل معركة مجال                          ومن فوق السحاب لنا رجال
ورثنا سؤددا للعرب يبقى ولا الجبال           وما تبقى السماء ولا الجبال
فبالمجد القديم علت قريش
               ومنا فوق ذا  طابت فعال
ومنا لم يزل في كل عصر        رجال للرجال هم الرجال
وبعدما استمرت المعارك بين الجانبين المغاربي» والفرنسي» اتفق على انسحاب الجيش الفرنسي عن تلمسان بمقتضى عاهدة صلح طفنة» 1253هـ - 1837م، فبعث الوزير ابن إدريس برسالة سلطانية»(مؤرخة بـ:26 رببيه الثاني 1255) إلى الأمير الجزائري جوابا على كتابه: الفصح عن صميم المحبة بصحيح العبارة دون الإشارة، الموضح لما من الله تعالى ذو الفضل والإحسان من فتح مدينة تلمسان، واسترجاعها من غير إعمال السيف ولا سنان…» يهنئه بهذا الفتح الذي هو مقدمة الفتوح، وطالعه الخير الممنوح»، ويبارك له عقد اتفاقية الصلح والسلم، لأن السلم إذا كان عن عز لمصلحة كان داعيا لوفور القوة، وانتظام الكلمة، وائتلاف القلوب، والتبصر بعواقب الأمور، وغير ذلك مما يؤدي بالحزم والعزم في جهاد أعداء الله، قال الله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله».
وقد استهل الوزير الشاعر الناثر كتابه بقصيدة يشيد فيها بهذا الفتح.
منها:
بشرى بفتح كسا الإسلام إحسانا                        وصار منه لعين الدين إنسانـا
صنع جميل سمت فضلا صنائعه                       لوحشة الدهر والأيام أنسانــا
فأصبحت ووجوه السعد مشرقة                       بها جهارا كان الكفر ما كــانا
لله فتح غدا للذكر فاتحة                                 وصار كالخط فوق الكتب عنوانا
قد شاد أركان دين الله فاتحة                             وصار كالخط فوق الكتب عنوانا
قد شاد أركان دين الله فاتحة                            وهد من جنبات الكفر أركانـــا
وكيف لا وبه ازدان العلا وسما                        وطهر الله مولانا تلمسانـــــا
وقد غدت ملة الإسلام عالية                            ونكست يحمى الإشراك صلبانا
فتح تفتح أبواب السماء له                               إذا تلاه لسان الدهر أحيانـــا
لازال يستخلص الأقطار منتصرا                       ثغرا فثغرا وأوطانا فأوطانــا
وقد أمر السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام وزيره وشاعره أن يبعث مرة أخرى إلى الأمير عبد القادر الجزائري بن محيي الدين -الذي أطهر للدولة العلوية الوداد، وأعلن بالنيابة عنها في موطن الجهاد»- قصيدة تنشطه وتشجعه ليثبت في حماية ثغر تلمسان بعد أن تم فتحه وتحريره من الكافرين، فأنشد شاعرنا قصيدة، مطلعها:
أهلا بفاتحة الفتوح المرسلة                     فضلا وطالعة السعود الموصلة
ومنها: لله درك بابن محيي الدين يا              من أنهل قلب السرور وعلله
فتحت تلمسان فسر بفتحها                       هذا الوجود بما أتاه وحق له
واهتزت الأقطار من فرح به                    وغدا لسان الدين بفتح مقفله
أطلعت شمس الدين في أفق غدا                 في قطره الإشراك ألقى كلكله
وصرفته عنها بعزمة قائم                        بالله قد شام الحسام وأعمله
قل للذي قد رام شاوك في الورى               سلم لفضل الله ما هذا البله؟
لا زلت تفتح الثغور مواصلا                    أبكارها والعون موصول الصلة
ولما كانت سنة 1259هـ - 1843م أخذت مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري تنتكس، وتم استيلاء الفرنسيين على جميع بلاد المغرب الأوسط، استنكارا لدخول أهل تلمسان سابقا في طاعة المولى عبد الرحمان، وفتح بلادهم للجيش السلطاني.
ولم يقف الغزو الفرنسي عند الحدود المغربية، بل شن غاراته على بني بزناسن ووجدة، واقتحمها على حين غفلة من أهلها، فتحسر شاعر مغربي (لا يعلم اسمه) على هذا الغزو قائلا من قصيدة فصيحة»
وجد تسعر في الأحشاء والتهبا                    مذ قيل ركن من الإسلام قد ذهبا
داه على وجدة قد أسلمت جزعا                   من غير سيف ولا قتل ولا حربا
داه على أسر الإسلام قد فشلت                   واستنصرت من بغاة الروم واعجبا
قد أصبح الدين ينعى كل  ناحية                   وآخر النار في لهو وقد لعبا
تنافس الناس في علو البناء وفي                  مشاكل ربنا الإسلام قد خربا
دأب اليهود على ذل ومسكنة                      قد أصبحوا ملزمين الهون والغلبا
ما عيشكم وظلام الكفر عمكم                     النوم غشاكم أم جبنكم غلــبا
إن لم تخوضوا غمار الموت دونكم               لباس زوجاتكم والتزموا الحجبا
عهدي بأسد الشرى في الغرب شاعرة            لم يلقها بطل إلا غدا هربا
شم الأنوف يهاب الليث صولتهم                  أبت نفوسهم أن تشتكي اللغبا
ما إن لهم راحة إلا بقرع عدا                     وهين عندهم أن يضربوا الرقبا
فانتقضت الهدنة المبرمة بين المغرب وفرنسا، وشرع المولى عبد الرحمان في تزويد عبد القادر الجزائري بالعتاد والمؤونة استعدادا للجهاد المشترك، وحضه على الجهاد، وجمع كلمة المسلمين، مذكرا إياه بفوز المجاهدين في معركة وادي المخازن» على عدو الدين، وما وقع للفرنسيين في مصر…». ثم عزم السلطان على الوقوف بنفسه في وجه الاحتلال الفرنسي، وعقد لابن عمه المولى المامون على كتيبة من الجند، ووجهها إلى ناحية وجدة، وأخذ في أسباب الغزو والاستعداد التام، وحشد الجنود، واتخاذ الرايات والبنود، واستنفار القبائل التي تحملت عبء الجهاد -بسبب متاخمتها للحدود الجزائرية- إرضاء لله، ودفاعا عن الأرض، وانقيادا للما دعا إليه أمير المؤمنين». فجمع جيشا قويا قوامه ثلاثون ألف فارس تزيد قليلا أو تنقص قليلا (حسب الناصري)، وعقد عليه لولي عهده سيدي محمد بن عبد الرحمان، وسار به إلى وادي إيسلي» (1260هـ) غشت 1844م، فالتحم الفريقان.
ونصح الأمير الجزائري السلطان المغربي بإخفاء خبائه حتى لا يراه العدو، فامتنع، فقصده العدو، وماج الناس بعضهم في بعض، وتسابق الشراردة إلى الخباه، وتقاتلوا عليه لنسفه، فتشتت قوات السلطان، ومنيت بهزيمة منكرة، ولم يهزم المغاربة إلا المغاربة الانتهازيون، ولم يولوا الأدبار بسبب سوء قيادتهم، وضعف تنظيمهم.
فتراجع السلطان إلى تازة، ثم منها إلى طنجة لإمضاء معاهدة تقررت بها الحدود المغربية -الجزائرية (1844م)، كما كانت عليه في أيام الحكم التركي، ثم إمضاء -اتفاقية مغنية سنة (1261هـ 1845م) للبحث في الحدود بصفة نهائية، وتوقيف المساعدات العسكرية للأمير الجزائري، وجعل حدد لحملات المجاهدين انطلاقا من التراب المغربي.
ويرجع المؤرخون المحدثون بأن متاعب الجيش المغربي في هذه المعركة ترجع إلى:
* أن حركة فرسانه عاقتها الكثرة عن التحرك السريع، حيث كانت تتقدم، ثم تتراجع ثم تدور.
* الحواجز الطبيعية المتمثلة في الأشجار الكثيفة.
* صعوبة تحكم القيادة العسكرية في الجنود المحترفين والجنود المتطوعين، والتنسيق بينهم على عكس جنود الخصم.
* إلهاب رغبة الأعداء في الحصول على الغنائم والأمتعة بسبب وجود الخيمات» الناصعة البياض والأمتعة بسبب وجود الخيمات» الناصعة البياض (بسهل أنكاد). * انتشار خبر استشهاد قائد المعركة الأمير سيدي محمد بن عبد الرحمان -خطئا- الذي كان يمتطي فرسا أبيض.
* قدم الأسلحة، وصعوبة تنقل الثقيلة منها.
وإثر هذه الوقعة التي انهزم فيها المغرب لأول مرة فوق ترابه -بعد أن كانت قوته العسكرية مرهوبة الجانب منذ ما يزيد على القرنين- إذ لم يكن جيشه فيها على أتم استعداد، كما سبق القول، وكان فيها من فيها حكم الله ما قدر وأراد، انهارت معنويات شاعرنا الوزير ابن إدريس، وأنشد يرثي لحال أمته وبلاده ويتحسر:
خليلي عوجا بالركاب على رسل                      وقصا على قلبي الحديث الذي يسلي
ولا تعذلاني في النوله والأسى                        فقد صدع الأكباد ما حل في يسلي
فقد منعت نفسي (السعادة) وقعة                       تداعت لها الأجسام من شدة الثقل
وفي الهم ما يضني الجسوم قليله                      ويجلي لنفس الحر ما مر من قتل
ولولا الرضا بالله في كل حالة                         قاضت نفوس المسلمين من التكل
ولكنها الأقدار تجري بحكمها                           فليس سوى التسليم للحكم العدل
ولم يبق في قوس شاعرنا المظلوم بعد هذا التآسي إلا منزع التوسل والابتهال إلى الله تعالى: أن يضمد جروح الأمة المغربية، ويخفف من شدة هولها ومصابها، فأنشد متوسلا ومتشفعا للرسول الأكرم (ص) على لسان السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام:
فكن يا رسول الله غوثا لأمة                          تمت إلى علياك بالنسبة الكبرى
فما أنزلوا إلا ببابك رحلهم                           ولا اتخذوا يوما سواك لهم ذخرا
ولا استنصروا إلا بجاهك في الوغى               ولا قصدوا في الخلق زيدا ولا عمرا
ولا قصروا إلا عليك رجاءهم                        وما قصروا أو خالفوا النهي والأمر
وقد جاوروا من عصبة الكفر أمة                    تزيد بنصب الماكرين لها الجرا
ثم يقول داعيا ومتوسلا للأمة المغربية:
وأظهر لها من عز جاهك نصرة                  ترد على الأعقاب من سامها ذعرا
وتخل ديار المسلمين من العدا                     وتكسبها من بعد نجسهم طــهرا
وتتركهم صرعى بكل تنية                         وتطؤها دينا كما ملئت كفـــرا
فلا جاء إلا جاه عزك يرتجى                     ولا نصر إلا من علاك لهم يدرى
وكتب المشرفي نصيحة» سماها إيقاظ أهل الغفلة والمنام والنيابة عمن استيقظ ولم يقدر على الكلام، وجهها لرجال الدولة المغربية، وقد تأسف فيها على ما أصاب الأمة المغربية، بعد هزيمتها النكراء في وقعة إيسلي» وذيلها بأرجوزة نظمها من أجل تحريك الغيرة الإسلامية، ونفخ» روح الجهاد من جديد في نفوس المغاربة، وإثارة حميتهم لعدم الإذعان مرة أخرى للقوات الأجنبية الزاحفة، ووجه مرة أخرى الملامة للذين تقاعسوا عن الدفاع عن حوزة الوطن، مطلعها:
دع عنك داعي السرور والمزاح               واسلك سبيل منبكي وناح
ومنها:
وقم على ساق محرضا وقل                     دون قتال وطن الإسلام جاح
كيف؟ وقد خيم أرضنا العدو                     رياض فيه طيره قهرا وصاح
مال علينا ميلة واحدة                             حين غفلنا جملة عن السلاح
فكم من الأبطال في العرب وكم                  من الليوث في البرابر صحــاح
وكم من الخيل السوابق العتاق                   على العدا بها يضيق الانفســاح
وكم رجال صابرين صادقين                     في الزحف يخشى بأسهم يوم الكفاح
لو كان منهم عسكر لخضعت                     له الرقاب وخشاه ذو الوقـــاح
والأمر سهل لو نصرتم ربكم                    ننصركم بوعد جاء كالصــباح
فشمروا لأخذ ثاركم عسى                        تهب بالنصر عليكــــم الرياح
فكان احتلال الجزائر وانهزام المغرب بمعركة إيسلي» تنبيها بينا للأخطار المحدقة بالمغرب، وحافزا للمغاربة لكي يشمروا عن ساعد الجد، ويتأهبوا للجهاد والدفاع عن حوزة الوطن بكل ما يقتضيه هذا الدفاع من تضحيات. ويؤسسوا الجيوش النظامية، ويدربوها على الحملات الدفاعية أمام هجومات الأعداء، ويأخذوا بالتنظيمات العسكرية الحديثة، ويستعملوا الأسلحة الثقيلة والمدفعية.
وكيفما كان الحال فقد برهنت الدولة المغربية، سلطانا، وجيشا، وشعبا -من خلال قضية احتلال الجزائر- على تمسكها بالوحدة الجهادية المغاربية الإسلامية، وأعطت مثالا للتضحية المثالية بالأرواح والعتاد والمال لأجل إنقاذ البلد الجار مما كان يتخبط فيه من ويلات الحرب والدمار، ولتثبيت قوائم الحضور الإسلامي في الديار المغاربية» لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان» هي السفلى، وكان حقا علينا نصر المومنين!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here