islamaumaroc

شاعر وفي لوطنه: ابن الأبار الأندلسي البلنسي

  عبد السلام الهراس

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

لعل أول أديب مسؤول في تاريخ الأندلس إلى منتصف القرن السابع أو ربما إلى آخر تاريخها الإسلامي سجل في شعره قضية بلده وهمومه نحوها «ابن الآبار البلنسي…».
نعم لقد سبقه سفير شاعر مثل بلاده في كل من بلاد الروم وبلاد المجوس الفيعكينيك لك يعكس في شعره سوى مغامراته الغرامية، أما القضية التي  من أجلها سفر وسافر فلم يتسرب منها شيء إلى شعره الذي بين أيدينا على الأقل!
فقد كان ابن الآبار وزيرا لا كالوزراء، فهو الذي كلف بحمل عبء التسليم، كما كان الرجل الكفء ليضطلع بمهمة الاستنجاد بتونس الحفصية مرتين، وقد نجحت مساعيه الأولى والثانية، وترك الرجل أثرا كبيرا في الأوساط السياسية والأدبية مما جعله شخصية ناجحة ولامعة ومحبوبة.
وكلما كان الأمل في إنجاد بلده كبيرا كان هاجسه واهتمامه بها وحدها واسع المدى، غير أن دائرة الاهتمام بنفسه بدأت تتسع شيئا فشيئا عندما سقطت بلنسية وبعض مواقع شرق الأندلس… ومع ذلك بقي كيان الرجل أندلسيا بما كان ينفث من تحسرات، ويصعد من آهات ويستكثر لبلده من أمجاد، وإن الهم الأندلسي ظل يلازمه إلى آخر نفس من حياته، إذ كان تأليفه «التكملة» نوعا من المفاخرة والمباهاة بما للأندلس من شخصيات علمية وأدبية، ذكورا وإناثا، أصلاء وطارئين (أي غرباء).
إن الرجل كما يبدو لم يكن أول أمره يفكر في نفسه، أو في أسرته، أو مصالحه على حساب بلده، فقد أخلص للقضية، وأبى أن يفر من الزحف، بل رأيناه يتشبت مع بلد يتيه بتراب بلده وبتراب جوارها، وينتقل مع اللاجئين إلى (دانية) و(مرسية) أملا في العودة إلى الرصافة، والجسر، والمسجد والمنتزهات.وقد سبق له أن التجأ مع أميره أبي زيد صاحب أرغونة سنة 626 وعمره إحدى وثلاثون سنة لكنه ما لبث أن عاد إلى بلده بعدما ذاق مرارة الغربة، التي لم تستطع حلاوة المقام هناك من التخفيف من حدتها وزعاقها.وقد دافع عن نفسه بأن تلك الهجرة كانت مشروعة، فهي كهجرة الصحابة إلى الحبشة النصرانية للاحتماء بملك نصراني كتابي، ومعنى هذا أن هجرته كانت لخدمة قضية بلده
لكنه كيف خدمها؟ فذلك ما لم يطلعنا عليه كما ضيع علينا، معلومات ثمينة عن العلاقة بين إمارة بلنسية ومملكة أرغون في هذه الحقبة، ولكنه قال ما يلي فقط:
قالوا الخروج لأرض الروم منقصة         فقلت كلا ولكن صـادها بـاء
إذا خرجت وفاء ثم عدت تقـى               أثنت بفعلي عدائي والأحياء
وكان لي في قريش إسوة وكفـى             مع النجاشي ترضاها الألباء
لمن كان هذا الوفاء؟ القضية بلده أم لأميره المرتبط به ببيعة لا يستطيع الفكاك منها دون مسوغ حتى إذا ما أصر صاحبه على البقاء في بلاد النصارى فالعودة إلى بلاد الإسلام واجبة؟
وإني أستبعد أن يكون خروجه تم دون موافقة شيخه أبي الربيع سالم الكلاعي، وكذلك عودته.كان ابن الأبار شخصية جديرة بأن يستقبلها الأرغونيوم بكل تقدير، ويحيطوها بكل احترام، لكنه كان يشعر بقسوة الحسرات وهو يرسف في أغلال الغربة فلم يرض بتلك الإقامة:
يقول: «رقم 113»
وكفاك أن الروم كانت جيرتـي            من جور دهري واستحالة حالي
كنت الطليق هناك لكن لـم أزل            من شدة الحسـرات في أغلال
أبكي على استئصال من خلفـته            وأطيل في الأسحار والآصال(1)
وهذه الأغلال لم تكن سوى آلامه المتراكمة بمفارقته وطنه وأهله واستقراره مما لم يجد معه صبرا ولا جلدا ولم يكن له من ملاذ سوى الاعتصام بحمد الله على الحال التي أصبح عليها من حرب الزمان له بعدما كان مسالما معه مدة معينة سرعان ما انقضت.
يقول: «رقم 80»
الحمـد لله لا أهل ولا ولـد                 ولا قرار ولا صبـر ولا جلـد
كان الزمان لنا سلما إلى أمد              فعاد حربا لنا لما انقضى الأمـد
وكثيرا ما صعد الزفرات شوقا إلى أهله وذويه كما يقول: «89، 90 91»
إلى الإلفين من أهلي وداري              تأويني اشتياقـي وادكــاري
وحن القلب أعشارا إليهــا                 حنين الوالهـات من العشـار
فبت كأنني توقـا وشوقــا                  على مثل الأسنة والشفـــار
وما حشود الضلوع سـوى أوار          وما نوم الجفون ســوى غرار
ويقول: «91»
بعيشك عاطفي أخبــار داري             بها أغني عن القدح المـــدار
إذا قربت يهيج لها اشتياقــي              وإن نزحت يمثلهـا إدكــاري
ودع لومي إذا أبصرت ميلـي             فسكر الشوق من سكـر العقـار
لقد كان تعلقه، ببلنسية ومنازلها أقوى من كل إغراء، ولكن كيف يعود؟
لعله غامر في العودة إلى الأندلس الإسلامية، إذ تجده في (وادي آس) في شوال 626هـ مما يدل أنه لم يمكث طويلا عند الأرغونيين، ومن هناك -فيما يبدو- صار يراسل صديقه أبا الحسين الخزرجي حاكم (شاطية)، واستهل قصيدته الأولى بذكر بلده وجناتها يقول:
وطرفـي ليس يعنيه سواهــا               لو عنت له حرر الجنـان......
وقاد إلى هواها القلــب قهرا              فأصبح في يديها القلب عان
وفيها بين آلامه وأحزانه، ويصف واقعه المظلم الذي يحاصره بأخطاره، فلا يشعر بأمل لا في الذهاب ولا في الحرج الذي وقع فيه إثر خروجه من (بلنسية) غارا مع أميره، يقول:
أمـا إن الليالي غالبـــات                  ولو يغرى بنصري الفرقدان
إذا لم ألقها يعلي ابن عيسـى              وحسبي من حسـام أو سنان
فلست من الإياب على يقيـن              ولست من الذهاب على أمـان
فإن أبا الحسين ينال منهــا                 منال الذهر من قلب الجبــان
ينهنها متـى انهدت لحربـي               ويأخذ لي الأمـان من الزمـان
ويبدو أن أبا الحسين بذل -للرجل ضروبا من المعروف، وفتح له باب الأمل ليعود إلى بلده معززا مكرما، فهو الذي ظاهره على الليالي، وأخذ له الأمان من الزمان الذي أعلن عليه الحرب.
وبذلك أصبح في ظل حاكم (شاطية) كباقي الرعية كلها في حرز وضمان من الدهر وأذايته وامتهانه.
وقد شاهد عيانا في أبي الحسين أكثر مما كان يحدث به نفسه، وهكذا استعادت أجنحته ريشها المقصوصة بمقص الظلم، كما صارت راحته تجني أغلى الأماني. وتقطف ثمارها من قممها السماء.
يقول:
وجئـــتك سؤر أيـام لئـام                    أعـاني من أذاها ما أعانـي
ومثلـك رق ســـؤدده لمثلي                  فأجني راحتي شم الأمـانـي
وراش جناحي المقصوص ظلما           وإنساني الأحبـة والمغاني
وهكذا أصبح ابن الأبار يتمتع في (شاطبة) بربيع مزهر دائم متصل، صيفا وشتاء، لا سعير ولا زمهرير، ومع ذلك فإن (بلنسية) هي بلنسية، فهناك الرصافة، وهناك المصلى، وهناك الجسر والحدائق الغناء، والجنان الفيحاء، وهناك شيوخه وأصحابه، وهناك مراكزه ومسؤوليته.إذن، فالعودة محكمة، لذلك نراه ينتقل إليها بعد محاولات بذلت لاشك، من الداخل والخارج. لتحقيق هذا اللقاء، لقاء الشاعر الوزير بحبيبته: بلده (بلنسية).
وفي العودة تحمل مسؤولية جديدة…
وقد دشن عودته بقصيدة رائعة في قائدها الجديد ورفيقه القديم في البلاط الراحل، والقصيدة إشادة ببطولة القائد الأمير الذي اضطلع بمسؤولية الدفاع عن بلنسية.
وإذا ما صدقنا ما جاء فيها -ولا شك أنها لا تخلو من أصل الحقيقة مع بعض المبالغات- فإن جيش (بلنسية) بقيادة جميل حقوق انتصارات متعددة على الإغونيين، لكن تحت الراية السوداء التي تدل على ولاء هذه الإمارة الصغيرة النائية للخلافة العباسية المشرفة على الهلاك من جانبها أيضا… وإن كان ولاء ظرفيا سرعان ما تحول نحو الحفصيين.
فكان ابن الأبار يسوغ عودته إلى بلنسية بكون الإمارة الجديدة تبنت قضيتها، وهو ما دفعه للإشادة بهذه القيادة التي تضمن لبلده البقاء والاستمرار، وللأرغونيين اليأس من الانتصار، والقائد الجديد لا يقف موقف الدفاع فقط، وإنما تجاوز ذلك للهجوم في عقر دار الأعداء.يقول ابن الآبار، واصفا أبا زيان جميل ابن مدافع،
وتغزو العدى في عقرها متتابعـا            وحسبك غزو في  العدى متتابـع
فتلغي ديار المشـركين ولم تـزل            أواهل قد أصبـحن وهي بلاقـع
ولاذوا بأعلى الراسيـات توقعــا             لما سوف يغشاهم وما حم واقـع
فلم تأل هذا أرضـهم واستباحــة             تحاذبهم أطرافهـا وتنـــازع
إلى أن يقول:
أيرجو النصارى في زمانك نصرة          وقد كثرت فيهم لعمري الوقائـع
فأعينهم بعـد الهجـوع سواهـد               وأعيينـا بعد السهـاد هواجـع
ويقول:
ثغـرر ثغـور المسلمين بواسم                بـه ورقاب المشركين خواضع
وأخيرا يتكلم عن علاقته بالأمير واعتذاره عما كان منه:
أمير العلى أرجو ومثلك سامح               أمير العلى أدعو ومثلك سامـع
وأشدو بما طوقتني من صنائع                جسام كما تشدو الحمام السواجع
فيصدح مني باعتمادك صادح                ويصدح مني باعتمادك صـادع
تولى قضاء (دانية) سنة 633هـ/ 1235 - 1236م، ثم الوزارة ببلنسية، وقد خلف قصائد تتحدث عن همومه التي كانت تشغل عواطفه، وتحتل بؤرة تفكيره. وملكت عليه كيانه:ففي القصيدة السينية المشهورة لم نجد له فيها أي إشارة إلى شخصيته من حيث منفعة تخصها، وإنما هناك أبيات قليلة في أواخر القصيدة يشير فيها إلى أن السعيد من يلقى الأمير، ويبشر نفسه بتحقيق آماله فيه، كأنما خاض إليه البحر طريقا يبسا فوجد الجود في استقباله.
ثم يعود إلى الموضوع الذي من أجله سافر وكأنما قدم لآخر القصيدة بتلك المقدمة الصغيرة من أجل التأثير، وتحقيق ما من أجله وقف هذا الموقف، فهو يريد إنقاذ الأندلس عموما وشرق الأندلس خصوصا، وبلنسية بصفة أخص، وقد وضع أمام الأمير صورة الواقع كما هو ليس فيها تزيد أو نزيف: السبيل إلى إنقاذ الأندلس درس، فليس من السهل إذن نجاتها مما هي فيه:
أدرك بخيـلك خيل اللـه أندلسـا                إن السبيل إلى منجاتها درسـا
لقد فاجأهم بالحقيقة المرة، ولكن الأمل قوي في الحفصيين الذين يخاطبهم باسم الأندلس، فالأندلس تعاني حشاشتها ما تعاني من سكرات الموت، وحشرجات الاختصار، بما يعتورها من بلايا صباح مساء! ففي كل مطلع شمس تحل بها بائقة، وفي كل مغرب مصيبة تفارقها حتى تنقض الويلات والمصائب. لا تكاد مصيبة تفارقها حتى تنقض عليها أخرى، فهناك مدائن ارتحل عنها الإيمان مبتسما مذعورا، بينما حلها الإشراك مبتسما مسرورا… أما المساجد فهي تستحق الرثاء، وتستوجب الإنجاد، إذ عادت بيعا وكنائس، وتحول بها الآذان إلى أجراس ونواقيس، كما أن مدارس العلم والمعرفة قد اندرست معالمها، وطمس وجودها، مما يثير في النفوس الألم والحسرة.
أما المرابع الجميلة، والحقائق الغناء، والأشجار الباسقة، والزهور المتفتحة النضرة، فقد صوح نبتها، ويبسا أغصانها، وجفت خضرتها، وتساقطت أوراقها، وتغير كل شيء جميل فيها.وما يضاعف الآلام أن الأندلسيين أصبحوا جزرا وقطع مفرقة، تنهشهم الأحداث واستحال حظهم السعيد السالف شقاء وبؤسا.
ويبرز ابن الآبار عنصر العرض كُلٍّب المأساة، ليستثير همم الحفصيين، فقد أقسم الروم ألا تنال أيديهم بالقسمة والتوزيع إلا نساء الأندلس المحجبات المصونات.
واختار من مدائن الأندلس حاضرتها الكبرى: قرطبة وحاضرة الشرق: بلنسية، فإن حالتهما وما تعانيه كل منهما ما يقضي عن النفس، ويستنزف النفس، وإن كان خص (بلنسية) بتأكيد خاص:وانصـر عبيدا بأقصى شرقهـا شرقت      عيونهم أدمعـا تهمي زكا وخسـا
وهو -كما قلنا- يشيد بما لقيه من حسن الاستقبال، وكرم الوقادة، لكنه سرعان ما يتخذ ذلك وسيلة لخدمة الغرض المقصود ومن تحقيق هدفه فإنه يوحي للأمير أن الإجماع والتواثر على أنك الوحيد الذي يجدر أن يحيي الأندلس بقتل محتليها:
وقد تواترت الأنبـاء أنك مــن      يحيي بقتل ملوك الصفـر أندلسـا
ويعود إلى (بلنسية)، وقد نجحت سفارته تصحبه نجدة حفصية، كاستجابة فورية، اقتنع أنها كافية لإنقاذ بلنسية وبذلك ستكون فتحا جديدا يذكر بفتح مكة لذلك استحق منه ذلك قصيدة على غرار قصيدة حسان بن ثابت رضي الله عنه أنشأها بمناسبة الفتح.
وقصيدة ابن الآبار كلها وصف لأسطول الحفصيين الذي يقل على متنه أسودا عظاما، كما يمدح فيها الأمير الحفصي الذي هو وحده الجدير بعلاج الخطب الذي حل ببلنسية.لكن هذه النجدة لم تستطع أن تحقق أمل ابن الابار، لا في الإنقاذ، ولا في دفع خطر الحصار، مما جعل البلد يقرر الاستسلام، فكان ابن الآبار هو المفاوض في هذا الأمر.
على الرغم من ذلك فإن الشاعر الوزير لم ييأس من استعادة بلده، أو على الأقل من  المحافظة على ما تبقى من شرق الأندلس: كدانية، ومرسية، لأنه وجد في تونس من يستجيب لندائه، وينفعل لشعره، ويتأثر لصراخه، فعاد إليها مرة ثانية ليناشد الأمير أبا زكريا إعادة الكرة لإنقاذ الأندلس، لا سيما وقد حمل إليه بيعة بعض مدنها:
هي دارك القصـوى أوت لإيالـة     ضمنت لها مع نصرهـا أيواءهـا
وهو يعيد على مسامعه الآن أنباءها التي بثها إليهفي السفارة الأولى:
مـولاي هاك معادة أنباءهـــا          لتنيل منـك سعـادة أبناءهـــا
فالأندلس ليس لأهلها سبيل إلا الضراعة والتوسل إليك، كما أن أهلها خلعت قلوبهم لباس الصبر ورداء السلوان، ذلك أنهم دفعوا دفعا لتفترسهم الخطوب بشتى أنواعها تلك التي عرفتموها سابقا، وأخرى جديدة، وهكذا أشرفت على الهلاك والموت، فلم يبق منها سوى نبضات متقطعة.
وقد قدم صورا لمآسي حلت ببلنسية بعد ضياعها، وصار يشجع الأمير بأساليب متعددة من أجل إنقاذ الجزيرة التي تريد العدى الاستيلاء عليها، وقد حاول أن يغريه لقايدة جيش النجدة بنفسه، إذ يقول: بشرى لأندلس تحب لقاءه ويحب في ذات الإله لقاءها.
كان ابن الآبار يغتنم كل فرصة للإشادة بارتباط الأندلس بالدولة الحفصية ارتباط ولاء وتبعية، من ذلك قصيدته رقم «25- ص:80» الذي يسجل فيها بيعة بعض المدن الأندلسية لأبي زكريا، وذلك حوالي 641هـ يقول:
إلى مذهب سنتـه سبتـة قاصـد                  به عدلوا عن زائغـات المذاهـب
إلا هذه «حمص» تناسب طاعـة               سجلماسة في رفضـها للمناصـب
وما خالفت غرناطة رأي ربــة                 لتشمل أنوار الهـدى كـل جانـب
وجبان لم تـبرح كشلب وطنـجة                 مبارية هوج الصـبا والجنـائـب
إلى أن يقول:
الأندلـس البشري بنصر خليفـة               ضروب ينصل السيف زاكي المناصب
ورفع للأمير أبي زكريا قصيدة طويلة بمناسبة بيعة (المرية) عقب بيعة (سبتة)، ولعل مدنا أخرى بايعت أيضا، وسمى هذا العام عام الجماعة.
يقول: ص:139 رقم 62.
امـرية أن اهطاع المرية فــي                أعقـاب سبتـة للإجماع إسعــاد
عام الجماعة ما اعتاصت ولا نغلت          فيهـا يقرر حسبـان وتعـــداد
وعندما سقطت اشبيلية في أيدي القشتاليين في شعبان 646هـ كان ابن الآبار في بجاية، وبعد ذلك بثلاثة أشهر أنشأ قصيدة موجهة إلى أبي زكريا، وكان ذلك بعد العفو عنه، وهي كلها تحريض وإثارة للحفصيين ليسارعوا لإنقاذ الأندلس بأسلوب يدل أن الأمر هين، وأن ليس بين الحفصيين وبين القضاء على محتلي بلنسية وغيرها سوى أيام قليلة، فأرض الأعداء قد استوجبت وأذنت بافتتاحها، إذ ليس وراء الليل إلا الصباح، إنهم ذئاب هيجوا ليث الحرب والمعامع، وقد صور الأعداء بأنهم ضعفاء ومنهزمون، في حين صور الحفصيين في قوة واكتساح، وتحدث عن النجدة وكأنها أمر واقع.
يقول للأندلسيين «ص:119 رقم 50»
وعـدت أندلس منـه بيـــوم                 هي لاستقبالــه في ارتيــاح
أن يكن عبدا للنصـر وذــبح                كيف شاءت فالأعـادي أضاحي
أحمى حمص أباحــوا جهارا               وحماها لم يكـــن بالمبـاح
لا ويحيى المرتضــى لاهناهم              باليم القـرح ورد القــراح
إنما يرقـــــب ميقات فتح                   هو آت في ضمـان النجــــاح
ولم يتحدث عن نفسه إلا في آخر القصيدة حيث أبرز فرحة عارمة بالعفو عنه إذ يقول:
يـدك العليـا حيث كـل حذيـا                 مـا لأربـاحي بها من بــراح
بوركت من راحـــة سوغتني               في بكـوري لثمها أو رواحــي
كانت بيعة اشبيلية قبل ضياعها ذات أّمية وتأثير في بيعة (الجزيرة) و(شريش)، كما يظهر ذلك من قصيدة «رقم 189 صفحة 403»
يقول:
لله حمص وفوزهـا بسعــادة                   هـدت الجزيرة نحوهـا وشريشا
يظهر حليا أنه عندما استقرت به الأحوال في تونس لم يستسلم الحياة الإدارية التي تولى فيها منصبا كبيرا. فلم ينس «القضية» بل ظلت هاجسه في كل مناسبة، ولذلك يغتنم كل فرصة من أجل حمل تونس على إعلان الجهاد، وإنقاذ المدن الأندلسية الضائعة أو الممهدة فالقصيدة رقم: 65 ص: 151 يبدو أنه أنشأها إثر نزوله بتونس ملتجئا كما يفهم من قوله:
قـررت الحـال بكم في نعمـة                   أنطقتنـي بالقوافي الشــرد
تصف الـروض وقد غنى بهـا                 واصف سجع الحمام الفــرد
وهي مليئة بوصف شجاعة أبي زكرياء وجهاده، وتهديد الروم به.يقول:
إن يكـن طاغية الـروم بغـى                   فظبى الهند لـه بالمرصــد
غره البعد وعن قرب يــرى                   جزية الكفـر تؤدى عن يـد
إلى غير ذلك مما كان يتصور وقوعه على يد أميره الجديد.ومن القصائد التي مدح بها أبا زكرياء، واصفا أحواله الجديدة، وحياته بتونس في ظل الحفصيين تلك التي مهد لها بمقدمة غزلية طويلة، مادحا الأمير بأوصاف مستفيضة من العلم والشجاعة والكرم، وربط ذاك بجهاده الكفار بالأندلس.
يقول في آخر القصيدة الطويلة: ص: 272 رقم 122»
وهذه ملوك الروم تشخص رسلها              بسلمك تبغي للسـلام سلمـــا
ويغزى جناب طال بالغزو عهده               ويفتح باب كـان الكفـر مبهما
وهنا حقيقة هامة لم تسجل في التاريخ أو على الأقل في تاريخنا، وهي السفارات الإغونية أو غيرها إلى تونس في شأن تنظيم العلاقات الحزبية والسليمة بين الجانبين.
كان ابن الآبار شخصية قوية، مفرطة في الإعجاب بنفسه، وزادته الغربة حدة في طبعه مما جعله يجار بالشكوى. وكان يبث هذه الشكوى خلال قصائده الاعتذارية وخلال نفتاته الحزينة، التي كانت أشواقا لوطنه، ووصفا لجماله، وترددا لذكريات جميلة في رياضه وحلقاته العلمية ومجالس أصحابه، ومدارج ألعابه.يقول شاكيا ضياعه، وأرجح أن تكون هذه الأبيات في تونس أو بجاية (ص: 292 رقم 135)
لام المحبوب الفـراق ولمنــه                لكنهم سئمـوا ولمـا أســــام
ظعنوا وهم قد ودعوا أو سلموا             وظعنــت غير مودع ومسلــم
فعني فلتبك البواكـــي إنني                  أخرجت من وطني ولست بمجرم
وأضعت يوم وضعت في أرض بها        يغدو الفصيح معصما للأعجــم
لا أستريــح بغير ليـــل أليل                 أشكــو تطاولـه ويـوم أيـوم
وقد مرت على الشاعر الوزير حقب كان الحديث فيها عن نفسه ممزوجا بوطنه وقضيته، فالجراج ملكت عليه جوارحه واستبدت بها. لا تخلو جارحة من جرح ينزف دما، فلا أمل في شفائه، ذلك لأنه كوطنه عار أعزل أمام هجمات الخطوب والكوارث المتجددة، وهو في صحراء قاحلة لا ماء ولا شجر، بل إنه يسير في متاهاتها ليس له فيها من سبيل ولا قدرة على التخلص من الهلاك الذي يتربصه في كل ناحية، كطائر مهيض الجناح، وحديثه عن وطنه مفعم أبدا بالأسى والكمد، إذ أسلم إلى العدو الذي هوى عليه بسيفه كالسفاح في حين غاب عنه منصوره الذي كان يحمي حماه، ويحوطه بالأمن والأمان.يقول في ندب بلنسية:
ملكت جوارحـه عليه جراحـه              فشقـاؤه لا يرتجـى وسراحـه
عار لإبكار الخطوب وعونهـا              غيضت موارده وهبض جناحـه
لم يعترضه مسـاؤه بمســاءة                إلا وضاعفهـا عليه صباحـــه........
وحديثه كمد عن الأفــق الذي               تصف الجنان تلاعـه وبطاحــه
تجـري حثيثا تحنــه أنهاره                 وتميـس  لينا فوقـه أدواحـــه
وهو أسير شوقه لبلنسية وحدائقها وجناتها ولا سيما الرصافة والغدير: «رقم 77»
لا تصـدروا فربما مات صدا               مستهـام لسلـوة مـا تصــدى
جعل السهد في رضاكم كراه               واكتسـى في هواكم السقم بـردا
ثم يقول:
يا سقـى الله للرصافــة عهـدا              كنسيم الصبـا يـرق وينــدى
وجنانـا فيهـا أهيـم حنانــا                   بيـد أنـي حرمت فيهن خلـدا
مستهلا كادمهي يــوم ودعـ                ــتـ ثراها النفاح مسكا وندا
ليت شعري هل يرجع الدهر عيشا       يشهد الطيب أنه كان شهـــدا
وكثيرا ما ردت تعلقه بوطننه، وبخاصة (بلنسية) وهو غير قادر على السلو عنها لأنها مليئة في قلبه ونفسه، وهي ملء السمع والبصر، لأن ذكرياته فيها جميلة وحميدة لا تنسى أبدا. «رقم 78»
إلى أوطانـه حــن العميـد                   فظـــل كأنه عصن يميــد
ومسقط رأسه ذكـــر اشتياقا                 فــذاب فـــؤاده وهو الحديد
ولو رام السلــــو أبت عليه                  معاهـــد عهدها الماضي حميد
ويشبه نفسه بالشاعر العربي: «الصمة بن عبدالله القشيري الأموي».
ضميري واجد يهوى المصلـى               كوجــد أخـي قشير بالضمـار
لآصــال به حسنت وطـابت                  كما حــــدثت عن نور العرار
وما جار العرام علـي حتــى                 تأكد بيننــا سبب الجــــوار
وهو يسكر بذكرى بلده بهيجه قربها فإذا ابتعد عنها تمثل ذكراها، لذلك كانت أنباؤها كؤوس خمر تغنيه عن الكؤوس المدارة:
بعيشــك عاطني أنباء  داري                  بها أغنـى عن القـدح المــدار
إذا قــربت يهيج لها اشتياقي                  وإن نـزحت يمثلها ادكــــاري
وهو في غربته كالحمام لا يفتر عن النواح كما ذكر شرق الأندلس تسح عيونه بالدموع، كأنما تنسكب منها الغمام كلما لمع يرق من تلك الجهات، حتى أصبح محسودا على بكائه ونوحه من المطر والحمام: الرقم:183
أنوح حماما كما ذكر الشــرق                  وأبكي غماما كلما لمـع البـرق
ويغبطني في سكب أدمعي اللحيا                وتحسدني في ندب أربعي الورق
وفي القطعة "186" أتأت حزينة عن الماضي الجميل لبلنسية وواقعها الحالك، لذلك فهو يندبها ندب الطول المندرسة مع أنها آهلة بالسكان، ولكن أي سكان ويتوجع باكيا وناديا بلدته، ويخص منها عذوبة مائها وجناها:
بلنسية يا عذبة المــاء والجنى              سقيت -وإن اأشقيت- صوب الرواجس
أحب وأقلى منك حالا وماضيـا            بموحشــة الموت يعهـد الأوانــس
ومن عجب أن الديار أواهــل             وأندبهــا تدب الطول الـــدوارس
وهكذا تجد ابن الأبار يرتبط ببلده ووطنه الكبير والصغير.
لذلك تجاوز ذكر الأندلس في ديوانه ثلاثين مرة، وبلنسية بملاعبها وبساتينها ومصلاها وجسرها ورصافتها حوالي ثلاثين مرة أيضا، ووأنيسته ومرسية وجبان مرتين.
كما ذكر كلا من قرطبة ومألفة والمرية وميورقة وشلب واشبيلية بالإضافة إلى سبتة، كما عبر برموز كثيرة عن أماكن لهوه وصباه في وطنه الصغير (بلنسية).
ولو بقي لنا ديوانه كاملا لرأينا أكثر من ذلك وأصرح، غير أ الرجل لم يكن في جو من الحرية ليعلن عن جميع شعره الذي عبر ببه عن خوالج نفسه كشخصية أندلسية فذة لافت جحودا من ثلة لم تقدر مواهبه العظيمة ولا مكانته العلمية الكبيرة، ولا انتماءه الحضاري الرفيع.
ومهما يكن من شيء فإن بعض مؤلفاته أيضا مما يكشف لنا عن شديد تعلقه بوطنه كـ»التكملة» و»الحلة السيراء» و»معاجمه» لشيوخ الأندلس، و»إعصار الهبوب في ذكر الوطن المحبوب»، «خضراء السندس في شعراء الأندلس»، و»أبياض البرق في شعراء الشرق».
كما يعتبر «دور السمط ومعدن اللجين» من الآثار الأدبية التي بكى فيها الأندلس عبر بكائه الحسين وآل البيت.
لذلك وطن نفسه وألزمها أن تظل دائما وفية للوطن وذكرى مواطنيه: يسكب الدموع، وتصعيد زفرات الأسى والحزن، وقد أصبح بذلك مشهورا إن يحمل رأيه الأشجان رغم كبر سنه وضعف جسمه.يقول في قصيدة رائعة مخاطبا نفسه:
وطن على الدائبين الدمع والشجن              يا نادب الذاهبين الأهل والوطـن
هذا فؤادي كالبرق الخفوق أسـى               وهذه أدمعي كاالعارض الهتــن
براحتي راية الأشجـان أمحلفها                وإن غدا الجسم وهنا ليس يحملني(2)

1) ابن الآبار: الديوان - رقم: 113.
2) ابن الآبار:الديوان-رقم:49

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here