islamaumaroc

الأحرف السبعة وآراء العلماء فيها

  محمد المختار ابن اباه

العدد 322 جمادى 1 1417/ أكتوبر 1996

مقدمة :
"إن القرآن هذا أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه".
هذا الحديث متفق على صحته، مختلف في لفظه وفي تفسيره. فقد روى الإمام البخاري هذا اللفظ من حديث عمر بن الخطاب، ورواه الشيخان من حديث ابن عباس على النحو التالي :"أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده حتى انتهي إلى سبعة أحرب"، وروى الإمام مسلم عن أبي بن كعب الأنصاري "أقرأني جبريل على حرف فرددت عليه أن هون على أمته، فأرسل إلي أن أقرأ على سبعة أحرف".
وفي حديث أبي بكرة أن جبريل وميكائيل كانا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال جبريل للرسول أن يقرا القرآن على حرف، وأمر ميكائيل الرسول أن يستزيد، وسكت ميكائيل حين بلغ سبعة أخرف، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن العدة قد انتهت"، وللحديث طرق أخرى وروايات تقارب المتون المذكورة هنا.
وقد اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث، مع أنهم اتفقوا على أن القصد من تعدد الأحرف هو التخفيف على الأمة، وبلغت أقوالهم في تفسيره العشرات، وأفرد له الإمام أبو شامة مؤلفا مستقبلا، وصنف أبي الجزري كتابا في رواياته، كان كل فريق من العلماء يفسر هذه الأحرف حسب اختصاصه، فيقول الأصوليون، إنها : المطلق المقيد، والعام، والخاص، والناسخ، والمنسوخ، والنص المؤول، والمجمل والمفسر، والاستثناء وأقسامه، ويقول الفقهاء : إنها الحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والدعاء، والخبر والاستخبار والزجر، والوعد والوعيد، ويقول أهل البيان أنها : الحذف، والصلة، والتقديم والتأخير، والاستعارة والتكرار، والحقيقة والمجاز، والمجمل والمقيد، والظاهر والمضمر، ويقول النحويون : هي التذكير، والتأنيث، والشرط والجزاء، وأوجه الإعراب، ويقول اللغويون : إنها لغات القبائل، ويذكرون سبعة منها، وهي لغات قريش ، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن، ونسب هذا الرأي إلى ابن عباس، كما أن المفسرون نقلوا عن ابن عباس أيضا أن القرآن الكريم وردت فيه جميع لغات العرب، مثل تفسير "اللهو " بالمرأة في قوله تعالى : " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا"، وهي من لغة اليمن، و"ينعق" يعني "يصيح" بلغة طيء، "وييأس" معناه "يعلم" بلغة هوازن، وفي لغة عمان "قوما بورا" معناها "هلكى"، و"المقيت" هو المقتدر بلغة مذحج، و"تسيمون" ترعون عند خثعم، و"الحقدة" هو العيال في لغة سعد العشيرة، و"تعولوا" تميلوا بلغة جرهم، "والإملاق" الجوع في لغة لخم، والأمثلة من هذا النوع كثيرة تتجاوز الأربعين".

2 – رأي أبي عبيد القاسم ابن سلام:
وآراء أئمة القراء في هذا الحديث تتردد بين اللغات وأوجه القراءات، فنرى أبا عبيد القاسم بن سلام ينطلق مما روي عن ابن عباس آنفا، وما نسب إليه أن القرآن نزل بلغة الكعبين : كعب قريش، وكعب خزاعة، لأن الدار واحدة، كما استدل برواية أبي صالح مولى أم هانئ عن ابن عباس، أنه قال : "نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، وذكر أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء يقول : إن أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تيمم، وهم بنو دارم. ثم احتج بقول عثمان رضي الله عنه للجماعة الذين عهد إليهم بكتابة المصحف، ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش، وبقوله لما وجد حروفا من اللحن : لو أن الكاتب من ثقيف، والمحلى من هذيل لم توجد هذه الحروف، ثم ذكر أن الصحابة اختلفوا في القراءة، أي في الوجوه والحروف، التي تفرق فيها الألفاظ ولم يختلفوا في التأويل. ولذلك قال عبد الله بن مسعود : إنه سمع القراء وجدهم متقاربين.
فليقرأوا كما علموا، كقول أحدهم : هلم، وتعال، وأقبل، وبهذا القول يرد أبو عبيد على الذي حملوا معنى الأحرف السبعة على حديث آخر، وهو: "أن القرآن نزل في سبع : حلال، وحرام، ومحكم ومتشابه، وخبر ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وضرب الأمثال". وليس هذا – يقول أبو عبيد – من ذاك في شيء. فالحديث هنا معناه أن القرآن نزل في سبع خصال، والأحاديث الأخرى أنه نزل على سبعة أحرف، والأحرف لا معنى لها إلا اللغات.
وهكذا يؤكد أبو عبيد أن القرآن الكريم "نزل على سبع لغات متفرقة في جميعه من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة قبيلة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما، وكذلك إلى السبعة. وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض".(1)

3 – رأي أبي حاتم السجستاني :
ومن أوائل العلماء الذي نزعوا في تفسير الحديث إلى اختلاف اللغات وأوجه القراءات، أبو حاتم السجستاني القائل : الأحرف هي الأوجه التي تتفاوت بها لغات العرب، وقال : أنه تدبرها فوجدها سبعة أنحاء لا تزيد ولا تنقص، وبجميعها نزل القرآن :
فالوجه الأول : إبدال لفظ بلفظ آخر بمنزلته، فقد روي عن أبي هريرة لما سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من جعل قاضيا ذبح بغير سكين"، قال : ذالك أول ما سمعت سكين، ما كنت أعرف إلا المدى، وفي القرآن : "فاسعوا إلى ذكر الله" وقد قرأ عمر بن الخطاب : "فامضوا إلى ذكر الله".
والوجه الثاني : إبدال حرف بحرف بمنزلته، كقول بعضهم : أنطيت بدل أعطيت، وأرقت الماء وهرقته، والربا والرما، ولازم ولازب، وقرئ الصراط بالصاد وبالسين.
الوجه الثالث : تقديم  وتأخير، إما في الكلمة أو في الحروف. ففي الكلمة مثل قولهم: عرضت الحوض على الناقة، وعرضت الناقة على الحوض، وفي القرآن الكريم :"لا ينال عهدي الظالمين، وقرئ الظالمون"، وفيه "فتلقى آدم من ربه كلمات" وبعضهم قرأها "فتلقى آدم من ربه كلمات". أما في الحروف : فمثل قولهم صعق وصقع، وفي القرآن الكريم :" وعذاب بئيس". وقرا بيأس.
الوجه الرابع : زيادة حرف أو نقصانه، كمن يستعمل الهمز مثل تميم، ومنهم من يقل استعماله له  مثل هذيل وأهل الحجاز، ومنهم من يقول : يا صاح ويصاحب، ومنهم من يقول : عم صباحا أي أنعم صباحا، وفي القرآن الكريم :"فلا تك في مرية"، وقرئ أيضا "يا مال ليقض علينا ربك" ويقول العرب "تعرفينه، وماليه وداريه، وفي القرآن الكريم : "ما أغنى عني ماليه".
الوجه الخامس : اختلاف حركات البناء، مثل نعم، ونعم، والبخل والنحل، ويحسب بكسر السين وفتحها، وكسر حرف المضارعة، ومنه إشمام الضمة في مثل قيل، وغيض.
الوجه السادس : اختلاف الإعراب – مثل قول الهذلي – ما زيد حاضر، وقرأ ابن مسعود "ما هذا بشر" ومن لغة بلحرث بن كعب، مررت برجلان، وفي القرآن الكريم :" إن هذان لساحران".
الوجه السابع : إشباع الصوت بالتفخيم والإظهار، أو الاقتصاد به بالإضجاع والإدغام، فأبو حاتم جعل  الأحرف تعني اختلاف أوجه القراءة تبعا لتنوع لغات العرب في الأداء اللفظي.

4 – رأي ابن قتيبة :
ثم تبعه في هذا المنحى ابن قتيبة، إلا أنه غير الترتيب والتمثيل، لاكنه وافقه عموما في كون المقصود بالأحر اختلاف أوجه القراءات، وكلاهما حاول حصرها في سبعة، وقد قدم ابن قتيبة لرأيه بالاعتراض على سابقيه :
"غلط في تأويل هذا الحديث قوم فقالوا : السبعة الأحرف : وعد ووعيد، وحلال وحرام، وأمر ونهي، وخبر ما قبلكم، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال، واحتجاج، وقال آخرون : هي سبع لغات في الكلمة.
وإنما تأويله، أنه على سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن، يدلك على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "فاقرأوا كيف شئتم" وبعد خلاف عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم في قراءة سورة الفرقان قال صلى الله عليه وسلم :"إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرأوا منه ما تيسر".
و"الحرف" هو الوجه، بدليل قوله تعالى : "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه" فهذا عبد الله على وجه واحد ومعنى متحد ومذهب واحد، وهو معنى الحرف".
ويقول ابن قتيبة : وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أحرف :
أولها الاختلاف في إعراب الكلمة أو حركة بنائها، لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها مثل قوله تعالى :
1 – "هؤلاء بناتي هن أطهر لكم" بنصب أطهر ورفعها.
2 – " وهل نجازي إلا الكفور"، و"هل يجازى".
3 – " ويأمرون الناس بالبخل". وبالبخل.
4 – "فنظرة إلى ميسرة" وميسرة.
الوجه الثاني : أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب نحو قوله تعالى :
1 – "ربنا باعد بين أسفارنا" و"ربنا باعد بين أسفارنا".
2 – "إذ تلقونه بألسنتكم"و"وتلقونه".
3 – " واذكر بعد أمة"، و"بعد أمة".
الوجه الثالث : أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها ولا يزيل صورتها نحو قوله تعالى :
1 – "وانظر إلى العظام كيف ننشرها"، و"ننشزها".
2 – "حتى إذا فزع عن قلوبهم"، "وفرغ".
الوجه الرابع : أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله تعالى :
1 –"إن كانت إلا زقية و"صيحة".
2 – "كالصوف المنفوش "والعهن".
الوجه الخامس : أن يكون الاختلاف بما يزيل صورتها ومعناها نحو :"وطلع منضود" في موضع " وطلح منضود".
الوجه السادس : أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو قوله تعالى :
" وجاءت سكرة الموت بالحق"، وفي موضع آخر " وجاءت سكرة الحق بالموت".
الوجه السابع : أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان نحو قوله تعالى :
1 – " وما عملت أيديهم" و"ما عملته أيديهم".
2 – "إن الله هو الغني الحميد" و"إن الله الغني الحميد".
والملاحظ في رأي ابن قتيبة أولا : أنه اقتصر على وجوه القراءات دون التعرض إلى أنواع الأداء في الوجوه السبعة، مع أنه في آخر كلامه عاد إلى فكرة التيسير، فكان من ذلك أن أمره أن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ : عتى حين، يريد "حتى حين" لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها، والأسدي يقرأ يتعلمون، ويعلم، ويسود وجوه، وألم أعد إليهم، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، والآخر يقرأ "وإذا قيل لهم" وغيض الماء بإشمام الضم مع الكسر، و"هذه بضاعتنا ردت إلينا" بإشمام الكسر مع الضم.. و"مالك لا تأمنا" بإشمام الضم مع الإدغام".
ثم قال : فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل  لهم متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات كتيسيره عليهم في الدين.
ثانيا : أنه لم يفرق بين القراءات المتواترة والقراءة الشاذة التي لم يعد تجوز القراءة بها بعد الإجماع على ما في دفتي المصحف، ومن هذه القراءات التي مثل بها في التقديم والتأخير المنسوبة إلى أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك، قراءة "زقية واحدة"، و"الصوف المنفوش"، المنسوبة إلى ابن مسعود، "وطلح منضود" المروية عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وهذا التمثيل قد يوهم أن بعض قراءة الصحابة يجيز إبدال كلمة في القرآن الكريم بكلمة مرادفة لها معنى، مثل قراءة "الفاجر"، في مكان "الأثيم"، وهو خطأ فاحش لم يقل به أحد، إنما كان الإيهام ناتجا عن سوء فهم ما رواه ابن الأنباري في قوله : "إن ابن مسعود علم رجلا :"إن شجرة الزقوم طعام الأثيم"، فقال الرجل طعام اليتيم"، فأعاد عليه عبد الله الصواب، فأعاد الخطأ، فلما رأى عبد الله أن لسان الرجل لا يستقيم لسانه على الصواب قال له : أما تحسن أن تقول "طعام الفاجر"؟ قال : بلي، قال : فافعل". (2)
ومن تأمل هذا الأثر لا يمكنه أن يقطع بأن كلمة "الفاجر" هنا تعتبر قراءة معتمدة لأن الشرط الأول في كل قراءة أن تكون مسندة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أتت الكلمة هنا في سياق التعليم، فهي تفسير لكلمة "الأثيم" ليفهم معناها من لا يستقيم لسانه على الصواب، ومما يشهد لهذا المنحى أن الرواية نسبت إلى أبي الدرداء الذي كان يقرأ رجلا :"طعام الأثيم"، فلما لم يفهم قال له "طعام الفاجر"، ولذلك فإن هذا النوع من روايات القراءات غير المرفوعة والتي وردت على سبيل التفسير والتبيين ليست من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، فهي على افتراض صحة نسبتها للصحابيين الجليلين، إنما جاءت على سبيل التمثيل والتفسير والتقريب، وليست من القرآن الكريم.

5 – رأي الإمام أبي الفضل الرازي:
وبعد ابن قتيبة، قدم أبو الفضل الرازي تهذيبا وترتيبا جديدا فأدخل أصول القراءة في الأحرف، الناشئة عن اختلاف لهجات العرب، فقال عن الأحرف السبعة هي :
1 – اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية، وجمع، أو تذكير وتأنيث، نحو "فأصلحوا بين أخويكم".
2 – اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر، نحو :"ومن تطوع خيرا".
3 – اختلاف وجوه الإعراب ، نحو :"ولا تسئل عن أصحاب الجحيم".
4 – اختلاف بالنقص والزيادة نحو :"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم".
5 – اختلاف في التقديم والتأخير، نحو :" وقتلوا، وقتلوا، ءال عمران.
6 – اختلاف بالإبدال : نحو :"هناك تبلو كل نفس ما أسلفت" (يونس 30).
7 – اختلاف في اللهجات : كالفتح والإمالة، والترقيق والإدغام، ويدخل في هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها لغة القبائل نحو : خطوات بيوت، زبروا، شنئان، بني عمهم، يقتط.
6 – رأي ابن الجزري (3)
وبعد هؤلاء العلماء الأعلام، يطالعنا ابن الجزري ببحث مستفيض في هذا الموضوع، ويمتاز رأي ابن محمد بن أحمد بن الجزري بمكانة خاصة، لما له من سعة اطلاع في علوم القراءات، وحرص على التمحيص والتدقيق، حتى اشتهر بالمحقق. وقد ذكر في معرض حديث الأحرف السبعة، أنه عني عناية فائقة في توثيقه، ودراسة أقوال العلماء حوله وتدبر معانيه.
فخصص مؤلفا مستقلا لروايته الثابتة عن عشرين من أعلام الصحابة، واطلع على مصنف أبي شامة الذي وصفه بأنه كتاب حافل، وخلص إلى تأكيد تواتره، ثم استعرض آراء العلماء حوله، وناقشها بدقة، فاستبعد الأقوال التي تفسر هذه الأحرف بالأحكام، وتزعم أنها: "الحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والمثال، والإنشاء والأخبار، والتي تدعي أنها : الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمجمل، والمبين، والمفسر، وتلك التي يذكر : الأمر والنهي، والدعاء والخبر، والاستخبار والزجر، أو : الوعد والوعيد، والمطلق، والمقيد، والتفسير، والإعراب والتأويل، واحتج بأن الصحابة اختلفوا وترافعوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءة الحروف، ولم يختلفوا في التفسير والأحكام.
ثم ذكر رأي أكثر العلماء أن الأحرف هي اللغات، وقول أبي عبيد : إنها لغات قريش، وهذيل وثقيف، وهوازن وكنانة، وتميم واليمن، وعقب عليها بأن هذا الرأي مدخول، لأن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم اختلفا في سورة الفرقان وهما قرشيان ينتميان إلى قبيلة واحدة ولغة واحدة.
ثم استعرض رأي أبي عمرو الداني القائل أن الأحرف المعنية قد تكون هي أوجه اللغات، أو تعني القراءات على سبيل الاتساع، وفي هذا الاتجاه اقترب ابن الجزري من رأي ابن قتيبة، ولم يعب عليه سوى أمرين :
أولا : تمثيله "بطلح نضيد" وطلع نضيد، إذ لا تعلق لهذا المثال باختلاف القراءات، ثم قال :"ولو مثل، عوض ذلك بقوله :"بضنين" بالضاد، و"بظنين" بالظاء، أو "وأشد منكم" و"شد منهم" لاستقام، وطلع بدر، حسنه في تمام.
ثانيا : أخذ ابن الجزري إهمال أكثر أصول القراءات كالإدغام والإظهار، والإخفاء، والإمالة، والتفخيم، وبين بين، والمد والقصر، وبعض أحكام الهمز، كذا الروم والإشمام، وكلها من اختلاف القراءات تغاير الألفاظ مما اختلف فيه أئمة القراء وبين ابن الجزري بأوجه التقارب بينه وبين آراء أبي الفضل الرازي، وهي أيضا قريبة من مقالة ابن قتيبة.
وفي محاولة ابن الجزري لتفسير هذا الحديث الذي قال : إنه استشكله، وأمعن النظر والتفكير فيه مدة نيف وثلاثين سنة حتى فتح الله عليه بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله، وقبل عرض ملخص آرائه، نذكر أنه حرص على وضع ضوابط منهجية حصرها في عشرة أسئلة وهي :
أولا : ما هو سبب ورود الحديث؟ وأوضح أنه التخفيف على أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أمة أمية لا تطيق القراءة على حرف واحد.
ثانيا : ما معنى الأحرف؟ وقال إن أهل اللغة يقولون : إن حرف كل شيء طرفه، ووجهه، وحافته وحده وناحيته، والقطعة منه، ثم ذكر تفسير الحافظ أبي عمرو الداني.
ثالثا : ما المقصود بالأحرف هنا؟ وفي هذا السؤال ورد استعراضه لآراء من قبله، وبين رأيه هو الذي سنذكره فيما بعد.
رابعا : ما وجه كونها سبعة لا أقل ولا أكثر؟ فاعترض على كون أصول قبائل العرب تعود إلى سبعة، وعلى أن اللغات الفصحى سبع، وذكر رأي من يعتقد أنها للتعدد لا للحصر، وهو رأي ابن عيينة والطبري، ويقول ابن الجزري، إنه جيد لولا أن الحديث صريح في تحديد العدد، ثم بين رأيه كما يلي :
يقول ابن الجزري :"ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكر فيه وأمعن انظر من نيف وثلاثين سنة حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله، وذلك أنني تتبعت القراءات : صحيحها وشاذها، وضعيفها ومنكرها، فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها.
الأول : اختلاف في الحركات بلا تغير في المعنى أو في الصورة : نحو البخل – ويحسب.
الثاني : اختلاف في الحركات يؤدي إلى  تغير في المعنى دون الصورة مثل " فتلقى ءادم من ربه كلمات"، واذكر بعد أمة، أو أمة.
الثالث : اختلاف في الحروف بتغير المعنى لا الصورة : نحو تبلوا وتتلوا، وننجك ببدنك، وننجيك.
الرابع : اختلاف في الحروف بتغير الصورة لا المعنى  نحو : بسطه، وبصطه، والسراط والصراط.
الخامس : تغير المعنى والصورة : مثل : "أشد منكم"، وأشد منهم، ويأتل ويتأل، فامضوا إلى ذكر الله.
السادس : التقديم والتأخير، نحو فيقتلون ويقتلون، وجاءت سكرة الحق بالموت.
السابع : الزيادة والنقصان : نحو وأوصى، ووصى، والذكر، الأنثى.
وأما أصول القراءة فيرى أنها ليست من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى، ولئن فرض فيكون من الأول.
خامسا : على أي شيء يتوجه اختلاف الأحرف السبعة؟ وأكد ابن الجزري أن هذا الاختلاف يتجه إلى أنحاء ووجوه، مع سلامته من التضاد والتناقض، وقد يأتي لبيان، حكم مجمع عليه كقراءة سعد بن أبي وقاص :"أوله أخ أو أخت من الأم"، ومنها ما يرجح حكما اختلف فيه، مثل "تحرير رقبة مومنة" في كفارة اليمين، ومنها ما يكون للجميع بين حكمين مختلفين مثل "حتى يطهرن"، و"حتى يطهرن". ومنها ما يكون مفسرا أو موضحا للحكم أو معنى اللفظ مثل "فامضوا إلى ذكر الله" و"الصوف المنفوش".
سادسا : على كم معنى تشتمل هذه الأحرف السبعة؟
وقال: "إن معانيها من حيث وقوعها وتكرارها شاذا وصحيحا لا تكاد تنضبط، ولكنها ترجع على معنيين :
أولا : ما اختلف لفظه واتفق معناه مثل اهدنا وأرشدنا، والعهن والصوف، وزقية وصيحة، كما مثل في الحديث هلم وتعال، وأقبل.
ثانيا : ما اختلف لفظه ومعناه، نحو : قل، وقال :"واتخذوا" و"اتخذوا" ونحوه، وبقي ما اتفق لفظه ومعناه مما تتنوع صفة النطق بالمدات ونحوها مما يعبر عنه بأصول القراءات، وهنا خطأ ابن الحاجب في قوله : إن السبعة متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتحقيق الهمز ونحوه.
سابعا : هل هذه السبعة متفرقة في القرآن :
لاشك عند ابن الجزري أن هذه الأحرف متفرقة في القرآن، وقال : بل وفي كل رواية وقراءة، فمن قرأ ولو ببعض القرآن بقراءة معينة اشتملت على الأوجه المذكورة (في الاختلاف) فإنه قد قرأ بالأوجه السبعة دون أن يكون قرأ بكل الأحرف السبعة، وذكر قول الداني : إنها لست متفرقة في القرآن كلها، ولا موجودة في ختمة واحدة، بل بعضها، فإذ قرأ القارئ بقراءة أو رواية فإنما قرأ ببعضها لا بكلها، وقال إنه صحيح على ما أصله أن الأحرف هي اللغات المختلفة، ولا شك أن من قرأ برواية فلن يمكنه أن يحرك الحرف ويسكنه في حالة واحدة.
ثامنا : هل المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة؟
ويقول ابن الجزري : إنما مسألة كبيرة اختلف فيها العلماء :
1 – فذهب جماعات منهم إلى أنها مشتملة عليها، لأنه لا يجوز على الأمة أن تسهل نقل شيء مما نزل به القرآن، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف وترك ما سواها.
2 – وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين على أن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم متضمنة لها لم تترك حرفا منها.
وأيد ابن الجزري هذا الرأي الأخير قائلا : إن العرضة الأخيرة ما كان في المصاحف التي كانت تتضمن حروفا لم تدون في العثمانية، واحتج على ذلك بحديث زر بن حبيش عن ابن عباس الذي سأل زرا "أي القراءتين تقرأ؟ قلت : الأخيرة. ثم ذكر أن الصحابة رضوان الله عنهم جردوا المصاحف من النقط والشكل ليحتمل ما لم يكن في العرضة الأخيرة مما صح عن النبي سنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولتكون الدلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ على المعنيين المعقولين المفهومين، إذ لم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم ولا يمنعوا من القراءة به.
ورد ابن الجزري على حجة أهل القول الأول برأي الإمام محمد بن جرير الطبري، إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزا لهم ومرخصا فيه، وقد جعل لهم الاختيار في أي حرف قرأوا به، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك، وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، وليس فيما فعلوا ترك واجب ولا فعل محظور.
تاسعا : هل القراءات التي يقرأ بها اليوم في الأمصار جميع الأحرف السبعة أم بعضها؟
يقول ابن الجزري : إن الجواب على هذه المسألة ينبني على ما تقدم في السؤال الثمن، فمن يرى أنه لا يجوز للأمة ترك شيء من الأحرف السبعة يدعي أنها مستمرة أقل بالتواتر إلى اليوم، وإلا تكون الأمة جميعا عصاة مخطئين في ترك ما تركوا منه، وكيف وهم معصومون؟ ويدفع ابن الجزري هذا الرأي بحجة أن القراءات المشهورة اليوم بالنسبة لما كان مشهورا في الأعصار الأول قل من كثر. ونزر من بحر. ثم بسط القول في جميع القراءات ورواياتها وطرقها واختلاف القراء فيها وعددها، فذكر أن الحافظ الداني له في كتاب جامع البيان أكثر من خمسمائة رواية وطريق، وأن أبا القاسم عيسى بن عبد العزيز الأسكندري ألف كتابا سماه الجامع الأكبر والبحر الأزخر يحتوي على سبعة آلاف رواية وطريق، وكل هذه الروايات لا ينكرها احد، إلا ما كان من ابن شنبوذ الذي خرج عن المصحف العثماني، أو عن ابن مقسم العطار الذي أجاز القراءة بما وافق المصحف من غير أثر.
ثم أورد في هذا الفصل قول أبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي في رد شبهة الأغبياء الذين اعتقدوا أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع المختارة في كتاب ابن مجاهد :"إن الناس إنما ثمنوا القراءات وعشروها وزادوا على عدد السبعة الذين اقتصر عليهم ابن مجاهد لأجل هذه الشبهة، ثم قال أبو الفضل: وإني لم أقتف أثرهم تثمينا في التصنيف أو تعشيرا أو تفريدا إلا لإزالة ما ذكرته من الشبهة، وليعلم المراعي في الأحرف السبعة المنزلة عددا من الرجال دون الآخرين، ولا الأزمنة والأمكنة، وإنه لو اجتمع عدد لا يحصى من الأمة، فاختار كل واحد منهم حروفا بخلاف صاحبه، وجرد طريقا في القراءة على حدة في أي مكان كان، وفي أي أوان أراد بعد الأئمة الماضين في ذلك بعد أن كان ذلك المختار بما اختاره من الحروف بشرط الاختيار لما كان بذلك خارجا عن الأحرف السبعة المنزلة بل فيها متسع إلى يوم القيامة".
وبعد رأي الرازي أوضح ابن الجزري شرط اختيار الطريق بما نقل عن الإمام موفق الدين أحمد بن يوسف الكواشي الموصلي. القائل في أول تفسيره التبصرة: وكل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبعة المنصوص عليها ولو رواه سبعون ألفا، مجتمعين أو متفرقين، فعلى هذا الأصل بنى قبول اللقاءات عن سبعة كانوا أو عن سبعة آلاف، ومتى فقد واحد من هذه الثلاثة المذكورة في القراءات فاحكم بأنها شاذة.
وهذه الشروط الثلاثة هي التي نظمها ابن الجزري في طيبة النثر، بقوله:
وكل ما وافق وجه النحو
            وصار للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن
               فهذه الثلاثة الأركان
ولقد سمى هذه الشروط أركانا وضوابط وغيرها بقوله : كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها بل هي من الأحرف السبعة، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة أم عن غيرهم، ومتى اختل ركن من هذه الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سوء أكانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم، وهو رأي الأئمة، مثل أبي عمرو الداني ومكي، والمهدوي وأبي شامة.
عاشرا : ما حقيقة اختلاف هذه السبعة الأحرف وفائدته؟
فيؤكد أن الاختلاف ليس باختلاف تضاد أو تناقض، لأنه محال، فقد قال تعالى :"أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".
ثم يعود إلى طبيعة هذا الاختلاف في القراءات ليبرهن أنه تنوع وليس بتناقض أو تضاد، قائلا : إنه لا يخلو من ثلاثة أحوال.
أحدها : اختلاف اللفظ، والمعنى واحد، مثل : الصراط، ويحسب، مما يطلق عليه أنه لغات فقط.
ثانيها : اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد، مثل ملك – ومالك، وننشرها وننشزهما. بالراي والزاي، والمراد بهما العظام، والله أنشرها أي أحياها.
وأنشزها أي رفع بضعها إلى بعض فالتأمت.
ثالثها : اختلافهما مع امتناع اجتماعهما في شيء واحد : مثل :"وظنوا أنهم قد كذبوا" بالتخفيف والتشديد، فبالتشديد يظن الرسل أن قومهم كذبوهم، وبالتخفيف يظن المرسل إليهم أن الرسول قد كذبوهم، والظن في القراءة الثانية شك، ثم أعطى أمثلة أخرى تبين عدم التنافي في كل القراءات المختلفة.
أما فيما يتعلق بفائدة الاختلاف فيكرر أن سببه التهوين والتسهيل على الأمة، وبيان أسرار البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار وجمال الإيجاز، وتسهيل حفظه وتيسير نقله، وإعظام أجور الأمة في تتبع معانيه، واستخراج كمين أسراره والبحث عن ألفاظه وصيغه وإتقان تجويده، وظهور سر الله تعالى في تولي حفظه وصيانته.
وهكذا نرى أن المحقق ابن اجزري قد استوفى موضوع الأحرف حقه  وتناوله من جميع أنحائه، بعدما أمعن التفكير فيه عشرات السنين، واطلع على آراء من سبقه من العلماء، فاتسم بحثه بالشمولية في العرض، والتكامل في الجمع، والدقة في المنهج، ومع ما يشتمل عليه آراؤه من قيمة عليمة، فإنه لا يمتنع من إبداء ملاحظتين، وهما كونه.
أولا : في معرض الكلام عن حصر الأحرف في سبعة أوجه، تحدث عن اختلاف القراءات الصحيحة والشاذة والمنكرة والباطلة، ثم مثل ببعض الروايات التي تخالف الرسم العثماني، وفقدت لذلك أحد أركان الصحة. مثل "فامضوا إلى ذكر الله"، وهذا قد يوهم أنها من الأحرف السبعة، وأنه لا مانع من القراءة بها. وكذلك مثاله المثاني في التقديم والتأخير، وقد عاب هو نفسه على ابن قتيبة تمثيله "بالطلع المنضود".
ثانيا : لقد اعتقد أن الصحابة رضوان الله عليهم جردوا المصاحف من النقط والشكل قصدا ليحتمل الخط أوجه اختلاف الأحرف السبعة، زيادة على ما في العرضة الأخيرة التي شملها الرسم كلها، ولم يراع أن ما سوى العرضة الأخيرة قد نسخ، وأن ما نسخ قد رفع من الأحرف السبعة المنزلة : وعندما مثل لتحمل الرسم لمختلف القراءات في جوابه عن المسألة اقتصر على تحمل الخط للفظين فقط، كما أنه هنا لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الخط العربي، ومواصفاته العامة، أوان كتابة المصاحف العثمانية.

7 – خاتمـة :
قد يكون من أسرار حديث الأحرف السبعة أنه روي على "سبعة أحرف" فاتسعت معانيه لتتحمل كثيرا من الأقوال والآراء التي لم تستنفذ إلى الآن مضامينه ومراميه، حتى إن الإمام السيوطي الذي أورد فيه أكثر من ثلاثين قولا، أقر بنوع من العجز عن القطع في تفسيره النهائي، فعبر عن هذا العجز بقوله : إن المختار عنده أنه من المتشابه الذي لا يدري تأويله، ولعله تأثر في هذا الرأي بما  نسب لمحمد بن سعدان النحوي (4) الذي يقول :"إن هذا   الحديث مشكل لا يعرف له معنى وليس يدل على حكم ما"، غير أن هذا يخالف آراء مجموعة الأئمة التي استعرضنا، والتي بينت أن هذا الحديث يدل على معان كثيرة جدا، لا شك أن أغلب التفسيرات المذكورة لها قسط وافر من الصحة والصواب.
وفي الختام نقدم ترتيبا ملخصا ومختصرا لآراء أئمة القراءة مع الاقتصار في التمثيل على القراءات المتواترة، مع مراعاة المقصد في الحديث المتفق على أنه التخفيف على الأمة حسب طلب نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام، وذكر عجزهم عن القراءة على حرف واحد وورود بعض الروايات في الحديث عن ثلاثة أحرف، والاتفاق على سبعة أحرف يدعو إلى المحاولة بين الروايتين باعتماد ثلاث طرق لهذا التيسير المطلوب، وتتضمن اثنتان منها ثلاثة أوجه، والثالثة تتضمن وجها واحدا، وذلك.
الطريق الأول : ويكون التيسير لكل قبلية من العرب أن تتلو القرآن الكريم وفقا للغتها الخاصة بها، فتغتفر لها التغيرات التالية :
1 – اختلاف حركات بناء الكلمات وإعرابها، مثل، يحسب ويحسب، وسد، وسد، وسخريا وسخريا، وما هذا بشرا، وما هذا بشر."واتقوا الله الذي تساءلوان به والأرحام".
2 – أداء القراءة بلهجة القبيلة كالإدغام والإظهار، وبالإمالة وبالفتح، وبتحقيق الهمز بتسهيله والمد والقصر، والترقيق والتفخيم.
3 – إبدال حرف بحرف غيره : مثل وميكائيل، وميكال، والقيوم، والقيام، وإبراهيم، وما هو على الغيب بضنين، أو بظنين، وضئاء، وضياء.
الطرق الثانية :
الإذن بالتلاوة بكل قراء ثبت سندها، ولو اختلفت معانيها، وتشمل ثلاثة أوجه :
4 – الزيادة والنقصان : مثل "أو لم يروا، وألم يروا، إن الله الغني الحميد، " وإن الله هو الغني الحميد. ونحوهما، ولم يتسنه، ولم يتسن.
5 – التقديم والتأخير : فيقتلون ويقتلون.
6 – إبدال كلمة بكلمة غيرها : مثل ننشرها، وننشزها، وبينوا وتثبتوا يبشرهم، ينشركم.
7 – الطريق الثالثة : وقد تعني الترخيص في تلاوة الآي دون مراعاة موالاتها، بشرط أن لا تختم آية رحمة بلفظ العذاب أو العكس كما ورد في أحد متون الحديث.
وأخيرا، نلاحظ بعد استعراض مجمل روايات هذا الحديث، وأقوال العلماء في شرحه، ومحاوله إعادة ترتيب أوجهه، أنه لولا هذا الحديث المتواتر، لتعرضت الأمة لمشكلتين في غاية الصعوبة والإحراج. فإما أن يكون عليها أن تقرأ القرآن الكريم كله على حرف واحد في أصول قراءته وفرش حروفه، وهذا مستحيل بسبب تنوع لهجات لسان العرب الذي أنزل به القرآن، واختلاف ملكات القراء في النطق وصور الأداء، وإما أن يسلموا لوجود اختلاف في الكتاب المحفوظ، وهذا ينافي قوله تعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".
وهكذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز تعدد في أوجه القراءة، وضع فيه عن الأمة إصر حرج لا طاقة لها بتحمله، فهذا الحديث من معجزات حفظ القرآن، ومن مظاهر رحمة الله تعالى التي أنزلها على لسان نبي الرحمة، فتنوع حرف هذا الحديث ، واختلاف العلماء في فهمه يدل على سعة تحمله، وقد يوحي بأن حديث الأحرف السبعة، هو أيضا أوحي على سبعة أحرف. هـ

(1) – فضائل القرآن، ج:2  - ص :164.
(2) – تفسير القرطبي : ج16 – ص :149.
(3) – النشر في القراءات العشر، ج:1 – ص :30 وما بعدها.
(4) – يقول ابن النديم : إن محمد بن سعدان معلما للعامة، وأحد القراء بقراءة حمزة ثم اختار لنفسه ففسد عليه الأصل والفرع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here