islamaumaroc

المولى عبد الرحمن بن زيدان (1225-1365هو 1878-1946م).

  محمد العرائشي

العدد 322 جمادى 1 1417/ أكتوبر 1996

علمي إذا روحي وراحة بنيتـي      وتفكري فرضي وخير مجالــس
وتدبري راحي وريحاني، وكتـ       ـبي في انفرادي كطربي ومؤانس
وأرى حياتي دون ذلك ما لهـا         نفع كعيشة عابـث متقاعـــس
عبد الرحمن ابن زيدان

يعتبر المؤرخ الشهير المولى عبد الرحمن ابن زيدان من بين العلماء الأعلام الذين خلدوا مجد الدولة العلوية بمؤلفاته وأشعاره، التي ظل منكبا على إنجازها طول حياته.
فبعد إنهاء دراسته بمسقط رأسه (مدينة مكناس)، وبجامعة القرويين بمدينة فاس، تفرغ للتدريس والكتابة والتأليف وقرض الشعر.
وأثناء ذلك، عين نقيبا للشرفاء العلويين بمكناس وزرهون، كما عين مديرا مساعدا للأكاديمية العسكرية بمكناس، وبقي يزاول مهمته إلى حين وفاته.
وكانت حصيلة عمره أن مؤلفاه بلغت سبعة وعشرين مؤلفا، ما بين مطبوع ومخطوط، وجلها في تاريخ الدولة العلوية.
فمما طبع منها :
1 – خمسة أجزاء من "إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس"، من أصل ثمانية أجزاء، وقد أعيد طبعها أخيرا على نفقه جلالة الحسن الثاني أيده الله ونصره.
3 – "الدرر الفاخرة، بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة" : وهو مصدر بصورة لجلالة المغفور له محمد الخامس أهداها له، وكتب عليها بخط يمينه :
محمد بن يوسف أمير المؤمنين :
لابن عمنا نقيب عائلتنا ومؤرخ دولتنا مولاي عبد الرحمان بن زيدان سدده الله وأعانه.
في 24 رجب عام 1366.
3 – "العز والصولة في معالم نظم الدولة " : طبع بالمطبعة الملكية بالرباط سنة 1381 -1961، وكتب مقدمته الأستاذ عبد الوهاب بن منصور.
4 – "المنزع اللطيف في مفاخر المولى إسماعيل بن الشريف" : تحقيق د. عبد الهادي التازي، طبع أخيرا على نفقة جلاله الملك الحسن الثاني حفظه الله.
ومن بين مؤلفاته التي لا زالت لم تطبع :
5 – "النهضة العلمية على عهد الدولة العلوية": في مجلد واحد.
6 – "العلائق السياسية بين الدولة العلوية والدول الأجنبية": في ثلاثة أجزاء.
7 – "العقود الزبجدية في الرحلة السلطانية المحمدية إلى الأقاليم الجنوبية سنة 1360 -1941": والمراد محمد الخامس رحمه الله.
8 – "المناهج السوية في مآثر الدولة العلوية": في مجلدين فخمين، إلى غير ذلك من مؤلفاته.
وسوف لا أتعرض في مقالي هذا إلى ترجمته بتفصيل، لأن عددا من الكتاب قد تعرضوا للكلام عليها من جوانب متعددة، ومن بينهم أخونا الأستاذ محمد المنوني، فقد سبق له أن نشر مقالا مطولا عن حياته بالعدد الأول من السن العاشرة من مجلة دعوة الحق (1386-1966) تحت عنوان :"مؤرخ مكناس ابن زيدان".
لذلك سأكتفي بالكلام عل مأثرة أخرى من مآثره الخالدة، هي خزانته التي تعتبر من أهم الخزانات المغربية التي طبقت شهرتها الآفاق، نظرا لما تشتمل عليه من نوادر المخطوطات ونفائس المطبوعات الشيء الذي جعل طلاب العلم ورواد المعرفة يتواردون على مقرها بمحل سكناه بالقصر الستيني بمدينة مكناس، أحد منشآت المولى إسماعيل للاستفادة من نوادر محتوياتها، لأن مؤسسها جعلها رهن إشارة الباحثين، سواء من داخل المغرب أو خارجه، مغاربة كانوا أو أجانب، مسلمين أو غيرهم، بحيث تظل طول النهار مدة إقامة صاحبها بمكناس مفتوحة في وجه الزائرين.
ومما يرغب في زيارتها حسن استقبال صاحبها بزوارها، بالإضافة إلى كرمه الحاتمي، طالت إقامة المقيم خارج مكناس بمنزله أم قصرت.
وقد اقتضى نظر جلالة الحسن الثاني ناشر لواء العلم والمعرفة بعد وفاة صاحبها أن تضم إلى الخزانة الحسنية بالقصر الملكي بالرباط ليستفيد منها الخاص والعام، فاشتراها من ورثته، ووضعت في جناح خاص بها بالخزانة الحسنية.
وقد كان مؤسسها وضع بها دفترا ذهبيا بلغت عدد صفحاته ما يزيد على مائتي صفحة، يسجل فيه روادها من كبار العلماء والمفكرين، انطباعاتهم عن قيمتها العلمية، والتنويه بمجهودات صاحبها الذي أسسها من ماله الخاص.
ومما هو مسجل بمداد الفخر لمالك الخزانة، أن صاحب الجلالة المغفور له محمد الخامس، زار هذه الخزانة ووضع إمضاءه بدفترها الذهبي.
كما أن الأميرين الجليلين : مولاي الحسن – جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله – وصنوه المرحوم بكرم الله مولاي عبد الله زارا الخزانة، وهما لا زالا في مقتبل العمر، ووضعا اسميهما بالصفحة : 204 من الدفتر.
والمهم في السجل هو الوقوف على خطوط تلك الطبقة من العلماء والكتاب والشعراء، وتواريخ زيارتهم للخزانة، وعلى أساليبهم المختلفة في الكتابة والشعر، والتي لا يمكن أن توجد في غير سجل الخزانة الذهبي.
ولأذكر على سبيل المثال أسماء طائفة من تلك الطبقة التي أشرت إليها مع ذكر تاريخ زيارتها للخزانة وانطباعات أصحابها عنها.
مبتدئا بأسماء رؤساء المجلس العلمي لجامعة القرويين الذين تعاقبوا على الرئاسة به، والذين أدركتهم بالحياة، وأخذت عن بعضهم.
أولهم : شيخ الجماعة مولاي عبد الله بن إدريس العلوي الفضيلي المتوفى في 13 شوال 1363 – 1944، زار الخزانة، وبرفقته كاتب المجلس العلمي آنذاك العلامة مولاي الشريف التكناوتي المتوفى سنة 1368 هـ 1948م.
ومما جاء في كلمته :
الحمد لله، من نعم الله  على الكاتب زيارته للخزانة الرائقة المحتوية على الكتب الجامعة، التي قلما توجد في خزانة مغربية، وناهيك باشتمالها على مصحف لا أخال أن له نظيرا في خزانة مشرقية، فضلا عن مغربية، وهذا يرشدك أن لجامعها قريحة وقادة، كيف لا وهو الحائز لقصب السبق في ميدان العلوم في 1 صفر 1351 هـ عبد الله بن إدريس العلوي أمنه الله، وفي التاريخ أعلاه محمد الشريف بن علي التكناوتي، وفقه الله آمين.
الثاني: الشيخ الحسن بن عمر مزور المتوفى في فاتح شوال 1376 – فاتح ماي 1957 كتب بعد المقدمة :
فمن منن الله على كاتبه، الواضع اسمه عقب تاريخه الحلول بهذه الخزانة، العديمة النظير والمثال، وزيارة صاحبها عالم الشرفاء، وشريف العلماء، اللوذعي الغطريف، مولاي عبد الرحمن العلوي، كثر الله أمثاله وأعطاه مرغوبه ونواله في 25 رجب الفرد عام 1351 – الحسن بن عمر مزور.
الثالث : الشيخ الطائع ابن الحاج السلمي المتوفى في 24 جمادى 1377، جاء فيم كتبه بعد المقدمة :
فلما من الله على عبده الضعيف، بزيارة الشريف العلامة الدراكة الفهامة، شريف الشرفاء، وعالم العلماء، حامل لواء الأدب، نقيب الأشراف، وفارس الميدان أبي زيد، مولانا عبد الرحمن، بن مولانا زيدان، وأوقفني على خزانة كتبه العلمية، ذات المحاسن البهية، وجدتها عديمة النظير، ذات نظام بديع.
الخميس 9 جمادى عام 1355 محمد الطايع بن أحمد بن الحاج.
وفي كلمة العلامة المصلح محمد بن العربي العلوي المتوفى في 23 محرم 1384 – 4 يونيه 1964 :
قد أسعف الحظ بزيارة هذه الخزانة العلوية الزيدانية، المرة بعد المرة، فكان مما يلفت النظر، زيادة على ما اقتطفه من يانع ثمارها، وأجليته من مخبآت أسرارها، أنها دائما تترقى في أوج الكمال، فكأنها الكعبة تأوي إليها أفئدة مهمات التآليف، وتحجها فطاحل العلماء، رجالا وركبانا، فليس يضاهيها في ذلك السير صاحبها بخطواته الواسعة إلى العلا والمجد.
إذا ما راية رفعت لمجـد
تلقاهـا عرابـة اليميـــن
وكتبه في 12 قعدة 1348 محمد بن العربي العلوي.
وأمضى عاطفا على ما كتب أعلاه : محمد الرندة – وزير العدلية سابقا -.
وكتب في الموضوع العلامة المحقق محمد أقصبي كلمة مطولة في بعض فقراتها : حمدا لله وشكرا، وصلاة وسلاما على من جعله المولى لنا ذخرا.
أما بعد، فطالما تاقت نفس كاتبه لزيارة أخيه في الله، عالي المقام، رفيع الشأن، سيد عبد الرحمن بن زيدان، إلى أن قال : وقد أوقفنا سيدنا الشريف، على خزانة كتبه الراقية، التي يتباهى المغرب بحسنها ورونقها.
وختمها بقوله، وكان الوفود على الحضرة عاشر صفر عام 1355 وزيارة الخزانة صباح غده.
محمد بن عبد المجيد أقصبي الفاسي.
ومن علماء شنقيط كتب محمد عال الشنقيطي بعد المقدمة.
فإني طالما جلبت في البلدان، جولة طالب يستفيد حتى من الولدان كالصحراء والغرب والسودان، وقلت مكتبة من مكاتب الأعيان، إلا وطالعت فيها بالشخص أو بالعنوان، وكنت أظن أني أحطت بكتب أبناء الزمان، حتى دخلت مكتبة شريف العلماء، ونقيب الشرفاء أبناء السلطان بن مولانا عبد الرحمن بن مولانا زيدان، علمت أن في الدنيا حور الجنان، التي لم يطمثهن إنس ولا جان، فوجدتها على فرش مرفوعة، في غرفة حسنة البنيان، بعيدة عن مواقع الأدران، محلاة بالجواهر الحسان، وعقود الجمان، مقلدة بقلائد العقيان، ليقتطف من كل بستان، زهر الأفنان، قائلة بأفصح لسان على مبنى التحصيل والبيان، أنا درة التيجان، ودليل الحيران، ومورد الظمآن، إذا دخلني الغريب نسي الأهل والأوطان، إن كان من أهل الأديان، أو ممن له بالعلم، يشار بالبنان، فأنشد فيها لسان حالي :
إليك وإلا لا تشد الركائــب
               وفيك وإلا فالمحــدث كاذب
ولو أنني أفنيت عمري لا أفي
               ببعض الذي تحويه تلك المناقب
وكتبه محمد عال بن محمد العلوي الشنجيطي، خامس ذي الحجة الحرم عام 1357 هـ.
وفي ارتسامات الكاتب المبدع الحاج محمد ابا حنيني المتوفى في صفر 1410 موافق شتنبر 1989 : رأيت في هذه المكتبة العامرة من النفائس والتحف ما بهرني وزادني يقينا بما لأمتنا في مظهريها الشرقي والغربي من العظمة والرقة والأناقة، و‘ن رجائي العظيم، أن تسمح لي الظروف بالمقام بها الساعات المديدة والأيام الطويلة، لأتمتع كما أريد، بما تحتوي عليه من ينابيع الثقافة، وما يدر بها من أخلاف العرفان، كما أرجو الله أن ينسى في عمر صاحبها ويديمه ذخرا للعلم وحاملا لراية مؤرخي المغرب.
في 4 ربيع 1362، محمد ابا حنيني.
وعن قيمتها العلمية والتاريخية، كتب الشيخ المكي الناصري المتوفى في 28 ذي القعدة 1414 – 10 ماي 1994، كلمة مطولة نقتطف منها ما يأتي :
المكتبة الزيدانية، هي المكتبة المغربية الوحيدة التي أحسست فيها إحساسا عميقا بالإخلاص المتدفق، والغيرة الكاملة : إخلاص العلماء الباحثين، وغيرة الأمراء الناهضين، واعتقادي أن كل من دخل هذه المكتبة يخرج منها آمن النفس، رافع الرأس، مطمئنا على تاريخ المغرب المجيد كل الاطمئنان، واثقا أن المغرب سيسترجع بحول الله كل ما كان له من مجد وعظمة وسلطان في غابر الزمان.
تحريرا بالعاصمة الإسماعيلية 8 رجب 1353 محمد المكي الناصري.
وهناك طائفة أخرى من العلماء والكتاب الذين سأكتفي بذكر أسماءهم، وذلك وفق الترتيب الأبجدي : فمن المغرب :
أحمد الناصري، قاضي أحواز مكناس، القاضي أحمد سكيرج، إدريس بان خضرا السلوي، محمد بن احمد العلوي قاضي مدينة مكناس، محمد بن أحمد السوسي، قاضي مدينة مكناس، محمد بن إدريس العلوي قاضي مدينة زرهون.
القاضي محمد بن العامر بن البدراوي، قاضي غفساي، محمد بن العالم، محمد الحجوي وزير العدل، محمد الغربي السلوي، محمد جعفر الكتاني، محمد العربي الناصري، والشاعر محمد غريط قاضي مدينة مليلية، عبد الهادي السلوي.
المفتي الشهير : العباس بن أبي بكر بناني، والمؤرخ العباس بن إبراهيم التعارجي المراكشي، عبد الحفيظ الفاسي، عبد الحي الكتاني.
ومن خارج المغرب،
فمن القدس الشريف أحمد بن محمود عبد الهادي المالكي.
ومن تونس : عمر الرياحي رئيس قسم المحاسبات.
ومن الجزائر : محمد المنصور الغسيري مفتش التعليم بمدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومحرر جريدة النجاح.
بعد هذا أترك الميدان للشعر والشعراء، ولنستمع إلى ما سجلته قرائح البعض منهم ارتجالا، مبتدئا بأكبرهم علما وزهدا، الشاعر الصوفي محمد الرضى السناني، المتوفى في صفر 1385 – 1965 م، حيث قال :
"لما وقف كاتبه، سامحه الله، على الخزانة العلمية، خزانة الأخ في الله، الشريف العلامة المؤرخ سيدي عبد الرحمن ابن زيدان الإسماعيلي العلوي، حفظه الله، أنشأ شبه ارتجال :
لله وضــع خزانـة
               فيها الغرائـب والعجـب
فيها الفنـون جميعهـا
               فيها المحاســن والأدب
قد نظمت تنظيـم من
            جمـع الفضائل والنسب
أعني به الزيدانــي  
               الشهـم الشريف المرتقب
فاسجد لها إن زرتها
               شكـرا على نيل الأرب
واقـرأ على حيطانها
                  تكفي المساوي والعطـب
محمد الرضى السناني
وقال الشاعر المجاور لقبر المصطفى صلى الله عليه وسلم محمد بن اليمني الناصري بعد المقدمة : فكنت ممن أنشأ ارتجالا، وأنشد :
لمكتبــة ابن زيدان الهمام
               مقام قد عدا أعلى مقـــام
تمثل أعصرا فاتت وأبقـى
               على آثارها حسن النظــام
وتبعث في المشاعر كم حياة
               تتوق بها النفوس إلى الأمـام
فزاد الله همتــه علــوا
            وحفظا في المسير وفي المقام
وزاد به انتفاعـا وارتفاعا
               وأقــدره على حسن التمـام
وكتبه في 14 رجب الفرد الحرام عام 1351 هـ محمد ابن اليمني الناصري كان الله له.
ومن قصيدة للشاعر الطاهر السوسي :
حمـدت الله إذ أورى زنـادي
               وظفر بالمنى كف ارتيــادي
وأرشدني إلى مثوى الإمــام
               ينسي جوده ابن أبــي دؤاب
إمام الدين والدنيا جميعـــا
               أبي زيد الرضـى جم الأيادي
ثم يقول :
بـه مكناسة الغراء تاهـت
               وحــق لها على كــل البلاد
شمائل كالشمول، ولطف طبع
               كــروض جاده صوب الغمـاد
إلـى شرفين من نسب وعلم
               سمــا بهما على السبع الشـداد
إلى أن يقول :
ومكتبــة يحار الفكر فيها
               حوت ما ليس يخطر في فــؤاد
غرائب ك فكر في خطوط
               معنقــة بتبــر أو مـــداد
وفي ختامها يقول :
فــدام بها هلالا وهي برج
               يحرق سعــده قلب المعـادي
عليه تحية ما حن صــب
               ورجـع من ذوات الطرق شاد
كتب الطاهر بن محمد التمنزني ثم الأفارني السوسي في منتصف رجب عام 1354.
وقال كاتبه، مقتديا بمن سبقه من شيوخه، ومن هم في مرتبتهم، ومنوها بمجهودات صاحب الخزانة في ميدان البحث والتأليف :
رويــت لنا من كل فن طريفه
               وأرخــت أجيالا طوتهــا المقابـر
وأسسـت للأبحاث مكتبة روت
               مآثرهــا الطــلاب والعالم الحبـر
حوت من فنون العلم كل غريب
               وكان لهـا في كل قطــر نأى ذكر
وقضيت جل العمر بحثا ولم تزل
               تراجـــع ما ألفتــه وتحــرر
وتسهـر أحيانا إلى مطلع الفجر
            ترتــب أفكارا لبحــــث سينشر
أما الشاعر المبدع محمد بن إبراهيم شارع الحمراء، فقد استفاد من الزيارة ماديا وأدبيا، كما جاء في قصيدته ذات الأسلوب الطريف :
بمكتبــة ابن زيدان حللت
               وطرفــي في نفائسها أجلـت
فخـامرني سرور وابتهاج
               وإعجــاب بها حتــى ذهلت
وصلت بها على أمل مرجى
               ولولاهـا إليـه ما وصلــت
فآمالــي أرى آثارا مجد
               لقومــي إذ بمجدهم شغلــت
طفــرت بها بينبوع زلال
               بمــورده نهلـت كما عللــت
وأبصرت العجائب ناطقات
               بعجــزي إن وصفت فما فعلت
ولا عجب فصاحبها المفدى
               فريــد العصر إن عنه سئلـت
وبحــر زاخر بالعلم حينا
               وحينـــا بالنوال ومنـه نلـت
وخلـق فاوح الأزهار نشرا
               جعلت فداه من خلـق جعلــت
نعمت بقربه زمنا طويـلا
فكيــف أكون إن عنه ارتحلت
               سأذهب مرغما عنه صباحا
وفي سفــري على الله اتكلـت
في 6 ربيع الثاني عام 1358
محمد بن إبراهيم المراكشي، الله له.
بعد هذا القول : مادمنا نتجول في ميدان الشعر والشعراء لا يفوتني والمناسبة قائمة، أن أتكلم باختصار على شاعرية المولى عبد الرحمن ابن زيدان فهو بالإضافة إلى كونه عالما مؤرخا، فهو أيضا شاعر مكثر، وله ديوان شعر مخطوط تناول فيه جل أغراض الشعر. ومن أهم قصائده قصيدة عنوانها بقولـه :
ذكرى مرور ثلاثة قرون على الدولة الشريفة العلوية
وهي تنتظم من 125 بيتا استعرض فيها أسماء ستة عشر ملكا من ملوك الدولة العلوية انطلاقا من مولاي الشريف بن علي إلى جلالة المغفور له محمد الخامس.
وقد استهلها بالتشبيب، جريا على عادة القديم، من الشعراء، من أن القصيدة في نظرهم، إذا لم تستعل بالنسيب والغزل، فتعد ناقصة، لذلك قال :
ذكراني عهودهـا وحلاهـا
               فسمـات المحبــوب ما أحلاهـا
وانظمـا من نثير در عقودا
               يغبـط البــدر في الكمال سناهـا
وتـود الجوزاء لو قلدت منـ
               ـه عقـودا تكــون أسمى حلاها
إلى أن يقول :
وارغبا عن حديث سعدى وليلى
               بحديــث يطيــب الأفواهــا
وصف من أسكنت جناني ولبى
               جبهــا هائمـــا به تياهــا
ثم يقول :
دولـــة لم يزل قرونا ثلاثا
               يخدم النصــر والفتوح فناهــا
هذه زبــدة المفاخر تتلى
               فامـلإ السمع وانتشق من شذاهـا
ثم يقول :
وإذا ألســن العوالم أثنـت
               بمديــح يسير سيــر صداهـا
ما عجيب إن قمت معهم وفيهم
               شاديـا أين من يمثــل حكاهـا
بعد هذا يقول مشيرا إلى أول ملوك الدول العلوية:
إن ليث الوغى الشريف أبا الأشراف جد الملوك ركن اقتداها
طار ذكر له بشرق وغرب
               فكسا الرعب سهلها ورباها
ثم يقول :
قد حمى بيضة الحنيفية السمحة من كل معتد ناواها
وتـلاه المولى محمد نجـل
               مكنتـه الرقــاب لا إكراهـا
بايعوه على الرضى فأجابت
            أنــت أهل لها وأنـت رجاها
وقفاه المولى الرشيد بعـزم 
               وذرى المجـد أعلنت بشراهـا
رافقته سلامة في حـروب
               ثم سلــم إليه لانـت صفاها
فأبو النصر شامخ القدر اسمـ
               ـاعيل قد حاط بالسيوف حماها
ثم يقول :
فعـن البحر كيف شئت فحدث
               فجميـع الحسان فيه تراهـــا
قدس الله روحه فهو فــرد
               لا تــرى في العلا له أشباهـا
ثم يقول :
               واستوى بعده على العرش شبل
أحمــد الوصف في الندا لا يضاها
               ثم جاء المليك صنوه عبد اللـ
ـه كل النفــوس قـد أسلاهــا
                  فابنه العالم المحدث بحـــر
زاخــر بذ رأيــه من تداهــا
               فاق كل الملوك بالعلم لاكن
شيــم المجد بعــده أبقاهـــا
               أرعب المشركين ذكره فيهم
فكفــى أن يرى لديهم شفاهـا
               إن ذكرى محمد لجميــل
سيم خسـفا من عن علاه تلاها
               فاليزيد الذي الكتائب تخشى
بأسـه إذ يذيقهــا لبلواهــا
               بعده صنوه سليمان شمس
غشـي العالمين طرا هداهــا
               دهره مكان للعلوم ربيعا
وإلــى حسنه لوى حسناهـا
               فأفاض الندا على الكل حتى
أعـرب الكل عن نداه وفاهـا
               عهدت فيه إمرة بعد للعـ
ـادل عبد الرحمن ركن اعتلاها
               سيد كان غرة الملك زهدا
بذل النفــس راغبا عن هواها
               أحسن السير في الرعية عدلا
مع فخار كالشمس وقت ضحاها
               وقفاه محمد خير نجــل
حاز منـه مكانـــة ما عداها
               ملك عصره مشاهد عيــد
يقصر الواصفون عن مقتضاها
               ورث الأمر بعده في ازدهاء
حسن من لحسنــه البدر لاها
               فحمى حوزة الخلافة عن أن
يقف المعتدي الظلــوم حذاها
               أبدع النظم في السياسة حتى
أوقف الغاصبيـن قهرا وراها
               كان يومي بالملك بعده إلى عبـ
ـد العزيز الهمـام كنز نداها
               صدق الظن فيه حلما وعفوا
ودهـاء وخبــرة وانتباها
               قام عبد الحفيظ بعد إمامـا
وهمامــا قصور فخر بناها
               علام جهبذ أفاد علومـا
باهرات من يصطفيـه حباها
               يوسف الحسن جاء بعد أميرا
في معال قد أعربت عن سماها
               قد علا العرش والرعايا تعاني
كرب الدهر والسجـى كفاها
               وتلاقى البلاد وهي تقاسي
شـدة من خروقهــا فرفاها
إلى أن قال :
فملك الزمان نجله من أشـ
               ترق شمسا عن البسيط انجلاها
وترى العرش من قلوب الرعايا 
               وحمــاه محمد جــل جاها
ورث الملك عن جدود كرام
               ومراقي العـلا رضيعا رقاها
إلى أن قال :
حفه النصر والسكينة والنجـ
               ـدة فهــو جذيلها وفتاهـا
أقنع الدهر أضحك السن أغنى
               أنفســا زال غيها وخطاها
زاده الله عزة وحبا همـ
               ـته من هباتـــه مبتغاها
واراه الذي يحبه في قطـ
               ـر جميع البغـاة عنه نفاها
وبقى شبله السري سعي
               السجد في عزة يزيد ارتقاها
وقال في ختامها :
 وإليه وليدة تحسد الأزهـ
               ـار والزهر حسنها وذكها
من فخور بقربه عابد الرحمن، ذي الفكرة الحميد سراها.
نجل زيدان المرتجي منه عطفا
               وقبــولا لعــادة أهدادها
دام طول الزمان مدحه مسكا
               تستمـد العطور منه شذاها
ما شذا مغرم بدولة فخر
               ذكرانـي عهودها وحلاها
وأخيرا، هذا قل من كثر، سقت عن رجل كرس حياته لخدمة العلم، آملا أن تتاح فرصة أخرى لذكر ما لم تسمح الظروف بتسجيله في هذه العجالة، والله الموفق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here