islamaumaroc

[كتاب] "البيان والتحصيل" لابن رشد -3-

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

إطلالة على كتاب البيان والتحصيل لابن رشد (الجد)القسم الثالث
والأخيرعرض وتقديم:الأستاذ محمد بن عبد العزيز الدباغمحافظ خزانة القرويين بفاس
أشرنا فيما سبق إلى أن كتاب البيان والتحصيل شرح مفصل للعتبية، وأنه يتوفر على علم كثير، وعلى استدلالات مختلفة توضح الغامض، وتوجه الأحكام، وتبين المقاصد، وأن ابن رشد سار فيه على نفس الترتيب الذي استعمله العتبي في كتابه الذي ختمه بكتب الجامع التسعة، المتضمنة لجزئيات، منها ما يرجع إلى بعض الأبواب الفقهية الموجودة في الكتاب، ومنها  ما يتعذر وضعه من تلك الأبوابفيوضع في الجامع اقتداء بما فعله الإمام مالك في موطنه.
وتعد كتب الجامع التسعة من أمتع ما دون في هذا الكتاب، لأنها لا تتوفر على الموضوعات الفقهية فقط، بل يضاف إليها ما يتصل بالسلوك الفردي وبمقومات الأخلاق، واستغرقت عند الطبع جميع صفحات الجزئين السابع عشر والثامن عشر، حيث يشتمل الأول منها على 632 صفحة، والثاني منهما على 620 صفحة.
وسيرا مع النهج الذي أتبعه في هذه الإطلالة فإني سأحاول أن أتحدث عن جزئيات ثلاثة مما تضمنته كتب الجامع:
* الجزئية الأولى: تتعلق بالفتوى وبواعث الاجتهاد.
* الجزئية الثانية: تتعلق بالقضاء.
* الجزئية الثالثة: لها ارتباط بالتوجيه الأخلاقي وتهذيب السلوك.
واقتصارنا على هذه الجزئيات مرجعه إلى إظهار ما للفكر الإسلامي من قوة في تخطيط المناهج الصالحة لتقوية الفكر وإقرار العدالة وتنمية الضمير، وإظهار بعض المواقف الطيبة التي تميز سلوك بعض القادة والولادة الذين كان لهم الفضل في إرساء كثير من المبادئ الصالحة التي ترسم الطريق النافع أمام الأجيال اللاحقة.وفيما يلي تفصيل الحديث عن هذه الحزئيات:
أولا: الجزئية المتعلقة بالفتوى وبواعث الاجتهاد:
من المعلوم أن إطلاق الفتوى له ارتباط وثيق بمفهوم الاجتهاد، لأن الغالب على المستفتي أن يسأل عما لا تتضح أحكامه وعلله، وحينئذ يتصدى المفتي لذلك بما وهبه الله من معرفة وقدرة على الاستنتاج والاستنباط، ولذلك كان من الضروري أن يتوفر المفتي على المؤهلات العلمية، زيادة على توفره على عدالة تنزهه عن التحريف والتزوير.
وقد تعرض ابن رشد في كتابه هذا إلى المؤهلات العلمية، فذكر أن المفتي يشترط فيه أن يكون أهلا عند الناس فيما يقوم به من الفتوى وأن يكون أهلا عند نفسه، أما إذا كان أهلا عند الناس وهو ليس بأهل عند نفسه فإنه يجب عليه أن لا يتصدر لها خوفا من أن يفتي بغير علم ويضل.
ومما يستأنس به في باب الأهلية ما ورد في كتاب الجامع الأول أن مالكا قال: إن ربيعة بكى، فقيل له: ما الذي يبكيك؟ أقضية نزلت بك؟ قال: لا ولكنه أبكاني أن أستفتي من لا علم له (ج: 17 ص: 11).
وعلق ابن رشد على ذلك بقوله: «إنما بكى ربيعة من استفتاء من لا علم له لأن ذلك مصيبة في الدين، وهي أعظم من المصيبة في المال». قال رسول الله (ص) «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من قلوب الناس، ولكنه يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، فلا يصح أن يستفتى إلا من كان من العلماء الذين كملت لهم آلات الاجتهاد، بأن يكون عارفا بالكتاب، والذي يجب أن يعلم منه ما تعلق بذكر الأحكام من الحلال والحرام، فيعرف مفصلة ومجمله، ومحكمه، وناسخه ومنسوخه، دون ما فيه من القصص والأمثال والواعظ والأخبار، ويحفظ السنن المروية عن النبي عليه السلام، ويعرف الحقيقة والمجاز، والخاص والمفصل، والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم، ويعرف من اللسان ما يفهم به معاني الكلام. ويعرف أقاويل العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين وما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه،
ويعرف وجه النطق والاجتهاد والقياس ووضع الأدلة في مواضعها والترجيح والتعليل.فنحن بهذا النص نلاحظ أن مؤهلات المعرفة للاجتهاد تقتضي العلم بكتاب الله وسنة رسوله، والاطلاع على الأقاويل العلماء وسيرة الصحابة، لما في ذلك من تقوية المعرفة وتنمية وسائل الإدراك والمقارنة، زيادة على أن تكون له خبرة بوضع الأدلة في مواضعها وقدرة على الاستنباط وعلى استخدام عناصر القياس.
وهذا النص المقتبس من كلام ابن رشد يدل على أن علم الأصول كانت له جذور قوية عند الفقهاء أيام المرابطين، وأن موقف الموحدين منهم كان فيه غلو كثير.
وحيث إن المعرفة ضرورية فإن المفتي أن يلتزم بها في فتواه، فإذا شعر بنقص أو عجز أو جهل فليخف الله، ولينزه ننفسه عن الحكم فيما لا معرفة له به، فقد جاء في العتبية عن ابن القاسم أن الإمام مالكا قال: كان الربيع بن هيثم يقول: «ما علمت فقله» وما استؤثر عليك بعلمه فكله إلى عالمه (الجامع السابع ج 18 ص 135). قال محمد بن رشد: هذا أخذه -والله أعلم- من قوله عز وجل في المتشابهات. «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به». (آل عمران 7).
وقد اختلف في المتشابهات، فقيل: هي ما استأثر الله عز وجل بعلمه مما لا سبيل لأحد إلى معرفته، نحو الخبر عن وقف نزول عيسى بن مريم، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وكذلك الحروف المقطعة، مثل «ألم» و»ألص». وما أشبه ذلك، فعلى هذا القول لا يعلم تأويل المتشابهات إلا الله، ويكون الموقف عند آخر قوله. وما يعلم تأويله إلا الله. وقيل بل المتشابهات المشكلات من الأحكام التي لا نص فيها في الكتاب، وإنما جاءت فيه مجملة غير مفسرة ولا مبينة، فعلى هذا يعلم الراسخون في العلم تأويل المتشابهات بما نصب الله عز وجل لهم من الأدلة على معرفتها، وبينه النبي (ص) منها، لأن الله عز وجل يقول «ما فرطنا في الكتاب من شيء» (الأنعام/38). والمعنى في ذلك أنه عز وجل نص  على بعض الأحكام وأحال على الأدلة في سائرها، فعلى هذا يكون الوقف في الآية عدد قوله: «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم». أي: الراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون مع العلم أمنا به (انظر تفسير هذه الآية في (كتاب الجامع الرابع/ ج: 17 - ص: 511).
وعلى كل حال فإن الاختلاف في الوقف على الآية لا يحول بين العالم الطمع الخبير بالمعارف الإسلامية وبأسرار اللغة العربية وبين التوجه إلى النوازل والقضايا فيفتي فيها بما علمه الله، ويصدر الأحكام المتلائمة مع روح التشريع الإسلامي والمراد بالمعرفة ما ذكرناه من قبل من كونه عالما بالقرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، وما اختلفوا فيه من أهل النظر والاجتهاد، وأن تكون له قدرة على الاجتهاد، وتفقه في فهم معاني الكلام.
ويقول ابن رشد في هذا الصدد (كتاب الجامع الثالث/ ج - 17 - ص: 339): «فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال مع العدالة والخير والدين صح استفتاؤه فيما ينزل من الأحكام وجاز للعامي تقليده.ومن شروط المفتي التثبت في الحكم وعدم الاستعجال به، وقد نص العتبي على ذلك (الجامع الثالث/ ج: 17 - ص: 362) حيث قال: «قال مالك: كان عمر بن الخطاب إذا شاور أصحابه قال لهم: ارجعوا وتثبتوا فإنه أثبت لكم.
وقد ورد نفس الخطاب في كتاب الجامع الثامن مع تغيير بسيط حيث جاء فيه (ج: 18 - ص: 306):  إن الإمام مالكا قال: كان عمر بن الخطاب يقول: أشيروا علي في كذا وكذا ثم يقول: ارجعوا إلى منازلكم فبيتوا ليلتكم فتمكنوا في ذلك عن طمأنينة فإن ذلك أحرى وأيسر إذا كان المرء فراشه.قال محمد بن رشد: «ما حض عمر عليه من هذا يلزم امتثاله، فلا ينبغي لمن استشير في شيء من أمور الدنيا أو سئل الجواب في نازلة من الفقه تحتاج إلى نظر أن يجيب في ذلك إلا بعد روية وتثبت. وإن أمكنه تبييت ذلك حتى يفكر في ذلك بالليل على فراشه إذا خلا سره فهو أحسن، وبالله التوفيق».فمسؤولية الفتوى إذن مسؤولية كبرى، وعلى الذين يتحملونها قسطا من أوقاتهم وتفكيرهم، فهي ليست بالأمر السهل الذي يحمله الإنسان دون عناء، إذ عليه حين تعاطيها أن يفكر في حقوق الناس من جهة، وفي حقوق الله من جهة أخرى، وأن يواظب على المعرفة، وأن يحرص على الاطلاع على كتب النوازل والقضايا ليستمد منها بعض ما بلغ إليه الآخرون في اجتهاداتهم، ولهه بعد ذلك حق الموافقة أو المحافظة، لأنه أسمى من التقليد الأعمى. فالتقليد إنما هو للعامي، أما العالم الذي له القدرة عن التمييز والمقارنة والموازنة وربط الأحكام بعللها فإن الاجتهاد واجب عليه، علما بأن الأحكام التي صدر عنه سيكون لها أثر في المسار الفقهي العام، فعليه بالتحري والالتزام بحدود الله.
وقد نبه ابن رشد على ذلك أثناء إشارته إلى ابن هرمز، فقد ذكر في (الكتاب الجامع التاسع/ ج: 18- ص: 570) أن ابن هرمز كان إمام الناس في العلم، وكان قد ترك الفتوى قبل أن يموت، فقيل له: يرحمك الله لم تركت حـظك من عظيم هذا الأمر؟ فقال: إني نظرت إلى جسدي فرأيته قد تغير، وقلبي إنما هو عضو من بعض أعضاء جسدي، فخشيت أن يكون قد تداخله من الوهن ما تداخل سائر جسدي فتركت ذلك.
وابن هرمز هذا كان في أخريات حياته يتحرى في الفتوى، فهو قبل أن يتركها نهائيا كان ينتقي من الناس من يقدم لهم استنتاجاته، فكان يختار أهل العلم والمعرفة لتكون لهم القدرة على مراجعة أحكامه، ولهذا نجد العتبي يذكر عنه أن ابن دينار كان يختلف إليه وكان غلاما. فكان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة يسألانه فيجيبهما، وربما سأتله ابن دينار فلا يجيبه، فوجد في نفسه لذلك، فتصدى له يوما في طريقه إلى المسجد، فلما مر به أخذ بلجام حماره وقال: يا أبا بكر، تجوز لنفسك أن تجيب مالكا وابن أبي سلمة فيما يسألانك فإذا سألتك لم تجبني، فقال له ابن هرمز: إني رجل كبير، وأنا أخاف أن يكون نقص من علمي مثل الذي نقص من جسدي وهما عالمان، فإن أنا أخبرتهما بشيء عرفا ما يحملان وإن يكن حسنا ذكروه. (ج: 1-  8 ص: 569).
وهكذا نرى أن التحري واجب فيما يرسله المفتي من أحكام، بحيث إذا خشي أن تحرف أقواله ولا تفهم على حقيقتها فليتجنب ذكرها حتى يجد المتلقي المطمأن إليه في نشر الأحكام وإذاعتها.
ثانيا: الجزئية الخاصة بالقضاء:
إن هذه الجزئية غالبا ما يربطونها بسيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظرا لاشتهاره بالعدالة والحرص على حفظ حقوق الناس، وقد أشار إلى ذلك كل الذين ترجموا له، فتحدثوا عن إرشاداته وتقريراته كما تحدثوا عمن كان يختاره من الولاة لخطة القضاء، فهو الخليفة الحازم الذي اعتبرت أقضيته ورسائله في القضاء منهاجا مرسوما يدرسه رجال القانون. ويجعله الفقهاء دستورا لهم، ويدعون إلى التعمق فيه وإلى التأمل في معانيه، ويحرصون عن تطبيقه مهما أمكنهم ذلك.وقد وجد الفقهاء والولاة في المنهاج العمري ما يرغبهم في أن يجعلوه إسوة لهم، سواء من حيث الدوافع الفكرية المبنية على التعمق في الدراسات الإسلامية، أو من حيث الصرامة في الحق أو من حيث المسطرة المتبعة في تنظيم القضاء.
وقد كان عمر بن عبد العزيز معجبا بسيرة عمر بن الخطاب يتتبع مواقفه وينتقي منها ما يصلح للحكم، ولهذا جاء في المستخرجة عن الإمام مالك أن عمر بن عبد العزيز كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يطلب منه أقض ية عمر (ج: 17 - ص: 24/ الكتاب الجامع الأول).
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرشح للقضاء إلا من رآه أهلا له علما وخلقا، ويرفض تولية أي شخص كان يرغب في هذا المنصب من غير أن يعرض عليه ذلك، وقد أشار ابن رشد إلى هذا الموقف في (كتاب الجامع الثاني) من «البيان والتحصيل» (ج: 17- ص: 185) حيث ذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظر إلى شاب في وفد عليه فاستحلاه وأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء، فقال له عمر: كدت أن تغرنا بنفسك. إن الأمر لا يقوى عليه من يحبه، وقد ذكر ابن رشد في الموضوع حديثا يقول فيه رسول الله (ص) «إنا لا نستعمل على عملنا من آراء»،
ولعل موقف عمر ومدلول الحديث إنما هو للتحري والخوف من أن يكون الراغب في القضاء ليس متصورا لهول المسؤولية التي يتحملها ولذلك حيل بينه وبينها أما إذا كان مظلوما لها فإن التقييم لعلمه وسلوكه سيكون قد وقع ممن اختاره، وحينئذ لا يبقى للمرغوب فيه إلا أن يحكم على نفسه بنفسه ليرى هل هو أهل للثقة التي وضعت فيه أم لا، ويمكنه أن يستشير في ذلك شخصا يثق فيه.وقد ذكر مالك في هذا المعنى أن عبدالله بن يزيد بن هرمز كان يقول: إذا جعل الرجل قاضيا أو أميرا أو مفتيا فينبغي له أن يسأل عن نفسه من يثق به، فإن رآها لذلك أهلا دخل فيه وإلا لم يدخل فيه (الجامع الثامن من صفحة: 301 - ج: 18).
وقد علق ابن رشد على هذا القول في كتاب (الجامع الثالث/ ص: 338 - ج: 17) وفي (الكتاب الجامع الثامن/ ج: 18 - ص: 301) فقال: إن المرشح للقضاء والفتوى إن كان يرى نفسه أهلا لذلك وكان الناس يرونه أهلا أيضا فليقبل، أما إذا كان يرى نفسه أهلا ولم يروه أهلا فلا ينبغي له أن يقبل، لأنه قد يخلط فيما يعتقده في نفسه من أنه أهل لذلك، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك أثناء الحديث عن الجزئية الأولى المتعلقة بالفتوى.
وتتبع عمر ببن العزيز لأقضيه عمر بن الخطاب، وحرصه على الاطلاع عليها لم يكن أمرا عفويا، وإنما كان مبنيا على خطة مرسومة، الغرض منها الاستفادة من تجارب من سبقوه، فقد جاء عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: «لا يصلح للقاضي أن يقضي إلا أن يكون عالما بما كان قبله من الأمر، مستشيرا لذوي الرأي (كتاب الجامع الخامس/ ج:17 - ص: 589). وهما خصلتان جليلتان لهما أثر كبير في التوفيق والتسيير. لأن القاضي إذا كان منصفا بهما فإنه سيكون حريصا على الاطلاع على اجتهاد من سبقوه، وعلى الاستفادة من رأي معاصريه، وبذلك يضيف إلى ما يملكه من قوة علمية وفكرية حكمة غيره من أهل -الفقه والفتوى، فلا يصدر الأحكام إلا عن بينة ورؤية، وقلما يضيع الحق مع التحري والتثبت.
وذكر ابن رشد بعد ذلك أنه روي عن عمر بن العزيز خمس خصال بهاتين الخصلتين. وهي أن يكون عالما بالفقه والسنة، ذا نزاهة عن الطمع، مستخفا بالأئمة، يريد أنه يدير الحق على من دار عليه ولا يبالي بمن لامه على ذلك، وقيل: معناه مستخفا بالأئمة أي لا يهابهم في القضاء بالحق وإن كرهوا ذلك عنه، حليما على الخصم، مستشيرا لأولي العلم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «لا يصلح أن يلي القضاء إلا من كان حصيف العقل، شديدا في غير عنف، لينا في غير ضعف، قليل الغرة، بعيد الهيبة، لا يطلع الناس على عورته.وقال مالك رحمه الله، لا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع منها خصلتان رأيت أن يولي: «العلم والورع: قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم علم وورع فعقل وورع، فبالعقل يسأل، وبالورع يقف، وإذا طلب العلم وجده وإن طلب العقل لم يجده يريد بالعقل العقل الحصيف، وأما العقل الذي يوجب التكليف فهو مشترط في صحة الولاية كالإسلام والحرية والبلوغ والذكورية والتوحيد.والواقع أن توفر هذه الخصال في القاضي سيكون مدعاة إلى تحديد القضايا وإلى معرفة الأحكام المناسبة، زيادة على النزاهة والعفة وعدم تضييع الناس في حقوقهم.
ونجد في كتاب «البيان والتحصيل» ذكرا لعدد من القضاة الذين توفرت فيهم هذه الخصال نذكر منهم على سبيل المثال الصحابي الجليل معاذ بن جبل الذي أرسله رسول الله (ص) على الجند إلى اليمن واليا ومعلما، وقال له حين بعثه بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟  قال: أجتهد برأيي، فقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله يما يرضي الله ورسوله (الجامع الثالث/ 303 - ج: 17).
ونفس التصور الذي كان عند معاذ أمر به عمر بن الخطاب قضاته، فقد جاء في رسالته التي وجهها لأبي موسى الأشعري ما يأتي: «الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم عرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك بنظائرها. واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أحذت خله بحقه وإلا وجهت القضاء عليه، فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى.
ولم يكن معاذ بن جبل يتوفر على هذه الميزة العقلية فقط بل كان يضيف إلى ذلك نزاهة في سلوكه، فقد ورد في المستخرجة في كتاب الجامع السادس أثناء التحدث عن سيرته ما يأتي: (ج: 18 - ص: 79). «قال مالك إن عمر بن الخطاب بعث معاذ بن جبل مصدقا وحمله على بعير فلما رجع رد البعير إلى عمر. ورجع إلى أهله بثوبه، فقالت له امرأته ما جئتنا بشيء. فقال: إنه كان معي حافظان يحفظان علي، فلما قال هذا معاذ خرجت امرأته إلى عمر بن الخطاب فقاله له: يا أمير المؤمنين أمت علمت أن رسول الله (ص) بعث معاذا مصدقا: قال: بلى، قالت: أفجعل معه حافظا؟ قال: لا، قالت: فإنه قد ذكر لي أنه كان معه حافظان عليه، فقال: عمر، وأنا معي حافظان يحفظان علي».
إن هذه الإضافات التي يوجد الكثير منها في كتاب البيان والتحصيل تبين مدى الأبعاد العلمية والأخلاقية التي يرغب الإسلام في تحلي القضاة بها، وهي سمات ثابتة إذا انحرف عنها المجتمع غلبت عليه الفتن وسادته الفوضى، وكثر فيه الشغب وانعدم منه الأمن والاطمئنان، وإن هذه الإضاءات لتعد من أسمى ما يحتوي عليه هذا الكتاب المفيد النافع.
ثالثا: الجزئية المتعلقة بالسلوك والأخلاق:
يوجد في هذه الجزئية تكامل بين التوجيهات التي أشار إليها العتبي في  المستخرجة وبين التحليلات الموجودة عند ابن رشد في «البيان والتحصيل فالأول كان يكتفي أحيانا بوضع النص مجردا عن ربطه بأصوله الشرعية، والثاني كان يحرص على ذكر تلك الأصول المنبثقة من كتاب الله أو من سنة رسول الله (ص) ويتجلى ذلك واضحا في بعض الحكم والوصايا التي ينص عليها الفقهاء المسلمون وينسبونها إلى سيدنا عيسى عليه السلام، أو إلى لقمان الحكيم، فإن تلك الحكم والوصايا ينتقون منها مالا يتعارض مع أحكام الشريعة بحيث يسهل على المتتبع لتعاليم الدين الإسلامي أن يجد لها أثرا في النص القرآني أو الكلام النبوي ويمكن الاستدلال على ذلك بما يأتي:
فقد جاء في كتاب (الجامع السادس من «العتبية» ج 18 - ص: 133) عن عيسى عليه السلام أنه قال: «إنكم لن تنالوا ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، ولن تبلغوا ما تالمون إلا بالصبر على ما تكرهون، فطوبى لمن كان نظره تعبدا، ونطقه تذكرا، وصمته تفكرا». ويعلق ابن رشد على ذلك بقوله: هذا كلام صحيح قائم من كتاب الله عز وجل، ثم يشرع بعد ذلك في ربط كل جزئية منه بآية من آيات الله القرآن على الترتيب الآتي حيث يقول:
وقوله لن تنالوا ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، قائم في غير ما آية من كتاب الله عز وجل، من ذلك قوله: «فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى» (النازعات/ 40).وقوله: ولن تبلغوا ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون قائم في غير ما آية أيضا من ذلك قوله عز وجل: ««إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»(الزمر/ 10).وقوله: «إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقائمين والقائمات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما» (الأحزاب/ 35).
هذا، وإن الله قد أمر بالاعتبار بمخلوقاته في غير ما آية من كتابه فقال: «اعتبروا يا أولي الأبصار» (النحل/ 2).وقال: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب» (آل عمران/ 90)، ومن مثل هذا أكثير.
وأمر بالتفكر، فقال: «ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار» (آل عمران 191).
إن العناصر التي تتكون منها هذه الحكمة التي فاه بها سيدنا عيسى عليه السلام القائمة على ملازمة الصبر وعلى التأمل في الكون وعلى التفكر في خالقه قد تضمنتها الآيات القرآنية التي استدل بها ابن رشد في كتابه «البيان والتحصيل» وإن من تحلى بها ستتضح له الحقائق وستسمو نفسه عن المبادل وسيقدر على مواجهة الإغراءات الشيطانية مستعينا في ذلك بقوة من إيمانه وفضل من ربه، والله يهدي إلى سبيل الرشاد.
ونفس التواصل الذي كان ابن رشد حريصا على ذكره ببين قول عيسى عليه السلام وبين ما جاء في القرآن من آيات كان حريصا أيضا على ذكره بين بعض حكم لقمان وبين الآيات القائمة عن نفس المعنى.
فمن ذلك مثلا أن العتبي ذكر في كتاب (الجامع الثاني/ ج: 17 - ص: 235) أن الإمام مالكا قال: «كان لقمان الحكيم يقول لابنه يا بني، لا تجالس الفجار ولا تماشهم، إتق أن ينزل عليهم عذاب من السماء، فيصبك معهم، يا بني، جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. وقد تكررت الوصية ذاتها بإضافة تشبيه يجعل القلب كالأرض الميتة، فإن الماء يحييها كما تحيي الحكمة القلوب بنورها. فقد جاء في كتاب (الجامع السابع/ ج- 18 - ص: 227) أن لقمان قال لابنه جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.
ومن الوصايا التي أوردها العتبى في كتاب الجامع السابع) أيضا قول لقمان لابنه، يا بني: إتق الله جهدك (ج 18 - ص: 234).
وعقب ابن رشد على ذلك بقوله: «وصيته هذه لابنه مثل ما أمر الله تعالى بقوله: «فاتقوا الله ما استطعتم» (التغابن/ 16) وقيل إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: «اتقوا الله في حق تقاته» (آل عمران 102). وقيل إنها ليست بناسخة لها وإنما هي مبينة لمعناها، لأن تقوى الله حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وبالله التوفيق.
وكان العتبي في المستخرجة يتوجه من حين لآخر إلى ذكر مسائل وصور تتعلق بالتقوى والخوف، ويستحضر فيها أنواعا من سلوك العامة والخاصة، ويستدل بأقوال لها أثر في تهذيب الطباع.فقد جاء في (كتاب الجامع الثالث/ ج: 17 - ص 363) عن الإمام مالك أن عمر بنعبد العزيز كان يقول: «التقى ملجم لا يستطيع أن يعمل كل ما يريد»، قال ابن رشد: «المعنى في هذا بين، لأن من خاف الله عز وجل حجزه خوفه عن هواه، قال الله عز وجل «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإنه الجنة هي المأوى».
وقد لاحظنا أن هاته الآية يستدل بها ابن رشد كثيرا، لأن الخوف مقام من مقامات التهذيب النفسي، وقد كان حاجزا بين كثير من ذوي المسؤولية وبين إهمال مسؤوليتهم.
وفي كتاب العتبية ذكر لكثير من ا لأحداث القائمة على استحضار الخوف عند المعاملة ربط بعضها بعمر بن عبد العزيز، وقد أشرنا من قبل إلى شيء من ذلك وربط بعضها بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فمن ذلك مثلا ما جاء في نفس الكتاب أن عمر بن الخطاب كان لا يفرض لصبي حتى يفطم، فمر من الليل وصبي يبكي فقال لأمه: أرضعيه، فقالت: لا يفرض له عمر، ففرض عمر بعد ذلك للمولود مائة درهم في السنة (ج: 17 - ص: 424).وبالجامع  السادس (ج 18 ص: 129).
قال ابن رشد: «وفي هذا إشفاق عمر بن الخطاب على المسلمين وحنوه عليهم لعلمه أنه مسؤول عنهم. قال رسول الله (ص) «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».
وهكذا نرى أن ابن رشد لا يدع الكلام الوارد في العتبية دون تعليق إلا لماما، وقد وجه عنايته هنا لتحديد جانب المسؤولية عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذا مع العلم بأن هذه الحادثة تمثل الجانب العملي في روح القانون عنده، فهو حينما يشعر بأن بعض قراراته قد يلحق المسلمين بها ضرر فإنه يتراجع عنها للمصلحة العامة.
عرف ذلك عنه في قضية تحديد الصداق حينما قال صدقت امرأة، وأخطأ عمر، كما يتضح ذلك هنا حينما فرض للمولود عند ولادته عوض أن يفرض له عند الفطم، لئلا تسرع المرأة إلى فطمه فيضيع.
وقد ذكر ابن رشد أن هذه الحكاية وقعت في كتاب الزكاة الثاني من المدونة، وفيها ذكر أن عمر ولى وهو يقول: «كدت -والذي نفسي بيده- أن أقتله».
ويعد عمل عمر هذا مظهرا حضاريا في التكافل الاجتماعي وفي تصريف المال وفق الوجهة الصالحة للإنفاق. لأنه لا يعد من التبذير المذموم.
والحديث عن المال وكيفية التصرف فيه من أهم الموضوعات الدينية، ولم تخل «العتبية» من التعرض إليه فقد جاء فيها في (كتاب الجامع الثامن/ ح" 18 - ص: 307) أن الإمام مالكا سئل عن معنى ما جاء في الحديث «فكرة إضاعة المال» قال: ألا ترى قول  الله تعالى: «ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين» (الإسراء/ 37 - 38) وهو منعه من حقه ووضعه في غير حقه.
قال محمد بن رشد: «الحديث بكراهة إضاعة المال هو حديث المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الله يكره ثلاثا، قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
ومن إضاعة المال منعة من حقه ووضعه في غير حقه، كما قال مالك رحمه الله، لأنه إذا حبسه ولم يؤد منه حقا ولا فعل فيه خيرا فقد أضاعه، إذ لا منفعة فيه على هذا الوجه في دنيا ولا أخرى، فكان كالعدم سواء، بل يزيد على العدم بالإثم في منعه من حقه، وكذلك إذا وضعه في غير حقه فقد أضاعه إذا أهلكه فيما لا أجر له فيه إن كان وضعه في سرف أو سفه، أو فيما عيه ففيه وزر إن كان وضعه في فساد أو حرام.
ولخص ابن رشد وجوه نفقة المال فيما يأتي حيث قال:
ونفقة المال على ستة أوجه: الثلاثة منها إضاعة له:
ـ أحدها نقته في السرف.
ـ والثاني نفقته في السفه.
ـ والثالث نفقته في الحرام.
والثلاثة منها ليست بإضاعة له. وهي:
نقته في الواجب، ونفقته لوجه الله فيما ليس بواجبونفقته لوجوه الناس رغبة في اكتساب الثناء والمجد والشرف.
فقد قال بعض الحكماء:
ما ضاع مماثل أورث المجد أهله      ولكن أموال البخيل تضيع
وهناك تأويلات أخرى ذكرها ابن رشد
ـ منها أنه قد قيل في إضاعته أعماله وترك المعاهدة له بالقيام عليه والإصلاح له حتى يضيع، كدار يتركها حتى تتهدم، أو كرم يتركه حتى يضيع، وما أشبه ذلك.
وعلى كل حال فإن الاطلاع على كتاب «البيان والتحصيل» في هذا الباب مفيد، وهو مجال لتقوية المدارك ولتفهم الوضع السليم الذي تقوم عليه المصلحة العامة، فما على الفقهاء إلا أن يتناولاه بالدرس والتحليل، وأن يستمدوا منه كثيرا من الأحكام الصالحة المهذبة للسلوك، المقومة لأخلاق، الكفيلة بإعداد الإنسان الصالح الملتزم الذي يعرف ما له وما عليه، زيادة على أن الاطلاع عيه يقوي الملكة الفقهية، ويجعل القارئ مستوعبا لمعانيه، مستوحيا من أسلوب ابن رشد ما يوفقه إلى الفهم الصحيح، والتفكير السليم، والاستدلال المناسب، والتوجيه المعلل الرابط بين الفروع والأصول، وبالله التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here