islamaumaroc

[كتاب] غريب الحديث لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينور ي المتوفى سنة 276 ه

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 322 جمادى 1 1417/ أكتوبر 1996

 ولد ابن قتيبة بالكوفة، وقيل ببغداد، إلا أنه لما تولى القضاء "بدينور" نسب إليها.
كان من أشهر العلماء اللغويين الذين أثروا الخزانة العربية بمؤلفاتهم القيمة، وكان في تآليفه تدقيق التعبير، كثير التقصي، متتبعا لمعاني القرآن والحديث، من كتبه المتداولة كتاب "الأنواء" وكتاب "الشعر والشعراء"، و"أدب الكاتب"، و"عيون الأخبار"، و"مشكل القرآن"، و"غريب القرآن"، وكتاب "مختلف الحديث"، وكتاب "غريب الحديث" الذي هو موضوع بحثنا هذا.
يوجد في هذا الكتاب بخزانة القرويين السفر الأول الذي يحتوي على المقدمة وعلى موضوعات تتعلق بذكر الألفاظ في الفقه والأحكام واشتقاقها، وقد تحدث فيها عن الوضوء والصلاة والزكاة والصدقات والبيوع والنكاح والطلاق ، وعن الصيام والاعتكاف والأهلة والتلبية والحدود والغنائم وغيرها، وأتبع ذلك بتفسير ما جاء في الحديث من ذكر القرآن وسوره، وأحزابه وسائر كتب الله، ثم ما جاء في الحديث والكتاب من ذكر الكافرين والظالمين والفاسقين والمنافقين والملحدين، ثم انتقل إلى الموضوع الأساسي من الكتاب، وهو تفسير غريب الحديث، فتعرض لتفسير قصار الحديث وطوالها.
ويختم هذا السفر بحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم "أنزل علي كتاب لا يغسله الماء"، وفسر ابن قتيبة هذا الحديث بقوله :"أراد أنه محفوظ في صدور الرجال يأخذه آخر عن أول إلى يوم القيامة، فإن محي بالماء، لم يذهب كما ذهب كثير من كتب الله، لم تحفظ وباد أهلها، "كصحف شيت"، و"صحف إبراهيم"، وكل كتاب لم يحفظ، إذا محي ذهب".
ولم يتيسر للدكتور رضا التونسي أثناء تحقيقه للجزء الأول من هذا الكتاب سنة 1970 لنيل الدكتوراه في السربون بباريز الاطلاع على هذا السفر بحيث لو اطلع عليه لأفاده كثيرا في تصويب بعض الكلمات التي وردت على غير حقيقتها أثناء النشر، ولاستفاد من بعض الهوامش الموجودة فيه، والتي ضاع مع الأسف الكثير منها بسبب إلصاق جانب من الأوراق على هوامش هذا السفر أثناء ترميمه.
وقد عملت الباحثة السيدة سامية محمد خير، على تحقيق الجزء الثاني من هذا الكتاب، واعتمدت هي والدكتور رضا، على سفر وجداه في مكتبة القاهرية بدمشق، مسجل تحت رقم 1573 لغة 134، ولم يتيسر لنا الاطلاع على تحقيقها، بخلاف الأمر بالنسبة إلى تحقيق الدكتور رضا الذي أشار إلى أنه اطلع على نسخة دبلان(Dublin)، وعلى نسخة سماها "النسخة الفاسية"، ذكر أنها مسجلة تحت رقم 14 بالمكتبة الحمزاوية، وكلتا النسختين لا تحتويان على الجزء الأول الذي حققه، وهذا هو الدافع الذي جعلنا نقول بأنه لو اطلع على نسخة القرويين لسلم التحقيق من كثير من الأخطاء.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن المحقق قام بدراسة لسانية جيدة بنى على أساسها اتجاه ابن قتيبة في عمله اللغوي، وبين قبل الشروع في البحث الفرق بين الحديث الغريب وغريب الحديث : فالحديث الغريب هو الذي ينفرد به أحد الرواة، وأما غريب الحديث فهو علم قائم الذات، من علوم الحديث الستة التي هي : علم الجرح والتعديل، وعلم رجال الحديث، وعلم مختلف الحديث، وعلم علل الحديث، وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه، وعلم غريب الحديث. قال المؤلف: (1) "وهذا العلم يبحث عن بيان ما خفي على كثير من الناس معرفته من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تطرق الفساد إلى اللسان العربي، بل الغريب في الحديث هو كل ما غمض من ألفاظ المتون، واستعصى على الناس فهمه لقلة استعمالها، أو لدقة معانيها".
ومن خلال هذا التعريف، يتبين لنا أن الاطلاع على كتب غريب الحديث أمر ضروري، يعين على التعرف على أصول التشريع، ويساعد على ربط كثير من الأحكام بمصادرها، ويبين بعض أسباب الاختلاف المذهبي الناتج عن اختلاف الفهم في التأويل، أو اختلاف تجديد المقاصد، وأن الاطلاع عليها واجب، رغم تعاقب الأزمان، نظرا لارتباطها باستمرارية الأحكام الشرعية، ونظرا لكونها تفتح آفاقا فكرية أمام المجتهدين الذين تعترضهم أحداث جديدة في إصدار الأحكام المناسبة للقضايا والنوازل.
وقبل الشروع في محتوى هذا الكتاب أهيب بمن ينتسب للعلم أن يجعل منهاج مؤلفه هدفا يقتدى به، فإنه لم يعتبر قيمة العالم بغزارة علمه، وإنما ربطها بمدى قدرته على التفكير والتأمل والتوليد، وبمدى حرصه على استخدام العقل في الاستنتاج والمقابلة، واستغلال المعطيات التي تتوفر لديه.
ويمكن التوصل إلى ذلك من خلال الاطلاع على المقدمة التي تعوذ فيها من حيرة الجهل، وفتنة العلم، وإفراط التعمق والاشتغال بالتكاثر بالعلم دون التفقه فيه، ففيها يقول : "فكم من طالب علم، حظه العناء، وضارب في الأرض، غنيمته الإياب، يجوب البلاد، ويفني التلاد، ويقطع الرحم، ويضيع العيال، صابرا على جفاء الغربة، وطول العزبة، وخشونة المطعم، ورثاثة الهيئة، مبيته المساجد، ومصباحه القمر، وطعامه قفار، وهجوعه غرار، وهمه الجمع دون التفقه فيه، والطرق دون المتون، والغرائب دون السنن، والإكثار من أسماء الرجال، حتى يعود كما بدأ، لم يحل (2) مما طلب إلا بأسفار أثقله حملها، ولم ينفعه علمها".
وبعد ذلك صار يوضح للطالب المنهاج السليم الذي ينبغي أن يسلكه، مستدلا بأمثلة متنوعة تعتمد على تأويل ما ظاهره التناقض، وعلى ما لا يتم معناه إلا بسلوك باب الكناية والمجاز.
ومن الأمثلة التي استدل بها على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"لو جعل هذا القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق". وعلل ذك بأن القارئ إذا علم معناه فإنه لا يدخله ريب إذا رأى المصاحف تحترق بالنار، ورأى الملحدين يغمزون بهذا الحديث ويطعنون به على المسلمين.
وقد تعرض لهذا الحديث في مكان آخر داخل الكتاب، (3) مستندا في شرحه على بعض التأويلات الواردة عن أهل اللغة، فذكر منها تأويل الأصمعي الذي كان يرى أن من علمه الله القرآن من المسلمين وحفظه إياه، لم تحرقه النار إن ألقي فيها بالذنوب، كما قال أبو أمامة :"إحفظوا القرآن، واقرأوا القرآن، ولا تغرنكم هذه المصاحف، فإن الله لا يعذب بالنار من وعى القرآن، وجعل الجسم ظرفا للقرآن، كما ذكر تأويلا يرى أن الاحتراق لا يقع على القرآن ذاته، وإنما يقع على لأوراق والخطوط فقط، وكأنه يريد بذلك أن الاحتراق لا يؤثر على القرآن، مادام محفوظا في الصدور، وتكون بالمعنى موازية للتأويل الذي تحدثنا عنه أثناء وصف الكتاب حينما ذكرنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"أنزل علي كتاب لا يغسله الماء".
وفي هذه المقدمة أشار إلى الخطة التي سار عليها في تأليف كتابه، وذكر أنه بدأه بالألفاظ الدائرة على لسان الفقهاء في العبادات والمعاملات، ثم بما جاء في الحديث من ذكر القرآن وسوره وأحزابه وسائر كتب الله، ثم انتقل بعد ذلك إلى تفسير غريب الحديث، وضمنه وتلاه الأحاديث التي يدعي به حملة العلم حمل المتناقض، وتلاه بأحاديث صحابته رجل رجل، ثم بأحاديث التابعين ومن بعدهم، وختم الكتب بذكر أحاديث غير منسوبة، سمع أصحاب اللغة يذكرونها ولا يعرف أصحابها ولا طرقها حسنة الألفاظ، لطاف المعاني، تضعف على الأحاديث التي ختم بها أبو عبيد كتابه أضعافا.
ولا شك أن هذا التصميم سيفيد القارئ الذي يعلم أن هذا الكتاب لم يؤلف اعتباطا، وأنه مبني على مواصلة البحث الذي سبق به أبو عبيد، وأنه إسهام جديد في باب شرح الغيب، قد يفسح المجال للعلماء من بعد، ليواصلوا البحث، وليستنتجوا ما يقدرون على استنتاجه، وليصححوا ما يحتاج إلى تصحيح، فالفكر الإسلامي لا يجمد أبدا إذا ما واصل العلماء البحث والتقصي، وإذا ما حصنوا أنفسهم بالعلم المقيد، والمنهاج السديد، وتلك مهمة ما زال ذوو المواهب مسؤولين عنها إلى الآن.
وسيلاحظ القارئ لهذا الكتاب الدقة في ربط المصطلحات الفقهية بأصولها اللغوية، فهو مثلا : حينما تحدث عن الوضوء ذكر أنه مأخوذ من الوضاءة التي هي النظافة والحسن، ومنه قيل " فلان وضئ الوجه أي نظيفه وحسنه، كأن الغاسل لوجهه وضأه أي نظفه بالماء وحسنه، ومن غسل يداه أو رجله أو عضوا من أعضائه أو سكن من شعث رأسه فقد وضأه.
وحينما تحدث عن الصلاة ذكر أن أصلها الدعاء، واستدل بقول الله تعالى :"وصل عليهم، إن صلواتك سكن لهم"(4) أي ادع لهم، وبقوله تعالى :"ومن الأعراب من يومن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول"،(5) أي دعاءه فسميت الصلاة بذلك، لأنهم كانوا يدعون فيها قال :"ويدلك على ذلك الصلاة على الميت إنما هي دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود.
وحينما تحدث عن الزكاة، ذكر أنها من الزكاء وهو النماء والزيادة، قال : وسميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه، وهنا تعرض إلى بعض الأنواع التي يزكي منها، وذكر منها الحبوب فقال : والقطنية التي أخذ منها عمر الزكاة هي الحبوب، وقد اختلف الناس في هذا، فكان قوم من الفقهاء يرون ألا زكاة إلا على الأصناف الأربعة : الحنطة، والشعير، والثمر، والزبيب، منهم عبد الله بن المبارك، ورأى بعضهم أن السلت من ذلك، وألحق قوم الذرة بهذه الأصناف لأنها قوت للسودان كالحنطة لغيرهم، ورأى قوم أن القطنية تشمل الحبوب مثل العدس والحمص والأرز والجلبان والفول واللوبيا والذرة أيضا.
وذكر المؤلف أن إسحاق بن راهويه أخبره بأن الذي يعتمد عليه : إيجاب الزكاة على الحبوب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه :"ليس في أقل من خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة".
وقال الشافعي :" لا زكاة في الفاكهة كلها : رطبها ويابسها، ولا في البقول ولا في قصب السكر، ولا في الجوز واللوز والجلوز وحب الكتان، ولا الزيتون ولا الجلجلان ولا حب الفجل ولا زيوتها، ولا في أثمناها حتى يحول عليها الحول.
وبعد ذلك ذكر أن قوما يذهبون إلى أن في جميع ما أخرجت الأرض من رطب ويابس الزكاة.
وهكذا نراه حين تعرضه لبعض المقارنات بين الأصل اللغوي والاستعمال الشرعي، يتعرض لذكر بعض الأحكام الفقهية غير مقتصر على رأي واحد، بل يشير إلى كثير من الأقوال المذهبية حسب ما كانوا يتوصلون إليه عن طريق الرواية للأحاديث، أو عن طريق استنتاجهم منها وفق اجتهاداتهم وفهمهم لها.
وتحدث بعد ذلك عن زكاة الورق وعن الركاز، ثم انتقل إلى الحديث عن مصطلحات أخرى، لها ارتباط بالمعاملات كالبيوع والنكاح والطلاق، ثم عن أشياء مختلفة، لها اتصال بالصيام والاعتكاف ونحو ذلك.
ثم انتقل إلى الموضوع الذي هو "غريب الحديث"، وتعرض فيه لجزئيات لها ارتباط بالعقيدة والأحكام، ولجزئيات لها ارتباط بالتاريخ والسيرة النبوية والسلوك والوصايا والمواعظ وغيرها.
وسيلاحظ القارئ أن الكتاب رغم كونه في أبعاده، يدخل في إطار المعاجم الموضحة لمعاني الألفاظ الغريبة، فإن مؤلفه بطبيعة الحال كان مضطرا إلى التعرض إلى بعض الأحكام الفقهية المستخلصة من الأحاديث النبوية الشريفة، سواء كانت تلك الأحكام قائمة الذات، أو كانت منسوخة لم يبق بها علم، اعتمادا على نصوص أخرى استدل بها الفقهاء، واعتبروها مستندا للأحكام المستعملة.
وسنختار فيما يأتي بعض الأحاديث الواردة في هذا الكتاب للنوعين مع :
فمن ذلك ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الجلالة والمجثمة، وما ورد عنه أيضا في حديث آخر من أنه نهى عن الخطفة.(6)
تعرض المؤلف لشرح ذلك بقوله : أما الجلالة فهي التي تأكل الجلة، وهي البعر، كنى بها عن العذرة، وقد فسر أبو عبيد ذلك، ومنه قوله لرجل سأله عن لحوم الحمير : أطعم أهلك من سمين مالك، فإني إنما كرهت لك جوال القرية : جمع جالة وهي بمنزلة الجلالة.
وأما المجثمة فهي التي جثمت على الموت. يقال برك البعير، وربضت الشاة، وجثم الطائر، وجثمت الأرنب وجثمتها إذا أنا فعلت ذلك بها مكرها لها عليه، وهي بمنزلة المصبورة، والمصبورة المحبوسة على الموت. يقال : صبرت البهيمة أصبرها صبرا، إذا أنت أوثقتها، ثم قتلتها رميا وضربا، ومنه حديثه عليه السلام : "إنه نهى عن صبر الروح"، رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، وقال الزهري : الخصاء صبر شديد، وبين الجاثم والمجثم فرق، فالجاثم من الصيد يجوز لك أن ترميه حتى تصطاده والمجثم ما ملكته فجثمته، ثم جعلته غرضا ترميه حتى تقتله.
وأما الخطفة فقد قال أبو حاتم : سألت عنها الأصمعي فقال : لا أعرف ذلك، قال : وقال غيره : هو ما اقتطعه السبع من الدابة فاختطفه، نهى عن أكله. وكذلك ما أبنته عن الصيد عن ضربة بسيف أو غيره، فهو ميتة لا يحل أكله، والأصل في ذلك الحديث : إنه قدم المدين وبها ناس يعمدون على أسنمة الإبل وإليات الغنم، فيجبونها، فقال عليه السلام:"ما وقع من البهيمة وهي حية فهو ميتة".
إنه بهذا الشرح تعرض لبضع المحرمات من لحوم البهائم، ولم يفصح عن بضع الخلاف في جزء منها.
ومن المعلوم أن الدين الإسلامي يحرص في المأكولات والمشروبات على ما ينفع الناس ولا يضرهم، ولهذا نرى الرسول في هذا الحديث ينهى عن الجلالة، لأنها تتناول العذرة في طعامها، فتحمل جراثيم شتى تؤدي إلى الإضرار بمن يأكل لحمها أو يشرب لبنها، وكذلك ما يثير في النفس من الاشمئزاز وعدم الاستئناس بواقعها المنبوذ عند ذوي الأذواق الحسنة والنفوس الطيبة.
ومما تعرض له أيضا في هذا الحديث تحريم المجثمة والمصبورة، سواء كان ذلك على سبل اللهو أو كان ذلك سبيلا إلى قلتها عوضا عن الذكاة المشروعة، فإن كلا من المجثمة والمصبورة لا يعاملان بالحسنى، في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بالإحسان في كل شي حتى في ذبح البهائم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح  ذبيحته.(7)
ومما تعرض له في هذا الحديث ما يتعلق بالخطفة، سواء بالنسبة على ما اقتطعه السبع من الدابة أو لما أبين في الصيد من ضربة سيف أو غيره،  أو لما كان يفعله بعض أهل الجاهلية من قطع أسنمة الإبل وإليات الغنم.
ويعلل الفقهاء تحريم هذا النوع الأخير بأنه مناقض لما شرع الله من الذبح، وأنه فيه تعذيب للحيوان.
ومن المعلوم أن تعذيب الحيوانات غير مباح في الدين الإسلامي، فقد جاء في حديث شريف أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال :"من قتل عصفورا فما فوقه بغير حق سأله الله عز وجل عن قلته، قيل : يا رسول الله، وما حقه؟ قال :أن يذبحه فيأكله ولا يقطع رأسه فيرمي به".(8)
ومما تعرض له المؤلف في شرح هذا الحديث، إباحة أكل الحمر، وهذا مخالف لما عليه حكم الفقهاء من تحريمها، ولعل الخلاف الموجود ناتج عن الفرق بين الأهلي منها والوحشي، فالأهلي نهى الرسول عن أكله، وأما الوحشي فقد أباح أكله، ولهذا لا يدخل الحمار الأهلي في سيبات ما أحل الله، فقد ذكر الدهلوي رحمه الله أن الحيوان على أقسام : أهلي يباح منه الإبل والبقر والغنم، وهو قوله تعالى :"أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم"،(9) وذلك لأنها طيبة معتدلة المزاج، موافقة لنوع الإنسان، وأذن يوم خبير في الخيل، ونهى عن الحمر، ووحشي يحل منه ما يشبه بهيمة الأنعام في اسمها ووصفها كالظباء والبقر الوحشي والنعامة. وأهدي له صلى الله عليه وسلم لحم الحمار الوحشي فأكله، والأرنب فقبله، وأكل الضب على مائدته، لأن العرب يستطيبون هذه الأشياء، واعتذر عن الضب تارة بأنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه.
ومن الأحاديث التي أشار إليها المؤلف في هذا الموضوع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.(10)
قال ابن قتيبة : والفرق بين سباع الوحش وبهائمها بالأنياب، وأنيابها تكون في مقاديم أفواهها مكان الأسنان ببهائم الأنعام. والسبع كل صائد وعاقر وآكل لحم، ولا يسمى سبعا حتى يكون كذلك مثل الأسد والذئب والكلب والنمر والفهد، وأما الضبع فإن بعض الفقهاء لا يراها سبعا.
وعقب على ذك بقوله : ولست أدري، لم أخرجها من السباع وجعلها من بهيمة الأنعام، وهي تساور وتعقر من تعرض لها، وتأكل الجيف، ولحوم الموتى، وتفرس الغنم كما يفرس الذئب... ثم قال بعد ذلك : فإن كان إنما رخص في لحمها لما أوجبته العلماء من الفدية فيها، فإن ذلك إنما وجب، لأنها لا تبتدئ بالعقر، ولا تعدو على حي حتى يعرض لها، وكذلك كل سبع يؤمن ففيه الفدية، ثم قال : وأما ذوات المخالب من الطير، فهي سباع الطير، شبهت بسباع الوحش، لأنها تصطاد وتعقر وتجترح، وتأكل اللحم كالعقاب والبازي والصقر، وربما كان من سباع الطير ما ليس له مخلب كالنسر لا مخلب له، إنما له ظفر كظفر الدجاجة والغراب والرخمة.
فإن قال قائل : إن هذه ليست داخلة في التحريم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ذوات المخالب، قيل له : لم يكن القصد بالتحريم للمخلب ولا للناب، وإنما المخلب علم للسباع من الطير، كما كان الناب علما للسباع من الوحش، لأن المخالب تكون لكثرها، وإنما للقصد بالتحريم لما صاد وعقر وأكل اللحم. وكل ما فعل ذلك فهو محرم، وإن لم يكن ذا مخلب.
ثم  قال : فإن احتج محتج بالدجاج وقذر طعمه وأكله اللحم، قلنا له : ليس الدجاج سبعا، لأن الأغلب عليه لقط الحب، وإنما نقضي بأغلب الأمور، ألا ترى بأننا قد نسمي الرجل أميا، وإن كان قد يكتب الحرف والحرفين والحروف، وكذلك العصفور يشبه بسباع الطير، لأن يلقم فراخه ولا يزق، ويأكل اللحم ويصيد النمل والجراد، إلا أنه يفارقها بأن الأغلب عليه لقط الحب، وأنه لا مخلب له ولا منسر، وأنه مما يعايش الناس ويصاحبهم، ولا حيل إلا حيث حلوا، فصار شبيها بالدواجن من الطير والدجاج.
وهكذا نرى أن ابن قتيبة لم يكتف بجرد الكليات، ولكن أدخل فيها المقاصد، وتدرج أثناء التعليل على مسالك العلة، وبين المقارنات الموجودة بين بعض البهائم والطيور، ليبرز من خلالها ما يحرم وما يحل، تبعا لمنطوق الحديث من جهة، وللغرض منه من جهة أخرى، وهو حينما يناقش، تبدو عليه رزانة العلماء، ووقارهم وعدم إهماله للمبررات التي يستعملها الآخرون للوصول إلى الأحكام التي يستنتجونها، ولكنه يرد عليهم بحكمة، ويستخدم القواعد اللغوية حسب وجوه استعمالها حقيقة أو مجازا، وسنلاحظ ذلك في جل ما تعرض له من أحكام داخل كتابه.
ومن الأحاديث التي لها ارتباط بالأحكام حديث له علاقة بالرخصة في استعمال الرجل للذهب عند الاضطرار إليه، إذ من المعلوم أن التزين بالذهب لا يحل للرجال من المسلمين، وإنما هو خاص بنسائهم، لكن إذا احتيج إليه لضرورة طبية، فلا بأس باستعماله.
يقول الحديث الذي رواه ابن قتيبة عن والده عن يزيد بن عمرو بن البراء الغنوي عن جناد بن هلال عن أبي الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة، أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب في الجهلة، فاتخذ أنفا من ورق فانتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب.(11)
قال ابن قتيبة في شرح الحديث : الورق : الفضة. وذكر ابن يزيد بن عمرو قال له : ذاكرت الأصمعي بهذا الحديث فقال : إنما اتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأما الورق فإنه بمنزلة الذهب لا ينتن قال : وأحسب الأصمعي أراد بالورق الرق الذي يكتب فيه، وقد كنت أحسب قول الأصمعي أن الورق لا ينتن، وأنه بمنزلة الذهب صحيحا، ثم خبرني بعض أهل الخبرة بهما أن الذهب لا يبليه الثرى، ولا يصدئه الندى، ولا تنقصه الأرض، ولا تأكله النار، ولا تتغير ريحه على الفرك، وأنه ألطف شيء شخصا، وأثقل شيء ميزانا، قال : وقليله يلقى في الزئبق فيرسب، ويلقى الكثير من غيره فيطفو، وأخبرني أن الفضة تصدأ وتنتن وتبلى في الحمأة. وقد روى أبو قتادة عن الأوزاعي قال : كتب عمر بن عبد العزيز في اليد إذا قطعت أن تحسم بالذهب فإنه لا يقيح.
وعلى كل حال، فإن الممارسة الطبية والخبرة بالمصالح التي يمكن أن تستفاد من الذهب، تبقى من اختصاص الأطباء، وهذا ما يبرر استغلال هذا المعدن أيضا في علاج الأسنان وتقويمها.
ومن الأحاديث التي وردت في الكتاب ولها ارتباط بالأحكام، حديث جاء به ابن قتيبة لغاية تبريرية تمكن المسلم من حسن التأويل، ومن الرد على من يوجه بعض الألفاظ توجيها مخالفا لمقاصدها ليجعل ذلك سبيلا إلى الطعن في القرآن، أو في طريقة جمعه ويتعلق الأمر بالحديث النبوي المتعلق بحد الزنا.
فقد جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليه رجل فقال : يا رسول الله، نشدتك بالله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه، وكان أفقه منه، فقال : صدق. إقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال قل : قال إن ابني كان عسيفا على هذا (أي أجيرا) فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، (12) ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم، فقال : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، المائة شاة، والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم، فاغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها.(13)
قال ابن قتيبة : يذهب قومك من أهل الزيغ والهوى أن القرآن قد نقص منه وغير وحذف بعض أحكامه، ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "لأقضين بينكما بكتاب الله"، ثم حكم بالنفي والرجم، وليس لهما في القرآن ذكر، وقالوا: ففي هذا دليل على أنهما كانا فيه ثم أسقطتا منه، وهنا قال ابن قتيبة : لم يرد عليه السلام بقوله :"لأقضين بينكما بكتاب الله"، ها هنا القرآن، وإنما أراد لأقضين بينكما بما كتب الله أي بما فرض قال : والكتاب يتصرف على وجوه قد ذكرتها في كتاب "تأويل مشكل القرآن" منها : الفرض. قال الله عز وجل :"كتاب الله عليكم، وأحل لكم ما وراء ذلكم" (سورة النساء، الآية:24) أي فرضه عليكم. وقال "كتب عليكم القصاص" (سورة البقرة، الآية :178) أي فرض، وقال تعالى :"وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال"، (سورة النساء، الآية :77) أي فرضت، وقال تعالى :"وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس" (سورة المائدة ، الآية :45) أي فرضنا عليهم فيها.
ومن المعلوم أن حد الزنا، منه ما هو نص في القرآن، ومنه ما جاء على طريق السنة النبوية، وهما مصدران من مصادر التشريع ل خلاف بين المسلمين فيهما، وإذا وقع في بعض الأحيان اختلاف عند بعض الفقهاء فذلك راجع إلى طرق استدلالهم أو إلى عدم اتفاقهم على تمييز الناسخ من المنسوخ، فالجلد منصوص عليه في القرآن، حيث يقول الله تبارك وتعالى في سورة النور:"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المومنين".(14) وأما التغريب فهو مأخوذ من الحديث النبوي، وقد خص الفقهاء التغريب بالبكر الحر الذكر فقط، وجعلوه خاصا بمن زنى في بلده، أما إذا كان الزاني البكر غريبا عن بلده فإنه يجلد وتفرض عليه الإقامة الإجبارية في البلد الذي وجد فيه، ولا يغرب، لأن الإقامة بالنسبة إليه تغريب.
واختلف في جلد المحصن قبل رجمه، هل يقع عليه ذلك أم لا؟ فقد ذهب بعض الفقهاء إلى الاكتفاء بالرجم فقط، وذهب آخرون إلى أن الرجم لا يسقط الجلد، ويستدلون بما فعل علي كرم الله وجهه بسراحة الهمدانية حيث جلدها، ثم رجمها، وقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. (15)
وشروط الإحصان الذي يرجم به الزاني إذا زنى عند المالكية عشرة، إذا اختل شرط منها لم يرجم، وهي كما في شرح الدردير على متن خليل : (16) بلوغ، وعقل، وحرية، وإسلام، وإصابة في نكاح لازم، ووطء مباح، بانتشار وعدم مناكرة.
ولا يثبت الزنا إلا بأربعة شهود أو بإقرار من الزاني، إلا أنه وقع اختلاف بين بعض الفقهاء فيما يتعلق بالإقرار، هل يكفي فيه مجرد الإقرار مرة واحدة، أو لابد فيه أن يتكرر إقرار الزاني أربع مرات؟
ذهب أبو حنيفة إلى أن الإقرار يجب أن يتكرر أربع مرات، في أربعة مجالس مختلفة، وأما الشافعي فإنه قال بالاكتفاء بالإقرار الواحد.
وحجة أبي حنيفة رضي الله عنه حديث ماعز، وهو أحد من رجمه النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره، فقد ورد أن النبي أخر الحد عليه إلى أن تم الإقرار منه أربع مرات في أربعة مجالس، فلو ظهر الزنا دونها لما أخرها، ولأن ظهور الزنا بالشهادة فارق ظهور غيره حتى شرط أربعة شهداء بالنص وبالإجماع، فكذا الإقرار، أما حجة الشافعي فهي قوله صلى الله عليه وسلم :"اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
وقد ذكر الإمام عمر الغزنوي في كتابه "الغرة المنيفة في تحقيق الإمام أبي حنيفة" أن هذا الحديث الذي استدل به الشافعي، إن كان مقدما على حديث ماعز كان منسوخا به، وإن كان متأخرا انصرف إلى الاعتراف المعهود في هذا الباب، وهو الإقرار أربع مرات، ولأن ذلك الحديث ساكت عنه اشتراط الأربع، وحديث ماعز صريح فيه فيكون أولى.(17)
وهكذا نرى طرق الاستنتاج عند الفقهاء تعتمد إما على الجانب التوثيقي، وإما على جانب المفارقات والمقارنات حسب الاحتياج إلى ذلك.
ومن الفوائد التي يتمكن منها قارئ هذا الكتاب في عصرنا هذا، الدلالة اللفظية لبعض الكلمات حسب وضعها في إبانها وحسب التأويل الذي استنتجه منها المؤلف، ومن ذلك عدم قبوله لتفسير كلمة حصر في قول الله تعالى :"وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا" لأن المراد بها البساط المنسوج، وقال "إن السجستاني خبره عن أبي عبيدة أن المراد بالحصير المحبس، فهو من قولك حصرت الرجل إذا حبسته وضيقت عليه، وقد تعرض لهذه الجزئية أثناء شرحه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه أن شريح بن هاني قال لعائشة : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير؟ فإني سمعت في كتاب الله تعالى :"وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا" (18) فقالت : لم يكن يصلي عليه.(19)
قال : أنه ذكر هذا الحديث للغلط في تأويله قول الله عز وجل :"وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا"، ولأنه قد روي عن عائشة أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل يصلي عليه، أي يحظره لنفسه دون غيره.
وما جرى عليه ابن قتيبة هو الغالب في التأويل عند كثير من المفسرين ولكنهم لا يهملون التأويل الأول، فهم يذكرون رواية عن الحسن أن المراد بقوله تعالى :"وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا" أي فراشا وبساطا كما يبسط الحصير المرمول، ويكون المعنى حينئذ بأنهم يعذبون في مجالسهم ويحترقون ولا يجدون سبيلا للراحة والاستقرار.
ولم يرتض ابن قتيبة هذا التفسير، لأنه رأى الهول في كون الناس محبسا وسجنا أقوى من كونها فراشا وبساطا، لأن المجلس الناري فيه معنى العذاب الذي يجده المعذبون في جلوسهم على الفراش من النار، وفيه إشعار بأنهم لن يجدوا السبيل إلى الانفكاك منها، فهي محيطة بهم من جميع الجهات، وهم محصورون فيها ومحبوسون لا ينجيهم منها هروب ولا فرار، ولا يفتح له مجاز ولا مسار.
ومن الأحاديث التي اخترناها لغرابة في لفظها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عشرة عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت فلقيه المشركون فقال :
أبو سليمان وريش المقعد
ووتر من متن ثور أجرد
وضالة مثل الجحيم الموقد

1) – الجزء الأول من "غريب الحديث" تحقيق الدكتور رضا السويسي / طبعة الدار التونسية (ص :13).
2) – كذا بالأصل المخطوط، ولعل الصحيح لم يعد، أما في النسخة المطبوعة، فقد جاءت على شكل لم يحمل وهو خطأ واضح.
3) – النسخة المطبوعة (ص:104).
4) – سورة التوبة – الآية :103.
5) – سورة التوبة – الآية :99.
6) – الجزء الأول المطبوع ص :249. (السفر المخطوط ص :51).
7) – حجة الله البالغة :للدهلوي (ج:2، ص :137).
8) – نفس المصدر.
9) – سورة المائدة – الآية :1.
10 )– ج:1 – ص :199 (خ05).
11 )– لم يشر ابن قتيبة إلى يوم الكلاب هذا، ولعل المراد به يوم الكلاب الثاني الذي كان لتميم على مدحج، والكلاب اسم ماء بين الكوفة والبصرة (ج:1، ص :255). (خ53)
12 )– في رواية أخرى ووليدة.
13) – ج:1 ص :238. (خ47).
14) – الآية الثانية.
15 )– انظر فتاوى ابن تيمية (ج: 15، ص :296).
16 )– ج:4، ص :320.
17 )– الغرة المنيفة للغزنوي ص :167-168.
18) – سورة الإسراء، الآية :8.
19) – ج:1، ص :253. (خ52).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here