islamaumaroc

رسالة جلالة الملك في البيئة.

  يوسف الكتاني

العدد 326 شوال-ذو القعدة 1417/ مارس 1997

يتميز جلالة الحسن الثاني بخطواته الرائدة التي خطاها في حياته السياسية، وقراراته الحكيمة التي اتخذها خلال عهده والتي ميزت حكمه بمزايا وخصائص قلما توفرت لغيره، وكان لها الأثر الأكبر في حياة الأمة ومسيرتها الطويلة.
نذكر في مقدمة تلك القرارات الحكيمة «المسيرة الخضراء» سنة 1975 التي حررت صحراءنا المغتصبة، بأسلوب فريد حكيم، رد علينا أرضنا، وعصم دماءنا، وأعطى لبلادنا بعدا سياسي وتاريخيا جعل لها صدى بعيدا بين أمم الأرض جميعا.
وقرار آخر حكيم لا يقل أهمية عن قرار المسيرة الخضراء، هو «سياسة السدود» التي أصبحت تغطي بلادنا وعادت بكل خير علينا جميعا مما يحمده الجميع من قريب وبعيد.وتأتي رسالة جلالته إلى وزيره في الداخلية في «موضوع البيئة» لتنبيه سائر الرعية من مواطنين ومسؤولين، إلى أهمية النظافة في حياة الأمة، لحفظ كيانها، وسلامة صحتها، وإعطاء المجتمع صورته الناصعة التي عرفها طيلة مسيرته التاريخية.وقبل أن أحلل مضامين الرسالة الملكية في البيئة، والحديث عن حرص الإسلام ديننا الحنيف على ضرورة النظافة للمجتمعات، وأهميتها في حياة المسلمين، والتحذير من تفريط الناس في المحافظة عليها، والهدي النبوي الذي سار على نهج القرآن في تحبيبها للصحابة، ودعوتهم للحرص عليها، أورد نص الرسالة الملكية أولا يقول جلالته:"الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
خديمنا الأرضى وزيرنا في الداخلية السيد إدريس البصري، أمنك الله ورعاك وسدد خطاك، وبعد…
فإن مما نعتز به ونفخر، ما اشتهرت به مدن مملكتنا السعيدة على مدى التاريخ وتعاقب الدول، من جمال عمرانها، وكمال بنيانها، مع نظافة أحيائها، ونقاء ساحاتها وأرجائها، وخلوها من النفايات، وصفاء جوها من الملوثات، واعتناء سكانها بحدائقها، واجتهادهم في صيانة مرافقها، حتى حفلت كتب الحضارة والتاريخ ببديع الأوصاف، وروائع النعوت، إشادة بمظهرها النظيف، وجوها الرائق الأليف.إلا أننا مع الأسف أصبحنا نلاحظ بعض مظاهر التفريط والإهمال تتسرب بالتدريج إلى هذا المجال حتى أصبحت مدننا التي كانت تفخر بنظافتها، وتتيه بنقائها وطهارتها، تؤذي العين بأوساخها، والأنفاس بروائح نفاياتها، مما يهدد صحة المواطنين، ويقلق راحة السكان والزائرين.ولنا كامل اليقين أن رعايانا الأوفياء من السكان، في البلديات والجماعات الحضرية والقروية، على استعداد دائم للتعبئة من أجل الحفاظ على نظافة مدنهم، والإسهام في طهارة ونقاء أحيائهم وأزقتهم وشوارعهم.
وإن اللامركزية التي سهرنا على ترسيخها تسند إلى المجالس المنتخبة مسؤولية السهر على مصالح السكان وتعطيها صلاحيات واسعة، لتسخير جميع الوسائل المادية والبشرية، وتعبئة السكان أنفسهم في حملات متواصلة. وجهد جماعي مستمر، لضمان النظافة الكاملة للمدن ومحيطها، والأحياء ومرافقها، وذلك بحكم الاختصاصات المخولة لها في ا لظهير الشريف بمثابة قانون رقم 176533 بتاريخ 5 شوال 1396 الموافق 30 شتنبر 1976، والمتعلق بالتنظيم الجماعي، وبحكم الموارد المالية، وعلى الخصوص الواجبات المستوفاة من السكان برسم ضريبة النظافة.
إنك تدرك تمام الإدراك مدى تشبث جلالتنا الشريفة بمبادئ الديمقراطية الحقة، وحرصنا على التسيير الذاتي لشؤون السكان بواسطة الجماعات المنتخبة.
كما أنك تدرك حق الإدراك أن وزارة الداخلية بوصفها السلطة الحكومية الوصية على الجماعات المحلية، تملك حق مراقبة هذه الجماعات والتأكد من قيامها بواجب النظافة على الوجه المطلوب، والسهر مباشرة -إن اقتضى الحال- بتدخل رجال السلطة من عمال وباشاوات وقياد، الذين يخول لهم القانون المشار إليه أعلاه بأن يقوموا بالمهام والأعمال المسندة إلى رئيس المجلس الجماعي، في حالة رفضه أو امتناعه أو تقاعسه عن القيام بها.
وإننا إن نوجه إليك هذا الخطاب فلنتخذ من التدابير العاجلة والفعالة، بموازاة مع ما تقوم به الجماعات المحلية حاليا من جهتها، ما يؤدي إلى تحقيق المطلوب، وضمان النجاح، وتحقيق الحماس الذي ننتظره في هذا المجال بين إدارتنا والمنتخبين من رعايانا، والسلام.
وهكذا نجد أن جلالة الملك يقدر خطواته وينظمها، كما يتوخى الأوقات المناسبة والفرص السانحة، لإصدار قراراته التاريخية، وتوجيهاته السامية، كما حزب أمر، أو دعا داع، أو ألحت ضرورة من ضرورات الحياة، أو شعر بضرورة توجيه حياة مواطنيه إلى ما يصلحها، وتقويم أي سلوك كلما بدا منهم ما يحتاج إلى تقويم، كما فعل في رسالته السامية عندما رأى ظاهرة مشينة تطغى على حياة الناس، بل بادر إلى إشراك الشعب كله في موضوع النظافة، مبينا له ما يحتاج إلى  فعله، واضعا يده على موضع الضرر، ومكانه، باعثا العزم في مواطنيه ليبادروا إلى سلوك طريق الصواب، والمسارعة إلى القضاء على هذه الظاهرة التي تمس حياة الأمة وسمعتها، وتخدش سلوكها وسيرتها، مذكرا بسوابقها السابعة، وصفحاتها الناصعة، في توجيه حكيم، وأسلوب سليم، يدل على حب مكين لهذا الشعب، وحدب أصيل ينم عن نظرة كمال وصلاح لهذه الأمة، التي جعلها الله أمة وسطا، بصدق إيمانها، وكمال يقينها، وشدة التزامها بمبادئ دينها، وصلاح سيرتها، وصدق مسيرتها، كي تصل ماضيها المجيد بحاضرها المشرف بإذن الله.

* مصادر الرسالة الملكية وأبعادها:
لا يشك الملاحظ والمؤرخ لحياة الحسن الثاني أنه يصدر في كل قراراته وخطواته من منطلق الإسلام وقيمه السامية مما لا يحتاج إلى دليل أو إثبات، لأن تلك القرارات والخطوات تحمل أدلتها ومصادرها.
وهكذا نجده -حفظه الله- استمد رسالته الملكية من توجيهات كتاب الله، وهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام.
لقد حرص الإسلام قرآنا وسنة على توجيه الناس إلى العيش في بيئة طبيعية، نظيفة سليمة من كل ما يشينها أو يفسد طبيعتها وصفاءها ليعيش الناس في سلامة من كل الأمراض، بعيدين عن الأوبئة والأضرار. متجنبين ما يؤدي إلى كل فساد، مصداقا لما جاء في القرآن الكريم في سورة البقرة.
"ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تتولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد"(1)
"ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين، وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون"(2)
كما حرص الرسول الأكرم على حث الناس على إماطة الأذى عن الطريق ت-تجنبا من  كل الأضرار، وما يمس حياتهم وبيئتهم.
لقد روى أبو هريرة عن الرسول عليه السلام قوله «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»(3)والأذى تعبير عن كل ما يضر الناس ويتسبب في آذاهم ويفسد حياتهم.
كما دعا الناس إلى تجنب كل ما يؤذيهم واتقاء ما سماع اللاعن، وهو التبرز في طريق الناس أو قريبا من مجتمعاتهم، لما في ذلك من الإذاية والأضرار بأسماعهم وأبصارهم وكافة الحواس.فقد روى أبو هريرة عن الرسول (ص) قال:
"اتقوا اللاعنين" (أي سببي اللعن).
قيل وما اللاعنان يا رسول الله؟
قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم"(4) أي يقضي حاجته في طريق الناس أو في ظلهم، فهذا يكون عرضة للعن، لأنه يتسبب في إذايتهم، ويفسد بيئتهم.وكما روي عنه (ص) (اتقوا الملاعين الثلاث، اللبراز في الموارد: «القضاء الواسع، وقارعة الطريق، والظل»(5)كما نهى النبي (ص) عن عمل آخر يؤذي الناس، ويتسبب في الإضرار بهم، وفساد بيئتهم، وهو البصاق في الأماكن العامة، والشوارع، والأزقة، وهي عادة سيئة تدل على التخلف والبعد عن الالتزام بأوامر الدين، وهديه الكريم.
فقد روى أنس أن النبي (ص) قال: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)(6)ودعا المسلمين أن يلتزموا بالنظافة، ويحرصوا عليها، ويواظبوا على المحافظة عليها، في دورهم وشوارعهم، وأجسادهم، وملابسهم، وسائر أمورهم.
فقد روى الترمذي عن سعيد بن المسيب أن الرسول قال: «إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود»(7)
كما أمر المسلمين بتجنب النجاسات والقاذورات. وكل ما يؤذي الحواس من الروائح الكريهة البغيضة، وخاصة عند ارتيادهم للأماكن العامة، والمجتمعات، والمساجد، حرصا على راحة المسلمين وسلامتهم، حتى إنه أمرهم بتجنب أكل الثوم والبصل والفجل وما في حكمها.فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قول النبي (ص) «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته»(8)

* المحافظة على البيئة، والوقاية من الأمراض، طاعة لله ورسوله:
إن مراعاة النظافة الشخصية، ونظافة البيئة والمكان، والحرص على طهاة الملبس، كل ذلك يعد من مظاهر الصحة التي دعا إليها الإسلام، وطالب المسلمين أن يحافظوا ويحرصوا عليها.
لذلك ظل المسلمون يؤمنون على الدوام والاستمرار، بأن الوقاية من العوامل التي تسبب الرضا أفضل بكثير من الدواء، وهو ما ألف فيه ونبه إليه كبار الأطباء المسلمين مثل «ابن سينا»، وابن «زهر» و»الزهراوي» وسواهم، وخاصة «أبو بكر الرازي»(تـ:321هـ)، الذي كان يوصي دائما بنظافة محل السكنى، وبضرورة وجود الحمامات في البيوت، واستنشاق الهواء النقي، والاستفادة من تبخير البذور المعطرة في طرد الحشرات، وبضرورة التهوية الصحيحة، واستعمال مياه الشرب الصحية»(9)

* الرسالة الملكية ينبغي أن تكون أساس تشريع بيني متكامل:
إن القرارات والرسائل الملكية تتوخى دوما توجيه الأمة إلى ما فيه خيرها، وصلاحها، وإنقاذها، وقد جاءت الرسالة الملكية في البيئة في وقتها الناسب، مما يدعو إلى تضافر الجهود، وبعث الهمم، وتقدير الظروف، لإعطاء موضوع إصلاح البيئة ونظافتها ما يستحقه من العناية والرعاية، من طرف العلماء، والدعاة، وكافة المسؤولين، ورجال القانون، لإصدار تشريعات متكاملة في موضوع البيئة، بما يصلح الأحوال ويقومها، ويؤدي إلى زوال الأسباب والظروف التي تلوث البيئة من جميع وجوهها، حماية للإنسان المغربي، وضمانا لاستقراره وسلامته، وذلك في كل ما يتعلق بالبيئة من حيث قانونها الأساسي الذي يحمي البيئة، وكذا كل ما يحيط بها ويتعلق بها، كحماية الأنهار، والينابيع، ومصادر المياه، وكل ما يتعلق بتنظيم شروط وأماكن الصرف الصحي، وجميع المخلفات البشرية، لأنها تمثل بؤرة التلوث، وكذا ما يتعلق بإقامة المنشآت الصناعية وأماكنها ورقابتها، وحماية الأراضي الزراعية وما يتعلق بها. والغابات، والحدائق الخضراء، وتطوير مخصصات وأنظمة تخطيط المدن، وأساليب البناء، وتنظيم القوانين المتعلقة بالنظافة العامة ومواجهتها، ومراعاة التقليل من التلوث الذي تحدثه حركة السير بالمركبات والمحركات.
وقبل أن نحمي البيئة بتشريع القوانين، ووضع العقوبات لكل من يفسدها، لابد من التأكيد على أن ذلك وحده لا يكفي، لأن المحافظة على البيئة، وحمايتها، والحرص على سلامتها، تربية ينبغي أن يشب عليها الناس ويتلقوها ويتعلموها في المدارس والجامعات.
ومن هنا لابد أن تحشد كل إمكاناتنا التربوية في مجال التعليم، وكل مجالات الإعلام ووسائله التي ينبغي أن تنظم برامة دورية يومية، عن طريق الوعظ والإرشاد، والشريط السينمائي، والمسرحية، والحكاية.
والأمثولة، ليتعلم الشعب ويتربى على حب البيئة السليمة النظيفة، والحرص على سلامتها والمحافظة على استمرار نقائها وصفائها، والبعد عن كل ما يؤذيها ويفسدها.فكل ذلك هو الوسيلة المجدية والصالحة لجعل الرسالة الملكية في البيئة خطوة أساسية، نحو مجتمع نظيف طاهر، نعتز بالعيش فيه. والانتساب إليه، والاعتزاز به، مصداقا لقوله تعالى: «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين»(10)
حيى الله جلالة الملك في عيد عرشه المجيد، ومتعه بالصحة والعافية، وأطال عمره لخير شعبه وأمته بجاه سيد المرسلين ورسول رب العالمين.

1) سورة البقرة - الآيتان 204 و205.2) سورة الأعراف - الآيتان: 36 و37.3) أخرجة البخاري ومسلم في «الصحيحين وأصحاب السنن الثلاثة» أبو داود والنسائي وابن ماجة.4) حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في «الصحيح» كما رواه الإمام أحمد في «السند» وأبو داود في «سننه.5) رواه أبو داود والنسائي في «السنن» والحاكم في «المستدرك» والبيهقي في "سننه".6) أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما".7) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
2) أخرجه البخاري ومسلم في "الصحيحين"9) ثقافة الإسلام في أوربا: للدكتور «زيغريد هونكه» ترجمة: «مرتضى رهباني» 2 / 90.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here