islamaumaroc

مفهوم الإعجاز عند أبي بكر الباقلاني.

  محمد الحجوي

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

قال الله عز وجل:«وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين» (سورة البقرة الآيتان: 23 - 24).
كان نزول القرآن الكريم أعظم حدث في تاريخ البشرية، فقد شرع لهم قوانين وأحكاما ونظما لم يكونوا قادرين على صياغتها أو الاهتداء إليها، لأنها شرائع الله وأحكامه، التي جاءت مراعية لظروف الناس في كل زمان ومكان، وكان نزوله بلغة البيان والبلاغة والفصاحة التي يعتز بها العرب حدثا آخر ذا دلالة في بيت العرب خاصة: لقد كانت الأمة العربية أمة البيان، تملك من القدرات على البيان والإفصاح والمعرفة بوجوه البلاغة ما يثير الإعجاب والدهشة: وأشعارهم وخطبهم وأقوالهم التي وصلتنا خير دليل على امتلاكهم هذه القدرات الهائلة في البيان، إذ نجد فيها الحكم البليغة، والأمثال الشاردة، والمعاني السامية، والتراكيب الدقيقة، مما ينبئ عن جودة أفكارهم، وصحة طباعهم، التي كانت تقومها القوانين البلاغية، وتجعلها علما «تتدارسه في أنزيتها، ويستدرك به بعضهم على بعض»(1)
ولمكانة البلاغة والفصاحة في نفوسهم كانوا يعدون العِيّ والحضر من  الشرور، فتعوذوا بالله منهما، وطلبوا السلامة والنجاة من شرهما. قال النمر بن تولب:      
  أعذني رب من حصر وعي                   ومن نفس أعالجها علاجا(2)
هذه  الأمة التي بلغت منزلة عظيمة في البيان، شاء الله عز وجل أن يجعل سر معجزة رسوله(ص) من جنس ما تفتخر به، لقد نزل القرآن بلغة العرب التي كانت تستعملها في شعرها وخطبها وأقوالها، ولكنه ليس شعرا ولا خطبة، ولا يشبه نمطا من أنماط أقوالهم.
وإذا كان القرآن يتميز بسهولة لغته، وقرب معانيه إلى الأذهان، فإن هذه السهولة تعد سرا من أسرار معجزته، لأن أمة البيان عرفت -برغم معارضتها للدعوة- أنه كلام لا يمكن لأحد، مهما كانت بلاغته وقوة بيانه، أن يأتي بمثله، «وذاك أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبهرت، هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيا إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر»(3)
ويبلغ الصراع مداه بين الرسول (ص) وبين المعارضين للدعوة عندما يقرعهم الله ويتحداهم بأن يأتوا بآية واحدة من ايات القرآن الكريم -وفي العرب آنذاك من كان يضرب به المثل في البيان والفصاحة(4)- فلم يفعلوا شيئا، وظلوا عاجزين برغم تكرار التحدي، وطول التقريع لهم بالعجز.
قال الباقلاني: «ويمكن أن يقال إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى به لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من الذراية والسلاقة. والمعرفة بوجود الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته. ويكرر فيما جاء ذكر عجزهم عن مثل ما يأتي به»(5)
إن أساليب القرآن وتراكيبه التي أعجزت الفصحاء والبلغاء أصبحت بالنسبة للعلماء النموذج الأمثل لتعليم الناس طريقة تكوين الأساليب والتراكيب البليغة، فكانت دراساتهم تركز على جوانب اللغة والإعراب والمعاني والبلاغة وغيرها من علوم اللغة العربية.
فهذا أبو عبيدة معمر بن المثنى ت:(210هـ) يؤلف كتاب «مجاز القرآن» ليبين للناس أن المعاني والأساليب القرآنية بلغت ذروة في البيان، وأن وجوه الإعراب والغريب والمعاني تلتمس فيه مثل ما تلتمس في الشعر القديم.(6)
ثم ألف ابن قتيبة ت:(276هـ) كتاب «تأويل مشكل القرآن» ليبحث الجوانب الخفية في ألفاظ القرآن ومعانيه ومجازاته التي بلغت نمظا رفيعا، لا يتوصل الى حقيقته إلا ذوو البصيرة، فكانت المجازات عنده مدخلا لبيان طبيعة الآيات المحكمة والمتشابهة.
«وابن قتيبة عندما تعرض للمجاز كان ينطلق من البحث في طبيعة الآيات المحكمة والمتشابهة، وجهل المسلم بمعاني المجاز، لا سيما في الآيات التي تفيد التجسيم والتشخيص، فهذا لا يؤدي الى الجهل بأساليب القرآن فقط، وإنما يودي الى الجهل بالدين، والتشكيك في حقيقته، ومن هنا كان البحث في المجاز هو بحث في التعبير القرآني، وفهم دلالته وخصائصه الأسلوبية، وهذا هو السبيل الذي يعصم المسلم من الوقوع في الشرك والضلال»(7)
وقد نهجت كتب أخرى مثل هذا النهج.(8)أما كتاب «إعجاز القرآن» للباقلاني فيعد صورة لما انتهى إليه مفهوم الإعجاز في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجريين.
لقد نقد البالقلاني مجموعة كبيرة من العلماء الذين سبقوه في التأليف في معاني القرآن، ولا سيما أصحاب صنعة العربية، الذين بذلوا جهدا كبيرا في بيان إعرابه.
وغامض نحوه، وأهملوا إيضاح وجه معجزته، وهذا هو الجانب الذي يبرز دلالة القرآن ومكانته:«وقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن، وتكلم في فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام، أن يبسطوا القول في الإبانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه، فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من القول في الجزء والطفرة، ودقيق الكلام في الأعراض»(9)فأين يكمن سر إعجاز القرآن في رأي الباقلاني؟
إن هناك أصولا ثابتة تدل دلالة قاطعة على إعجاز القرآن، وهذه الأصول يمكن حصرها فيما يأتي:أولا: إن القرآن عمدة الدين، وقد تناقله الخلف عن السلف، وقف على تفاصيله أصحاب الخلاف، والذين أكرمهم الله بالإيمان، فلم يجدوا طريقا للطعن فيه، «فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن يتشكك مع وجود هذه الأسباب في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله تعالى: فهذا أصل»(10)
ثانيا: إن الذين شككوا في القرآن لم تكن لهم حجة يعتمدونه في ذلك، ثم إنهم لم يستطيعوا -برغم مرور السنين- أن يأتوا بمثله، إنه تحداهم الى أن يأتوا بمثله، وفزعهم على ترك الإثيان به طول السنين التي وصفناها: فلم يأتوا بذلك، وهذا أصل ثان»(11)
ثالثا: إن عدم إيمان فئة من القوم لا يمكن أن يتخذ حجة في عدم صدق الرسالة، لأن الناس لم يكونوا على مرتبة واحدة في الفصاحة والبلاغة والعلم بالأساليب التي يقع بها الإعجاز، فلهذا كانت فئات كبيرة من الذين دخلوا الإسلام هم الذين أدركوا إعجاز القرآن، وما أخبر به من معجزات وخوارق، وعرفوا أيضا أنهم غير قادرين على الإتيان بمثله «ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارقهم وأسبابهم متفقة لتوافوا الى القبول جملة واحدة»(12)
رابعا: إن القرآن تضمن الإخبار عن الغيوب والأمور العظام، «وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه»(13) وأن النبي (ص) كان أميا لا يكتب ولا يقرأ. فلم يكن في استطاعته الرجوع الى الكتب والصحف، هذا بالإضافة الى أن معظم تلك الأقاصيص والأمور العظام لم ترد في صحف المتقدمين بذلك التفصيل والتدقيق «وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين، وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتى بجمل ما وقع وحدث، من عظيمات الأمور ومهمات السِّير، من حين خلق الله آدم عليه السلام، إلى حين مبعثه»(14)
هذه الأصول تظهر أن الباقلاني لا يرى الإعجاز في نظم القرآن وتأليفه العجيب فقط، وإنما الإعجاز في كل ما جاء به القرآن، لأن هذه الأشياء لا يمكن أن توصف بالتقصير والخلل.الفنون الأدبية التي كانت عند العرب أثناء نزول القرآن:
الفنون الأدبية التي كانت معروفة عند العرب أثناء نزول القرآن الكريم نوعان: الشعر، وهو ديوانهم، والخطابة.
النوع الأول كان أكثر انتشارا، لأن الشعر كان مجالا للتغني بمكارم الأخلاق، وذكر الأيام والفرسان والأجواد، ولكثرة انتشاره لم يستطع الرواة في عصر التدوين الإحاطة بأشعار قبيلة واحدة من قبائل العرب.قال ابن سلام: «ذكرنا العرب وأشعارها، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها، إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب»(15)وكان هناك نوع آخر من الكلام المنشور، لكنه كان مقصورا على بيئات معينة، إذ لم يكن له ذيوع وانتشار مثل الشعر والخطابة، وهو فن السجع.
وقد تميز الشعر عند العرب بأنه كلام موزون مقفى. وهذا ما جعل بعض المعارضين للدعوة يعدون بعض الايات التي جاءت موزونة من جنس الشعر، وقالوا إن الرسول (ص) شاعر، وقد أبطل الله عز وجل زعمهم بقوله: «وما علمناه الشعر وما ينبغي له»(16)
ويرى الباحثون أن العرب لما نسبوا الرسول (ص) الى الشعر كان ذلك نابعا من عجزهم، لأن الشعر كان له سلطان وهيبة في نفوسهم.
قال ابن رشيق: «ألا ترى العرب كيف نسبوا النبي (ص) الى الشعر لما غلبوا، وتبين عجزهم، فقالوا: هو شاعر، لما في قلوبهم من هيبة الشعر وفخامته، وأنه يقع منه ما لا يلحق»(17)وإذا كان الشعر العربي يتميز بتساوي الأجزاء في الطول والقصر، والسواكن والحركات، فإن الكلام الموزون في القرآن الكريم خارج عن النظام الموجود في الشعر.
والتمييز بين الشعر الموزون وبعض ما جاء في القرآن من آيات موزونة يعرفه أصحاب البيان الذين تمرسوا على التمييز بين شعر وشعر، وخطبة وخطبة، وكلام وكلام هؤلاء يعرفون حق المعرفة أن القرآن الذي أعجز الشعراء وليس بشعر، والخطباء وليس بخطبة، والمترسلين وليس بترسل، هو كلام إلاهي فوق قدرة الإنس والجن.
قال الله عز وجل: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا»(18)
وقال الباقلاني: «فإن قيل» في القرآن كلام موزون كوزن الشعر، وإن كان غير مقفى، بل هو مزاوج متساوي الضروب، وذلك أحد أقسام كلام العرب.
قيل: من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر، والسواكن والحركات، فإن خرج عن ذلك لم يكن موزونا(…) وقد علمنا أن القرآن ليس من هذا القبيل»(19)والسجع مثل الشعر من حيث المزاوجة بين أجزاء الجمل: وإذا كان هذا اللون من البديع لم يذكر أثناء المواجهة بين الرسول (ص) وبين أعداء الدعوة، فإننا نجد مجموعة من البلاغيين يعدون -من الجانب الفني- بعض الآيات سجعا.
لكن الباقلاني  نفى نفيا قاطعا إطلاق مصطلح السجع على بعض آيات القرآن الكريم، والسبب أن هذا النوع من الأساليب كان مستعملا عن الكهان، والكهانة تنافي النبوات والرسالات السماوية، فضلا عن ذلك أن أسلوب السجع يختلف كل الاختلاف عن أسلوب القرآن، فذاك يقترن بالتكلف والتعمل، وهذا يتميز بالسهولة والخلو من التعمل «وهذا خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز»(20)
ومن هنا وجدنا من نفى السجع عن القرآن يسمي الآيات المتساوية الأجزاء فواصل، وحجتهم في ذلك أن الفواصل تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في نفسها، أما السجع فهو عيب لأنه يقصد في نفسه، ثم يحمل المعنى عليه، وقد قال الله عز وجل: «كتاب فصلت آياته»(21)
بينما الذين سموا تلك الآيات سجعا كانوا يرون السجع ليس عيبا في حد ذاته، وأ ذمة في قول الرسول (ص): «أسجعا كسجع الكهان». ليس ذما عاما، وإنما هو مخصوص بسجع الكهان.(22)ونجد الخفاجي يحاول التوفيق بين الفريقين، ويبحث القضية من جانب السهولة والتكلف خارج الأسلوب القرآني، فيرى الأسجاع والفواصل التي تأتي طوعا، وتكون تابعة للمعاني محمودة، ودالة على البيان، والفصاحة، وهي موجودة في القرآن وفي  الكلام البليغ، أما ما يأتي متكلفا يتبع المعنى، فهو مذموم مرفوض في القرآن، وفي الكلام البليغ، قال:
«إن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفصول على ما ذكرناه، والفواصل على ضربين: ضرب يكون سجعا، وهو ما تماثلت حروفه في المقاطيع، وضرب لا يكون سجعا، وهو ما تقاربت حروفه في المقاطع ولم تتماثل: ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين -أعني المتماثل والمتقارب- من أن يكون يأتي طوعا سهلا وتابعا للمعاني، وبالضد من ذلك حتى يكون متكلفا يتبعه المعنى، فإن كان من  القسم الأول فهو المحمود الدال على الفصاحة وحسن البيان، وإن كان من الثاني فهو مذموم مرفوض»(23)
فهذا الاتجاه لا يتحرج من تسمية ما ورد في القرآن من آي متماثلة الحروف والمقاطع سجعا، ومن هنا وجدنا عددا كبيرا من البلاغيين، ودارسي الأساليب يستشهدون بآيات من القرآن عند ذكرهم فن السجع وقالوا: إن هذه الآيات جاءت قراءتها متساوية، وهذا وجه من وجوه البلاغة التي كانت العرب تعتز بها، كقوله تعالى: «في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود»(24)

البديع وإعجاز القرآن:
كان البديع عند القدماء يذكر لبيان أسرار تراكيب اللغة العربية، وتفوقها عن سائر اللغات، فلذلك وجدناهم يقفون على ألوان من الاستعارات والتشبيهات والكتابات.وقد ذكر الجاحظ بصريح العبارة أن اللغة العربية تسمو على سائر اللغات بالبديع «والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كل لسان»(25)
والبديع عنده هي الاستعارة التي تغير الدلالة.
لهذه الأسباب عكف العلماء على دراسة وجوه المحاسن في البديع، وكان بديع القرآن يأخذ حظا كبيرا من هذه الدراسات، ومنهم من جعله دالا على إعجازه، وهذا هو السبب الذي جعل الباقلاني يذكر قضية البديع أثناء حديثه عن الإعجاز،
فقال:
«إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من البديع»(26)
احتوى على استعارات وتشبيهات وكتابات وضروب أخرى عدها العلماء أنموذجا رفيعا، وهي تختلف عما جاء في الشعر، لأن الشعر وصنعته الفنية يمكن التوصل إليها بالتذويب. فهذه «الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها»(27)
أما بديع القرآن وفصاحته وتراكيبه فتسمو عن التحسين والتزيين والتصنع، «والوجوه التي  تقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له، والتوصل إليه بحال»(28)ولذلك كان على الباقلاني أن يبحث عن وجوه أخرى لبيان إعجاز القرآن، فكانت هذه الوجوه -في رأيه- هي
ما تضمن من نظم شريف، وتأليف بديع، ووصف عجيب، تحار فيه العقول:
ولننظر كيف يحاول كشف هذه الخصائص في قوله تعالى: «فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، ذلك تقدير العزيز العليم»(29)
هذه الآية الكريمة التي دلت على قدرة الله وعزته وعلو أمره، جاءت في جمل سلسة، رصينة، عذبة، المخرج، يظهر عليها الرونق والبهاء اللذان فاقا كل بلاغة وبيان.
قال الباقلاني: «انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها واحتج بها على ظهور قدرته، ونفاذ أمره، أليس كل كلمة منها في نفسها غرة؟ وبمفردها درة؟ وهو -مع ذلك- يبين أنه يصدر عن علو الأمر، ونفاذ القهر، ويتجلى في بهجة القدرة، ويتحلى بخالصة العزة، ويجمع السلاسة إلى الرصانة، والسلامة إلى المتانة، والرونق الصافي والبهاء الضافي.
ولست أقول: إنه شمل الأطباق المليح، والإيجاز اللطيف، والتعديل والتمثيل، والتقريب والتشكيل -وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه- لأن العجيب ما بينا من انفراد كل كلمة بنفسها، حتى تصلح أن تكون عين رسالة أو خطبة، أو وجه قصيدة أو فقرة. فإذا ألفت ازدادت به حسنا وإحسانا، وزادتك -إذا تأملت- معرفة وإيمانا.(30)
بالرغم من ذكر الباقلاني فنون البديع الواردة في الآية الكريمة، فإنه لم ير سر الإعجاز فيه، بل في هذه الكلمات التي تفعل فعل السحر ببلاغتها حتى تصلح، كما قال، أن تكون عين رسالة، أو خطبة، أو وجه قصيدة أو فقرة.
وقد نهج الباقلاني مثل هذا النهج في جميع الآيات التي أثبتها في كتابه، ليقرر في النهاية أن بيان القرآن، «أشرف بيان وأهداه، وأكمله وأعلاه، وأبلغه وأسناه»(31)إن فكرة التقليل من أهمية البديع في بحث أسرار إعجاز القرآن نجدها عند بلاغي آخر جاء بعد الباقلاني وهو عبد القاهر الجرجاني، إمام البلاغيين في عصره وبعد عصره، فقد وجدناه عندما تحدث عن الاستعارة في قوله تعالى: «واشتعل الرأس شيبا»(32) يؤكد المزية والإحسان في عنصر النظم، وليس في الاستعارة وإن كانت أجود وأبلغ - قال:
«ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: «واشتعل الرأس شيبا» لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل إلى الشيء هو لما هو من سببه»(33)
وآراء الباقلاني لم تجد صداها عند عبد القاهر فقط، وإنما وجدت عند المحدثين الذين عنوا ببلاغة القرآن وبعناصره الجمالية، مثل السيد رشيد رضا، ومحمد عبده، ومصطفى صادق الواقعي، وسيد قطب فهؤلاء نصوا على مزايا التركيب القرآني. وكانت لهم فيه استنباطات سديدة، وتخريجات ذكية، أبانت بشكل واضح مزايا الأسلوب القرآني فقال إنها: «لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن، وبها انفرد نظمه، وخرج مما يطيقه الناس، ولولاها لم يكن بحيث هو، كأنما وضع جملة واحدة، ليس بين أجزائها تفاوت أن تباين»(34)
وهذا الكلام من تأثير الدارسين الأوائل والإعجاز القرآن، ومنهم الباقلاني الذي قال في مزية نظم القرآن: «لا يتفاوت في شيء، ولا يتباين في أمر، ولا يختل في حال، بل له المثل الأعلى، والفضل الأسنى»(35)
هذه هي خصائص أسلوب القرآن الذي تحدى جهابذة الفصحاء الأوائل، وما زال يتحدى كل متطاول ومتشكك في عصرنا الحديث، بما يكتشف فيه العلماء من أسرار ونظرات كلية للكون والحياة والإنسان، تلك الأسرار التي عجز الزمان عن إبطالها. لأنها قامت عليها أدلة وبراهين لا تحصى.

المصادر والمراجع
1- إعجاز القرآن: أبو بكر البلاقلاني/ تحقيق: السيد أحمد صقر/ دار المعارف بمصر.
2- البديع في التراث النقدي والبلاغي: دراسة نقدية/ د.محمد الحجوي/ مطبعة خالد بن الوليد - دمشق 96.
3- البيان والتبيين: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ/ تحقيق وشرح - عبدالسلام محمد هارون/ 1960
4- تاريخ آداب العرب: مصطفى صادق الرافعي/ مطبعة الاستقامة - 1940 / القاهرة
5- دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني / بعناية السيد محمد رشيد رضا - دار المعارف 78.
6- سر الفصاحة: أبو محمد عبد الله بن سنان الخفاجي / تحقيق: علي قودة / ط1 ـ 1932.
7- طبقات فحول الشعراء: محمد بن سلام الجمحي  / تحقيق: محمود شاكر / 74.
8- العمدة في محاسن الشعر وآدابه: ابن رشيق القيرواني / تحقيق: د.محمد قرقزان / ط1 - دار المعرفة - بيروت.
9- كتاب الصناعتين: أبو هلال العسكري / تحقيق: د.مفيد قميحة/ دار الكتب العلمية - ط1 - 1981.
10- مجاز القرآن: أبو عبيدة معمر بن المثنى/ تحقيق: د،فؤاد سزكين/ مكتبة الخانجي.
11- منهاج البلغاء وسراج الأدباء: حازم القرطاجني9 تحقيق: د.الحبيب ابن الخوجة/ دار الغرب الإسلامي/ لبنان - ط2 - 1981.

1) منهاج البلغاء وسراج الأدباء 26.
2) البيان والتبيين: 1 / 3
3) دلائل الإعجاز 7.
4) أشار الجاحظ الى أن الله عز وجل ذكر لنبيه عليه السلام في آيات كثيرة «ضال قريش في بلاغة المنطق، ورجاحة الأحلام، وصحة العقول» (البيان والتبيين: 1(8)
5) إعجاز القرآن: 31
6) إعجاز القرآن: 1 / 8
7) انظر كتابنا: البديع في التراث النقدي والبلاغي دراسة نقدية ص: 38
8) من هذه الكتب كتاب: «نظ القرآن» للجاحظ، وهو من الكتب المفقودة، وقد تناول فيه مميزات بلاغة القرآن وفصاحته، وكتاب: «النكت في إعجاز القرآن» لأبي الحسن الرماني، المتوفى سنة 384هـ
9) إعجاز القرآن: 9
10) المصدر نفسه: 21
11) المصدر نفسه: 22
12) المصدر نفسه: 40
13) المصدر نفسه: 48
14) إعجاز القرآن: 30
15) طبقات فحول الشعراء 1 / 3
16) سورة يس - الآية: 69
17) العمدة: 1 / 75
18) سورة الإسراء - الآية: 88
19) إعجاز القرآن: 84 – 85
20) المصدر نفسه: 87
21) سورة فصلت - الآية: 2- وانظر- سر الفصاحة 202
22) كتاب الصناعتين: 286
23) سر الفصاحة: 203
24) سورة الواقعة،  الآيتان: 27 – 28
25) البيان والتبيين: 4 / 55 – 56
26) إعجاز القرآن: 101
27) المصدر نفسه: 162
28) المصدر نفسه
29) سورة الأنعام، الآية: 96
30) إعجاز القرآن: 286
31) المصدر نفسه: 426
32) سورة مريم: الآية: 4
33) دلائل الإعجاز: 79

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here