islamaumaroc

الإنسان … ذلك المكلف

  محمد فاروق النبهان

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

كلمة التكليف من المصطلحات الأصولية التي استعملها علماء أصول الفقه للدلالة على مسؤولية الإنسان فيما يكلف به أو فيما يجب عليه، ويعتبر التكليف من خصائص الإنسان لأنه يرتبط بالعقل البشري القادر عن التمييز ومعرفة معيار الخير والشر، والنفع والضرر.
ومباحث الأهلية من أهم الأبحاث التي لقيت عناية خاصة من فقهاء الإسلام، لأن التكليف مرتبط بالأهلية، ولا تكليف بغير أهلية، ولا أهلية بغير عقل قادر على التمييز، ومن هذا المنطق ندرك معنى التكليف وأهمية دراسة مباحثه، ودلالته على أهمية ربط الحكم الشرعي بالعقل البشري...
وقد أعجبت بما لفت النظر إليه الأستاذ عباس محمود العقاد عندما تحدث عن الإنسان، وأورد التعريفات المختلفة التي أحاطت به، من جانب مزاياه العقلية فوصفته بأنه حيوان ناطق، ومن جانب علاقاته الاجتماعية فوصفته بأنه حيوان مدني بالطبع، ومن جانب قصة الخطيئة التي وقع فيها آدم فوصفته بأنه روح علوي سقط إلى الأرض من السماء، ومن جانب ترتيب مكانته بين أنواع الأحياء على حسب مذهب التطور فوصفته بأنه حيوان راق.
ثم طرح التصور القرآني للإنسان، بأنه مخلوق مكلف، والتكليف صفة بارزة من صفات الإنسان، تفصله عن الكائنات الأخرى بالعقل الذي هو مناط التكليف، وأن وصف الإنسان بالنطق أو بالمدنية أو بالتميز عن بقية الأحياء لا يقدم لنا التصور الذي ينهض بمستوى الإنسان، ويمنحه خاصة التميز العقلي الذي ينفرد به عن الأحياء الأخرى، وذلك لأن التكليف لا يتم إلا بالحرية، وإلا كان التكليف معبرا عن الظلم، إذ لا يمكن أن تتوافر أركان التكليف دون أن تتوافر لدى المكلف المقدرة على ممارسة الحرية..
وإن التكليف هو معيار التقدم الإنساني، ومعيار التميز سواء على مستوى تميز الإنسان عن الكائنات الحية الأخرى أو تميز الإنسان عن أخيه الإنسان، بالتزام قيم الخير والفضيلة التي تعتبر من أهم أهداف التكليف..
إن صفة التكليف جديرة بأن تكون الوصف المميز للإنسان، لأنها تتضمن خصائص إنسانية تنهض بمستوى الإنسان، لكي يكون أداة صالحة لبناء الحضارة الإنسانية وللتقدم البشري، حيث يساهم هذا التفسير الإسلامي لمعنى الإنسان في تعزيز قيم الفضيلة في المجتمع، وربط الحضارة والتقدم بمدى التزام الإنسان باحترام قيم الخير، ولذلك فإن الخطاب القرآني كان يركز على معنى التكليف والمسؤولية، ويصف الإنسان بما جبل عليه من خصال، ويحضه باستمرار على النهوض والتغلب على الصفات التي لا تليق بالإنسان...
وإن الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم من الناحية التكوينية، ومن الناحية الفطرية، يسعى دائما بسبب عجلته وظلمه وجزعه وطغيانه وجدله وضعفه، أن يسقط في مهاوي الانحراف، ويرتد إلى أسفل سافلين.
قال تعالى مؤكدا هذه الحقيقة: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏؛ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (سورة التين: 4-6)،
ومن هنا يبتدئ دور التكليف في مغالبة الهوى والشهوات، والانتصار في معركة النفس مع ذاتها للسيطرة على ما يصدر عنها من تصرفات، في حالتي الغضب والشهوة. وهكذا يكون دور العقيدة ملهما الإنسان الاستقامة في السلوك، والخلق في التعامل، والإنصاف في الحق...

دور التكليف في سلامة العقيدة:
أول موجبات التكليف أن تكون عقيدة الإنسان سليمة، لا يشوبها من الشوائب ما يخل بتفسير العلاقة بين الخالق والمخلوق، فالله تعالى هو الخالق، ويتصف بصفات ذاتية لا يجوز أن تنسب لغيره، أما الإنسان فهو مخلوق، ويتميز بخصائص تنسجم مع طبيعته البشرية، فإذا أخطأ الإنسان المكلف في فهم هذه الخصائص أو تجاوز مبادئ العقيدة الإسلامية فقد انحرف عن مقتضى تلك العقيدة، ويحاسب على ذلك الانحراف بمقتضى التكليف...
وإن من أول مقتضيات العقيدة الإسلامية أن يؤمن الإنسان بالله تعالى وفقا للتصور الإسلامي الذي لا يدانيه من حيث التنزيه أي نظر فلسفي وضعي، وذلك لأن الفكر الفلسفي قد توصل إلى فكرة الكمال المطلق لله تعالى، وبخاصة لدى "أرسطو" الذي بلغ الذروة في تصور فكرة الكمال الذي لا أول له ولا آخر، والمناقض للإرادة، لأن الإرادة اختيار، والله تعالى لا حاجة به للاختيار، لأنه اختار الأفضل والأكمل..
والتصور الإسلامي في العقيدة الإلهية يقوم على أساس الإيمان بأن الذات الإلهية تمثل الكمال المطلق على الصورة التي تعبر عن قمة التصور العقلي لمعنى الكمال، وإن صفات الله التي أقرها علماء التوحيد كالعلم والقدرة والإرادة تؤكد نفي النقائص التي تتعارض مع صفة الكمال.
ويبرز في هذا المجال دور العقل في التفكير، وأهمية التكليف المرتبط بالعقل، لأن العقل يملك قوة الإدراك والتصور، وذلك الإدراك يقود إلى العقيدة السليمة، وإن القرآن الكريم قد خاطب العقل في مواطن كثيرة، واحتكم إليه، وترددت في آياته كلمات معبرة عن معنى الثقة بالإدراك العقلي والنظر والتفكر والتدبر، وهذا الاحتكام إلى العقل القادر على الرؤية السليمة يؤكد إيمان الإسلام بالإنسان، ورفضه لأسلوب التسليم الغيبي الذي يعتمد على القداسة الكهنوتية، والهيمنة الكنسية، التي كانت من مستلزمات الإيمان الصحيح...
ومن هذا المنطق فإن العقل المكلف الذي أناط به الإسلام مسؤولية النظر والتفكر والتدبر لا يقبل الأساطير والخرافات، ولا يعترف بما يتنافى مع المنهج العقلي، ولذا فإننا لا نجد في العقيدة الإسلامية ذلك التصور الضبابي المحاط بالغيبية المناقضة للعقل، كما هو الشأن في العقائد الدينية الأخرى، لأن ربط التكليف بالعقل قد أقام للعقل سلطانا مبينا في مجال التصور الديني...
وقد انعكس أثر ذلك في مجالات مختلفة من الفكر الإسلامي، ولهذا لا غرابة أن تجد الاجتهاد يحتل مكانة متميزة في الفكر الفقهي، وأن تتوجه اهتمامات العلماء خلال التاريخ الإسلامي إلى دراسة قواعد الاستنباط الفقهي التي تسمى بالقواعد الأصولية، سواء فيما يتعلق بدراسة مصادر التشريع الإسلامي، وبخاصة المصادر العقلية: القياس والاستحسان والمصلحة المرسلة وسد الذرائع والأعراف والعادات، أو فيما يتعلق بالدلالات اللغوية والشرعية للنصوص المركبة من مفردات لغوية شاملة لمعاني متعددة، من حيث العموم والشمول أو من حيث وضوح الحكم وقوته..

دور التكليف في النظر الفقهي:
يعتبر الاجتهاد من المصادر الهامة في الفكر الإسلامي، والاجتهاد مأخوذ من المشقة والجهد الذي يبذله الفقيه في الاستنباط، ويطلق عليه "الرأي"، و"العقل". ويقال عن مصادر الشريعة إنها مصادر نقلية ومصادر عقلية، ويراد بالمصادر العقلية المصادر التي تعتمد على النظر العقلي، وهذه  المصادر هي التي أعطت للفكر الإسلامي ذلك الامتداد الواسع في مختلف فروع التشريع، التي أصبحت من أهم معالم حضارتنا التشريعية والتي أسهمت بجهد واسع في تعميق القيم الإنسانية في مجال الدراسات القانونية المقارنة..
وكانت المباحث المتعلقة بالتكليف من أهم [...] المسؤولية، فمباحث التكليف التي يعبر عنها بالأهلية هي المدخل الطبيعي لمعرفة الأحكام، لأن التصرفات لابد أن تصدر عن شخص تتوفر فيه أهلية التصرف، ليس في مجال المبادلات والمعاوضات المالية [فحسب]، وإنما في كل المجالات التي تدخل ضمن اختصاص الأحكام التكليفية في العبادات والمعاملات.
ونقطة الانطلاق في المسؤولية هي التكليف، ولا يمكن مساءلة غير المكلف لعدم توفر ركن التكليف فيه.. وهو الأهلية، المرتبط بالعقل. ونظرا إلى أن مستوى الإدراك العقلي لا يمكن قياسه بطريقة دقيقة، لاختلاف العقول ومؤثرات التكوين، فقد ربط الإسلام التكليف بالبلوغ لأنه مظنة التكامل العقلي الذي يمكن التأكد منه عن طريق مؤشراته الظاهرة.

ارتباط التكليف بالحرية:
لا يمكن للإنسان أن يكون مسؤولا إذا لم يكن مكلفا، فالتكليف هو الشرط الأول في المسؤولية، والمسؤولية ترتبط بالحرية، إذ من الظلم المبين أن يكون الإنسان مسؤولا عن فعل لا إرادة له فيه، سواء صدر منه أو من غيره، لأن من مستلزمات المسؤولية أن يمارس الإنسان حريته الكاملة..
وإن إرادة الإنسان لا تتنافى مع الإرادة الإلهية القاطعة والكلية، ولو كانت الإرادة الإلهية معطلة للإرادة الإنسانية لما جاز التكليف، وبرزت فكرة المسؤولية، وقد أكد القرآن الكريم فكرة المسؤولية في كثير من الآيات القرآنية، وأثبت الإرادة الإنسانية في التصرف والاختيار، وأن الإنسان بطبيعته يدرك حجم إرادته واختياره، ولا يشعر بأي قيد يحدد له ذلك الاختيار وبخاصة في ميدان السلوك والتصرف.
إن الإنسان في الوجود يخضع لنواميس طبيعية تتجلى فيها قدرة الخالق وإرادته، تتمثل في حركة الكون وإيجاد الكائنات ونموها على سنن ثابتة، لا يملك الإنسان فيها أي اختيار، وتسري هذه الإرادة على الإنسان فيما يتعلق بتكوينه ونموه، حيث لا نجد أي أثر لإرادته أو اختياره، بخلاف ما أناطه الله بالإنسان من تصرفات، فإنها لا تخرج عن نطاق الإرادة الإلهية، إلا أنها لا تنفي ذكر الإرادة الإنسانية التي يرتبط بها التكليف الشرعي، لأن الإرادة ليست هي الأمر والوجوب، ولا تستدعي الرضا في جميع الأحوال، ولو كانت الإرادة هي الأمر والوجوب لانتفت المسؤولية الإنسانية، ولكان التكليف عبثا...
وإن القضاء والقدر لا يفيد الجبر والقهر، وإنما يفيد العلم والإيجاد على مقتضى العلم، والعلم لا ينفي الاختيار، وذلك لأن الإنسان مكلف، والتكليف يستدعي الاختيار بين الخير والشر، ولا يمكن نفي خلق الله لأفعال الإنسان، إلا أن خلق تلك الأفعال لا يستلزم الإكراه والإجبار بالمفهوم الذي يقول به الجبرية...
وإذا انتفى الجبر والإكراه عن فعل الإنسان استلزم ذلك إثبات الحرية له فيما يصدر عنه، والحرية من أهم شروط التكليف بالمفهوم الذي تحدثنا عنه، حيث كان التكليف هو الصفة الجديرة بأن تميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية..

أثر التكليف في تحديد القيم الاجتماعية:
لا نغالي إذا قلنا بأن فكرة التكليف بالمفهوم الإسلامي يمتد أثرها في حياة الفرد والمجتمع بشكل يجعل السلوك الاجتماعي والقيم الاجتماعية خاضعة لمعايير ثابتة، ليس من اليسير استبدالها بسهولة، أو تغييرها، لأن التكليف لا يتوقف عند حدود النظر في القضايا المرتبطة بالعقيدة، وإنما يشمل كل الأحكام الشرعية التي تنظم سلوك الفرد والمجتمع، حتى في ميدان الآداب والأخلاق الاجتماعية...
والمجتمع بهذا المفهوم مكلف، وهذا التكليف يتضمن تصورا للحكم التكليفي ينسجم مع الرؤية الإسلامية، في مجال التعامل أو في مجال السلوك أو في مجال القيم السياسية أو القواعد الاقتصادية، ونظرا إلى أن التكليف عام وشامل لكل المخلوقات التي توفرت فيها شروط التكليف فإن المجتمع يصبح – في هذه الحالة – خاضعا لنوع من التنظيم المحكم الذي يكفل له سلامة المسيرة، وعدالة في توزيع الحقوق...
فالإنسان مكلف، وهو في هذا عبد الله، يؤدي واجباته الدينية، وهو زوج يؤدي واجباته نحو زوجته، وهو أب يؤدي واجباته نحو أولاده، وهو حاكم يؤدي واجباته تجاه المحكومين، أو محكوم يؤدي واجباته تجاه الحاكم، وهو مواطن يؤدي واجباته تجاه وطنه، وهو إنسان اجتماعي يعيش مع غيره ويؤدي واجباته تجاه الآخرين، في التعامل الصادق الذي يقوم على أساس العدل والحق، وهو جار يؤدي واجبه تجاه جاره، وصديق يؤدي واجبه تجاه صديقه... وهكذا يمتد حقل التكليف ليشمل كل جانب من جوانب المجتمع، والتكليف في هذه المجالات المختلفة يعطي معنى المسؤولية الشاملة...
وإن المجتمع الذي يستشعر أفراده هذا الحجم من التكليف والمسؤولية جدير بأن يكون مجتمعا نظيفا نقيا يتواصى أفراده بالخير، ويعملون - [كل] على حسب جهده وطاقته - للنهوض بمجتمعهم، لكي يكون المجتمع الأمثل، الذي ينطلق من منطلق الوعي بالمسؤولية لبناء واقع سليم..

التكليف والسلوك الحضاري:
من الصعب فهم أي حضارة قديمة أو حديثة إذا لم نتمكن من فهم القيم الأساسية التي ترتكز عليها تلك الحضارة، وتشمل تلك القيم الدين والمعتقدات والنظم والعادات الاجتماعية، وقواعد السلوك، لأن تلك القيم ضرورية في تفسير تطور الحضارة ومسارها.
ويؤكد هذه الحقيقة الباحث الاجتماعي بيتريم سوروكين حيث يقول: «بأن الفرق الأساسي بين الحضارات ينشأ من مفاهيمها العامة للإنسان وللوجود، وأن ميزة كل حضارة تستخلص من الجواب الذي يعطيه أبناؤها عن السؤال التالي: ما هي طبيعة الأصل الذي ينبثق منه الوجود وتتحدد به القيم؟».
وإننا عند بحثنا عن الحضارة الإسلامية أو أية حضارة أخرى فإن من شروط الفهم الواعي لطبيعة تلك الحضارة أن نستوعب قيمها الفلسفية المتعلقة بالكون والإنسان والمادة والروح، وليس البحث في ذلك من دلائل الترف الفكري أو الترهل الحضاري، لأن الحضارة ليست مجرد مظهر مادي متقدم يرتبط بالتقدم التكنولوجي، ولو كان الأمر كذلك لهان على مفكري الحضارات ومؤرخي تاريخها أن يتوقفوا كليا عن دراساتهم التحليلية المرتبطة بالظواهر الإنسانية...
والحضارة الإسلامية تقوم على أسس رئيسية وتمتاز بخصائص ثابتة.
ومن أهم تلك الأسس والخصائص الإيمان بفكرة الخالق الذي يمثل الكمال المطلق الذي لا يقبل النقص، ويتمثل هذا الكمال في فكرة التوحيد أو الوحدانية التي تتميز بها الحضارة الإسلامية، وأن الإيمان بالله يتضمن فكرة أخرى تتمثل في فكرة العبودية بالنسبة للإنسان، والعبودية تقوم على أساس التكليف، لأنها تتضمن معنى المحكومية، ولا يمكن تصور المحكومية بغير أداة الحكم وهو التكليف..
والإسلام من خلال تصوره المتكامل للكون والوجود والإنسان يقدم للمجتمع الإسلامي المفاهيم الأساسية لقيم الحضارة، في مجال العقائد أو التنظيم أو السلوك الاجتماعي أو الاقتصادي، وهذه المفاهيم لا تغفل الاهتمام بالعقل كأداة مدركة فاعلة مؤثرة في تمثل تلك القيم، وأن تجاهل دور العقل في الفكر الإسلامي يغفل الركن الأهم الذي ساهم في بناء الحضارة الإسلامية في عصور الازدهار، وبفضل هذا الركن العقلي استطاعت هذه الحضارة أن تواجه التحديات الفكرية التي تمثلت في موجات متلاحقة من الفكر الوافد المناقض لقيم الإسلام، والذي أطلق عليه علماء الإسلام في تلك العصور «حركة الزندقة».
وإن الحضارة القوية التي تملك مقومات التميز والاستقلال، قادرة في جميع الظروف القاسية على أن تحافظ على خصائصها وشخصيتها، ولا تخشى من مواجهة الحضارات الأخرى، وإنما تتفاعل معها تفاعلا إيجابيا يسهم في إثراء التجربة الإنسانية، ويقدم تصورات فكرية متفوقة لأنها تجمع الخصائص الإيجابية في نمو الحضارات، بخلاف الحضارات الضعيفة التي لا تملك تصورات متميزة وخصائص إيجابية أقوى منها، لأنها تكون عرضة للانحلال والانهيار، لأنها تفتقد الرؤية الأصيلة المتميزة..
ومجتمعنا اليوم يواجه تحديا حضاريا حقيقيا يتمثل في مواجهة الحضارة الإسلامية للحضارة الغربية، ولا نستطيع أن ننكر أن الحضارة الغربية تملك اليوم مقومات علمية وفكرية وتقنية لا يتوفر عليها مجتمعنا الإسلامي، ولا نستطيع أن نواجهها في هذا المضمار، لأن التفوق الذي يجعل لتلك الحضارة موقعا متميزا، ولكن من الصعب التسليم بإمكان الحضارة الغربية أن تلغي الحضارة الإسلامية، لأن هذه الحضارة - بالرغم من مرحلة التوقف بل التخلف الذي عاشته خلال القرون الأخيرة - ما زالت تحتفظ بخصائصها الذاتية، وترفض الانحلال والذوبان أمام موجة المد الحضاري المعاصر، وهذه الخصائص من أهم عوامل القوة في حضارتنا الإسلامية...
ومن جديد.. نرى فكرة التكليف من أهم خصائص الفرد المسلم، الذي يؤمن بأنه مكلف بواجبات متعددة، ليس في مجال أداء العبادات الدينية كالصلاة والصيام والحج [فسب]، وإنما هو مكلف بكل ما يحافظ على استمرارية المجتمع الإسلامي، وتوفير مقومات الاستقرار فيه؛ فواجب أداء الزكاة لا ينفصل عن واجب الجهاد في سبيل الله، لأن كلا من الزكاة والجهاد يمثلان عاملا من عوامل الاستقرار والاستمرار، فالمسلم عندما يدفع زكاة ماله إنما يسهم في واجب التكافل الاجتماعي في نطاق المجتمع الإسلامي، وعندما يقاتل في سبيل الله دفاعا عن أرضه ودينه وعقيدته ومقدساته إنما يسهم في حماية الشخصية المتميزة للمجتمع الإسلامي، ولا ينفصل هذا التكليف عن ذلك، لتكامل الواجبات التكليفية التي تستهدف حماية المقاصد الشرعية.
وبفضل خاصة التكليف يباشر الفرد المسلم مسؤوليته في بناء مجتمعه والدفاع عنه، بطريقة تلقائية، لأنها تملك مقومات الدفع الوجداني الملح الذي يحرص على أن يشعر الفرد المسلم بواجباته التي تكفل له ولمجتمعه البقاء والاستمرار..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here