islamaumaroc

من معركة إيسلي إلى معركة تطوان

  عبد القادر زمامة

العدد 321 ربيع 1-ربيع 2/ غشت-شتنبر 1996

لم يكن المغرب في حدوده الجغرافية والتاريخية... وفي موقعه من تاريخ الحضارة والثقافة في إفريقيا... وفي إشرافه علة سواحل ممتدة على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنتيكي... ليسلم من مخططات التوسعات والمطامع، والمصالح البرية والبحيرة التي كانت تحرك دولاب السياسة الأروبية خلال القرن التاسع عشر الميلادي، والعقود الأخيرة من القرن الثامن عشر...!! 
وقد جدت في الأفق مستجدات بلورة هذه التوسعات والمطامع والمصالح... !وجعلت ساسة لندن وباريز ومدريد إذ ذاك ينصبون الجسور هنا وهناك ليحققوا أهدافا معينة تمليها ظروفهم وعلاقتهم بالآخرين.
فساسة لندن: يحملون راية السيادة والتفوق في مجالات البحار، وقد سبق لقواتهم البحرية أن احتلت «صخرة جبل طارق» سنة 1116هـ / 1704م، فهم بالمنطقة مهتمون، ومن أجل ذلك كونوا في الأسواق المغربية إيرادا وإصدارا، ومصالح واسعة الآفاق ليؤمنوا وجودهم العسكري في البوغاز... !
وساسة مدريد: كانوا في موقع من الهزائم والانتكاسات التي لحقتهم في مستعمرات لهم، كانت وراء المحيطات...! ويعملون جاهدين على تغطية ذلك بإظهار التصلب والقوة أمام جيرانهم... ولو بالاعتداء على المغرب بتوسيع منطقة الجيوب التي يحتلونها...
أما ساسة باريز: وقد كانوا يعانون من التقلبات لداخلية إذ ذاك، ما هو معلوم... فإنهم حققوا بعض مطامحهم في البحر الأبيض المتوسط يوم نزلوا بالجزائر سنة 1246هـ / 1830م.
وكان السلطان مولاي عبد الرحمن الذي عاصر القضية الجزائرية بسائر أبعادها، وانعكاساتها، كما عاصر عمه السلطان «مولاي سليمان» قبله عهد «نابليون» ومغامراته... يدرك مرامي المخططات الاستعمارية بيقظة وحذر وحضور فعلي. رغم الضغوط والتهديدات، ولا سيما منها ما يتعلق بقضية البحرية المغربية والأسطول البحري... ! 
وجاءت «معركة إيسلي» سنة 1260هـ / 1844م لتظهر جوانب من المخططات التي جعلت المغاربة على جميع مستوياتهم يفتحون عيونهم وأفكارهم، ويحركون أقلامهم وألسنتهم لمجابهة أوضاع تهدد كل شيء، ويعتزون به، ويحافظون عليه منذ قرون... !!
والباحث المتعمق في تاريخ هذه الحقبة وما تلاها يجد أن «معركة إيسلي» فجرت في المغرب طاقات فكرية ووطنية وأدبية، امتزج فيها التاريخ بالفقه والأدب، وانطلق الشعراء والكتاب والمفكرون على اختلاف عقلياتهم وثقافاتهم، يقدمون أنماطا من الإنتاج تستحق الاهتمام والدرس، لأنها تسجل ميلاد النهضة الفكرية والسياسية والأدبية، وتصور انعكاسات متنوعة نلمسها في هذه المؤلفات المتعددة التي عاصرت هذه المعركة، أو جاءت بعدها بقليل! 
والقاسم المشترك بين ما كتب بعد «معركة إيسلي» من المؤلفات المتعددة التي رفعت إلى السلطان مولاي عبد الرحمن، ثم إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، هو أن مؤلفيها، وجلهم من العلماء الأعلام، أخذوا يجابهون الوقائع الظرفية بتفهم، وإمعان نظر... وشعور بالمسؤولية الملقاة على عاتق رجال الفكر والسياسة، يفكرون في تجديد أساليب التعليم والإدارة والاقتصاد، وتنظيم القوات العسكرية وتدريبها لمجابهة القوات التي تهاجم المغرب في الحدود الشرقية والشمالية...
ولو عاش المؤرخ أبو القاسم الزياني المعروف بقلمه السيال، وذهنه المتوقد، وشاهد انعكاسات «معركة إيسلي» على المجتمع المغربي، والعلم والعلماء، والسياسة والسياسيين... لكتب بصراحته المعهودة ما يكون وثيقة متكاملة العناصر: الفكرية والسياسية والاجتماعية... كما كتب عن أزمات سابقة شاهدها، وشارك في كثير منها... !
والفاصل الزماني بين «معركة إيسلي» في شرق المغرب و«معركة تطوان» في شماله، لا يتعدى ست عشرة سنة... !!
فقد استغل حادث على الحدود بين «سبتة» من جهة، وقبيلة «لنجرة» من جهة أخرى، ليكون سببا في القيام بهجوم كان يستهدف مدينة «تطوان»...
ومن دون أن تدخل في التفاصيل، فقد كان احتلال تطوان سنة 1276هـ / 1860م حادثا خطيرا، اهتزت له أرجاء البلاد، وجثم على صدرها أكثر من سنتين، بذل فيهما المغاربة من الدماء والدموع والأموال، ما لا ينساه تاريخ المغرب الحديث... !
وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان يجابه المعركة في عدة واجهات: عسكرية وسياسية وديبلوماسية، مستعينا بعدة شخصيات لها رأي ووزن وتجربة... مما جعل المؤرخين والمحللين يتابعون أعماله في قضية تطوان بإعجاب وإكبار... !دفاعا عن الكرامة المغربية.
ولقد كان المؤرخ المغربي أبو العباس الناصري مؤلف كتاب «الاستقصا» أيام قضية تطوان يبلغ من العمر ستا وعشرين سنة، وتابع أخبارها كما تابع انعكاساتها على المجتمع المغربي في سائر الميادين... فلذلك كتب عنها بروح وطنية، واعية أبعادها، كما كتب عن السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، والشعب المغربي من ورائه، ما يعد في مقدمة وثائق هذه القضية... !
ولا ننسى المؤرخ المرحوم الأستاذ محمد داود الذي خصص لهذه القضية جزءين كبيرين من «كتابه»... تبلغ صفحاتهما ما يقرب من ألف صفحة... !!
جمع فيها من الوثائق والأحداث والأخبار والشخصيات والمواقف الداخلية والخارجية المتعلقة بقضية تطوان... ما بعد فريدا في وثائق الأحداث التاريخية... !!  
ولعل هناك دينا على المؤلفين والباحثين في تاريخ المغرب الحديث أن «يجمعوا» كل ما كتب عن «معركة إيسلي»، و«قضية تطوان» بأقلام مغربية، وفيه أصناف وأنواع، وقضايا متنوعة، وأشعار من المنظوم والملحون. جمعت الغث والسمين، والرخيص والثمن.
وبذلك تدرك الأجيال اللاحقة أن الفكر المغربي، والأدب المغربي، والوجدان المغربي، كانت كلها تتحرك وتتطلع إلى تجاوز محيط الجمود والخمول، وإلى آفاق اليقظة والتجديد والابتكار، والحذر من التحديات الزاحفة.
ولا سيما إذا أعقب مرحلة «التجميع» مرحلة الدراسة والتحليل ولنقط والربط بين أفكار الذين عاصروا معركتي: «إيسلي» و «تطوان» وأفكار الذين جاؤوا بعدهم وأسهموا بأفكارهم وأقلامهم وتضحياتهم في سبيل إقامة معالم المغرب الحديث...!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here