islamaumaroc

[كتاب] نفح الطيب للمقري، نموذج فريد في التراجم العربية القديمة.

  عثمان ابن خضراء

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

لم يكن هذا الرجل الفاضل المولع المفتون بالأندلس وأخبارها، والمعجب بحضارتها ورجالاتها الأعلام، والذي ألف كتابا هو ذخيرة من ذخائر الأدب والشعر، إلا العالم المتضلع في الآداب العلامة أبا العباس أحمد بن محمد المقري مؤلف كتاب «نفح الطيب»، هذا الكتاب الضخم الذي جمع فيه مؤلفه كمية وافية في ذكر الشعراء والأدباء والملوك وأخبارهم في البلاد الأندلسية وفي المغرب والشام ومصر.
شخصية كشخصية المقري يجب أن لا تهمل، فقد ضم إلى الخزانة العربية وثائق ورسائل، لولاه لضاع فيها الأدب العربي، وخسرت فيها المكتبة العربية خسارة لا تعرض! يرجع نسب المقري إلى بلدة «مقرة من أعمال قسطنطينة بالجزائر، وهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد المقري، ولد بمدينة تلمسان المشهورة، وهو من مواليد القرن العاشر.
وبمدينة تلمسان نشأ أديبنا، وفيها أخذ دراسته الأولى على بعض الأساتذة، ومن بينهم عمه عثمان سعيد المقري مفتي تلمسان إحدى العواصم العلمية في الشمال الإفريقي كما هي مدينة فاس.
فإذا تصفحنا تاريخ نشأته، فسنجده زار مدينة فاس لأول مرة سنة 1009 هجرية، ثم زارها مرة أخرى سنة 1011 هجرية. ولم تمض مدة طويلة حتى كان من المقربين لسلطان المغرب زيدان بن المنصور الذهبي السعدي الذي كان من عشاق الكتب الرفيعة النادرة الوجود، ومن أكبر الملوك المشجعين للعلماء والأدباء، فوجد شيخنا المقري في المكتبة السلطانية منهلا عذبا مما أشبع نهمه في تثقيف نفسه ثقافة صحيحة.
وزيادة على هذا، فقد ولاه زيدان الإمامة والخطابة بجامعة القرويين، كما ولاه الإفتاء، وناهيك بمفتي مدينة كمدينة فاس عاصمة المغرب وقلبه النابض.
وفي سنة 1027 هجرية غادر أديبنا فاس قاصدا الشرق، وسبب خروجه أنه: «لما قضى الملك الذي ليس لعبيده في أحكامه من تعقب أو رد ولا محيد عما شاء، سواء كره ذلك المرء أو أراد، برحلتي من بلادي ونقلتي عن محل طاربي وتلادي بقطر المغرب الأقصى الذي نمت محاسنه، لولا أن سماسرة الفتن سامت بضائع أمنه نقصا، طحا به بحر الأهوال، وذلك في شهر رمضان 1027 هـ "نفح الطيب»
كما أن رحيله يرجع إلى الفتن التي قامت بين أبناء المنصور بعد وفاته وتولية «ابنه زيدان، ورغم تغلب الأخير على إخوانه، فإن أيامه كانت لها فتنا وقلاقل. »
وقد عانى في طريقه إلى الشرق أهوالا عظيمة من هيجان البحر واضطرابه. ولو وصف الكاتب المصائب التي تكبدها أديبنا وسط أمواج البحر، ووصف ذلك البحر الثائر الغاضب لما وصفه كما يصفه الشاهد الذي مرت أمامه تلك الأهوال، ولهذا سنترك الكلام للمقري ليتكلم بنفسه عن البحر وأهواله، «وركبنا البحر وحللنا بين السحر والنحر، وشاهدنا من أهواله وتنافي أحواله ما لا يعد ولا يبلغ كنهه.
البحر صعب المرام جدا     لا جعلت حاجتي إليه
أليس ماء ونحن طـين        فما عسى صبرنا عليه
فكم استقبلنا أمواجه بوجوه بواسر، وطارت إلينا من شراعه عقبان كواسر، قد أزعجتها أكف الريح كرها، كما نبهت اللجج من سكرها، فلم تبق شيئا من قوتها ومكرها، فسمعنا للجبال صفيرا وللرياح دويا عظيما، والموج يصفق لسماع أصوات الرياح فيطرب ويضطرب، فكأنه من كأس الجنون يشرب أو شرب، فيبتعد ويقترب، ونحن قعود كدود على عود ما بين فرادى وأزواج، وقد نبتت من القلق أمكنتنا وخرست من الفرق ألسنتنا.»
بهذه العبارات القوية المروعة يسترسل أديبنا واصفا لأهوال البحر التي عاناها في رحلته. وصل إلى القاهرة في أواخر سنة 1027 هـ، وبقي بها بضعة أشهر، ثم رحل إلى حج بيت الله الحرام، وبعدما قام بزيارة الأماكن المقدسة عاد إلى الكنانة، ومنها ذهب إلى القدس لزيارة مقام إبراهيم والأماكن الأخرى، عاد بعد زيارته إلى القاهرة، واتخذها وطنا له، وتزوج بامرأة مصرية، ولكنه لم يكن موفقا، فطلقها بعد أعوام قليلة، وكانت هي الزوجة الأولى والأخيرة، ثم زار الحجاز خمس مرات، وفي الحجة الخامسة التي أداها سنة 1037هـ عاد إلى القاهرة ولازم التدريس بجامع الأزهر.
لم تمض أشهر قليلة عن ملازمته للتدريس في الأزهر حتى انقطع عنه، وسافر إلى بيت المقدس للمرة الثانية، ومنها قصد دمشق، وعقب وصوله اجتمع عليه العلماء، ومن بينهم مفتي دمشق عبد الرحمان عماد الدين - وكان تعرف به في الحجاز- ثم نظم دروسا في الحديث الشريف، كان يلقيها بالجامع الأموي، كما كان يعقد خلال إقامته اجتماعات كثيرة مع أعيان دمشق وعلمائها، يحدثهم فيها عن الأندلس وتاريخها ومحاسنها وعن علمائها، وعن عالمها لسان الدين ابن الخطيب مع سرد كلامه بأسلوب مؤثر يبكي الحاضرين - فطلب منه صديقه المولى أحمد بن شاهين أن يضع كتابا في التعريف بابن الخطيب ومآثره، فاعتذر له لأسباب متعددة، ولكنه ألح عليه في الطلب، فلم يسعه إلا القبول، ووعده بوفاء وعده بمجرد رجوعه إلى القاهرة.
عاد إلى القاهرة وشرع في تأليف الكتاب الذي وعد به، ولم تمض بعض أشهر حتى كان الكتاب تام التأليف، أي في شهر رمضان سنة 1018 هجرية، سماه "عرف الطيب في التعريف بلسان الدين ابن الخطيب".
لقد أنجز وعده وأجاب رغبة أصدقائه الدمشقيين، وخصوصا رغبة المولى شاهين، ولكن هناك فكرة أخرى خطرت له ورأى أيضا أنها الأفضل والأحسن، وهي أن يمهد لكتابه بذكريات الأندلس وتاريخها ومحاسنها، وشرع في تحقيق فكرته، وبعد عام وبضعة أشهر أخرج لنا كتابه المشهور "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، وذلك سنة 1039 هجرية، وإن الإنسان لتأخذه الدهشة عندما يعلم أن المقري ألف هذا الكتاب الضخم في عام وأشهر قليلة.
وبعد مضي فترة ليست بالقصيرة على الانتهاء من التأليف أزمع أديبنا العودة إلى دمشق ليطلع أصدقائه على تأليفه، ولكن المنية حالت بينه وبين السفر، فتوفي ودفن بمقبرة المجاورين بالقاهرة سنة 1041 هجرية.
بعد هذه النظرة على حياة شيخنا المقري من الواجب الإلمام بالمنهاج الذي انفرد به دون أعظم كتاب التراجم العربية القديمة فهو:
«يرسم للترجمة خطة واضحة ويرتب عناصرها ترتيبا حسنا، ويتغلغل في التفاصيل، ويتعمق ويتتبع أخبار المترجم حتى قبل ولايته، ويحاول التعرف على أوليته، ويبحث عن نشأته في صباه وشبابه وكهولته، ثم يذكر شيوخه الذين أخذ العلم عنهم في كثير من التفاصيل والعناية، يذكر مؤلفاتهم، ويخص بالعناية النتاج الأدبي للمترجم، ويذكر تآليفه، وتصرفه في الحياة، وعمله في خدمة السلطان، ووفاته وآراء الناس فيه».
كما كان أسلوبه يمتاز بالقوة وببلاغة ساحرة في وقت كان الأدب العربي في مرحلة الحطاطة.
إن للمقري كتبا أخرى غير كتاب "نفح الطيب" مثل كتاب "أزهار الرياض".
أما الأول وهو "نفح الطيب" فيعتبر موسوعة عظيمة عن الأندلس وتاريخها وآدابها وجغرافيتها، ويعتبره كتاب العرب المعاصرون من الكتب القديمة القليلة التي يجب على كل فرد ينشد الثقافة الحقة والدراسة الصحيحة أن يدرسه دراسة وافية، وهو مقسم إلى قسمين كبيرين:
القسم الأول في وصف الأندلس وجغرافيتها وكيف افتتحت على يد طارق بن زياد وتاريخها في عهد الدولة الأموية، وملوك الطوائف، كما يشتمل على وصف قرطبة ومعاهدها، وعلى تراجم الراحلين من الأندلس إلى الشرق، وعلى الوافدين من الشرق إلى الأندلس.
وأخيرا -وهو القسم الثاني- في النزاع العنيف بين الأندلس العربية واسبانيا النصرانية، ثم كيف انتصرت النصرانية وخرج العرب من اسبانيا.
وقد ترجم القسم الأول من نفح الطيب الذي يشتمل على تاريخ الأندلس إلى اللغة الإنجليزية بقلم المستشرق الاسباني ألدون جاينجوس تحت عنوان: "تاريخ الدول الإسلامية باسبانيا".
أما كتاب "أزهار الرياض" فهو لا يقل أهمية عن سابقه، وقد خصصه لترجمة القاضي عياض مع كثير من الأخبار والنصوص والوثائق الأندلسية، لم يضمها كتاب آخر من الكتب العربية المطبوعة.
والكتاب مؤلف فيما بين سنة 1013 هـ وسنة 1027 هـ، وتم تأليفه في مدينة فاس.
أما مؤلفات المقري الأخرى فكثيرة، ولكن ليست لها من الأهمية ما لـ"نفح الطيب" و"أزهار الرياض" فمنها:
* "إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة".
* و"روض الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام مراكش وفاس".
* و"الدر الثمين في أسماء الهادي الأمين"،
وغيرها.
وعودة إلى "عرف الطيب" حيث يتصدى المقري إلى التعريف بلسان الدين ابن الخطيب وما يناسبه من ذكر العلماء الذي كان يعاصرهم حينذاك.
وهنا وصل المغربي إلى بحر لا قرار له حيث استرسل في إثبات أسلاف لسان الدين، ثم نشأته ووزارته، وسعادته ومساعدة الدهر له، ثم نكران الدهر له، وما كان من أحد الحاسدين والكائدين، ثم يصف المقري مشايخ لسان الدين ومخاطبات الملوك والأكابر والوجهاء، وثناءهم العاطر على الوزير ابن الخطيب.
ومن ثمة يأتي المؤلف بجملة من أشعار ابن الخطيب، ونظمه، وما يتصل بالنظم من موشحات وأزجال، ثم يذكر مصنفاته في العلوم والفنون، وأسماء تلامذته المقتبسين من أنواره، وأولاده المقتفين آثاره الحميدة، ووصيته لهم عندما حضرته الوفاة.
إن "عرف الطيب في التعريف بلسان الدين ابن الخطب" حافل بالأخبار والوثائق الهامة والمصادر الهائلة في تاريخ الأندلس على الخصوص، وبه مجموعات قيمة من المعلومات الأدبية والتاريخية والجغرافية والاجتماعية منقولة من كتب مختلفة وهذا
هو الذي جعل الكتاب في مقدمة المراجع المتعلقة بتاريخ الأندلس الإسلامية من أيام الفتح الإسلامي إلى سقوطها في يد الاسبان، وهو منسق أجمل تنسيق على طريقة مؤلفه في كتبه كلها.
إن أبا العباس شهاب الدين المقري من أجل العلماء الأدباء، وشاعر مجيد لا يقل شعره عن مستوى شعر الفحول من الشعراء، من ذلك مثلا ما تركت بلاد الشام في نفسه من تأثيرات حتى قال:
محاسن الشام جلـت         عن أن تقاس بحد
لولا حمى الشرع قلنا       ولم نقف عند حد
كأنـها معـجـزات             مقرونة بالتحـدي
وكذلك وصف رحلته إلى الشرق والبحر وغيرها كثير.
أما نثره فيمتاز بإشراق الديباجة ومتانة المبنى، والقدرة على التصرف في استعمال اللفظ، وهو أقرب في نثره إلى طريقة الأندلسين منه إلى طريقة المشارقة - ومكانته الأدبية لا تقوم على كتاب "نفح الطيب" فقط، فمؤلفاته الأخرى عديدة، لأنه كان متعدد الجوانب دائم التحصيل.
وكان المقري قبل أن يضيف أخبار الأندلس في كتاب يسمى هذا الكتاب "عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب"، فلما أضاف إليه أخبار أهل الأندلس وبلادهم سماه: «"نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب".
وهكذا نكون قد عرفنا لقراء المجلة الغراء المقري وحياته وكتابه القيم، وما له من الفضل والتقدير والإعجاب لما بذله في سبيل العلم والأدب، وكان عمله هذا من أجل الأعمال التي عادت على الأدب العربي بالفائدة الجمة وبالخير العميم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here