islamaumaroc

وإنه لتنزيل ربي العالمين

  عمر بنعباد

العدد 325 رمضان 1417/ يناير-فبراير 1997

من فصائل الأمة الإسلامية وخصائصها الدينية أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها بعض الشهور والأيام تتجلى أكثر من غيرها الرحمات الإلاهية، وتتعطر بالنفحات الربانية، وبإشراقات وأنوار قدسية، فتعيشها الأمة الإسلامية بقلوب مومنة، وتحياها بصدور منشرحة، ونفوس مطمئنة، مصداقا لقول الحق سبحانه. «أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه».
وإن من بين تلك الشهور رمضان وأيامه الطيبة ولياليه المباركة.فهذا الشهر جعله الله لأمة الإسلام ظرفا لأداء عبادة أساسية في الدين ألا وهي عبادة الصيام، وفريضته المشروعة. وما يكون فيها ويصحبها من إقامة سنة التراويح. وإحيائها طيلة ليالي شهر رمضان. والقرب منها الي الله تعالى عملا بالحديث القدسي القائل: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه...».
وهو شهر من فضائله ومزاياه أن الله تعالى ذكره باسمه في كتابه العزيز، ووصفه بوصف عظيم خالد، هو كونه الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للمتقين، وبشارة للمومنين، ونورا لأولي الألباب المتبصرين مصداقا لقوله سبحانه «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه». وقول النبي (ص) «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
والصوم يتميز بكونه عبادة قلبية خالصة، وطاعة باطنية محضة لا ترى للعيان، ولا تظهر للنظر والبصر، كما هو الشأن بالنسبة لغيرها من العبادات الأخرى وصالح الأعمال وذلكم هو السر الذي جعل منه عملا تعبديا خالصا وأجره عند الله وشوابه جزيلا وعظيما. وهو ما يفصح عنه الحديث القدسي الذي يقول فيه النبي (ص) فيما يرويه عن ربه: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
ومن حكمة الصيام وأسراره -كما هو شأن الفرائض والعبادات الأخرى إخلاص العبودية والعبادة لله، واستمرار الصلة بالله، وتجديدها في كل عبادة، وتقوية الإيمان، وترسيخ اليقين، والدفع بالمسلم الى الاستزادة من العمل الصالح، والى مراقبة النفس والضمير، واستحضار جلال الله وعلمه في كل ما يأتيه الإنسان وما يتركه ويكون علليه من الأحوال، والنصح الواجب للنفس وللناعس، مصداقا لقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». والتقوى كلمة جامعة لأسس الفرائض والواجبات، ومعاني الفضائل والمكرمات، وأنواع الخير والإحسان، وتجمعها آية البر من سورة البقرة. ويلخصها قول بعض السلف الصالح من أمة الإسلام.
هي العمل بالتنزيل والخوف من الجليل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، وقول الفقهاء، هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي في الظاهر والباطن.
وحتى تتحقق لكل مسلم ومسلمة من فريضة الصيام تلك التقوى والسمو بالنفس والروح إلى مراتب الكمال الإنساني في العقيدة والعبادة والعمل والسلوك، فقد حذر الإسلام من أي قول أو فعل شائن يصدر عن المرء وينقص ثوابه وأجره في الصيام عند الله تعالى فقال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». وقال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو شاتمه فليقل أني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح».والصيام -إلى جانب كونه فريضة إسلامية، وعبادة خالصة، فإنه في نفس الوقت يبرز الوحدة المتماسكة القائمة بين أفراد الأمة الإسلامية من أقصى المشرق الى أقصى المغرب. ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب في أرض الله، والمؤسسة على كتاب الله، ورسالة نبي الإسلام، ووحدة القبلة، ووحدة العبادة في الصلاة وفي أداء مناسك الحج وشعائره من الوقوف بعرفة والطواف بالكعبة المشرفة، والسعي بين الصفا والمروة، وغيرها من مظاهر الوحدة الثابتة بين المسلمين، والأخوة الراسخة بين المؤمنين، مصداقا لقول الله العلي العظيم: «وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون».
كما يبرز اعتصامهم بدين الله وحبله المثين، والتزامهم بشرعه الحكيم، والسير على هديه القويم وصراطه المستقيم، وما يقتضيه من تناصر وتضامن على الحق، وتعاون على البر والتقوى، واهتمام ببعض في مختلف أحوالهم وظروفهم وقضاياهم وأحوالهم، أينما كانوا وحيثما كانوا، عملا يقول الله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا»، وقوله جل علاه. «واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون». وعملا بقول النبي (ص) «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
وكم كثيرة هي تلك القضايا والأحوال الاجتماعية التي يعيشها المسلمون، ويعانون منها في كثير من البلاد الإسلامية، والتي تدعوهم وتقتضي منهم الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ووالى تدبرهما والاحتكام إليهما، والوقوف عند أحكامهما وحدودهما، واستحضار ما توحي به فريضة الصيام من حكم ومعاني وأسرار وما تحقق لأمة الإسلام في شهر رمضان من فتوحات وانتصارات عبر تاريخها الإسلامي الحافل، بدءا من حياة النبي (ص)، وحياة خلفائه الراشدين من بعده، والقادة الصالحين المصلحين من أمته، والى استلهام ذلك كله، والاستنارة بهديه ونوره في حياتهم، وعلاج كثير من القضايا الحاضرة والتوقعات المستقبلية على ضوء ذلك وهديه، واستنهاض هممهم وهزائمهم القوية، للارتقاء بحياتهم في كل الميادين الاقتصادية والاجتماعية، والحفاظ على شخصية الأمة الإسلامية وأصالتها الدينية الحقة، والبركة الوفيرة: المادية منها والمعنوية، في التزام هدي الإسلام والإقبال على العلم والعمل، والعطاء والإنتاج مصداقا لقول الله تعالى: «وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون». وقوله سبحانه: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب»، وقول النبي (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي». وعسى أن يتحقق ذلك بفضل نفحات الهداية والرحمة الربانية التي تتجلى على الأمة الإسلامية في هذا الشهر المبارك الكريم.
وإن من حسن المناسبة وجميل المصادقة أن يتزامن صدور هذا العدد من هذه المجلة الإسلامية مع هذا الشهر المبارك ومع دخولها في السنة الثامنة والثلاثين، منذ أسسها جلالة المغفور محمد الخامس طيب الله ثراه سنة 1957م، وأخذت تؤدي رسالتها الإسلامية والثقافية والحضارية في بحوث رصينة عميقة، ودراسات إسلامية قيمة متنوعة أصبحت رصيدا علميا وثقافيا متنوعا، ومرجعا للدارسين والباحثين والمتخصصين.وهي الآن تواصل مسيرتها التثقيفية بنفس الروح والعزيمة، وتواكب في تجددها وتجديدها المستجدات الإسلامية والثقافية والفكرية، وتسير في نفس الخط الواضح والنهج الموفق السليم الذي رسمه لها مؤسسها رضوان الله عليه، وتحقق هدفها النبيل المتوافق والمنسجم مع اسمها دعوة الحق، وتطمح الى النهوض بها مضمونا وشكلا، جوهرا وروحا، وتستنهض لذلك همم العلماء الأفاضل، والأساتذة الباحثين الى تزويدها ببحوثهم القيمة ودراساتهم الرصينة في مختلف تخصصاتهم العلمية والثقافية، الإسلامية منها، والأدبية والاجتماعية، والاقتصادية، وتحثهم على ذلك وتفتح لهم الآفاق الواسعة للكتابة فيها بكيفية متواصلة، في ظل رائد العلم والعلماء، وباعث النهضة العلمية والثقافية في المغرب المعاصر، أمير المؤمنين، وحامي حمى الوطن والدين، جلالة الحسن الثاني حفظه الله وبارك في حياته، وأدام له النصر المكين والفتح المبين، وحقق الخير على يديه للإسلام والمسلمين، وأقر عينه بولي عهده الأمجد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه صاحب السمو الملكي الأمير المجد، مولاي رشيد، وأن يحفظه في كافة أسرته الملكية الشريفة، إنه سبحانه سميع مجيب.             

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here