islamaumaroc

أثر العقيدة في تنظيم الغرائز النفسية

  محمد فاروق النبهان

العدد 322 جمادى 1 1417/ أكتوبر 1996

تنطوي النفس البشرية على استعدادات غريزية فطرية تتطلع إلى التحكم في الآخرين، والسيطرة عليهم، وهذا شعور طبيعي في البشر، لأن غريزة السيطرة على الآخرين تعتبر من الغرائز التي تعبر عن تطلع النفس إلى الكمال، فالقوة كمال، والسيطرة تجسيد لذلك الكمال...
والغريزة تدفع النفس إلى ما يحقق كمالها، ولا خطورة من تطلع النفس إلى السيطرة، لأن هذا التطلع يدفع النفس إلى البذل والتضحية في سبيل تحقيق ذلك الكمال...
والسلطة أعم من أن تكون سلطة حكم، وهي تعني سيطرة القوي على الضعيف، إذ لا يمكن تصور مفهوم للسلطة أو السيطرة إلا في حالات تفاوت القدرات الذاتية للبشر.
وغريزة السيطرة ظاهرة طبيعية في الإنسان وفي الحيوان، فالقوي يباشر سلطته القيادية على الضعيف، ولا تستقيم الحياة بانعدام هذه الظاهرة، لأن الضعفاء يحتاجون إلى من يقودهم، فإذا انعدمت سلطة التوجيه ضاع هؤلاء في زحمة الحياة، لعجزهم عن قيادة أنفسهم.
والأقوياء تحكمهم معايير للسلطة تختلف عن معايير الضعفاء، والذين يملكون السلطة المطلقة يفقدون معنى الحياة، ولا وجود لهؤلاء، لأن الأقوياء تحكمهم ضوابط أقوى منهم، وهم محتجون إلى من هم أضعف منهم ليمنحهم الطاعة، وليغذي في نفوسهم مشاعر السيطرة والتحكم...
وأقوى الأقوياء يجد نفسه في بعض المواقف ضعيفا أمام بعض التحديات التي تضعف شعوره بالقوة، فيضطر إلى أن يتنازل عن قوته بإرادته لكي يحتفظ لنفسه بقدر من التماسك، وأحيانا تنهار نفسه أمام موقف من المواقف التي يستطيع مواجهتها..

حاجة النفس إلى الإيمان بالله:
الإنسان في لحظة قوته يحتاج إلى من يباشر عليه سلطته من الضعفاء، لأن ذلك ينمي في ذاته مشاعر الاعتزاز، ويشعره بقدر من الكمال، والإنسان في لحظة ضعفه يحتاج إلى قوة تتجاوز قوته، تشعره بالحماية والرعاية والاطمئنان.
ولهذا، فالإنسان البدائي قبل أن يكتشف وجود الخالق كان يبحث عن قوة مادية يلتمس فيها الحماية والأمن، لكي يطمئن في حياته، فأحيانا كان يجد تلك القوة في أصحاب السلطة كما هو الحال عند قدماء المصريين الذين آمنوا بملوكهم، واعتبروهم آلهة، ثم تطور فكر الإنسان، لأن المنطق العقلي يرفض أن تكون الآلهة المقدسة معرضة للفناء، كما هو الشأن في البشر، فالآلهة لكي تكون متميزة وفي موطن القداسة يجب أن تحمل خصائص التميز والتفوق والسمو في وجودها وقدراته ومواهبها.
ومن الطبيعي أن ترفض النفس الإنسانية مبدأ سمو بعض البشر على البعض الآخر، لأن النفس لكي تنصاع وترضخ لا بد من أن تشعر بذاتها وبخصائص التميز بالنسبة لمن تؤمن بهم وتسلم بقداستهم.
وتطور فكر الإنسان، وحاول أن يبحث لنفسه عن آلهة من الكواكب المتميزة بالقوة مثل الشمس والقمر، إلا أن هذه الآلهة لا تملك خصائص الآلهة من حيث القدرة على التصرف في الكائنات...
والإنسان في سعيه نحو اكتشاف القوة المعجزة التي تملك خصائص القوة، والخلق والتحكم كان يعبر عن غريزة في أعماق نفسه، وهي غريزة الإيمان بالله، وهذه غريزة فطرية تلقائية، لا يستقيم أمر الحياة إلا بها، ولا يشعر الإنسان بسعادة وأمن إلا في ظل إيمانه بالله واطمئنانه إلى حكمه وعدله وقضائه.
وفي ظل الإيمان بالله اكتشف الإنسان معجزة الكون، ووجد في نفسه التفسير الوحيد المقنع الذي يعطيه الشعور بالأمن، ويزيل من أعمقاه مشاعر التشتت والتمزق والضياع واليته، فالإيمان بالله هو العامل الأهم في صياغة نفسية متكاملة، سوية في تفكيرها، متوازنة في سلوكها، ملتزمة بقيم الفضيلة، نقية الضمير، عميقة الإحساس بالقيم الأخلاقية، شديدة الارتباط بقضايا الإنسان، مدافعة عن حقه في الكرامة الإنسانية.
وفكرة الإيمان الله تولد في نفسه الإنسان الشعور بالحرية والكرامة، ولا حرية خارج نطاق الإيمان بالله، لأن الإنسان يبحث غريزيا عن سلطة سامية، إذا انعدم الشعور بالإيمان بالله بحث الإنسان عن مصدر للسلطة والهيمنة من البشر، أو من المخلوقات الطبيعية، وبذلك يعود الإنسان من جديد إلى ذلك العصر البدائي الذي كان فيه الآلهة من البشر أو من الظواهر الكونية، لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش في ظل انعدام شعوره بوجود الخالق، وهو مفتقر إلى ذلك الإيمان، لكي يكتمل بوجود الخالق، وهو مفتقر على ذلك الإيمان، لكي يكتمل بذلك كماله الغريزي الفطري...
والذين ينكرون الإيمان بالله، يتجاهلون حقيقة فطرية في كيانهم، وهم عاجزون عن الاستمرار في ذلك الإنكار، ولذلك يبحثون لأنفسهم عن آلهة لا ترقى إلى مستوى الإيمان بالله، وإذا لم يجدوا ما يبحثون عنه سرعان ما تضيق بهم الحياة، وتطوقهم مشاعر الغربة والقلق، وتحيط بهم المخاوف، ويعيشون في كآبة حزينة يتطلعون فيها إلى الموت، لأنهم لا يجدون في أعماقهم مشاعل الضياء التي تضيء بها قلوب المؤمنين، الذين يمنحهم الإيمان صلابة في المواقف ويقينا في القلوب وطمأنينة في النفوس، وهدى في العقول.

ارتباط الحرية بالإيمان بالله :
كلما عمق إيمان الإنسان سيزداد شعوره بحريته، لأن الإيمان بالله يحرر النفس من جميع أنواع السلط التي يجد الإنسان فيها قوة ترهبه وتخفيفه، فمن وجد تلك القوة في الخالق لا يمكن له أن يجدها في أي مخلوق، لأن المخلوقات محكومة للخالق في حركتها وقوتها، والخالق بفضل الخصائص الألوهية قوي قادر عادل...
ولا حرية خارج نطاق الإيمان بالله، فمن فقد نعمة الإيمان كان عبدا للطبيعة، تحكمه ظواهرها، فإذا استمدت به قواها أحكمت عليه قبضتها، وضاق ذرعا بما يجد منها، والتمس الخلاص في استسلامه لغرائزه الفطرية.
والمؤمنون الذين يؤمنون حقا وصدقا بالله، لا يخافون ولا يهابون لأن الإيمان بالله حرر نفوسهم من الخوف، وسيطر على غرائزهم، فهم أقوياء بحريتهم، والأحرار أقوياء في كل موطن، ولا قوة لمن فقد حريته، ولهذا نجد أن الإيمان يمنح صاحبه قوة بالغة القوة، وبفضل الإيمان تصبح النفس قوية متعالية متحررة مسيطرة على غرائزها، لا تضل طريقها، ولا موت ولا فناء، لأنها أحسنت فهم قوانين الطبيعة، وأمسكت بالأسباب الحقيقية في حركة الكون، فالله هو المدبر والحاكم، ولا شيء خارج نطاق إرادته، وما يريده فهو الحكمة، والحكمة مرتجاة للمؤمن.
ولو نظرنا إلى تاريخ الحضارات وتاريخ الأمم والشعوب، لوجدنا أن الإيمان هو العامل الأهم في انتصارات الشعوب، فالشعوب المؤمنة قوية بإيمانها، والإيمان يمنحها القدرة على التضحية، والشعوب القادرة على التضحية، لا تتراجع ولا تتردد في مواقف المواجهة، لأن التراجع لا يكون إلا في حالة التردد في قبول التضحية، والمؤمن لا يتردد في مثل هذه المواقف، لأن الموت بالنسبة له ليس نهاية لحياته، وحياته ليست غاية وحيدة لوجوده...
وتاريخنا الإسلامي أوضح دليل على أهمية العقيدة في تحرير الفرد وتحرير المجتمع، ففي الوقت الذي كانت العقيدة قوية راسخة كانت النفوس مؤهلة للتضحية ومستعدة للشهادة، وبفضل ذلك، نشأت حضارة الإسلام، ولما ضعفت العقيدة وتقلص أثرها أمسكت النفس عن التضحية وتراجعت في مواقف التحدي، واستسلمت لأعدائها، ممسكة بما اعتادت عليه من متاع الدنيا، متعلقة بحياة لا حرية فيها، وبأرض لا سيادة لها عليها.
وترجع قوة المسلمين إلى إيمانهم بالعقيدة الإسلامية، فإذا قويت العقيدة في كيانهم كانوا قوة متفوقة ومتميزة، تدافع عن ذاتها وكيانها ومقدساتها كأقوى ما يكون الدفاع، وتضحي في سبيل ذلك بأشد ما تكون به التضحية، وبفضل ذلك ظل الإسلام قويا صامدا، لم يتراجع ولم تسقط حصونه أمام أقوى التحديات، وبالرغم من أن المسلمين بلغوا درجة مخيفة من التخلف، والتراجع الحضاري، والانقسام، والتمزق، الأمية الثقافية، والسذاجة في الرؤية الفكرية، فإن الإسلام ظل قوي الأثر في تكوين الشخصية الإسلامية، يحافظ على المسلمين، كيانا فكرا وثقافة وأرضا...
ونلاحظ من خلال تتبعنا لتاريخ الأمم والثقافات والحضارات والدول أن معظم الثقافات القديمة اندثرت بسبب عجزها عن مواكبة الثقافات المتجددة، إلا أن الثقافة بقيت حية مؤثرة في الشعوب الإسلامية، متحكمة في مسار الشعوب الإسلامية، مطاردة الثقافات الوافدة، والثقافة الإسلامية بالنسبة للشعوب الإسلامية في العصر الحديث هي الثقافة الغالبة والمسيطرة، وهذا يؤكد عمق أثر العقيدة الإسلامية في الشعوب الإسلامية.
ويجب هنا أن نؤكد أن الثقافة الإسلامية هي العامل الأهم الذي حافظ على الشخصية المتميزة للمسلم، وهي التي ألهبت عواطفه في مواقف التحدي وأمواجه بمشاعر الاعتزاز، خصائصها الذاتية، وقدراتها على الصمود والمواجهة، ولانهارت هذه الشعوب تحت وطأة ما عانته من تحديات، وما واجهته من أخطار.
إن الأمم لا تفني بسبب تخلفها، ولا بسبب هزائمها في معارك المواجهة مع أعدائها، فالهزيمة قد توقظ روح التحدي، وقد تبعث الحياة في الأجساد التي ضعف فيها نبض الحياة، وإنما تفنى عندما تفقد ذاتيتها، وتضعف ثقتها بقيمها وعقائدها وقيمها وتقاليدها ومقدساتها، وعندئذ لا بد من أن تواجه قدرها المحتوم، وهو الموت والفناء.
والإسلام بالنسبة للمسلم، لم تضعف مكانته في نفسية المسلم، في أي عصر من العصور، سواء كانت عصور حضارة أو عصور تخلف.
ولو نظرنا الآن في واقع المجتمعات الإسلامية، لوجدنا أن الإسلام هو العامل الأهم الذي يوحد كلمة المسلمين، فلا خلاف في قدسيته، وإذا كانت هناك اتجاهات فكرية متباينة، فإن من المؤكد أن تلك الاتجاهات، تجسد حاجة المجتمعات الإسلامية إلى فكر إسلامي يواكب مسار الحضارة وهذا مطلب مشروع، ولا خوف منه، وهو يؤكد اعتزاز المسلم دينه، وتمسكه بثقافته الإسلامية، ويجب أن يجد هذا الاتجاه الفكري رحابة صدر من أصحاب المدرسة التقليدية، فالإسلام يستوعب جيدا مطامح العقل الإنساني، ويعترف بدوره في التفسير والتأويل، ويخضع كل جديد لمعاييره الأساسية، فما انسجم مع روح الإسلام، ودلت عليه مصادره النقية الثابتة، فهو في موطن الرعاية والتقدير، وما تناقض معه روحه ومصادره ونصوصه، رفضه بمنطق الحجة والدليل، وهذا منهج جدير بأن يكون منهج الباحثين عن الحقيقة.
أما الاتجاهات الفكرية التي ترفض الإسلام من الأساس، وتشكك في قدراته على تكوين ثقافة ملائمة للعصر، مواكبة لمسيرة الحضارة فهذه الاتجاهات دخيلة مشبوهة، ولا يمكن لمسلم أن يطالب بإقصاء الإسلام عن حياة المجتمعات الإسلامية، فإن فعل مسلم ذلك، فهو جاهل بالإسلام، أو مدفوع لتهديم صرحه، وهو في كلتا الحالتين خارج عن نطاق مجتمعه، ولا خط منه وإن انتشرت أفكاره، أن هذه الأفكار محكوم عليها بالمطاردة والإدانة، ولا بد من أن تجد نفسها في يوم من الأيام في زوايا النسيان، والتاريخ الإسلامي مليء بأحداث أولئك النفر من الخارجين عن جماعة المسلمين، رغبة في تميز، أو طمعا في شهرة، أو نصرة لعدو، ومصير هؤلاء – كان دائما – واحد، وهو أن الأجيال اللاحقة سرعان ما تكشف عبث هؤلاء، ثم ترمي بما جاؤوا به من فكر مشبوه في أقبية النسيان المظلمة، وهكذا استمرت مسيرة المجتمعات الإسلامية خلال التاريخ الطويل، ففي لحظات التفوق والقوة، تبني حضارات متلاحقة في مواطن شتى من عواصم الإسلام، وفي لحظات التراجع والتخلف والضعف، تحمي الشعوب الإسلامية، وتغذي في نفوسها مشاعر التميز والثقة، لكي تعبر الوديان السحيقة، متطلعة إلى رؤوس الجبال، لا تستسلم أمام هزيمة منكرة، ولا تيأس أمام ليل طويل، حتى إذا أطل الفجر، استيقظ فيها عزم الحياة بعد أن حسب الجميع أن الليل الطويل أسكت أنفاس الحياة في ذلك الحسد الذي طالت إغفاءته.

أثر العقيدة في السلوك :
وهذا كله يؤكد عمق مشاعر الإيمان بالله في نفسية الإنسان، فالإيمان شعور فطري وغريزي، ولو كانت حاجة الإنسان إلى الإيمان تحكمها العادة والتقليد والمحاكاة لوصل الإنسان بفضل تفوقه العقلي والفكري إلى مرحلة الاستغناء عن الإيمان، متحررا بذلك من سلطان العقائد التاريخية والأسطورية، واستطاع الإنسان أن يتحرر من جميع المعتقدات الأسطورية التي كان يؤمن بها، ولكنه لم يستطع أن يتحرر من سلطان العقيدة الدينية التي تقوم على أساس الإيمان بالله، وهذا دليل على صدق فكرة الإيمان، وحاجة الإنسان إلى هذا الإيمان.
ويؤكد هذه الحقيقة أن كل ارتباطات الإنسان بالطبيعة، قد استقامت بطريقة اقتربت فيها من المنطلق العقلي الذي رفض أن يتحرر من سلطان العقيدة، أو أن يأخذ موقفا ثابتا من قضية الإيمان، فأقوى العقول إدراكا لحقائق العلم، لم يستطع أن يقف موقف الإنكار لحقائق الدين وفكرة الإيمان، وأعلن معظم العباقرة في ميادين المعرفة العقلية إيمانهم بالله، وحاجتهم إلى هذه الإيمان، لكي يستقيم في نظرهم تفسير الظواهر الكونية بطريقة يقبلها المنطلق العقلي.
وإن النفس البشرية التي تتطلع إلى السلطة، تجد في أعماق ذاتها شعورا بالإيمان، وحاجة إلى الخضوع لسلطة إله يحسن تدبير الكون، وينشر الطمأنينة في نفوس البشر، بقوته وقدرته وعدله...
ولا يمكن للنفس البشرية أن تتجاهل استعدادها الفطري والغريزي لقبول فكرة الإيمان بالله، وعندما تنكر النفس هذا الاستعداد وتتجاهله تشعر بالفراغ والخوف، وتعيش في قلق واكتئاب، لأنها تغالب طبيعتها، وتتحدى بإنكارها لاستعدادها الغريزي، حاجتها الفطرية، للخضوع لسلطة عليا، تتجاوز في قدرتها قدرات الناس، وتملك من القوة ما لا يملكه الإنسان.
والإنسان القوي كالإنسان الضعيف في مواجهة المواقف الصعبة، إلا أن الإنسان الضعيف يستسلم بسرعة، لضعف تكوينه، بخلاف الإنسان القوي، فإنه يجالد ويصبر، ويواجه التحدي بمثله، إلى أن يبلغ أقصى ما يملكه من قوة، وعندئذ لا بد له من أن يضعف، لأن طبيعته البشرية، لابد غالبة، وعندما ينهار القوي، تتساقط حوله السدود والحواجز، ويسقط مربع كبرياء دفعه إلى الصبر، على أن تتفكك قدراته، ولا بد له في مثل الموقف من الاعتراف بضعفه، والضعف مؤشر على استقامة التكوين، لأن القسوة البالغة حد النهاية لا يملك أن تكون نتاج نفسية سوية، والقساة يفقدون الكثير من خصائص النفس الإنسانية، وكلما ابتعد الإنسان عن خصائص الإنسان، ابتعد عن الاستقامة.

دور الإيمان في تعريف الإنسان بذاته :
ومن خصائص الإيمان الله، أنه يعرف الإنسان بذاته، ويمده بقوة ذاتية يواجه بها المواقف الصعبة، فالمؤمن في ظل إيمانه يفسر الأحداث تفسيرا مريحا يساعده على تخطي الحواجز، فالموت حق، وهو اختيار إلهي، والمؤمن لا يعارض هذا الاختيار ولا يتحدى إرادة الله، ويعتقد المؤمن أن الأسباب المادية ليست كافية لتحقيق نتائجها المرجوة، فالكسب هو رزق يسوقه الله لعبده عن طريق أسباب مادية، والنجاح توفيق من الله، ومن توفيق الله للإنسان أن يرشده إلى أسباب النجاح، والشهادة مكتوبة على الإنسان، ولا يمكن للإنسان أن يتخطى قدره.
هذه المعاني مربحة للإنسان، لأنها تفسر له مواقف الحياة بطريقة مغايرة لمنطق العقل المادي، وما أقسى حياة أولئك الذين يفقدون هذا الشعور الإيماني المريح الذي ساعد الإنسان على تخطي المواقف الصعبة بإرادة متمسكة وصلابة واضحة.
والمؤمن هو سيد هذه الحياة، يتحكم فيها كما يريد، يتحداها بعزيمته، وينتصر عليها بإرادته، لا يضعف ولا ينهار، وإذا بكى فإنه لا يبكي يأسا وقنوطا، وإنما يبكي لكي يؤكد ضعف الإنسان وفي بكائه راحة لضميره، وتصفية لنفسه، فهو معترف بضعفه أمام خالقه، وهذا الاعتراف يجعله في موطن اليقظة الدائمة، فلا يظلم ضعيفا، ولا يتطاول على غيره، ويحاسب نفسه عن كل ما يرتكبه من أخطاء.
ما أجمل النفس المؤمنة وهي تأنس بالحياة، وتتعايش معها تعايش التكامل والانسجام، فالنفس المؤمنة مستقرة مطمئنة، لا تغضب ذلك الغضب الذي يفقد النفس صفائها، ولا تيأس ذلك اليأس الذي يجعل الحياة كئيبة حزينة، تمد يدها إلى الحياة ساعية من غير انفعال، باذلة عطائها من غير من، مبتسمة ابتسامة التفاؤل من غير إهمال أو استرخاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here