islamaumaroc

العلامة الأديب صاحب النفس العالي أبو علي سيدي الحسن الكوسالي.

  محمد الصالحي

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

تحتضن منطقة سوس بصفة عامة، وجبال جزولة منها بصفة خاصة، أعلاما أفذاذا، وأدباء كبارا، وفقهاء عظاما، لكن الزمان لم يجد -بعد- بمن يبرز سيرتهم، ويكشف عن إبداعهم وإنتاجهم الفكري والأدبي، وينفض عن تاريخهم العلمي والأدبي غبار العقود المتلاحقة، ويزيل الحواجز التي تحول دون ظهورهم، ويجلي صفحات تاريخهم المشرق، ويسلهم من زاوية الإهمال والنسيان، بالتعريف بهم، وجمع ونشر دواوينهم وآرائهم وفتاويهم، ودراسة وتحليل وتحقيق إنتاجهم.(1)
التامانرتي، وسيدي العثماني، وغيرهم -مع قلتهم- من الأدباء المرموقين البارزين والمعروفين، فإن فئة كثيرة جدا من النبهاء والفطاحل -من هذه الجبال السوسية- ما زالت مغمورة مجهولة منسية منطوية على نفسها، يجهل قدرها ومكانتها ومستواها الفكري، حتى أقرب الناس إليها سلالة ومنطقة وجهة، فقسا عليها الدهر، فأطبق عليها كلكله، وقبعت من وراء حجاب.
ومن هذه الفئة القابعة في الظل مترجمنا الأديب المغمور، سيدي أبو علي الحسن الكوسالي الوكاكي السملالي، ظل منسيا، مع جلال قدره وعظيم هيبته ومكانة علمه وهو الذي:
تاهت به تلك الجبال شعابها            وسفوحها تيه الحسان الخرد(2)
ولعل هذا العرض المتواضع يتلمس عض الجوانب الحية من حياة أبي علي الكوسالي، ويلقي بعض الضوء على سيرته العلمية، وقد ركن إلى الظل في حياته، ورضي بالانزواء حيا وميتا.
  ترى من هو الأديب الكوسالي؟     وإلى أية قبيلة ينتمي؟    وماذا يميز أرومته ومحتده؟    وما هي الفترة الزمنية التي عاش فيها؟    ومن هم أساتذته الذين أخذ عنهم علمه وأدبه؟    وما هي المراكز الثقافية التي أخذ منها ودرس فيها؟    تلكم أسئلة سيجيب عنها -باختصار واقتضاب- هذا العرض البسيط، الذي سيحاول تسليط بعض الضوء- ولو كان باعتا -على شخصية الأديب الكوسالي، مع عرض عينات ونماذج من شعره الساحر.

1ـ نسبه:
أبو علي الحسن بن محمد -فتحا- بن الحسن بن مسعود ابن سعيد من «بني الطالب» علي بن محمد بن يحيى» من سلالة وأحفاد أبي محمد وكاك بن زلو المتوفى 445هـ(3) وهم الشرفاء المدمانيون السملاليون الوكاكيون القاطنون بوادي سملالة من قبيلة جزولة بقرية صغيرة هناك تسمى «اكوسالن» وإليها نسب الكوسالي، وينتسب إلى مدمان بن زغاغ بن أبي علي بن الشيخ وكاك.(4)علامة سملالة وأديبه، وشيخ المعارف في ربوعها، من الأفذاذ اللامعين المشاركين المستحضرين لجميع ما درسوه، مما يتدارس في المدارس العلمية العتيقة السوسية. نحوا ولغة وأدبا وفقها وفرائض وحسابا وتفسيرا وحديثا وتاريخا.(5)
أديب ماهر محصل، كان آية من آيات الله في قرض الشعر، ونادرة في النحو والتصريف، مع تدين متين(6)

2ـ شيوخه وأساتذته":
إذا أراد الله شيئا هيأ أسبابه، ولما أراد الله تعإلى أن يأخذ بيد أديبنا الكرسالي فيض له شيوخا مرموقين، وأساتذة لامعين، ومربين بارزين، وأقرانا نبهاء يقظين.
فتلقى القرآن الكريم وحفظه في مسجد قريته على القراء الأفاضل، كما أخذ العلوم الشرعية والأدبية من فطاحل الأدباء وكبار الشيوخ في مدرستين اثنتين لم يتجاوزهما.
1- مدرسة أبو مروان السملالية(7) وبه قريبة لقريته.
2- مدرسة تنكرت الأفرانية(8)
وطبيعة المرحلة والتكوين تقتضي أن نتناول وبشيء من الإيجاز شيوخه في تعلم القرآن الكريم، وأساتذته في العلوم الشرعية والأدبية.
ولقد ترعرع الأديب أبو عل سيدي الحسن الكوسالي السملالي في أحضان أسرة علمية شريفة نابهة متدينة ومحافظة.
فوالده توفي 1314هـ وهو محمد -فتحا- بن الحسن بن مسعود الكوسالي، مقرئ كبير، وعالم جليل، استقى علمه من شيوخ أعلام مرموقين، وكان أشهرهم.
* العلامة الكبير سيدي الحاج الحسين الأفراني الشهير.(9)
* أبو عبد الله سيدي محمد بن عبدالله الصالحي الإلغي  الشهير.(10)
وهؤلاء أشهر وأهم شيوخ وأساتذة والد صاحبنا أبي علي الكوسالي.
أولا: شيوخه في تعلم القرآن الكريم:
لقد أخذ القرآن الكريم عن ثلة من الشيوخ الذين تصدروا لتدريس كتاب الله وتحفيظه بجد وإخلاص وهمة عالية وتفان في مختلف مساجد المنطقة وهم:
* سيدي محمد -فتحا- من بني الحاج.
* سيدي أحمد بن محمد بن إبراهيم عن بني عبد الرحمان التزغراني.
* سيدي عثمان بن اليزيد (ت:1376هـ).
* عمه سيدي عبد الله بن سعيد بن مسعود الكوسالي العالم الجليل والمقرئ الكبير.
* سيدي محمد بن إبراهيم بن مسعود عمه.
* سيدي علي (باتعل)، أخذ عنه في المدرسة اليومروانية (المتقدمة في الهامش رقم 7) علم الروايات.
تلكم كانت قائمة الشيوخ الستة الذين تعلم منهم أبو علي الكوسالي القرآن الكريم، حفظا وإلماما يعلم  الروايات،(11)
ثانيا: أساتذته في العلوم الشرعية والأدبية:أـ في المدرسة البومروانية:
في سنة 1328هـ التحق الأديب الكوسالي بالمدرسة العلمية لينهل من معينها، ويتزود من معارفها، ويحتك بروادها ونزلائها، ويجلس إلى عمدائها وشيوخها، ويغترف من بحرها الزاخر السلسبيل.وكان عمره إذ ذاك لا يتجاوز سبع عشرة سنة، وقد اختار الله له حسن التوجيه والاختيار، ففيض له من الأساتذة والشيوخ والأقران، من يصقل ذهنه، ويشحذ همته، ويوجه فطرته، فغرسوا في نفسه حب العلم والمنافسة في امتلاك ناصيته، والسهر على سير أغوار حقائقه، واستيعاب أصوله وفروعه، وأبوابه ومباحثه.
يغوص البحر من طلب الآلي          ومن طلب العلا سهر الليالي
 وكان من أبرز هؤلاء الأساتذة في هذه المدرسة:
* الأستاذ سيدي محمد -فتحا- بن محمد المافاماني المعروف بمحمد الفقير، وذلك بالمدرسة البرمروانية سنة 1328هـ وهو الذي افتتح عنده مبادئ العربية.
* الأستاذ الكبير الأديب البارع شيخ الجبل سيدي الطاهر بن محمد الأفراني.(12)
* الأستاذ الأديب سيد محمد بن علي الصالحي الإلغي.(13)
* الأستاذ الأديب النايه سيدي محمد بن الطاهر الأفراني(14)
وعن الشيوخ الفطاحل تلقى الأديب الكوسالي معارفه الأولى في رحاب المدرسة البومروانية، حيث لازم دروسهم، وواظب على حلقاتهم مدة تقارب أربع سنوات.
ب ـ في مدرسة تنكرت الأفرانية:
في سنة 1331هـ ارتحل أديبنا إلى المدرسة التنكرتية الأفرانية، حيث العلوم الأدبية يانعة مزدهرة.وقد ربض فيها حوالي سبع عشرة سنة، منكبا ينهم وجد وتحصيل على استيعاب مختلف العلوم، يأخذ حينا عن أستاذها وعميدها الكبير سيدي -الطاهر بن محمد الأفراني، وأحيانا كثيرة عن نجله سيدي محمد بن الطاهر، الذي لازمه حتى استفاد منه الكثير، وطبعه بالطابع الأدبي، شاعرية وأريحية، وخفة روح، وصقل ذهن، وسلامة ذوق، وإرهاق حس، وهياما بدنيا الأدب وأهله وكتبه، فيبرز شامخا بين أقرانه، تفوقا وشفوفا وتحصيلا وتمكنا واستيعابا.
وتلكم مؤهلات شخصية وعلمية وفكرية وأخلاقية رشحته لأن يتربع كرسي التدريس مساعدا لأستاذه في مدرسة تنكرت الأفرانية، كما هي عادة النجباء من الطلبة المتفوقين في هذه المدارس، فما بالك بمن لازم هذه القلعة العتيدة وهذين العلمين سبع عشرة سنة.
فحينما يكثر عدد الطلبة، وتتنوع مستوياتهم، وتتفاوت حلقاتهم ودروسهم وتتعدد مواد دراستهم (فقهية، لغوية، أدبية، الخ) فإن أستاذ المدرسة يعمد إلى من يتوسم فيه النجابة والتمكن والتحصيل والقدرة على التبليغ من تلامذته فيسند إليه تدريس المبتدئين أو المتوسطين، وفي نفس الوقت يتابعون الأخذ والدرس عن الأستاذ، يعطون ويأخذون ويدرسون ويستتمون لأنه لا نهاية للكمال، ولا حد للفضيلة، ولا حدود لمسيرة العلم اللانهائية. كما قال (ص) (أطلب العلم من المهد إلى اللحد).
وبعد استتمامه وتضلعه، غادر المدرسة التنكرتية الأفرانية التي ما زال لسانه -في حياته- يلهج بفضلها وفضل أساتذتها عليه، وذلك سنة 1347هـ.

3) المدارس العلمية التي درس فيها:لقد تصدر أديبنا للتدريس في أربعة مدارس مهمة بالمنطقة، وسبقت الإشارة إلى أنه مارس التدريس بالمدرسة الأفرانية مساعدا لأستاذيه سيدي الطاهر بن محمد وولده سيدي محمد بن الطاهر، كما مارس بالمدرسة البومروانية مؤازرا لشيخها الكبير وأستاذها الجليل شيبة الحمد ذي الجلال والوقار والهيبة والشهرة الفائقة سيدي عبد الله بن محمد الأعشابي.
أما استقلاله بالإشراف على شؤون المدرسة الإدارية والتربوية والتعليمية والدينية والاجتماعية، فهو محدود جدا مكانا وزمانا، ولعل سبب ذلك يعود إلى طغيان الانزواء، والروح الصوفية، والقناعة، التي حدث من طموحه رغم وجاهته ومكانته الدينية والاجتماعية والعلمية والأدبية التي يعترف له الجميع بها من شيوخ وأقران ومعارف، وممن خالطه وسير غوره.
فقد تولى التدريس بجد وحزم في المدرسة الوفقاوية(15) ومدرس نزعت(16).

4) ملامح منهجية صاحبنا في التدريس:
إن استيعاب الأديب الكوسال لمختلف العلوم، وتمكنه من أوابدها وشواردها، وتضلعه في كل الفنون والمنون التي تدرس في المدارس التي تخرج منها، خصوصا وهي رائدة وحاملة لواء الفضل والسبق والجد في عهده.
وإن اصطباغه بطابع المدرسة التنكرتية جعله يطيل في تقرير وتوضيح وتحليل دروسه، وحل مقفلها، وتفصيل مجملها، إطالة عرفت به حلقات دروسه -وذلك مظهر آخر من مظاهر تمكنه واستيعابه واهتمامه.ـ حتى إن بعض تلاميذه ينفرون من دروسه، ويعلون منها لطولها واستغراقها ساعات. ومن المبادئ التربوية والأسس المنهجية المسلمة -اليوم- مراعاة قدرات المستهدفين المخاطبين، والاعتماد على الوضوح والوسائل المعنية في حسن التبليغ، وتجنب التطويل، دفعا للملل والشرود الذهني، ذلك أن القلوب إذا كلت عميت، كما قال عليه السلام.
ومرد ذلك التطويل الذي يصطبغ حلقات صاحبنا اعتماده على الاستشهادات الكثيرة واستعراضه لمختلف الأوجه والتقسيمات والآراء المتعارضة، وإكثاره من الأمثيلة والمقارنات.(17)
وهذا ما يشهد له بالتضلع، والتمكن، وحسن الاستيعاب وبأنه وعاء مليء علما وحلما وصبرا وزهدا، ووزعا وتقوى.
ومما يشهد بموسوعيته وإحاطته بمختلف العلوم ما شهد به في حقه زميله في الدراسة ورفيقه ومعاصره في المدرسة الأفرانية الأستاذ سيدي محمد المختار السوسي.فلنسمع إلى هذه الشهادة:«…فكانت بيننا صحية، وكثيرا ما أغبطه إذ ذاك لإكبابه على مختلف الفنون، على حين أنني لا أنكب إلا على كتب الأدب كثيرا…»(18)

5) نماذج من مقتطفات شعره:
 للأستاذ الكوسالي جولات في مختلف أغراض الشعر العربي، فكانت له قصائد ومقطعات في الإخوانيات والمدح والرثاء والوصف والغزل، وفي مجال التصوف والزهد وغيرها.
وحتى تتوقف على قيمة شعره ومستواه الفني تعرض نماذج نرجو سأن نوفق في انتقائها لأن الاختيار أصعب من التأليف، كما قال ابن عبد ربه صاحب «العقد الفريد»
 قال وهو يخاطب أستاذه الكبير سيدي الطاهر بن محمد الأقراني، وقد طلب منه تلقين الورد «وِرد الطريقة الأحمدية التيجانية»
شابت الغيد ودها حين شابا                         فـود رأسي وخلقه لن يشابـا
دن بالغـدر مارعين صفـاء                         ووفـاء عهـدنه في دابـــا
قطرين وقـد ثوبـن فـؤادي                          بـرد وصـل سلبنية استلابـا
قد غواني هوى الغواني زمانا                      كنت فيه لها حبيبــا محابـى
واكتسيت برد الشباب لباسـا                        واحتسيت صرف الوصال شرابا
زمن كنت فيه طوعي مجيبـا                       حين أدعى وحين أدعـو هجاجا
قد جعلت خلع العذار اعتذاري                     ورأيت غي التصابي صوابـا
  سامعا كل ما أهاب الهوى بـي                   خائضا فـي غماره لن أهابـا
 وأضعت ريعان عمري وأوضعـ                  ـتـ خلال الصبا أشب شبابـا
 راكبا من هواي طرفا (19) جموحا             جانبا الضلال قفــرا يبابــا
 رائـدا للشبـاب ورضـا عشيمـا                    واردا للغـرور مـاء سرابـا
 ثم أنـي أثبــت أقـرع سنــي                       سادما نادما وأنـوي المنابــا
 واقفا ضارعا مقرا ببــاب العـ                    سقو أرجو النجا وأخشى العقابا
 لائذا بالنبـي خيــر البرايــا                       صفوة الكون والحبيب المحابي
 ثم بالقطب نجلـه أحمـد التــا                     ج التجاني السري المنيع جنابا
 فإليه قصـدت أبغـي انتسابــا                      وعليه وقفت نفسـي احتسابـا
  فولجت من بابـه الشيخ شيخـي                 من أتى الباب: حقه أن يجابـا
 صاديا حائما على الورد أرجــو                 أن أرى سـره الهنيء شرابـا
 هــذه غلتي فأرجـــو غليلي                      وأشف قلبا بذي الذنوب مصابـا
وعليك الســـلام مـا أم وفـد                       باب فضلكم البهي المهابـــا
وقال مخاطبا الطلبة الذين يلازمون دروسه وحلقاته بمدرسة تنكرت، بعد أن ختموا «مختصر الشيخ خليل» بن إسحاق:
نظم شمل المنى تناهـى اتساقـا                   وصفا العيش والزمان أنساقـا
وظلال الأمـان والعز تصفــو                    وجبين المهناء يبـدي ائتلافـا
وطيور التهاني منها على الســر                 ب أغـان تميـل الأعنـاقـا
يا فؤاد الأسى أفق من كرى الوجـ               ـد فذا دهرك المسيء آفاقـا
فأهنأ عيشـا وقـر عينا وطب نفـ                  سا وجل في شأو السرور استباقا
وهنيئـا لنـا صحـابي إنــــا                        قد نشقنا مسك الختام انتشـاقـا
فـاحمدوا الله إذ هـدينـا لـهـذا                     واستدروا من فيضـه أفواقــا
واشكـروا أننـا بهـالات بـدر                      بهر الشمس نــوره إشراقـا
روح ذات الكمال إنسان عين المـ                 ـجد من بذ كل قـرن وفاقـا
مالك العلم أحنف الحلم كعب الـ                  ـجود ليث غشمشم(20) إن لاقى
نجل بحر العلوم والجود عز الـ                  ـدين مأوى من يشتكي الإملاقا
درة التاج شمس أفـق المعالـي                    من شـذا صيته مـلأ الآفاقـا
فجـزاهم عنا المهيمن فضـلا                      وامتنانا منه جــزاء وفـاقـا
وأتم الســلام يـأتيكم مــا                           نظم شمل المنى تناهى اتسـاقا
وقال في مجمع من الطلبة في يوم عيد:
إن ذا اليـــــوم لعيــد                   طيره طير سعيـــــد
خيره دان قـــــــريب                   شره نـــاه بعيــــد
شملنــا فيـــــه جميع                   همنـا فيــه بــديــد
في نـــــــواد كبروج                   وشمــوس هم أســود
كـل شيء مستلــــــذ                   حـاضر فيــه عتيــد
منــــــن زراب ومخد                  كلها وشي جـــديــد
فـــوقنــــا غيم ورش                   مــاء ورد ثم عــود
وصـــوان وخــــوان                   كلما ولت تعـــــود
يقول الأستاذ سيدي المختار السوسي حاكيا ما كان بينه وبين شاعرنا أيام كانا يدرسان بمدرسة «تنكرت» الأفرانية:
ولا زلت أذكر أنني ذهبت معه إلى «ملاح» السوق هناك، حيث يقطن اليهود، لننظر يهودية تخيط لنا كتابا فقلت له في الطريق:
عرج بنـا إلى ديـار اليهــود                   لعلنــا نجني ورود الخدود
فنستشفي برشف مسك اللمى(21)           من حر نار الوجد نلت الوقود
 ثم ملنا أمام خياطة وضيئة، فناولت كل واحد منا وردة، فأنشدته قول أبي سكرة الهاشمي: (22)ورد الخدود وورد الروض قد جمعا
فظن أن الشطر لي، فما لبث أ قال ارتجالا متمما الشطر:           
  هذا أبيح لنـا وذاك قد منعـا
فكانت إحدى عجائب الارتجالات التي شاهدتها.(22)
وفي يوم 11 شوال 1378هـ زار الأستاذ سيدي محمد المختار السوسي مسقط رأسه «إلغ» فأرسل إلى صاحبه هذا، فوصله في «إلغ» فاسترجعا بعض ذكريات أيام الدراسة، وكانت بينهما هذه المساجلة اللطيفة، وقد افتتحها صاحبنا الأستاذ الكوسالي بقوله:
أسعد بها من سفرة رابحة
وقال الأستاذ محمد المختار السوسي مجيبا:                 
 لكل أبــواب المنــى فائحـة
 الأستاذ الكوسالي:
قـد قـربـت كل البــلاد وإن   
 الأستاذ السوسي:                
 شـعـابها شاسعة بـارحـــة   
الأستاذ الكوسالي:
زيـــارة أدنت إلى النفس مـا   
الأستاذ السوسي:                 
 كــانت إليه دائما طـامحـة   
الأستاذ الكوسالي:
فلم تــــزل ليـل نهار إلي  
 الأستاذ السوسي:                 
 إدراكــه تشوقا جانحـــة   
الأستاذ الكوسالي:
فعـاد ذاك الوصل ما بيننــا   
الأستاذ السوسي:                 
«ما أشبه الليلة بالبارحــة»  
 الأستاذ الكوسالي:
أسفــر وجه الدهر مستبشرا  
الأستاذ السوسي:               
  بعد ليال قد مضـت كالحـة
الأستاذ الكوسالي:
فاليوم أبدى السعد ما بيننــا
الأستاذ السوسي:             
 غاديـة بالمشتهـى رائحــة
الأستاذ الكوسالي:
تعـانقت قلوبنــا فرحــا
الأستاذ السوسي:              
فالنفس من سرائها طافحــة
الأستاذ الكوسالي:
إن القلوب اليـوم في موجـة
الأستاذ السوسي:              
بين الأمانــي كلها سابحـة
ومن ألوان شعر أديبنا هذا النموذج المنعم عن روح صوفية متميزة.
مـــولاي منك آرتجــي         ولــك منــك ألتجــي
فكــم أجي ولم أجــــد          البــاب غير مـرتــج
إن لم أفــز بمقصـــدي         منـــكم، فمن ذا أرتجي
بـــالمصطفى مـلاذ كـ         ـل خائف ومــرتج(23)
قل للعبيــــد قـد أذنـ            ـنا يــا طريد فلتـــج
وهــــش وأبشر واقترح       فبـابنــا لم يــــرتج
ولك ممــــــا تشتهي           أكثــر مما ترتجـــي
ومن شعره في التغزل وقد وظف فيه كلمات من لهجته «تشلحيت» ذات رنة ودلالة وأبعاد بلاغية، ووفق غاية التوفيق.
وشادن(24) مـذيـدا أخفي محيـــاه                شمس الضحى وزرت بالمسك رياه(25)
ثغار من فده(26) ملد(27) الغصون إذا         مالت بعطفيه من سكر حميـــاه(29)
قد غرسـت خمره في صحن وجنتــه             وردا تـولت ميـاه الحسن سقيــــاه
أقبل يعثر في مرط الحيـاء(30)فمــذ             أدبـر صحت أسى: ويـاه ويـاه(33)
تلكم صورة خاطفة حاول العرض أن يقرب بها حياة المترجم أبي علي سيدي الحسن الكوسالي المغمور.
فإذا كانت باهتة مضطربة تفتقر إلى النصوع، والتركيز العميق، والتحليل الدقيق، فإن ما يشفع لها أنها أثارت شخصية الأستاذ الكوسالي، كما حاولت أن تشخص سيرته الذاتية، وتبرزه في إطاره التاريخي اللامع، ومجاله التربوي الواسع، وبعده الفكري والعلمي والأدبي الساطع.
ولعل تلكم الصورة تثير فضول من يعشقون البحث، فيتصفون صاحبنا وأستاذنا الكبير، ويضعونه تحت مشرحة البحث العلمي النزيه والدقيق، والتحليل الشامل الرصين.
ما كان في سمـلالة في يومهـا                     هذا، سوى الحسن الأديب المفرد
تاهت به تلك الجبال شعابهــا                      وسفوحها تيه الحسان الخرد(32)


1) اللهم إلا ما قام به أستاذ الجيل وباعث نهضة سوس سيدي محمد المختار السوسي رحمه الله من عمل جليل في هذا الباب، حيث أحيي التاريخ العلمي والفكري لسوس، في موسوعته الفذة «المعسول» وغيرها من رحلات ومذكرات وأبحاث وتحليل للسيرة الذاتية للأبطال والعلماء والأدباء والرؤساء، ونجد ذلك كله في مؤلفاته المستوعبة وهي: «خلال جزولة» و»الإلغيات» و»إليغ قديما وحديثا» و»طاقة وريحان من روضة الأفنان» و»رجالات العلم العربي في سوس» وغيرها.كما أن هناك بعض الدراسات والأبحاث يقوم بها بعض الباحثين تناولت بعض هؤلاء العلماء والأدباء اللامعين أمثال: سيدي الطاهر الأفراني وابنه العلامة سيدي محمد وسيدي داود الرسموكي، وسيدي الحسن البونعماني.
2) سيدي محمد المختار السوسي - المعسول: ج 11/ ص: 79 الطبعة الأولى - مطبعة النجاح 1383هـ والبيت من قطعة له يخاطب بها المترجم.
3) «وكاك» كلمة مأخوذة من إكيك ومعناها باللهجة السوسية ج»الرعد» وكأنه لقب بذلك لعلمه الغزير/ عن «المعسول» ج:11 / ص: 80.وهو فقيه عالم ورع مصلح نقي يقصده للتبرك والدعاء من الصحراء والحوز ونفيس. وهو وجاج بن زلو بن أبي جمعة اللمطي الجزولي السوسي الشريف الإدريسي، ويرجع الفضل الكبير إلى أحفاده في تعميق الوعي الديني ونشر العلم والفضيلة. وتأسيس المدارس والمراكز العلمية بسوس، أخذ عن أبي عمران الفاسي تـ: 430هـ بالقيروان بتونس، وتخرج على يديه برباطه ومدرسته «باكلو» قرب تزنيت صقر سوس، عبد الله بن ياسين الجزولي السوسي المرابطي التافنارتي تـ:541هـوهو مؤسس الدولة المرابطية ومنقذ المغرب والجزائر والأندلس من براثن الاستعمار الإسباني في القرن الخامس الهجري، استشهد في جهاده ضد البورغواطيين.
4) عن المعسول: ج 11 / ص: 325)
(5نفس المرجع:ص:61.
6) الأستاذ أحمد يحيى: «مآثر السلف ومفاخر الخلف» ص: 48 / الطبعة الأولى سنة 1991، منشورات، جمعية إليغ، لتنمية والتعاون.
7) المدرسة البرمروانية من المدارس العلمية العتيقة المشهورة في سوس، وربما تأسست في القرن العاشر الهجري، ازدهرت فيها دراسة الروايات القرآنية على يد المقرئ «أبو الوجوه» ثم اشتهرت بشيوخها وأساتذتها الكبار، وأشهرهم أبو القاسم العباسي، وأبو عبد لله سيدي محمد بن عبد الله الإلغي، والشيخ الإلغي سيدي علي بن أحمد والد الأستاذ الكبير سيدي محمد المختار السوسي، كما اشتهرت بالأستاذ سيدي الطاهر الإفران، وسيدي أحمد بن محمد اليزيدي، وسيدي عبدالله بن محمد الأغشاني، وبشيخها اليوم سيدي الحاج إبراهيم المزبلي وهي عامرة يتخرج منها الأئمة وفقهاء المدارس.
عن «سوس العالمة» للأستاذ سيدي محمد المختار السوسي/ الطبعة الثانية 1404هـ - 1984م/ ص: 65 - 66.
وعن «مدارس سوس العتيقة -  نظامها وأساتذتها» لنفس المؤلف هيأة للطبع والنشر ولده السيد رضى الله عبدالوالي / ص: 108 / الطبعة الأولى 1407 هـ - 1987م/ من مؤسسة التغليف والطباعة والنشر والتوزيع للشمال بطنجة.
8) «مدرسة تنكرت الأفرانية» بالأطلس الصغير بسوس، تأسست في القرن 11هـ ومن أشهر شيوخها وأساتذتها الكبار سيدي محمد البراغي، وسيدي محمد ابن بلقاسم الإتماري، وسيدي محمد بن إبراهيم التامانرتي، والشيخ سيدي إبراهيم بن صالح التازروالتي، والفقيه إكيك، والأستاذ الكبير سيدي الطاهر بن محمد الأفراني وأولاده من بعده، عن المرجع السابق ص: 109 - 110.
9) عالم كبير وشيخ جليل القدر يشتهر بنشر الطريقة الأحمدية في المنطقة وله خزانة علمية طافحة بالكتب النفيسة النادرة، ولكنها تعرضت للنهب شأن كل نفيس ونادر وثمين، من مؤلفاته شرح «سورة الإخلاص» و»تعاليق  على فروق القرائي» وتوفي سنة 1328هـ ودفن بوسط مسجد الزاوية التجانية بالمشور بمدينة تزنيت.
10) عالم كبير عصامي، كان مضرب المثل في الحزم والجد والعلم ورفع الهمة، وزاول التدريس في عدة مدارس، قبل أن يؤسس المدرسة الإلفية/ ت 1303هـ.
11) انظر «المعسول» ج: 11 / ص: 60
12) هو العالم الجليل والأديب الكبير سيدي الطاهر بن محمد الأفراني من أدباء المغرب اللامعين المرموقين، تخرج من المدرسة الإلفية بسوس، واستتم بتارودانت، واحتك بالأدباء والشعراء في كل من مراكش وسطات والرباط ومكناس وفاس. وهو من شيوخ سيدي محمد المختار السوسي.وتوجد ترجمته قي «المعمول» ج:7 ما بين صفحات (69 - 239) تـ: 1374هـ وقد هيأ الأستاذ عبد الله الدرقاوي أستاذ التعليم العالي بحثه لنيل شهادة دبلوم الدراسات العليا في موضوع «حياة هذا الأديب وشعره».
13) هو الأستاذ الكبير العصامي الفقيه سيدي محمد بن علي الصالحي الإلغي من أدباء «إليغ» البارزين، ومن أخذ عنهم الأستاذ سيدي محمد المختار السوسي في تنكرت، ولوع بالأدب وقرض الشعر، رغم إمعانه في إشغال أسرته التي لا ترحم ولا تمهل. وقد اهتم بجمع جميع شعره في كراسته، توفي سنة 1385 / 1965م. (انظر ترجمته في «المعمول» ج2 / ص: 191 - 203).
14) سيدي محمد بن الطاهر الأفراني، هو ابن العلامة السابق في الحاشية رقم 12 من أسرة تسلسل فيها العلم والفضل والورع، عالم متضلع ومستحضر، أشرف على «مدرسة تنكرت الإفرانية» مدة، وتخرج على يديه كثير من النبغاء.انظر «المعمول» ج: 7 ما بين (238 - 291).ولقد هيأ الأستاذ محمد بصير أستاذ التعليم العالي ورسالته الجامعية حول «حياة الأستاذ وشعره وأدبه» وتوفي 1377هـ/1957م.
15) من المدارس العلمية العتيقة بالمنطقة، تأسست أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وقد أشرف على التدريس فيها عبر مختلف الحقب والأزمان علماء كبار الذين لا يشق لهم غبار، نذكر من بينهم سيدي أحمد بن الحاج محمد اليزيدي، وصاحب الترجمة وسيدي الصالحي محمد بن علي الإلغي، توجد بدائرة تافراوت.
16) مدرسة علمية قديمة عريقة في المجد والقدم توجد في «دائرة آنزي» ظهرت أوائل القرن التاسع الهجري، واشتهرت أكثر بالعلماء واليعقوبيين.
17) مآثر السلف ومفاخر الخلف: للأستاذ أحمد يحيى/ ص 48.
18) المعمول: ج 11 / ص: 7919) الطرف: الخيل الكريمة
20) الغشمشم: الجريء الكثير الظلم الذي لا يثنيه شيء عما يريد
21) اللمى: سمرة في الشقة تستحسن، وهو مثلث اللام.
22) انظر «المعسول» ج:11 / ص: 76.
23) خائف

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here