islamaumaroc

ما الباعث على احتفالنا بعيد العرش.

  محمد الحبيب التجكاني

العدد 326 شوال-ذو القعدة 1417/ مارس 1997

قال الرسول عليه الصلاة والسلام
«خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم» (أخرجه الإمام مسلم).
وقال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة»(أخرجه الإمام الدارمي)يوم 18 نوفمبر من عام 1934م، وفي غمرة النضال ضد السياسة الاستعمارية، بدأ المغاربة في الشمال والجنوب بوقت واحد، الاحتفال بعيد العرش إحياء لذكرى جلوس السلطان سيدي محمد بن يوسف -طيب الله ثراه- على العرش المغربي سنة 1927م.
كان هذا الاحتفال تحديا للمشروع الاستعماري الذي عزم أ يفك الآصرة العميقة التي تربط الشعب المغربي وعرشه، بهدف أن يتسنى له إلحاق المغرب وهو قلعة الإسلام، بالمراكز الاستعمارية لتذوب شخصيته في ثقافة وحضارة المستعمر.
لقد حاول الاستعمار أن يمنع هذا الاحتفال باعتباره قوة دافعة في اتجاه التحرر، وتحصين الذات حاول بمختلف الوسائل بالمتع الصريح أحيانا، وبالمنع الملتوي أحيانا، مثلما فعلت إسبانيا لما ابتكرت سنة 1914 عيدا خاصا بالشمال، إحياءا لذكرى انتصار الاستعمار الإسباني على المقاومة الوطنية/ الإسلامية، يوم 8 نونبر 1925 م سمته (عيد جلوس سمو الخليفة)، مع أن جلوس هذا الأخير على كرسي خلافة السلطان كان يوم 25 يوليوز 1925م.
ومع الاستقلال تحول الاحتفال بعيد العرش إلى يوم 3 مارس، إحياء لذكرى جلوس صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني -حفظه الله- على عرش أسلافه الميامين، بنفس اليوم من سنة 1961م، بينما ظل يوم 18 نونبر مناسبة لإحياء ذكرى تاريخ الاستقلال جمعا بين الاستمرارية في التحدي، وفي متابعة التحرر وبناء الذات.

 يمثل الاحتفال بعيد العرش وقفة تأمل حدث عقدي كبير، هو انبثاق السلطة السياسية، في مستواها الشمولي، من الرضاء الشعبي المتلاحم مع رضاء المبايع لقيادة الشعب في مسرة الإيمان والتنمية، ذلك  البايع الذي يقدمه للشعب سلفه، ويختاره على غرار ما قدم الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه إلى أمة الإسلام لتصادق على اختياره بواسطة عقد البيعة الذي قال فيه الله عز وجل:
«إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما» (الفتح 10).
وتتجلى صفة العقدية في البيعة من خلال أن إيمان المسلم لا يكمل إلا بالمساهمة في تكوين السلطة السياسية العامة، وفي المحافظة على وجودها، وأداء وظائفها، حتى تتم الحماية للنظام الاجتماعي الشامل، الذي هو الإسلام.
ومن ذلك، فلو صلى المسلم، وصام، وحج، ولم يبايع إماما، أو نقض البيعة بعد أن تعاقدها. كان متناقضا مع إيمانه، واضعا علامة استفهام كبرى على مصداقيته في شهادة الحق: (لا إلا إلا الله، محمد رسول الله).
قال الرسول عليه الصلاة والسلام:«من خلع يدا من طاعة لقي الله لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية»(1)وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة»(2)
لهذه الصفة عالج علماء الإسلام الإمامة وأحكامها في مباحث العقيدة من علم الكلام، ولم يدرسوها في أبواب الفقه العادية من معاملات وعقود.
وإذن: فالاحتفال بعيد العرش هو احتفال بذكرى دينية، ذكرى بيعة الشعب أو الأمة للإمام الذي يقود المسيرة، في امتزاج تام بين الديني والسياسي، كما هي طبيعة الإسلام.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الاحتفال بعيد العرش يمثل في جانب المبايعين (بالكسر) فرصة للتعبير عن تجديد وتقوية الأداء في الفروض الناتجة عن البيعة، من الطاعة، والولاء، والمحبة، والإجلال، حيث يقول الرسول (ص): «من أجل سلطان الله في الأرض أجله الله»(3)
كما يمثل في جانب المبايع (بالفتح) مناسبة للإعراب الذي لا ينفد عن التزامات البيعة، مجسمة في مشاعر المحبة والتفاني، وفي المنجزات والمشاريع التي تغطي مختلف مجالات الحياة، معبرة عن حميمية الالتحام والتفاني المتبادل، كما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم، ويصلون عليكم»(4)
      ***
ليس بالإمكان تقصي منجزات العرش المغربي، فهذا العرش، بحكم طبيعته، لم يكن في يوم من الأيام كرسيا للجلوس المريح، وإنما كان تكليفا أكثر منه تشريفا، فقد قيل عن السلطان المولى الحسن الأول، رحمه الله -إن عرشه كان على ظهر فرسه.
ولو عدنا إلى التاريخ القريب لهذا العرش، إلى عهد السلطان سيدي محمد بن يوسف، طيب الله ثراه، وخلفه أمير المؤمنين جلالة الحسن االثاني، حفظه الله، لاستوقفنا، في كل لحظة، مبادئ مجسمة في سلوك، وسياسات، ومنجزات تعبر عن هاجس مستمر، متبادل بين العرش وشعبه، يقود كل ذلك استبصار متأن، وحكمة عميقة.
أبان الحرب العالمية الثانية، انضم المغرب إلى الحلفاء لأن دول الحلفاء كانت في موقع المظلوم من طرف النازية كحركة عنصرية استغلالية، تريد أن تخضع العالم كله لسلطانها بالقوة، على غرار ما فعل نابليون بونابرت من قبل، والوقوف إلى جانب المظلوم، بقطع النظر عن دينه، مبدأ إسلامي أصيل:
«اتقوا الظلم، فإن الظـلم ظلمات يوم القيامة»(5)
ثم كان السلطان يريد أن تكون للمغرب يد لدى الحلفاء حتى يقفوا إلى جانبه عند مطالبته باستقلاله، فيتخلص من نير العبودية والاستعمار.
وبالفعل لما فضل الملك الشرعي المنفى على الاستجابة لرغبات الاستعمار في تأسيس السيادة المشتركة المغربية/ الفرنسية. تشبثا بالتزامات البيعة الشرعية، ولما ثار الشعب أيضا، تنفيذا لالتزامات البيعة، كان العالم الحر، في جملته، إلى جانب الحق المشروع للمغرب في الحرية والاستقلال، وفشلت كل محاولات الاستعمار وبيادقه، فعاد للشعب ملكه الشرعي المبايع، وحصل على حريته واستقلاله، وما كان يمكن للمستعمر غير هذا.
فالملك والأسرة المالكة ضحت بكل شيء، والشعب قام ببطولات العمليات الاستشهادية من مثل ما قام به الشهيد علال بن عبد الله، رحمه الله الذي التزم بكلمة الرسول عليه الصلاة والسلام.«إذا بويع خليفتان فاقتلوا الآخر منهما»(6)
عند استرداد المغرب لجنوبه، قام خصوم المغرب بتسليح المرتزقة، ودفعهم إلى الميدان، وقرر المغرب حق مطاردة من يهاجمون أرضه من دولة مجاورة، لكن الحكمة الحسنية رأت ألا تتم هذه المطاردة حتى لا يتطور النزاع إلى حرب مفتوحة بين جارتين، قد تخرب البلدين، وتأتي على الأخضر واليابس، وخاصة في مناطق الحدود، كما حدث لدولتين إسلاميتين في المشرق، حيث بدأ الصراع، ثم لم ينته إلا على أشلاء الآلاف من الضحايا، من الجانبين، وقد كان بالإمكان تجنب ذلك الدمار.      ***
في مجال المعرفة، والبحث العلمي، والحفاظ على الهوية، يكفي أن نذكر بأن المغرب كان به، في بداية الستينات، جامعة واحدة بالرباط، مع فروع قليلة في بعض المدن، واليوم بالمغرب (13) جامعة متكاملة، موزعة في عدة جهات، تقرب مواقع العلم من الشباب في مختلف الأقاليم والجهات، وتجعل نسبة كبيرة من الطلبة يدرسون، وهم في منازلهم، وبين ذويهم، مما يوفر على الآباء كثيرا من مصروفات الدراسة في التنقل وسواه.
ويصدق هذا الأمر على القرويين أيضا.
فهذه الجامعة كان بها كلية واحدة بفاس، ثم أصبحت في العهد الحسني، تضم أربع كليات موزعة بين الشمال والوسط والجنوب، أضيف إليها دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليا والحديث، التي تفتح أبوابها الراغبين في العلم الشرعي من مختلف بقاع العالم.
كما أضيف إليها مدارس القراءات بالشمال والجنوب، وشعب الدراسات الإسلامية بكليات الآداب والعلوم الإنسانية، ومع مواد إسلامية بكليات الآداب والعلوم الإنسانية، ومع مواد إسلامية في مختلف التخصصات كل ذلك للحفاظ على الهوية الإسلامية للمغرب، وعلى إشعاعه الحضاري، في إطار الوحدة المذهبية للسكان، مع التفتح على المذاهب الأخرى، والتفاعل معها، من  خلال معايير الكتاب والسنة، باعتبارهما المصدرين الأصيلين للإسلام.على أن للغرب جامعات موسمية، كالجامعة الصيفية، والجامعة الشتوية، لنوع معين من الدراسات الأدبية والتاريخية، وجامعة رمضان، أي الدروس الحسنية التي تلقى بحضرة أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني حفظه الله، نتلوها مناقشة علمية «مفتوحة لجمهور المهتمين، ثم تترجم الدروس والمناقشات إلى عدة لغات عالمية، كالفرنسية، والإسبانية، والإنكليزية، والروسية، لتعم الفائدة من هذه الجامعة المسلمين والمهتمين في القارات الخمس:
«ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، وعمل صالحا، وقال إنني من المسلمين» (فصلت: 33).ولقد كان أصحاب نبي الله (ص) يرددون:
«أغد عالما، أو متعلما، ولا خير فيما سواهما»(7)         
في مجال الشورى كمبدأ إسلامي للممارسة في الإسلام، إلى جانب البيعة التي تنبثق منها السلطة الشرعية في شموليتها، عرف المغرب تطورا ديمقراطيا ملحوظا، خشعت فيه الحكومات المتعاقبة لتمثيل الشعب عن طريق النواب البرلمانيين، يتوج ذلك بجلسات علنية يتابعها الرأي العام مباشرة عبر وسائل الإعلام السمعية البصرية، ويتفاعل معها إيجابيا، فيعرض قضاياه، ويشاهد دفاع النواب عنها أمام المسؤولين في أعلى المستويات.
وستزداد هذه الممارسة الديمقراطية نموا عند إيجاد مجالس الجهات، التي ستخول اختصاصات مهمة في المجالات المختلفة للحياة، ويكون باستطاعتها أن توفق ببين الخصوصيات الجهوية لغوية وغيرها، وبين الخصائص الوطنية، فيستمر التنوع الحضاري، والوحدة الوطنية في آن واحد، في سياق التنمية المتوازنة.
«والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون»(الشورى: 38).
«فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر» آل عمران: (159)
لهذه المبادئ والممارسات، وغيرها كثير يجل عن الحصر، نحتفل بعيد العرش، شكرا لله عز وجل الذي هيأ للمغرب -منذ المولى إدريس بنعبد الله-استقرارا عن طريق مؤسسة الملكية الدستورية القائمة على البيعة الشرعية، التي تقدم لسدة الحكم رجالا مؤهلين، نظريا وممارسة، مشبعين بقيم الإسلام، مدافعين عنه باستماتة، محيطين بعصرهم، يقودون شعبهم عن بعد نظر، وعميق تأمل.وكذلك شكرا للذين يسر الله تعالى النعمة على أيديهم، فكانوا ستارا لقدر الله، عز وجل، فالرسول (ص) يقول: «لم يشكر الله من لم يشكر ا لناس»(8)
إن الاحتفال بعيد العرش كذكرى للبيعة الشرعية، هو احتفال بيوم من أيام الله التي أمر القرآن أن نذكر بها الأجيال، أخذا للعبرة، وزادا على الطريق، طريق البناء والكمال الذي لا نهاية له:«وذكرهم بأيام الله، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور»(إبراهيم: 5)


1) صحيح الجامع الصغير وزيادته: رقم 6105، وهو للإمام مسلم.
2) سنن الدارسي: رقم 2553) صحيح الجامع الصغير وزيادته:
3
) رقم 5.827 وهو للطبراني.
4) نفس المصدر: رقم 3253 وهو للإمام مسلم
5) صحيح الجامع الصغير وزيادته: رقم 100 وهو  الإمام أحمد في «السند»
6) نفس المصدر: رقم 414 وهو للإمام مسلم.
7) سنن الدارمي: رقم 4438) صحيح الجامع الصغير وزيادته: رقم 6416 وهو الإمام أحمد

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here