islamaumaroc

طلب العلم فريضة على كل مسلم

  عمر بنعباد

العدد 322 جمادى 1 1417/ أكتوبر 1996

من الخصائص التي خص الله بها الإنسان، والمزايا التي أكرمه بها تمييزا له عن باقي الكائنات الحية، ميزة الأهلية والقابلية للتعلم والتلقي، وخاصية الاستعداد الفكري والنفسي للقراءة والكتابة، وذلك بفضل ما كرم الله به البشر، وزوده به من وسائل خاصة تتجلى في الخلقة الحسنة القويمة، وفي القوة العاقلة المفكرة، والذاكرة الواعية الحافظة، والحواس الظاهرة والباطنة، والإفصاح باللسان والبيان، وهي في نفس الوقت منة ونعمة من الله رب العباد، تستوجب الحمد والشكر لله عليها بجميع المحامد، مصداقا لقوله تعالى :" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" وقوله سبحانه :" والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون".
والإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا المصطفى الأمين، وأرسله به إلى الناس، كافة وللعالمين رحمة، وجعله أتم الشرائع وخاتمة الأديان، أبرز مكانة العلم وأهمية التعلم في حياة الإنسان، فأرشده ودعاه إلى طلب العلم والاستزادة منه، ورفع من شأن العلم وأهله، وأعلى من قدر العلماء والمتعلمين، وهي أهمية ومكانة بارزة تبدو من خلال نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، مثل قوله تعالى في سورة العلق :"إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم"، وقوله سبحانه في سورة طه، مخاطبا وتذكيرا لنبيه، وإرشادا وتعليما للأمة المحمدية :"وقل رب زدني علما"، وقوله جل علاه في إبراز مقام العلماء ومعرفتهم بالله، ومكانتهم عنده سبحانه :"إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :"طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وقال :"إن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب رضي بما يصنع، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب".
والعلم والمعرفة في المنظور الإسلامي نوعان :
علم ديني تعبدي يتعلق بعقدية المسلم ومعرفته لربه، وعبادته لخالقه، وهو فرض عين بالقدر الضروري لكل مسلم واللازم لتحقيق تلك الغاية الحميدة والهادف إلى تلقي ما لا بد منه من العلوم الشرعية وفروع الأحكام الفقهية في مجال العبادة والمعاملة والأحوال الشخصية وغيرها من المبادئ والأحكام الأساسية والأخلاق الفاضلة التي تجب معرفتها على كل مومن ومومنة، ويهتدي بها إلى كل خير وصلاح واستقامة، ويضل بواسطتها إلى كل سعادة في الدنيا والآخرة.
كما يشمل هذا العلم ويدخل فيه الأسس والمبادئ العامة في اللغة العربية وقواعدها وعلومها، باعتبارها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ومن مقومات كل بلد عربي ومسلم وعناصر شخصيته وهويته المتميزة، وباعتبارها لغة التراث الإسلامي الهائل الذي كتبه وألفه، وأنتجه وأبدعه علماء الإسلام في مختلف علوم الإسلام وفروع المعرفة والحضارة الإنسانية على مدى عصور الإسلامية الزاهرة، السالفة والحاضرة.
والنوع الثاني من العلوم في المنظور الإسلامي علوم أخرى تعتبر فرض كفاية يجب تعلمها وإتقانها ، وإجادتها وتحصيلها في حق فئة من الشباب المسلم المتعلم والدارس، وتتمثل في العلوم الإنسانية المتنوعة، الأدبية والاجتماعية، والاقتصادية والحضارية، والرياضية والفلكية، والطبية والتقنية، أو اللغات الأخرى، التي يحتاج إليها المسلم في التعامل الإنساني والتواصل البشري والحضاري، إلى جانب تكوينه الديني القويم.
ومما يرشد إلى ذلك، ويدل عليه الآيات القرآنية التي تدعو الإنسان إلى التأمل في ملكوت الله وكونه العظيم، وفيما يوجد فيه من كائنات ومخلوقات متنوعة عجيبة، ليهتدي الإنسان من خلالها إلى الإيمان والمعرفة، وليزداد به يقينا بمبدع الكون وصانعه ومنشئه على غير مثال، ويتعرف من خلال ذلك كله على أسرار هذا الكون الذي سخره الله الإنسان، وما أودع فيه من قوانين عجيبة، ويسره لينفع الإنسان وإسعاده، مصداقا لقول الله تعالى :"إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون"، وقوله سبحانه :"ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يملكهن إلا الله، إن في ذلك لآيات لقوم يومنون"، وقوله جل علاه :"وفي أنفسكم، أفلا تبصرون"، وذلك ما جعل بعض الحكماء يقول في إبداع الإنسان، واشتماله على عجيب الكون وعظيم قدرة الله :
أتحسب أنك جرم صغير       وفيك انطوى العالم الأكبر
وانطلاقا من المنظور الإسلامي للعلم والمعرفة، ومن خلال مفهومه الواسع ودلالته الواسعة، الشاملة لعلوم الدين والدنيا، ومن خلال ترغيبه في العلم وإرشاد أبناء الإسلام وأمته لتحصيله والتنافس في حلبته وميدانه الفسيح، وإبراز أهميته ومكانته، واعتباره نورا ينير السبيل للمرء في أمور دينه ودنياه، وفي شؤون حياته الخاصة والعامة، فإن ذلك يقتضي من أبنائه في كل بلد ومكان، صغارا وكبارا، شبابا وكهولا، إدراك هذه القيمة والأهمية التي أعطاها الإسلام للعلم وذويه على مختلف أنواعه وفروعه ومجالاته الإسلامية والإنسانية، واستحضارها بكيفية مستمرة، وخاصة في الحياة اليومية المعاصرة التي برزت في هذا القرن العشرين، وظهرت في منتصف العقد الأخير منه بزخم من شتى أنواع العلوم والمعارف الإنسانية، والدراسات الحديثة الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية، وبرزت بكيفية عجيبة وسرعة مدهشة في مجال المبتكرات العلمية والتقنية في كل الميادين، وأصبحت تطلع كل يوم صباح مساء على الإنسانية مبتكرات ومخترعات جديدة، متطورة ومتنوعة، تدعو إلى أن يفتح عليها الجيل الصاعد من الدارسين عينه وبصيرته، وتهيب بالأمة المسلمة إلى العمل على تكوين أبنائها وشبابها التكوين القوي المتين وتثقيفهم التثقيف السليم والهادف إلى الجمع بين التكوين الجيد المركز على الأخذ بالثقافة الإسلامية الأصيلة، والثقافة والعلوم الحديثة المعاصرة، حتى يتكون لدى أبناء البلد المسلم في كل قطر ومكان، ذلك الجيل المحافظ على عقيدته وأخلاقه المعتز بدينه ومقوماته، الأخذ بما يقتضيه العصر من تثقيف فكري ونظري، وتكوين تقني وعلمي يؤهله لخوض غمار الحياة المعاصرة ومواجهة متطلباتها الروحية والمادية، والنهوض ببلده وأمته في مشارف القرن الواحد والعشرين، ويكون خير خلف لخير سلف في العمل لدينه ودنياه، فنحن أمة أعزنا الله بالإسلام كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهو نهوض يتطلب ولا شك تكوينا علميا صحيحا، وتوجيها فكريا سليما وتثقيفا نظريا وعمليا متينا، ويقتضي بعث الهمم والأمل في النفوس، وتقوية الإرادة والعزيمة لدى الجيل المتعلم والدارس، سواء وسط أسرته أو مدرسته أو كليته أو مجتمعه، ويستلزم توعية الجيل الصاعد بأهمية الوقت وقيمته في حياة الإنسان، وبأنه كما يقال : الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك. (أي إن لم تنتفع به أضر بك، وعاد إلى الإنسان بالندم)، والوقت من ذهب، فهو العمر والحياة، وهو كنز ثمين ومعدن نفيس، تجب رعايته والمحافظة عليه، وصرفه فيما يعود على المرء بالخير من علم وعمل، فالعلم لا ينال بالكسل والخمول، ولا بالتهاون واستعذاب الراحة لكل فصل من الفصول، وإنما ينال ويدرك بالجد والمثابرة، والانكباب على الدرس والتحصيل والمطالعة، فقديما قيل :
لا ينال العلم بطال ولا كســل
               ولا ملول ولا من يألــف البشــرا
وإنما يناله فتى حازم فطــن
               استسهل فيه الصعب واستعذب السهرا
كما قيل :
إذا كان يلهيك حر المصيف
               وكرب الخريف وبرد الشتــا
ويلهيك حسن زمان الربيع
               فأخذك للعلم قل لي متــى؟
فخل الأماني وتسويفهـا
               فإن الأماني تغر الفتـــى?
وقيل :
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا
               ندمت على التفريط في زمن البــذر
وقيل :
دقات قلب المرء قائلة لــه
               إن الحياة دقائـــق وثــوان
وعسى أن يدرك الجيل المتعلم والدارس على مختلف المستويات هذه الحقيقة ويهتدي إلى هذه الميزة، وإلى مكانتها وأهميتها في حياة الأمة، فيعمل لها بعزم وحزم في حياته الخاصة والعامة، ليكون بعلمه وعمله، وبفكره وجسمه، ونشاطه عامل صلاح وإصلاح وتجدد، وليظل في الحاضر والمستقبل أداة بناء وعطاء وتشييد، ومحط آمال الأمة وعدتها، ويعرف أن العلم سلاح ذو حدين، أحدهما نافع والآخر ضار، فيأخذ الجانب العملي النافع، ويترك الجانب السلبي الضار، ويسهم بذلك في تنقية البيئة الإنسانية من التلوث المادي والمعنوي، ووقايتها من الانحراف الفكري والروحي والخلقي، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتتحقق الأماني والمكارم، وما ذلك ببعيد على ذوي العقول النيرة، والأفكار الواعية المتبصرة، وصدق الله العظيم إذ قال في كتابه المبين :"وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here