islamaumaroc

أدب المديح من خلال "الشقراطسية" و"البردة" و"الهمزية"

  يوسف الكتاني

العدد 322 جمادى 1 1417/ أكتوبر 1996

لا خلاف أن الباحث والمنقب في خزائن الأرض، والراحل في أنحائها وأطرافها، لا يجد في البشر على اختلاف وجوه العظمة والإكبار، من تتبع الناس منه وقائع الميلاد، وحوادث الوفاة، وكل الحركات والسكنات، وأحوال الإقامة والتنقلات، وأطوار الغضب والرضا، ودقائق السلم والحرب، والعطاء والمنع، والتحريم والتحليل، غير فرد واحد في العالم الإنساني، هو خاتم الأنبياء المرسلين ورسول رب العالمين، سيدنا محمد بن عبد الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، بحيث لو قدر لدولة أو مؤسسة أن تجتهد في جمع كلما كتب عنه، لتوفر لها من ذلك خزانة عظمى لا تقتصر علن أعظم خزائن الدنيا، (1) وهو مصداق ما أكده الحافظ شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 923 هـ: "إنه لو حصل التصدي لجمع اسم من كتب في السيرة النبوية، لكان ذلك في عشرين مجلدا فأكثر" علما بأنه عاش في القرن التاسع الهجري، فأين هو مما كتب بعده خلال القرون الخمسة الأخيرة؟(2) وهذا يدل أشد الدلالة على اهتمام المسلمين بشؤون نبيهم اهتماما لم يشاركهم فيه أهل دين آخر قط، سواء كانت ديانات سماوية كاليهودية والنصرانية، أو غيرها كالبودية والبرهمية وسواهما، وهو شاهد على كمال سيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعظيم مكانته، وتفرده بين الأنبياء والمرسلين بل تميزه عن الخلق أجمعين، بما خصه الله بن من الكمالات، وما ميزه من صفات، مما جعله منهلا عذبا عكف على وروده العلماء، وأسوة وقدوة لجميع العالمين، كما أكد القرآن الكريم، وهو ما اهتدى إليه احد العلماء المعاصرين، الذي جعل الرسول الكريم على رأس المائة المختارة من الخالدين.(3)
وإذا كان مدح الرسول الأعظم سيدنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام، مما اختص به شيوخ العلم وأدباء الفقهاء، فإن هذه الظاهرة لم تتأصل ويتوسع فيها إلا منذ القرن الخامس الهجري، بريادة أبي محمد عبد الله المعروف بالشقراطيسي المتوفى سنة 466 هـ، ثم برع فيها بعده فحول الشعراء ونوابغهم الذين أنشأوا مدرسة جديدة، انتقلت بالشعر من الهزل إلى الجد، ومن الكذب إلى الصدق. وقد كانت الغاية الكبرى من ذلك أن يظهروا أن صفات الكمال الإنساني التي فقدت في الحياة الإنسانية منذ عصور متطاولة، أن هذا الكمال قد تحقق فعلا في سيد الوجود ومنقذ البشرية، ومحررها، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وهكذا، كان إظهار أن الكمال الإنساني تجلى في سيدنا رسول الله في أسمى معانيه، وأجلى صوره، هو الباعث الدافع لمداح الحضرة المحمدية على إنشاء هذا الأدب الرفيع، الذي يعد أشرف تراث هذه الأمة، وأجلى صفاتها، والذي غدا منبعا ثرا لأمتنا تقتفي أثره، وتستضيء بنوره، كلما تلمست الأسوة والقدوة، وراجعت مسيرتها، ليهديها في طريقها، وينقذها من متاهاتها.
بيد أن الانطلاقة الأولى لهذا الأدب الرفيع بدأت منذ عصر الصحابة الراشدين وشعرائهم الأمجاد، الذين عاصروا ظهور الإسلام وميلاد دعوته، ودافعوا عنه بأقلامهم وألسنتهم، ووقفوا في وجه الكفر والطغيان والشرك، فاستحقوا أن ينصب لهم سيدنا رسول الله المنبر ليذوذوا عنه وعن رسالته، وعن الحق، وذلك أمثال : حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواح، وكعب بن زهير، وسواهم من أولئك الصفوة المؤمنين الذين غدوا في تاريخنا معالم ومشاعل، تضيء لنا طرق الحق وسبيل الخير.
إلا أننا نلاحظ أنه منذ شعراء الصحابة، لم يتعاط أحد من شعراء المسلمين الكبار في العصر الأموي والعصر العباسي، هذا اللون من المدح الذي يعد فنا من فنون الشعر العربي، متفردا بما يسجله من صور البطولة والكفاح، من أجل إثبات الوجود العربي، وإعلان رسالة الإسلام، التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، وأحلت المسلمين محل الصدارة بين الأمم ذات التاريخ المشرق والمجد العريق، إن هذا الشعر حري أن يصنف في شعر السير والملاحم، ويستظهر به في مقابل الشعر القصصي، لا سيما الكثير منه يقع في مطولات رائعة، تستوعب ذكر أحداث السيرة النبوية بأسلوب أدبي ممتع، يتخلل الانطباع النفسي للشاعر، وتجاوبه مع الأحداث، مما جعل الناس يتغنون به، ويتناشدونه في المناسبات القومية والاجتماعية (4)، ناهيك بالقصيدة العصماء الرائعة للشاعر العظيم عثمان بن علي والتي سماها "المقالات السنية في مدح خير البرية"، وهي سيرة منظومة بلغت أبياتها تسعة عشر ألف بيت، تعتبر من أعجب ما ألف في الإسلام وأبدع ما نظم فيه.(5)
وإذا كان شعر المديح النبوي كتب له الانتشار والذيوع في سائر البلاد الإسلامية، وفي جميع الأوساط الاجتماعية، واحتفل به الناس أيما احتفال ومازالوا، فما ذلك إلا لأنه يمس أوتار القلوب، ويعكس شعور الأمة التي قيل فيها، وأنه متميز في بابه، فهو وإن كان مدحا، فإنه ليس كسائر الأمداح، لأنه سجل حافل بالمفاخر والمآثر، التي يدرك الجميع وكل فرد أنها من مآثره ومفاخره، خاصة وأن شعر المديح النبوي خرج عن الإطار التقليدي المألوف للشعراء قبله، إذ كان يقوم على وصف الكرم والتغني به، بعد البدء بالتغزل وبكاء الأطلال، ووصف الناقة والبعير، الذي أوصل الشاعر إلى الممدوح، وصفا لا يكاد يختلف في سائر الممدوحين.
حتى إذا جاء شعراء المديح النبوي خرجوا عن ذلك التقليد، وابتدعوا نوعا جديدا وأسلوبا جديدا، وكان فتحا وابتكارا في أغراض الشعر المعروضة، تمثل في الشعر التاريخي التمثيلي الذي ضمنوه ملاحمهم ومفاخرهم، ومآثرهم التي حققها رسول الإسلام وتاريخ المسلمين.
لقد كان في مقدمة هؤلاء الرواد السباقين إلى الشعر التاريخي وطرقه، وكان من أوائل مطولات هذا الشعر العظيم، القصيدة الشقراطسية التي تعتبر رائدة الشعر المديح النبوي من المطولات البديعات، والتي كانت فتحا في هذا الميدان، واقتفى طريقه فيها الإمام البوصيري، وتأثر به وقلده، سواء في قصيدته الهمزية الشهيرة، المسامة "أم القرى في مدح خير الورى" أو قصيدة البردة المسماة "الكواكب البدرية في مناقب أشرف البرية"، ولذلك آثرنا هنا أن نسلط الأضواء، ونزيح أستار التغييب عن رائد هذا المديح، خاصة وهو سابق على الإمام البوصيري بأكثر من قرنين من الزمان.
وإنه لمن جميل المصادفات وبديع الموافقات، وإنه لشرف عظيم لهذه البلاد التي اشتهرت بمحبة المصطفى، والاعتزاز بدينه ورسالته، والدفاع عنها، والاستماتة في سبيل نصرتها على مدى تاريخ المسلمين، أن يكون رائدا أدب المديح من بلاد المغرب العربي، وهما :الشقراطسي التوزري التونسي، والبوصيري الصنهاجي المغربي.
فمن هو إذن الشقراطسي؟ وما هي قصيدته الشقراطسية؟ وما هي خصائصها ومميزاتها؟ ومن هو الرائد الثاني لأدب المديح الثاني النبوي الإمام البوصيري؟ وما هو تأثير الأول في الثاني من خلال روائعهما في الجناب المحمدي الشريف؟
ولعلي أكون بعون الله توفيقه ثاني من يحاول إظهار الشقراسطة بعد أستاذنا المرحوم عبد الله كنون، الذي كان له فضل نشرها وتحقيقها، وبعد أن كانت نسيا منسيا، وحديثا مطويا.

القصيدة وصاحبها :
أما صاحبها فهو الشيخ أبو محمد عبد الله بن يحيى بن علي التوزري الشهير بالشقراطسي، نسبة إلى قلعة قديمة، كانت بالقرب من "قفصة" في تونس "شقراطس" وقد عاش في "توزر"، وكان من فقهائها ونبغائها في الأدب والشعر، كما كان إماما في الحديث والفقه، تبنى الأحكام على فتاويه، وقد ذكر ابن الشاط أن فتاويه دالة على علو شأنه وسمو منزلته في العلم، وله كتاب "الأعلام في معجزات خير الأنام" الذي ختمه بهذه القصيدة الشهيرة، وله أيضا كتاب آخر في فضائل الصحابة، وقد توفي في ربيع الأول سنة 466 هـ (6)
أما قصدته "الشقراطسية" فيكفيها شرفا أن صاحبها لما حج وزار، أنشدها في المدينة المنورة تجاه الروضة الشريفة.
وهي قصيدة لامية من بحر الوسيط في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، استعرض فيها وقائع السيرة النبوية، وحياة الدعوة الإسلامية منذ انبلاج فجرها إلى أن عمت أقطار المعمورة، وذلك بأسلوب شعري جميل، يجمع بين التقرير والتخييل، والتصوير والتسجيل، بما يتجاوز حد الوصف، وأبياتها في فتح مكة أكثر من رائعة، ومجموع أبيات القصيدة مائة وثلاثة وثلاثون بيتا (7) افتتحها هكذا :
الحمد لله منا باعث الرســل
               هــدى(بأحمد) منا أحمد السبــل
خير البرية من بدو ومن حضر
                  وأكـــرم الخلق من حاف ومنتعل
ضاءت بمولده الآفاق واتصلت
               بشرى الهواتف في الإشراق والطفل
وصرح كسرى تداعى من قواعده
               وانقـض منكسر الأرجـاء ذا ميل
ونار فارس لم توقد وما خمدت
               منذ ألف عـام ونهر القوم لم يسل
خرت لمبعثه الأوثان وانبعثت
               ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل
وفي دعائك بالأشجار حين أتت
               تمشي بأمرك في أغصانها الذلل
والجذع حم لأن فارقته أسفـا
               حنين ثكلى شجعتها لوعة الثكـل
وتمتاز "الشقراطسية" بأنها من الملاحم المطولة التي فتحت باب نظم السيرة، واقتحمت معركة الشعر التاريخي بنجاح، فنالت بذلك شهرة كبيرة، وتلقاها الناس بالقبول، ولم يقل بذلك من انتشارها إلا ظهور قصيدتي "البردة" و"الهمزية" للإمام البوصيري، الذي تقفى خطوات الشقراطسي، ونسج على منواله، حتى نسيها الناس وتجاهلوها بالرغم من ريادة صاحبها وأسبقيته في هذا المجال.
ولنتابع الشيخ الشقراطسي في قصيدته الرائدة، كيف يتحدث عن هجرة الرسول واختفائه في الغار وحواره الممتع الذي سجله القرآن مع صاحبه ورفيقه أبو بكر الصديق إذ يقول :
وآية الغار إذ وقيت في حجـب 
               عن كـل رجس لرجس الكفر منتحل
وقال صاحبك الصديق، كيف بنا
               ونحــن منهم بمرأى الناظر العجل
فقلت : لا تحزن إن الله ثالثنـا
               وكنـت في حجب ستر منه منسدل
حمت لديك حمام الوحش جاثمة
               كيـدا لكل غوي القلب مختبــل
والعنكبوت أجادت حولك حلتهـا
               فما يخـال خلال النسج من خلـل
قالوا : وجاءت إليه سرحة سترت
               وجــه النبي بأغصان لها هـدل
وفي سراقــة آيات مبينــة
               إذ ساخت الرجل في وحل بلا وحل
ثم تتوالى عروبة ألفاظ القصيدة الشقراطسية ولطافة نسجه المحكم، وأسلوبها البديع المترابط، يسجل مراحل السيرة المحمدية، وخطوات الدعوة النبوية، في جزالة وبراعة وروعة، حيث يتحدث عن إعجاز القرآن وروعة بيانه قائلا :
أعجزت بالوحي أرباب البلاغة في
               عصــر البيان فضلت أوجه الحيل
سألتهم سورة في مثل حكمتــه
               فتلهــم عنه حين العجز حين تلي
فرام رجس كذوب أن يعارضه
               سخــف إفك فلم يحسن ولم يطل
ثم ينتقل إلى تسفيه آلهة قريش والسخرية من أصنامهم فيقول :
برئت من دين قوم لأقوام لهـم
               عقولهــم من وثاق الغي في عقل
يستخبرون خفي الغيب من حجر
               صلد ويرجون غوث النصر من هبل
نالوا أذى منك لولا حلم خالقهم
               وحجــة الله بالأعذار لم تنـــل
وبعدما يصف استماتة الصفوة المؤمنة، واسترخاصها لنفوسها وأرواحها في سبيل الله، مثل آل ياسر، وبلال بن رباح، ينتقل إلى وصف أول معركة في الإسلام "بدر الكبرى" التي أعلى الله فيها كلمته، ونصر جنده، وبيض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وأهله فقال :
نفرت في نفــر لم ترض أنفسهــم
               إذ نافــروا الرجس إلى القــدس من نفـل
بأنفس بدلت في الخلد إذ بذلــت
               عن صــدق بذل ببــدر أكـرم البـدل
من كل مهتصــر لله منتصـر
               بالبيــض مختصر بالسمــر معتقـل
قد قاتلوا دونك الأقيال عن جلـد
               وجالــدوا بجــلاد البيض والجـدل
وجاء جبريل في جند له عـدد
               لم تبتذلهــا أكـف الخلق بالعمــل
أعميت جيشا بكف من حصى فجثوا
            وعقلـــوا عن حـراك النقل بالنقل
غادرت جهل أبي جهل بمجهلـة
               وشــاب شيبة قبل الوقت من زجل
أرحت بالسيف ظهر الأرض من نفر
               أزحــت الصدق منهم كاذب العلل
تركت الكفر صدعا غير ملتئـم
               وآب عنــك بقرح غير مندمــل
ثم تتابع أبيات القصيدة، وأفكارها، وبيانها المشرق، في نظام بديع، وارتباط متماسك، منوها بجبهة الإيمان، وحزب الله، ممرغ جباه دعاة الكفر والطغيان، حتى إذا وصل إلى فتح مكة، ومعركتها، ووحدة صفوف المسلمين فيها، وقوة جيشهم ونظامه، أبدع في وصف فتح مكة إبداعا بلغ حد الروعة والجلال، مصورا حالة الفريقين في تدفق وبيان، فلنستمع إليه يقول :
               ويـــوم مكة أشرفت في أمم
يضيــق منها فجاج الوعث والسهـل
               خوافق ضاق ذرع الخافقين بها
في قاتـم من عجاج الخيل والإبــل
               وجحفل قذف الأرجاء ذي لجب
عرمــرم كزهاء السيل منسجــد
               وأنت صلى عليك الله تقدمهم
في بهــو إشراق نور منك مكتمل
               والأرض ترتجف من زهو ومن فرق
والجـــو يزهر إشراقا من الجذل
               والخيل تحتال زهوا في أعنتها
والعيس تنتال زهوا في ثنى الجدل
               الملك لله هذا عز من عقدت
له النبـوة فوق العرش في الأزل
               قالوا : محمد قد زارت كتائبه
كالأســد تزأر في أنيابها العصل
               فويل مكة من آثار وطأته
وويل أم قريش من جوى الهبل
               فجدت عوا بفض العفو منك ولـم
تلــم بأليــم اللوم والعـــدل
               أضربت بالصفح صفحا عن طوائلهم
طـولا أطال مقيل النوم في المقل
               عاذوا بظلم كريم العفو ذي لطف
مبــارك الوجه بالتوفيق مشتمل
               أزكى الخليقة أخلاقا وأطهرها
وأكرم الناس صفحا عن ذوي الزلل
               وطفت بالبيت محبورا وطاف به
من كان عند قبيل الفتح في شعـل
               وأصبح الدين قد حفت جوانبه
بعزة النصر واستولى على الملـل
ولولا الإطالة – وإن كانت هنا مستحبة مرغوبة – خاصة في الجناب المحمدي، لطاوعت نفسي، واستجبت لقلبي، في تتبع جمع أبيات هذه القصيدة الرائدة والخالدة، التي أتمنى من صميم قلبي الإقبال على هذا المدد الإلاهي والفتح الرباني المتجلي فيها، والاعتناء بحفظها وإنشادها إحياء لهذا الأثر المغربي العظيم.
ولنناج المصطفى كما فعل شيخنا الشقراطسي في ختام قصيدته الرائعة بقوله :
يا صفوة الخلق قد أصفيت فيك صفا
               صفــو الوداد بلا شوب ولا دخــل
ألست أكرم من يمشي على قــدم
               من البريــة فوق السهل والجبــل
وأزلفت الخلق عند الله منزلــة
               إذ قيــل في مشهد الأشهاد والرسل
قم يا محمد فاشفع في العباد وقل
                  تسمع وسل تعط واشفع عائدا وسـل
والكوثر الحوض يروي الناس من ظمأ
               بــرح وينقع منه لائح العلـــل
أصفى من الثلج إشراقا مذاقتــه
               أحل من اللبن المضروب بالعسـل
نحلتك الود علي إذ نحلتكــه
               أحبــي بحبك منه أفضل النحـل
فما لجلدي بنضح النار من جلد
               ولا لقلبــي بهول الحشر من قبل
يا خالق الخلق لا تخلق بما اجترمته
               يداي ووجهي من حوب ومن زلل
واصحب وصل وواصل كل صالحة 
               على صيفك في الإصباح والأصل
ولهذا كله كثر الثناء على الشقراطسية، والتنويه بها من كبار العلماء والأدباء، وقدروا جهود صاحبها صياغة ومضمونا، فدرسوها وشرحوها، وكان في مقدمتهم ابن الشباط، وأبو عبد الله المصري التوزري الذي جاء شرحه في خمس مجلدات، (8) وابن مرزوق التلمساني وسواهم. كما أننا نجد من الأدباء من شطرها، ومن خمسها، كما خمسها الفقيه القاضي ابن عريبية (9) وابن حبيش بقوله :
عـز الشباب قضى المشيب ولى
               فمـا التغزل من قولي ولا عملي
حمد الإله ومدح المصطفى أملي
               الحمـد لله منا باعث الرســل
هدى بأحمد منا أحمد السبــل
ومنهم من عشرها، إلى غير ذلك من مظاهر العناية والثناء، كقول الرحالة المغربي العبدري فيها :
"أبدع هذا الناظم رحمه الله فيما نظم، وشرف هذه القصيدة بقصده الجميل فيها وعظم، فراقت معنى ومنظرا، وشاقت حسا ومخبرا، فهي كما وصفها أبو عبد الله المصري حين قال :"يئست من معارضتها الأطماع، وانعقد على تفضيلها الإجماع، وطبقت أرجاء الأرض، وأشرقت منها في الطول والعرض". (10) وذلك مما يؤكد أنها كانت في العصور السابقة منتشرة مفضلة.
بين الشقراطسية والبردة :
قصيدة البردة الشهيرة المسامة "الكواكب البدرية في مناقب أشرف البرية"، الإمام شرف الدين أبي عبد الله محمد بن سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله بن حيان بن صنهاج بن ملاك البوصيري الصنهاجي القبيلة المغربية المشهورة، ولد سنة 608هـ، ببوصر بلد أبيه، وتربى ببني سويف، ثم انتقل إلى القاهرة، ومات بالإسكندرية سنة 695 هـ، وكان رفيقه ابن عطاء الله السكندري وتلميذا لشيخه أبي العباس المرسي.
واشتهر البوصيري بالشعر والأدب وطرق أغلب فنونه، إلا أنه اشتهر في مجال الشعر الديني، وخاصة بقصيدتيه الخالدتين "الكواكب البدرية" البردة و"أم القرى" قصيدة الهمزية.
وقصيدة البردة ميمية بلغت أبياتها مائة واثنتين وستين بيتا، اثنا عشر في المطلع، وستة عشر في ذكر النفس وهواها، وثلاثون في مدائح الرسول صلى الله عليه وسلم، وتسعة عشر في مولده، وعشرة في يمن دعائه، وسبعة عشر في مدح القرآن، ثلاثة عشر في ذكر معراجه، واثنان وعشرون في جهاده، وأربعة عشر في الاستغفار، وتسعة في المناجاة، وقد تمز مطلعها بالبراعة لكونه جرد من نفسه شخصا مزج دمعه بدمه فقال :
أمن تذكر جيران بذي سلــم
               مزجت دمعا جرى من مقلة بــدم

سبب إنشائها وانتشارها:
فقد روي أنه أنشاها حين أصابه :"الفالج" فاستشفع بها إلى الله تعالى : ولما نام رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فمسح بيده المباركة، فعوفي وخرج من بيته أول النهار، ولعل هذا هو مصدر الاستشفاء بها من الأمراض والأسقام، والتبرك بها من الخواص والعوام.
وكذلك انتشرت لكون أحد كبراء عصره مرض "برمد" كاد يؤذي به إلى العمى، فرأى في منامه من يشير عليه بأن يأخذ البردة ويضعها على عينيه، ففعل فعوفي من الرمد، فأعطاه بردة فسميت "البردة". ويرجع سبب انتشارها إلى تأثير الروح الشعري فيها،ورقة التلفظ وسهولته، مما حببها إلى الآذان، وقربها إلى الأذهان
كذلك يلاحظ إلى جانب الحسن واللطافة في شعره، عذوبة الألفاظ، وانسجام التركيب، والبساطة، وخفة الروح.
أما تأثر "البوصيري" بالشقراطسية، واقتفائه في شعره بأسلوبه، وبعض أفكاره في قصيدته البدرة، بالرغم من الفارق الزمني بينهما، فلنستمع إلى الشقراطسي واصفا ما وقع عند مولده صلى الله عليه وسلم يقول :
ضاءت لمولده الآفاق واتصلت
               بشرى الهواتف في الإشراق والطفل
بينما البوصيري يقول عن نفس الحدث :
أبان مولده عن طيب عنصره
               يا طيـب مبتدإ منه ومختتــم
الجن تهتف والأنوار ساطعة 
               والحق يظهر من معنى ومن كلم
ثم يعقب الشقراطسي بذكر المعجزات قائلا :
ومنطق الذئب بالتصديق معجزة
               مع الذراع ونطق العير والجمل
وفي دعائك بالأشجار حين أتت
               تمشي بأمرك في أغصانها الذلل
بينما البوصيري يقول في نفس الموضوع :
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة
                  تمشي إليه على ساق بلا قـدم
كذلك نجد الشقراطسي يتحدث عن القرآن وإعجازه بقوله :
أعجزت بالوحي أرباب البلاغة في 
               عصر البيان فضلت أوجه الحيل
نجد البوصيري يتناول نفس الموضوع بقوله :
آيات حق من الرحمان محدثة
قديمة صفة الموصوف بالقدم
ثم يتحدث الشقراطسي عن الإسراء والمعراج قائلا :
عرجت تخترق السبع الطباق إلى 
               مقــام زلفى كريم قمت فيه علي
عن قاب قوسين أو أدنى هبطت ولم 
               تستكمــل الليل بين المر والقفل
نجد البوصيري يقول عنه :
سريت من حرم ليلا إلى حـرم
               كما سرى البدر في داج من الظلم
وأنت تخترق السبع الطباق بهم
               في موكب كنت فيه صاحب العلم
وبت ترقى إلى أن نلت منزلة
               من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم
ثم نلاحظ تقاربا كبيرا بين أبيات القصيدتين لا في المعنى فسحب، بل حتى في اللفظ، ففي الشقراطسيـة :
من كل مهتصر لله منتصر
               بالبيض مختصر بالسمر معتقل
نجد البوصيري يطرق نفس المعنى بنفس الألفاظ:
من كل منتدب لله محتسب
               يسطو بمستأصل للكفر مصطلم
إلا أنه بالرغم من تأثر البوصيري واقتفاه في بردته للشقراطسي، نجد الفارق الزمني بينهما يعمل عمله، فالخيال الشعري ورقة الألفاظ وخفتها، يظهر جليا في البردة في حين تظهر الصنعة والبديع واضحا عند الشقراطسي، الذي خالف عادة الشعراء بالافتتاح بالغزل :
مؤثرا الابتداء بالحمد، خلافا للبوصيري
بينما يجتمعان معا في الاختتام بالصلاة على المصطفى عليه السلام.
فالشقراطسي يقول في خاتمة قصيدته :
واصحب وصل وواصل كل صالحة
               على صفيك في الأصباح والأصــل
بينما يختتم البوصيري بردته قائلا :
وأذن بسحب صلاة منك دائمة
               علــى النبي بمنهل ومنسجــم
بين الشقراطسية والهمزية :
الرائعة الثانية للإمام البوصيري هي قصيدته الهمزية المسماة :"أم القرى في مدح خير الورى"، همزية
بلغت أبياتها أربعمائة وسبعة وخمسين بيتا، وقد كان البوصيري مقتفيا فيها ألفاظا وأسلوبا ومعاني ومقاطع للشقراطسي مع توسيع كبير، وابتكار، وعاطفة مشبوبة تظهر الفارق بين العصرين، وذلك واضح من قراءة مطلعي القصيدتين، وملاحظة نفس الألفاظ والمعاني مع اختلاف في أسلوب التناول، يقول الشقراطسي :
ضاءت لمولده الآفاق واتصلت
               بشرى الهواتف في الإشراق والطفل
وصرح كسرى تداعى من قواعده
               وانقـــض منكسر الرجاء ذا ميل
ونار فارس لم توقد وقد خمدت
               مــذ ألف عام ونهر القوم ولم يسل
خرت لمبعثه الأوثان وانبعثت
                  ثواقـب الشهب ترمي الجن بالشعل
واستمعوا معي إلى البوصيري في مطلع همزيته يتناول نفس اللفظ والمعاني، إلا أن للخيال والعاطفة دورا بارزا في شعره:
ليلة المولــد الذي كان للــد
               يــد سرور بيومه وازدهــاء
وتوالت بشرة الهواتف أن قـد
               ولد المصطفى وحق الهنــاء
وتداعى إيوان كسرى لـولا
               آية منك ما تداعـى البنــاء
وغدا كل بيت نار وفيـــه
               كربـــة من خمودها وبلاء
وعيون للفرس غارت فهل كان
               لنيرانهــم بهــا إطفــاء
أيها السادة :
إن الغرض العظيم الذي رمينا إليه، والهدف النبيل الذي توخيناه، من هذا البحث والعرض، هو تسليط الأضواء على السيرة النبوية، توجيه الأنظار والأبصار نحو الأخلاق المحمدية، وكمالات الرسول وصفاته وبعث العزائم، وحث النفوس لمضاعفة الجهود، لمزيد العناية بهذه السيرة العطرة، وجعلها قطب الرحى في مناهجنا التربوية، ومناهجنا التعليمية، واستقطاب هذه السيرة في كل مجالات حياتنا، كي تعود الروح إليها، وتعود الأمة إلى هويتها، وتنسمك بأصالتها، فتقضي بذلك على كثير من السلبيات التي أصابت مجتمعاتنا التي ينبغي أن تستقيم، وحرفت سلوكنا الذي ينبغي أن يقوم، ويعود إلى الإسماح الذي عرفه المسلمون في حياتهم قبل عصور التخلف والمزق، والابتعاد عن مظلة الإسلام.
وبهذا وحده نستجيب إلى دعوة التجديد والتطوير التي دعت إليها شريعتنا السمحة، فلا تجديد بدون التمسك بأهداب الدين، والاستمداد من أصوله، ولا تطور دون الرجوع إلى سنة الرسول، والتأسي بسيرته الكريمة، وذلك ما يدعو إليه ويحث عليه هذا العطاء العظيم لأدب المديح النبوي، الذي اخترنا منه هذه النماذج الرفيعة الرائدة، والذي يعتبر مظهرا من مظاهر حبنا وتعلقنا بالمصطفى عليه الصلاة والسلام والذي يمثل عاطفتنا المشبوبة بحبه، وقلوبنا المملوءة بالإيمان به، وعقولنا الطافحة بالتدبر والتفكير وفي أخلاقه وصفاته، ونفوسنا التي تهفو دوما إلى التأسي والاقتداء به، وطموحنا الكبير إلى أن يظل مثلنا الأعلى في حياتنا كلها نظما وسلوكا ومنهجا، وابتهالنا إلى الله أن يرزقنا التشبث ببعض أخلاقه وصفاته، ودعواتنا المتصلة الدائمة أن يجعلنا الله من زمرة شفاعته، وتحت لوائه يوم لقاءه، وأن يشمل أمتنا الإسلامية بفضله وألطافه، ويوحد كلمتها ويجمع شملها بمنه وحلمه، ويوفقنا لتحرير حرمنا القدسي بتأييده ونصره، ويؤيد جميع المسلمين بتوفيقه ومدده، ويعمنا بعفوه ورضاه ومنه، ببركة من اختاره واصطفاه، وجعله حبيبه ومجتباه، آمين. والحمد لله رب العالمين.

1) – انظر : في تفصيل ذلك "التآليف المولودية " : محاضرة الشيخ عبد الحي الكتاني – المجلة الزيتونية – 1355/1936.
2) – "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ" للحافظ السخاوي.
3) – انظر كتاب الدكتور مايكل هارت "المائة المختارة من الخالدين"، ترجمة أنيس منصور.
4) – القصيدة الشقراطسية في مدح المصطفى، أنجم السياسة، وقصائد أخرى، عبد الله كنون ص :57.
5) – "التراتيب الإدارية" – عبد الحي الكتاني.
6) – "شجرة النور الزكية" – محمد مخلوف ص :117.
7) – "القصيدة الشقراطسية" عبد الله كنون ص :80.
8) – "شجرة النور الزكية" ص :117.
9) – "رحلة العبدري" تحقيق : محمد الفاسي.
     "أنجم السياسة"، ص :60.
10) – "شجرة النور الزكية "- نفس الصفحة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here