islamaumaroc

إطلالة على كتابين:1-الوقف في الفكر الإسلامي، تأليف الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن عبد الله 2-أوقاف مكناس في عهد مولاي إسماعيل، تأليف الأستاذة رقية بلمقدم

  نجاة المريني

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

عندما سعدت بحضور مائدة مستديرة حول النشر والكتاب بدار أمريكا بالرباط، غبطت القوم ـ مؤلفين وناشرين ـ على روح التعاون التي تجمعهم. وعلى روح التضامن التي تسري في عروقهم، باعتبارهم مستثمرين (بكسر الراء) ومستثمرين (بالفتح) ناهيك عن الحظوة التي ينالها الكتاب المؤلف عند صدوره. فتعقد له الندوات، وتجند له الطاقات، للتعريف به، والترويج له عبر وسائل الإعلام المختلفة. يتوج كل ذلك تشجيعات معنوية ومادية لكل الأطراف، يكون للقارئ فيها دور كبير من حيث ترويج الكتاب وانتشاره.كان ذلك يوم 19 أكتوبر 1996.
وطبعا، يصعب جدا أن نعقد مقارنة بين ظروف القراءة والتأليف والنشر في المغرب وبين ظروفها عند هؤلاء الوافدين العارضين في الميدان ثقافتهم والعاملين عن تطويرها بثقة واطمئنان.
عدت إلى مكتبتي المتواضعة أتصفح ما استطعت اقتناءه عن كتب جديدة وما زودني به بعض الأفاضل من مؤلفات داعين بصوت خفيت الى النظر فيها، وتقديمها للقارئ عندما تسمح الفرصة بذلك... وإن كان العمل مرهقا في كثير من الأحيان، يكلف جهدا ووقفا وتتبعا ودرسا، لأشبع في الأخير رغبة في تتبع الجديد من الإصدارات. وأجني فائدة مما تجود به علينا دواليب الطابع ودور النشر والمكتبات.
من الموضوعات التي حظيت في الفترة الأخيرة باهتمام الباحثين، وأريق حولها مداد الدارسين: تعريفا ودراسة وتحليلا، موضوع الوقف في الفكر الإسلامي، وهو موضوع شائك متشعب، قد يتبادر الى الذهن أول الأمر صعوبة الحديث فيه وعنه، إلا أن الأمر غير ذلك، إن كلما استغرق الباحث في تتبع فصوله، وارتياد مباحثه، كلما أحس بخطورة الموضوع وأهميته، وكلما نظر من جديد في حقيقة ديننا الإسلامي الحنيف، وأبعاد الرسالة السماوية ومقاصدها لبناء مجتمع متوازن متكافل على مر الأزمان والعهود، كلما اتضحت له رؤوس جديدة، وتعمق في دراسة التشريع الإسلامي وتحليله...
إننا ما نزال في حاجة إلى توعية تضنها لنا الأجهزة الثقافية والدينية والإعلامية على اختلافها حول الوقف والأوقاف، وحول المفاهيم المعششة في الأذهان حول حقيقة الموضوع ومراميه وأهدافه. رغبة في تصحيح المفاهيم، وحرصا على ضمان فعالية الوقف باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية وسياسية.
ولعل الأستاذ الفاضل محمد بن عبد العزيز بنعبد الله ممن شغلهم موضوع الوقف زمنا طويلا، فوقف عندهم تأملا متفحصا ودارسا محللا، منتهيا إلى تقديم زبدة النتائج وثمرة الجهود في مؤلفه المتميز»الوقف في الفكر الإسلامي»(1)يعتبر الكتاب عملا رائدا في موضوعه، تتبع فيه المؤلف المراحل التي قطعها الوقف في التشريعات القديمة، وفي التشريع الإسلامي، مفصلا القول في المسؤولية الملقاة على الفقهاء، وعلى نظار الوقف محللا ومناقشا في أسلوب هادئ واضح يغريك بمتابعة القراءة سيل كبير من الأمثلة والشواهد القرآنية والحديثية والشعرية، يتنقل بينها حريصا على الحفاظ على كرامة العالم، بل وكرامة المسلم البسيط، ممثلا لذلك باختيارات شعرية طريفة ونادرة، من ذلك قول أحدهم معتزا بنفسه وبعمله البسيط المغني.
لنقل الصخر من قلل الجبال
                 أحب إلي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عار       وكل العار في ذل السؤال
يحرص الأستاذ محمد بن عبد العزيز بنعبد الله ذو الذاكرة اليقظـة الحافظة على حسن الاستشهاد في الموضوع الذي يطرقه بذكاء وحسن اختيار، وقد أغراني كثيرا بمتابعة القراءة حضور النص كأداة مساعدة على التناول والفهم وكدليل على حسن التمثل والاستيعاب في جولات اختار منها الألذ والممتع، وزودنا منها بالمفيد المهم ولعله يصدق فيه قول الشاعر
قد عرفناك باختيارك إذ كا     ن دليلا على اللبيب اختياره
"الوقف في الفكر الإسلامي" جولة ممتعة في رحاب الوقف أيام ازدهاره وأيام محنه.
فعن محن الوقف ومصادرة الأوقاف في مصر، يورد نصا شعريا للشيخ حسن العطار يقول فيه: 256/1
أحاديث دهر قد ألم فأوجعا              وحل بنادي جمعنا فتصدعا
لقد صال فينا البين أعظم صولة         فلم يخل من وقع المصيبة موضعا
وجاءت خطوب الدهر تثرى فكلما      مضى حادث يعقبه آخر مسرعا
وحل بنا ما لم نكن في حسابه           من الدهر ما أبلى العيون أفزعا
وإذا كان الاستطراد في التأليف غالبا ما يثني القارئ عن المتابعة، فإنه كان على عكس ذلك في هذا المؤلف، وقد تقطن المؤلف لذلك، وأشار إليه عندما قال»ولعل ما يشوب هذه الدراسة الوقفية من عيوب أنني أستطرد كثيرا في هذه المباحث، وأخرج عن الخط وابتعد عن الموضوع، وأجلب من الفوائد والفرائد التي لها وشيج الاتصال بموضوع الوقف، وهذا عيب، بل هو عيب كتب الأدب العربي القديم... 14/1
مثل هذا الاعتراف من أول صفحة بالاستطراد قد يكون داعيا الى الانصراف عن الكتاب وموضوعه، إلا أن الواقع بالنسبة  لي لم يكن كذلك.إذ طعم المادة العلمية ببهارات تلذ للمتتبع وتغريه بالقراءة، وأن بعدت بالموضوع عن مقصده، وأصبح تلمس النقط المدرجة بموضوعية أمرا عسيرا في بعض الأحيان.
جمع الكتاب مادة غزيرة في موضوع الوقف، نجد فيها الاستقصاء والتحليل والاستنتاج والاقتراحات ويتضح الشغف بالشعر العربي في ثنايا الكتاب، استشهادا متميزا يصلح لكل زمان ومكان، ولكل ظرف إطلالة على كتابي: الوقف في الفكر الإسلامي وأوقاف مكناس في عهد مولاي إسماعيلوأوان، من ذلك قول الإمام الشافعي المتوفع الأبي النفس 47/2.
أنا إن عشت لست أعدم قوتا         وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي            نفس حر، ترى المذلة كفرا
أو في قوله 46/2:
حسبي يعلمني إن نفع          مما  الذل إلا في الطمع
ما طار طير وارتفع           إلا كما طار وقع
كتاب "الوقف في الفكر الإسلامي"، ذو جوانب خصبة، متعددة الفائدة يجد فيها القراء من أصناف مختلفة طلباتهم شريعة وفقها، قانونا وعرفا أدبا وشعرا، ففيه يصدق القول 54/2:
وكان من العلوم بحيث يقضي       له في كل علم بالجميع
توزعت موضوعات كتاب «الوقف في الفكر الإسلامي» في المباحث الآتية:- الجزء الأول: الوقف في الفكر الإسلامي:- البعد الدلالي اللغوي والشرعي للفظتي وقف وحبس.- الوقف في التشريعات القديمة- مشروعية الوقف.- تاريخ الوقف.- جهود الفقهاء في تدوين الوقف وتقنينه.- ناظر الوقف.شروط التوثيق في ميدان الوقف.- الشهادة على الخط في ميدان الوقف.- أجرة ناظر الوقف.- الجزء الثاني: الموظف الديني:- حقيقة وقيمة في الوظيفة الدينية.- الاستننابة في الوظائف الدينية.- الجلسة ـ الجزاء ـ الزينة.- مال الوقف.- أنظمة وقفية في المغرب الكبير.- التدخل الأجنبي في شؤون الوقف.- إصلاح الوقف في العهد اليوسفي.- المنطقة الخليفية بالشمال في عهد الاستعمار الدابر..
والواقع، أن مباحث الكتاب بجزأيه دراسة غنية عن الوقف في أبعاده المختلفة، ودعوة الى إعادة النظر عن الوقف في أبعاده المختلفة، ودعوة الى إعادة النظر من جديد اليوم في أحواله وظروفه، تبعا لمتطلبات العصر، باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية يتحقق فيها التكافل الاجتماعي بمسؤولية وإيثار.   
وإذا كان كتاب "الوقف في الفكر الإسلامي" بجزأيه دراسة موضوعية مفصلة للموضوع، فإن مما أمتعتنا به الأستاذة رقية بلمقدم في كتابها»أوقاف مكناس في عهد مولاي إسماعيل» (2) يعتبر دراسة ميدانية تطبيقية في فترة محددة وفي منطقة محددة أيضا.
يشكل الكتاب عناية المولى إسماعيل بالأوقاف المختلفة في عصره ورعايته لشؤونها، وحرصه على النهوض بها، تحقيقا للرسالة الإسلامية في أسمى مراميها، ودعوة إلى الإقبال على الاهتمام بالأوقاف ومؤسساته لما فيه خير البلاد والعباد،لقد اهتمت المؤلفة في عملها باستقراء النصوص والاستفادة من معطياتها وتوظيف أسباب تشريعها بثأن وصبر، وجعلت من أوقاف مدينة مكناس موضوع الدرس والتطبيق ومن عصر المولى إسماعيل الفترة التاريخية المنتقاة لضبط العمل وتدقيقه، فجاء عملها متكاملا رصينا. وأتمر مجهودها دراسة ميدانية لعلعا الأولى -فيما يظهر- في ميدان الوقف والحوالة في مدينة مكناس في عهد المولى إسماعيل.
وكما أشارت المؤلفة في مقدمة كتابها إلى أن اختيارها للوقف موضوعا للدراسة هو مساهمة في جانب من التاريخ الحضاري المغربي، 5/1، فإن عملها كذلك، إذ كشف عن جوانب مضيئة في التاريخ الاجتماعي والحضاري للمنطقة المكناسية في فترة زاهية، عمل الحاكم أثناءها على إجلائها.
مكناس عاصمة المولى إسماعيل ومستقره وحاضرته. أحبها وأفتن بها لما لها من خصوصيات، وانعكس ذلك الحب والافتتان في الاهتمام بالوقف ومؤسساته. وفي تنظيمه وتقنين أحباسه، وتطوير أجهزته وبنياته:
تناولت مباحث الكتاب الموضوعات الآتية:ـ الوقف وتطوره وتنظيماته في المغرب قبل عهد المولى إسماعيل كتمهيد اتسعت أطرافه لاستيعاب الموضوع والإلمام به.ـ الوقف بمدينة مكناس قبل العهد الإسماعيلي.ـ الوقف بمدينة مكناس عن اختلاف أنواعه في العهد الإسماعيلي.ـ أملاك الأحباس خارج مدينة مكناس.ـ أملاك الأحباس داخل مدينة مكناس.ـ مساهمات المولى إسماعيل في مجال التحبيس.ـ الدور الاقتصادي للأحباس.ـ الدور الديني والثقافي والاجتماعي للأحباس.
وبالرغم من صعوبة البحث في هذا الموضوع، فقد استطاعت المؤلفة أن تلم بأطرافه وأن تجمع شتات وثائقه. وأن تتحفنا في الجزء الثاني من كتابها بملاحق توثيقية لرسوم حبسية مختلفة، ولفتاوى فقهية في الموضوع، لاشك أنها جشمتها مسالك وعرة في البحث وأرهقتها في التتبع والجمع، إذ لم ترك وثيقة استطاعت الوصول إليها ولا رسما أفادت منه إلا وقدمته نموذجا تطبيقيا لما حرصت عن شرحه في الجزء الأول. في نسخته الأصلية، مع ما يتطلبه الحصول على الوثائق والرسوم عن مشاق لا يعرفها إلا من عانى مرارة ذلك، وأحس بالغبن لما يعرفه البحث العلمي في عصرنا من ضيق وعسر، فلا الطريق ممهد، ولا العمل ميسر فما أحوجنا ـ نحن الباحثين ـ اليوم الى أوقاف ترصد من جديد للبحث العلمي الجامعي، نستظل بقينها، ونغنم من أحباسها ما يساعد على مواصلة العمل بحب وشغف.


(1) الوقف في الفكر الإسلامي: محمد بن عبدالعزيز بنعبدالله جزءان منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1996/ 854 صفحة من القطع المتوسط).
(2) أوقاف مكناس في عهد مولاي إسماعيل رقية بلمقدم جزءان منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1993 (649 صفحة ومن القطع المتوسط) الأصل في الكتاب رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ1991.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here